حسن البنا .. أغراض جمعية الإخوان ونظرته لشباب الإخوان
مقدمة
(الشباب هم عماد كل أمـة وأساسهـا، فهم قادة سفينة المجتمع نحو التقدم والتطـور، ونبض الحيـاة في عروق الوطـن، ونبراس الأمل المضيء، وبسمة المستقبل المنيرة، وأداة فعالـة للبناء والتنميـة..وحينما يغيب دور الشباب عن ساحـة المجتمع أو يُساء ممارسته، تتسارع إلى الأمة بوادر الركود و تعبث بهـا أيادي الإنحطاط وتتوقف عجلة التقدم)، كلمات وردت في كتاب دور الشباب العربي في التنمية المجتمعية، لتوضح مدى أهمية الشباب في أى مجتمعات.
ولقد الإسلام على أهمية تكوين الشباب وإعدادهم لحمل المسؤولية وأمانة التبليغ والدعوة، فكانوا هم الفاتحين، والعضد القويم لأركان الدولة المسلمة. على هذه المعاني عاش وتربي الإمام حسن البنا الذي استطاع أن يكون جماعة وهو ما زال في ريعان شبابه وأصبح لها دورها وأهميتها في المعادلة السياسية والحياتية.
كون حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين (التي رغم مرور أكثر من 90 عاما مثار إهتمام الأنظمة العربية والإسلامية والدولية وجميع المراكز البحثية دراسة وتحليلا كلا حسب ما يريد) وهو ابن 22 عاما وحجز لنفسه مكانا وسط الزعماء السياسيين والعلماء الدينيين والمصلحين الاجتماعيين والنفسيين، وثائرا على رأس الثائرين للمطالبة بتحرير الوطن الحزين، وكاتيا ومفكرا وناقدا حتى ضاق به الغرب والشرق فكان لابد أن يغيب وجماعته، إلا أنه غاب وظلت جماعته وأثره من بعده تنتشر وتتمدد في أرجاء العالم بفكر وسطي قويم.
وضعت حياة وتصرفات وكتابات الشيخ حسن البنا تحت مجهر مكبر من كل المؤسسات والمراكز البحثية الحكومية وغير الحكومية، وظلت أفكاره مثار دراسة وتحليل من الجميع لمعرفة رؤية وفكر هذا الرجل وجماعته التي ورثت إرثه من بعده.
لقد كان حسن البنا واضحا حينما تحدث عن جماعته، وكان مؤمنا بهمة الشباب فحمل على عاتقهم أمانة هذه الدعوة، بل كان يثق فى أرائهم وعمل على حسن صناعة قادة منهم، وحملهم أمانة القيادة والعمل.
لم يكن حسن البنا استبداديا أو متمسكا بالقادة الكبار المحيطين به فحسب، بل كان أول من نصب أعضاء بمكتب الإرشاد من الشباب وطلاب الجامعة، لغرس الثقة فيهم، وتدريبهم لادراكه أن الكبير لابد له من يوم لا يستطيع فيه العطاء وأن الأمر سيؤول إلى هؤلاء الشباب فلابد من حسن تربيتهم وإعدادهم، وهو ما ثار على نسقه كثير ممن حمل الأمانة بعده كالأستاذ عمر التلمساني وغيره.
أغراض جماعة الإخوان في كتابات البنا
لم يتوقع المحتل الإنجليزي وأذنابه من العلمانيين والشيوعيين أن تظهر حركة إسلامية قوية تعمل على توحيد المسلمين، وترفع راية الجهاد في وقت ظنوا أنهم قد نشروا ثقافة الدعة والخذلان في نفوس المسلمين، وأنشأوا لهم حركات عملت على احتواء المسلمين للسير تحت سياسة الغرب مثل البهائية والبابية والقاديانية، وهذا غير العلمانية والشيوعية.
في بداية الأمر ظن المحتل أن جماعة الإخوان المسلمين مثلها مثل الحركات الدعوية التي كانت منتشرة والتي انصب جل اهتمامها فقط على بعض الأمور الفقهية أو العقدية أو الصوفية إلا انهم اكتشفوا أنها حركة إسلامية تعمل في كل مناحي الحياة وتطالب بتطبيق تعاليم الإسلام في كل جزء من الحياة.
