حسن البنا والإخوان بين سطور مذكرات جمال البنا

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
حسن البنا والإخوان بين سطور مذكرات جمال البنا


جمال البنا تلك الشخصية التي تركت جدلا كبير بين المفكرين والعلماء لما أتى به من أراء لا تتوافق مع تعاليم الشريعة الإسلامية، واجتهادات تتنافى مع ما جاء في مقاصد الفقه، على الرغم من كونه ربيب بيت علم حيث كان والده الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا

والذي رتب مسند الإمام أحمد بن حنبل، وخرَّج أحاديثه، وشرح ما يحتاج إلى بيان وسمّاه (الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني) في اثنين وعشرين جزءاً كبيراً، وأخوه الأكبر هو الأستاذ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين وأحد الذين تركوا بصمات وأثر في القرن العشرين بفكره وجماعته.

جمال البنا الذي ولد في 15 ديسمبر 1920م، بالمحمودية مع بقية إخوته حسن البنا وعبدالرحمن وعبدالباسط ومحمد وإخوته البنات، قبل أن ينتقل مع أسرته للعيش في القاهرة، غير أنه الوحيد الذي شذ عن باقي أسرته في فهم الإسلام على حقيقته

وتبني المنهج الليبرالي والعلماني في فهم والتزام تعاليم الإسلام فخرج بفتاوي مثيرة مثل شرب السجائر في نهار رمضان لا يفطر خصوصا لغير القادرين عن الإقلاع عنه، كما يرى أحقية المرأة في إمامة الرجال في الصلاة إذا كانت أعلم منهم بالقرآن، ويرى أن الحجاب ليس فرضا إلا لنساء النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن الارتداد عن الإسلام لليهودية أو المسيحية لا يلزم عليه حد القتل وغيرها من الآراء الفقهية التي يعتبرها بعض العلماء مخالفة لما يرونه "إجماع في الكتاب والسنة".

غير أن في هذا البحث لن نقف على شخصية جمال البنا ولا حياته ولا أراءه الفقهية، لكننا سنغوص بين سطور مذكراته لنتعرف على بعض الكلمات التي تحدث فيها عن أخيه الأكبر حسن البنا وجماعة الإخوان، على الرغم من كونه لم يكن أحد أعضاء الجماعة بل يخالف فكرها ومنهجها بحسب - وجهة نظره

لأن اهتماماتي الفكرية والثقافية كانت أوروبية حديثة وعلمانية كما يقولون، وأدت بي إلى نوع من العزوف عن الإخوان، وكانت لي تحفظات على فكرهم بالنسبة للمرأة أو حرية الفكر أو الفنون والآداب، وبحكم علاقتي الوثيقة مع الشقيق الأكبر فقد كنت في بعض المناسبات أذكرها له، وكان يصغى إليها ولا يجيب. (1)

يعتبر جمال البنا أخيه الأكبر حسن هو الأب الروحي له، إلا أنه لم يقتفي أثره أو أثر أبيه في تسخير علمه لخدمه الدين بقدر ما جاءت أفكاره لتحدث ثقوبا في جدران الفكر الإسلامي.

غير أنه كانت له وجه نظر أخرى في أخيه حسن البنا الذي نرى كثير من الكتابات والأحاديث تحاول أن تجعل حسن البنا في خندق وأخيه جمال في خندق أخر وأنهم كانوا على شقاق لغضب حسن البنا من عدم التحاق أخيه جمال بالإخوان

حيث فند الكاتب جمال البنا هذه الأقاويل وأن علاقته بأخيه حسن فوق كل اعتبار لاعتباره الأب الروحي له، ويزيد قولا أن البنا لم يكن في يوما من الأيام ديكتاتوري، وهو ما يفند كثير مما يقال عن حسن البنا من كونه كان يدير الجماعة بديكتاتورية

فيقول:

وعلاقتي بشقيقي حسن كانت رائعة على عكس ما يردد أنه كان يحبسني ويضربني، من أجل الانضمام لجماعة الإخوان، فحسن كان مرشد الإخوان، ومرشدي أنا أيضا، رغم أننى خارج الإخوان، ولم يكن يتدخل للتأثير على قراراتي، فلم تكن تدار أسرتنا بالشكل الديكتاتوري سواء من الوالد أو من الأشقاء، بل على العكس كان دائما بيننا جميعا نوع من احترام الإرادة الشخصية. (2)

وعلى الرغم من أن حسن البنا مات منذ عام 1949م إلا أن جميع الكتاب العلمانيين واليساريين لم يهدأوا من كيل الاتهامات له ومنها أن البنا لم يقبل الرأي الأخر، وأن جماعته سارت على دربه في عدم قبول الأخر، واخذ كل واحد منهم بكلمات منمقة يلى الحقائق ليا، لكني اترك الكاتب جمال البنا يجيب على هؤلاء – وهو الذي وصف نفسه في جميع كتاباته أنه كان وظل معارضا لحسن البنا وجماعته – بأن حسن البنا كان رجلا منفتحا على الجميع متقبلا جميع الآراء، متعاونا مع الجميع

فيقول جمال البنا:

