عثمان بن عبدالعزيز
مقدمة
لعب علماء الدين الإسلامي الذين يدعون (ملا) في كردستان، دوراً بارزاً وإ يجابياً في الحركة الوطنية التحريرية الكردية من حيث الولاء لها والانخراط فيها وقيادتها. والشيخ عثمان عبد العزيز واحد من أشهر علماء السنة في كردستان، ومؤسس الحركة الإسلامية فيها (حركة الإخوان المسلمين).
نشأته وحياته
هو الشيخ العلاّمة المفسر عثمان بن عبد العزيز بن محمد بن مصطفى البريسي (الشافعي المذهب) ، وكنيته (أبو إبراهيم)، ولد سنة 1340ه-1922م، في قرية (بريس العليا) وهي قرية أثرية قديمة تقع على بعد (12كم) غرب حلبجة وهي تابعة للمدينة في محافظة السليمانية قبل أن تصبح محافظة مستقلة.
من أسرة دينية وعلمية عريقة تنتسب حسب شجرة الأنساب المصدقة من قبل علماء المنطقة ومشايخها إلى الزاهد العابد (البير خضر الشَّاهُويِي) ، وهو مفسر ومحدث وفقيه وداعٍ وسياسي وقائد، وأمّه هي السيّدة (رابعة بنت الحاج السَّيد فتاح) من رؤساء السَّادات الميرعبدلية.
مسيرته العلمية
نشأ الشيخ عثمان في بيت علم ونبغ بين علماء أفاضل، فوا لده العلامة الشيخ عبد العزيز محمد البريسي ، كان من كبار العلماء والمدرسين في محافظة السليمانية ، ممن يشار إليهم بالبنان.
بدأ بالدراسة في مدرسة والده بـ(بريس)، فدرس القرآن الكريم، وتعلم الفارسّية ومبادئ النّحو والصَّرف والّلغة والتّجويد على يد والده وعند (الملا محمد والملا عصام الدين) ، ثُمَّ واصل دراسته في المدرسة نفسها عند والده المدرس المشهور الاستاذ عبدالعزيز فدرس قسمًا من الفقه والنحو والصّرف على يديه
ثم رحل إلى مدرسة ابن عمه الشَّيخ (الملا صالح الكبير) في قرية (تريفة) الواقعة في غرب حلبجة، والبعيدة عن مدرسة بريس بخمس كيلومترات؛ وبقى مدة هناك، وقرأ قسمًا كبيرًا من العلوم المتداولة في ذلك اليوم وفي خدمة الشَّيخ صالح، ثُمَّ عاد إلى مدرسة والده في قرية بريس لإكمال ما بقى من العلوم؛ وأخيرًا أخذ الإجازة العلميَّة عند والده الملا عبد العزيز البريسي رحمه الله سنة 1354ه-1935م في قرية بريس.
حياته العملية
بعد وفاة والده سنة 1378ه-1959م توجه تلقاء مدرسة الخال في محافظة السليمانية، لكي يشارك في الامتحانات النهائية، وكان من المتفوقين الأوائل في الامتحان، ثم عيّن إمامًا وخطيبًا وأسند إليه مسؤولية التَّدريس والتوجيه في مدرسة (بريس) نيابة عن والده؛ ولما أصدرت المديرية العامة للأوقاف سنة 1382ه-1962م؛
أمرًا بتأسيس ثماني مدارس في مناطق مختلفة من العراق باسم "المعهد الإسلامي"، كلّف الشَّيخ عثمان بإدارة واحدة منها في حلبجة سمي "المعهد الإسلامي في حلبجة"؛ عيّن الشيخ بعدها مديرًا لها. ويعد الشيخ بحرًا من العلم والمعرفة والثَّقافة، فقد كان له إلمام كامل بالعلوم الإسلامية كافة والتي كانت تعرف في ذلك الوقت بـ(العلوم الإثنتي عشرة)
وهي علم (الصَّرف،والنَّحو، والبلاغة، والمنطق، والفقه، وأصول الفقه، والتَّفسير، والحديث، وعلوم القرآن، وعلوم الحديث، والعقيدة، والفرائض)؛وكذلك كان من المتفوقين في علم الحساب وصرف معظم عمره في تعليم الطلبة، وتخرج على يديه جمع غفير من الطلبة الأذكياء وأخذ الإجازة العلمية منه أكثر من سبعين عالمًا، بالاضافة الى تدريسه في المعهد الاسلامي بحلبجة واشتغاله بادارة المعهد واستغرق نحوًا من خمسين عامًا يفيد المسلمين ويعلمهم معالم الدين.
نشاطه الدعوي والسياسي
إضافةً إلى الجانب العلمي فقد شارك الشيخ في نشاطات سياسية وتربوية وجماهيرية مختلفة وكان له حضور فعال في ندوات ومؤتمرات داخل العراق وخارجه. تعرف الشيخ عثمان على دعوة الإخوان المسلمين بالعراق ويعتبر مؤسس الحركة في كردستان
حيث يذكر أحمد كاكه محمود:
- في سنة 1954م زار مدينة حلبجة الشيخ محمد محمود الصواف مع وفد من علماء بغداد وكان على رأس الوفد أكبر عالم في العراق ... وهو الشَّيخ الفاضل العلامة الأستاذ أمجد الزهاوي (رحمه الله)، فاستقبلهم الشيخ عثمان عبدالعزيز وابن عمه الشَّيخ صالح عبدالكريم مع شيوخ المنطقة، فكان من ثمرة هذه الزيارة التحاق الشيخ عثمان والشيخ صالح والشيخ احمد كاكه محمود المعترك السياسي ليضع أول حجر في بناء الصّحوة الإسلامية في كردستان.