لم يختلف حسن البنا مع الجماعات الداعية للعمل الإسلامي بل سعي لدعمها وتشجيعها لأنها تقف على ثغرة من ثغور الإسلام والحياة
حيث يقول:
- تعددت الجمعيات الإسلامية وتعددت الأغراض وميادين الجهاد تبعًا لذلك، وكلها والحمد لله نافع مفيد يعود على الإسلام والمسلمين بالخير والفائدة إن شاء الله، فكل هذه الجمعيات تعمل لنشر الثقافة الإسلامية، وتعمل لمحاربة الأمية، وتعمل لإنشاء الملاجئ والمشافى والمدارس، وتعمل للصدقة والبر والمساواة، وتعمل للوعظ والتذكير والمحاضرة، كل ذلك حسن وجميل نحب أن يكثر وأن يزداد وأن يؤدى إلى الغاية المقصودة منه. (1)
غير أنها أخذ عليهم بعض المآخذ التي دفعته لعدم الإندماج معهم في بوتقة واحدة وأنشأ جماعة الإخوان المسلمين ألا وهي التربية، لأن هذه الجماعات تدعو الناس دون تفقدهم بالتربية والمتابعة وهو ما تميزت به جماعة الإخوان
حيث يصف ذلك بقوله:
- ولكن الأمة الناهضة التى تطلب سبيل الحياة وبناء المستقبل فى أشد الحاجة إلى نوع آخر من أنواع العلاج والمجاهدة قد يكون أجدى الأنواع وأقرب السبل الموصلة إلى الغاية.
هذا النوع من أنواع العلاج هو "التربية" وصياغة نفوس الأمة على نسق يضمن لها مناعة خلقية قوية ومبادئ فاضلة ثابتة وعقائد صادقة راسخة، فإذا وفقت هيئة من الهيئات الإسلامية العاملة إلى هذه الناحية من نواحى الجهاد أفادت الأمة أكبر فائدة فى كل مظاهر نهضتها، ودلتها على أخصر طريق تتحقق بها آمالها وأمانيها.
ولهذه الغاية -أولاً- قامت جمعية الإخوان المسلمين، إنها تقوم بالدرس والمحاضرة، وتقوم بالتأسيس والإنشاء، وقد أبلت فى ذلك بلاء حسنًا، فقامت بإنشاء مساجد ومدارس ومصانع ومعاهد، ولكن الغاية الأولى أسمى من ذلك هى إنشاء النفوس وبناء صرح الأخلاق وتثبيت العقائد الصادقة التى تدفع إلى جلائل الأعمال. (2)
ويضيف:
- وحسب الأمة أن تكون مسلمة حقيقة، وأن تتعرف الإسلام الصحيح، وأن يكون الإسلام فى أنفسها عقائد مستقرة ومشاعر متمكنة لتكون المثل الأعلى فى الفضائل والكمالات. فليعلم الإخوان المسلمون أن هذه مهمة جماعتهم، وأن الغاية الأولى لهم تكوين نفوسهم على مبادئ الإسلام الصحيح، فكل من خالف هذه المبادئ فليس منهم فى شىء. (3)
ثم وضح صفات الأخ بدعوة الإخوان المسلمين، ووضع دستور لكل من يلحق بركب الإخوان، خاصة بعدما وضح أن الدعوة ربما يلتحق بها نفعي والمتردد الذي يخش الالتحاق بها أو التحق لكنه لم يؤمن بمبادئها الحقيقة.
كما أنه وضح أن الدعوة ستواجه الصعاب وأن سبيل من آمن بها أن يثبت فلا تأتى من جانبه أو يضعف لدنيا أو متاع، حيث يقول:
- ليس الأخ المسلم ذليلاً ولا مهينًا، ولا أنانيًا ولا شحيحًا، وليس خائنًا ولا كاذبًا، وليس جبانًا ولا رعديدًا، لا يخشى إلا ربه ولا يخاف إلا ذنبه، ولا يعمل إلا لله وحده، يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة، ولا يعطى الدنية فى دينه ولا الذلة من نفسه، فمن لم يكن كذلك فليس من جماعة الإخوان المسلمين، وعليه أن يعمل على تطهير نفسه أو يلتمس لها لونًا آخر من ألوان الجماعات. (4)
لم يقصر حسن البنا في توضيح أغراض جماعته التي أسسها، بل لم يترك فرصة إلا وتحدث عن أغراض جماعة الإخوان المسلمين وأهدافها. ففي عام 1946 كتب مذكرا الجميع بأهداف جماعة الإخوان، وأن أهدافها لم تتغير منذ اللحظة الأولى
فقال:
- هدف الإخوان المسلمون منذ نشأتهم أن يجددوا لهذه الأمة شبابها، ويبعثوا إليها مجدها، ويخلقوا روحا جديدا فى الجيل الجديد على أسس الإسلام، والإسلام كما عرفوه وآمنوا به نظام شامل لمختلف نواحى المجتمع، وبرنامج كامل يبنى الأمة على أقوم الدعائم، وأرقى المبادئ، وأروع المثل، كما يكفل لجميع العناصر والأديان حياة هانئة تحت ظلال العدالة، والإخاء، والمساواة، فهو كافل الحريات، وحامى الأقليات، ومحقق الإنصاف بين مختلف الطبقات.