فأصدرت كتابا صغيرا حمل اسم: "على هامش المفاوضات"، وحصل "حسن" على نسخة منه، وتوافق صدوره مع سلسلة من المقالات كان يكتبها، وتنشر له عن "المفاوضات"، فقرأ الكتاب بشكل جيد جدا، وقال لي الشيخ خياط عبدالعزيز الخياط، الذى كان وزيرا للأوقاف آنذاك، إنه أثناء اجتماع للمرشد - أي حسن - مع أعضاء الجماعة - وكان هو بينهم - مسك "حسن" كتابي "على هامش المفاوضات"، وقال لهم جميعا تعلموا السياسة من هذا الكتاب ومؤلفه، فمن حينها عرفت أنه رغم اختلافنا الفكري إلا أنه يحترم آرائي وكتاباتي. (3)

كما يتطرق في مذكراته إلى اهتمام الإخوان بدعوتهم وحرصهم على نشرها وسط الناس وتضحيتهم بجزء من أوقاتهم وأموالهم في سبيل الخروج إلى الشوارع والمساجد لنشر فكرهم

فيقول:

وأذكر ذات مرة اجتمعت جميع شُعب الإخوان المسلمين من البلاد، وكانت إمكانيات الجمعية لا تسمح بالحجز في الفنادق، فقرر إخوان القاهرة أن كل أخ يستضيف في منزله عددا من الضيوف بقدر إمكانياته إلى أن يتم توزيعهم جميعا.
وكان الإخوان كل صباح يجتمعون في أحد المنازل، ويخرجون سويا لنشر الدعوة وزيارة بعض الأماكن، وأذكر مرة سمعنا أنهم سيذهبون إلى الهرم فطلبت من الشقيق عبدالباسط، رحمه الله، أن يصطحبنا معه أنا وفوزية، لأننا كنا أطفالا، ولن يسمح أحد لنا بالذهاب، وبالفعل اصطحبنا، وكنا نسير في المقدمة تحت العلم، وكان الشقيق عبدالباسط يقف أمام المقاهي والأماكن المزدحمة، ويهتف بأعلى صوته "الله أكبر ولله الحمد.. جمعيات الإخوان المسلمين بالقطر المصري تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر"، ويتكلم عن الدعوة، وكان يرتدى ملابس الجوالة.
أما طريقة المواصلات، فكانوا يركبون المواصلات العادية، فلم تكن عندهم سيارات خاصة، فيذهبون إلى أول محطة ترام أو أتوبيس ويركبون عربة أو اثنتين حسبما يتيسر لهم. (4)

ويؤكد هذا الأمر في موضع أخر بقوله:

أننى كنت أعاون شقيقي "حسن" في بعض أعماله، فكان يطبع مجلة الإخوان المسلمين، وكنت أساعده في توزيعها أمام مسجد "مصطفى فاضل"، فأجلس بجوار باب المسجد في صلاة الجمعة، لأكون أول من يخرج بعد الصلاة وأوزع الأعداد على المصلين.
وكان "حسن" يكافح كفاحا مريرا من أجل دعوة الإخوان، وينفق كل ما معه على الجماعة، ولذا كان "دايما مفلّس"، وقد كنت الأكثر اتصالا به، مقارنة ببقية أشقائنا، وقد يرجع ذلك لأنني أصغرهم سنا، ولا يشغلني شيء سوى الكتابة والقراءة، وكان في شهر رمضان يمسكني المصحف ويطلب منى أن أسمع له كل يوم جزءاً من القرآن، وذات مرة تحدث معي حسن عن الشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا

قائلا:

"كان رشيد رضا تلميذا مخلصا لمحمد عبده يعاونه ويساعده، ويحصّل منه العلم، وبعد موت عبده أصبح رشيد رضا شيخاً كبيراً في فقه الحديث، وكان له أيضا ابن عم تلميذا له يعاونه ويساعده".

وكان يهدف من حديثه أن كل فرد يكون له تلميذ، وابن روحي، وأنه يريد أن أكون أنا ابنه الروحي، فالتزمت الصمت وفهم بذكائه أنني لن أكون الابن أو التلميذ، لأنني رفضت جماعة الإخوان، واطلاعاتي جميعها كانت أدبية بحتة، فلم أدرس في طفولتي في كتَاب، ولم أحفظ القرآن، ولم أحظ بتربية المحمودية مثل شقيقي "حسن وعبدالرحمن"، أي نستطيع أن نقول إن دراستي منذ الطفولة "مدنية" وبعيدة عن فكرة الدين. (5)

ونرى من خلال السطور في المذكرات حقيقة الإخوان التي حاول البعض أن يتهمها بأن نشأتها تمت تحت أعين الاستعمار، أو أنهم كانوا يتلقون الدعم من دول أجنبية.

كما يتأكد من كلمات الكاتب جمال البنا براءة الإخوان من كل هذه التهم التي يحاول العلمانيون واليساريون إلصاقها بهم، وأن نفقاتهم كانت من جيوبهم الخاصة، وكان مبدأ التكافل فيما بينهم هو السياج الذي أحاط أفراد هذه الجماعة.

ومع كل الحقائق الواضحة وضوح الشمس في كبد السماء إلا أن المعارضين للمنهج الإسلاميين سيظلوا ينكتون في الجراح على أمل أن ينهك الجسد وتزبل الوردة وينطفئ وهج وفكر الإخوان.

المراجع

  1. عماد سيد أحمد: جمال البنا : رفضت الانضمام لـ"الإخوان المسلمين" لأنني كنت أرى نفسى علمانياً المصري اليوم، 19/ 12/ 2010م
  2. السيد الحراني: مذكرات جمال البنا، دار أكتب للنشر والتوزيع، القاهرة، 2016م، صـ34.
  3. المرجع السابق، صـ43.
  4. المرجع السابق: صـ33.
  5. المرجع السابق: صـ40.