- ولقد كان من البدهى أن يطبع الإسلام تابعيه على الحرية التامة، والعزة المطلقة فلا يرتضون ذلا فى الأرض ولا هوانا: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ "المنافقون: 8" (5)
ويؤكد على مهمة الإخوان في الإصلاح بقوله:
- ومهمة الإخوان المسلمين أن يردوا الأمة إلى أصول الإسلام، وأن يحرروا العقول والأفكار من هذا التعبد المخجل للأفكار الأوروبية البحتة. إن مدنية أوروبا ليست فيها من ناحية جمال إلا ناحيتها العلمية، وهذه لا يأباها الإسلام بل يحض عليها ويأمر بها، وما عدا ذلك فنحن فى غنى عنه وفى الإسلام خير منه لو كشف المسلمون عن أسراره وفهموه فهمًا صحيحًا. (6)
كانت معضلة حسن البنا مع الإنجليز وأتباع الرجعية أنهم لا يريدون للمفهوم الإسلامي الصحيح أن يفهمه الناس أو يعيشوا به خوفا على نفوذهم أو مناصبهم أو مستعمراتهم المهددة من قبل الشعب إذا فهم.
ولذا حارب الإخوان الساسة الذين رضخوا للمستعمر وأطلقوا الأماني للشعب لتخديرهم وتغيب وعهم، فكتب الإمام البنا يقول:
- أما نحن - معشر الإخوان المسلمين - فلن نقحم أنفسنا فى مجموعكم، ولن نزاحمكم مكانتكم ولن ننازعكم رياستكم، وقد أبيتم علينا سواء أكنتم فى الحكم أم خارجه أن نظهر بأية صورة على المسرح السياسى أو ننفذ من أى طريق مهما كان صحيحا سليما قانونيا إلى ميدانه الرسمى
- فرضينا صابرين وعملنا كوطنيين مجاهدين وسنقف فى صف هذا الشعب - ونحن أعرف بمكاننا منه - نوجهه ونسدده ونقوده ونرشده ونرقب معه ما أنتم فاعلون، فإن اجتمعتم وأحسنتم وجاهدتهم أيدناكم وناصرناكم وكنا لكم الفداء وإن أبيتم إلا الفرقة والخلاف، واتباع الأهواء
- وآثرتم القعود وممالأة الغاصبين والأعداء، فسنمضى وهذا الشعب معنا بإيمائه وبقينه ووطنيته ودينه وتنظيمه وتكوينه إلى الغاية مجاهدين، وفى سبيل الله والوطن مستشهدين، وندعكم مع القاعدين من المخلفين فإما إلى النصر وإما إلى القبر وكلاهما بركة وخير ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ "التوبة: 52" (7)
ويؤكد المعنى بقوله:
- وإن الإخوان المسلمين ليدركون واجبهم حيال الموقف من كل وجوهه تمام الإدراك وهم على استعداد للقيام به كاملا غير منقوص مهما كانت الظروف والتضحيات. (8)
كان حسن البنا يدرك أن الجماعة بأهدافها هذه ومبادئها ستتعرض للاضطهاد سواء من المحتل الغربي أو من أعوانه في السلطة بالعالم الاسلامي
ولذا جاءت كلماته معبرة عن هذا الواقع فقال:
- أيها المواطنون إن الإخوان المسلمين ليسجلون على الحكومة هذا الموقف الضعيف، ويسجلون على الإنجليز هذا الجحود، ولقد علمتنا التجارب أن الاستقلال والحرية ما كانت يوما من الأيام صكا يكتب أو اتفاقا يعقد، لا يشفى غلة ولا يطفئ أوارا، ويهيبون بالأمة أن تستعد لجهاد متصل عنيف، فليس للهوان بعد اليوم من سبيل. (9)
نظرة البنا لشباب الإخوان
اهتم الإمام حسن البنا بالشباب أيما اهتمام حتى أنه حينما اتصل به الشيخ طنطاوي جوهري يبلغه أن ثلة من شباب الجامعة يريدون الالتحاق بركب الإخوان قطع الإمام البنا زيارته للأسكندرية وعاد فورا ليجلس معاهم، بل وخصص لهم وقت خاص، وأقام لهم كتائب تربوية خاصة، بل زاد من الأمر أن اختار بعضهم كأعضاء في مكتب الإرشاد ومنهم الأستاذ محمد عبد الحميد أحمد.
وفي هذه الكلمات تعبير واضح عن وجهة نظر الإمام البنا لشباب الإخوان حيث قال فيهم:
- أيها الشباب: يخطئ من يظن أن الإخوان المسلمين (دراويش) قد حصروا أنفسهم فى دائرة ضيقة من العبادات الإسلامية، كل همهم صلاة وصوم وذكر وتسبيح؛ فالإخوان المسلمون لم يعرفوا الإسلام بهذه الصورة، ولم يؤمنوا به على هذا النحو، ولكنهم آمنوا به عقيدة وعبادة، ووطنًا وجنسية، وخلقًا ومادة، وثقافة وقانونًا، وسماحة وقوة، واعتقدوه نظامًا شاملاً يفرض نفسه على كل مظاهر الحياة، ينظم أمر الدنيا كما ينظم الآخرة.
- اعتقدوه نظامًا عمليًّا وروحيًّا معًا؛ فهو عندهم دين ودولة، ومصحف وسيف. وهم مع هذا لا يهملون أمر عبادتهم، ولا يقصرون فى أداء فرائضهم لربهم، يحاولون إحسان الصلاة، ويتلون كتاب الله، ويذكرون الله تبارك وتعالى على النحو الذى أمر به، وفى الحدود التى وضعها لهم، فى غير غلو ولا سرف، فلا تنطع ولا تعمق
- وهم أعرف بقول رسول الله صلى الله عليه وسلك: "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، إن المُنْبتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى"، وهم مع هذا يأخذون من دنياهم بالنصيب الذى لا يضر بآخرتهم، ويعلمون قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ "الأعراف: 32".
ويخطئ من يعلن أن الإخوان المسلمين يتبرمون بالوطن والوطنية؛ فالإخوان المسلمون أشد الناس إخلاصًا لأوطانهم، وتفانيًا فى خدمة هذه الأوطان.
ويخطئ من يظن أن الإخوان المسلمين دعاة كسل أو إهمال، فالإخوان يعلنون فى كل أوقاتهم أن المسلم لابد أن يكون إمامًا فى كل شىء، ولا يرضون بغير القيادة، والعمل، والجهاد، والسبق فى كل شىء: فى العلم، وفى القوة، وفى الصحة، وفى المال. والتأخر فى أية ناحية من النواحى ضار بفكرتنا مخالف لتعاليم ديننا.
ويخطئ من يظن أن الإخوان المسلمين دعاة تفريق عنصرى بين طبقات الأمة، فنحن نعلم أن الإسلام عنى أدق العناية باحترام الرابطة الإنسانية العامة بين بنى الإنسان. (10)
هذه بعض غايات الإخوان التي أوضحها الإمام البنا، والتي عمل على تربية أتباعه عامة والشباب خاصة عليها ليخرج أجيالا استطاعت بعد ذلك من تحرير أوطانهم قبل أن تقع في أيدي المستعمر العسكري المصري الذي منذ أن استولى على البلاد وهو يد الاستعمار الغربي على الشعب المصري والعربي والإسلامي.
المراجع
- جريدة الإخوان المسلمين: العدد (7)، السنة الأولى، 4 ربيع الثانى 1352ه- 27 يوليو 1933م، صـ21
- جريدة الإخوان المسلمين: العدد (7)، المرجع السابق.
- المرجع السابق.
- المرجع السابق، صـ22.
- جريدة الإخوان المسلمين: العدد (89)، السنة الرابعة، 7 ربيع أول 1365 - 9 فبراير 1946، صـ3.
- جريدة الإخوان المسلمين: العدد (47)، السنة الرابعة، 26 ذو الحجة 1355ه - 9 مارس 1937م، صـ1.
- جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (142)، السنة الأولى، 24 ذو القعدة سنة 1365 - 19 أكتوبر 1946، صـ1.
- جريدة الإخوان المسلمين: 19 من جمادى الأولى سنة 1365- 21 أبريل سنة 1946.
- جريدة الإخوان المسلمين: العدد (89)، السنة الرابعة، 7 ربيع أول 1365 - 9 فبراير 1946، صـ3.
- مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا: رسالة إلى الشباب، صـ467.