وفي سنة 1955 أصبح ملا عثمان عبد العزيز مسئولا للإخوان في كردستان العراق، وأبعد إلى الناصرية سنة 1959، واشترك في تأسيس الحزب الإسلامي العراقي سنة 1960، وقد ألقى كلمة في مؤتمر الحزب، تحت عنوان " جماعة الإخوان في السليمانية". وفي عام 1960م وأثناء تشكيل الحزب الإسلامي العراقي، عيِّن الشيخ ممثلا عن كردستان.
وفي عام 1968، اقترح الشيخ عثمان عبد العزيز وعلماء آخرون على الملا مصطفى البارزاني، الذي كان قائدا للأكراد ولثورة سبتمبر (أيلول) 1661، تأسيس اتحاد علماء الدين نتيجة تطرف الشيوعيين في تحديهم للدين الإسلامي.
وفي سنة 1987، ونتيجة للأعمال التعسفية والقمعية البعثية، أعلنت مجموعة من الأعضاء القدامى من الإخوان، وعلى رأسهم ملا عثمان عبد العزيز، التمر على الحكومة البعثية، وأفتوا بالجهاد ضد النظام البعثي، وبمناسبة يوم المولد النبوي الشريف عام 1987 أعلنت حركة الرابطة الإسلامية تغيير اسمها إلى :الحركة الإسلامية في كردستان العراق، ومرشدها ملا عثمان عبد العزيز، ورغم محاولة ملا عثمان تجميع الإخوان ضمن تنظيمه الجديد
محنته وهجرته
ركزت الأجهزة الأَمنية العراقية الخاصة نشاطاتها الإستخباراتية بشكل دقيق على يوميات العمل الإسلامي في كوردستان، وقياداتها وكوادرها وأنشطتها وكانت تجمع التقارير عنهم في ملف خاص بعنوان (الظاهرة الدّينيّة في حلبجة)
وأن معايير كتابة التقارير كانت مبنية على ملأ الأوراق وإرضاء ما فوقهم من المسؤولين، وما كانت تشترط الدقة والصداقة والنـزاهة في تلك التقارير بل تجد فيها كثيراً من الأخطاء والمخالفات أو تلفيق الأكاذيب ولاسيما فيما يتعلق بربط تلك النشاطات بالعدو الإيراني - حسب تعبيراتهم - نظراً لقرب الحدود الإيرانية، فالأهم في نظر السلطة في هذه المنطقة آنذاك، هو تسمية العدو وإن كان وهميا.
وقامت السلطة في منطقة حلبجة التي هي معقل العمل الإسلامي ومنبع العلماء والفقهاء بمحاربة الظاهرة الدّينيّة: منع دروس المساجد ومحاربة الحجاب والمظاهر الإسلاميَّة والتركيز على منع المدارس الإسلاميَّة في أداء دورها الريادي في التربية والتعليم والتجسس على المدرسين الإسلاميين.
ففي عام 1958م بتخطيط من الشيوعيين قدم الملا عثمان إلى المحكمة وخرج منها بريئا، وبقرار من حكومة عبد الكريم قاسم، نفي إلى مدينة الناصرية في جنوب العراق ثم عاد إلى موطنه بعد تسعة أشهر.
وفي ليلة 17 رمضان 1987م وبعد قصف نظام صدام حسين حلبجة بالكيماوي قام مشايخ حلبجة وعلى رأسهم فضيله الشَّيخ عثمان عبد العزيز والشيخ أحمد كاكه محمود وجمع من الشباب والدعاة بكسر الطوق الأمني المفروض على حلبجة والتَّوجه بصفة مهجرين مع أسرهم وما فيها من نساء وأطفال إلى الحدود العراقية الإيرانية حتى أن القوات الإيرانية أطلقت عليهم قذائف الهاون ظنا منها انهم جنود عراقيين.
واتجهوا صوب ناحية (ثلاث باباجاني) التابعة لقضاء (باوة) العائدة لمحافظة كرمانشاه. حيث توجد فيها مخيمات مؤقته لاستقبال المشردين والمهاجرين . وبعد هجرتهم بيوم شعر الناس برحيل هؤلاء العلماء والمشايخ وعلى أثرهم هاجر كثيرون من أهالي حلبجة وسيد صادق وشهرزور حتى وصلت أعدادهم إلى (11000) ألف مهاجراً تقريبا تم إسكانهم في المخيمات الإيرانية في منطقة باوه وكرمانشاه وسنندج في كوردستان إيران. واستمر في إيران حتى انتفاضة مارس (آذار) 1991م حيث قرر العودة مرة أخرى إلى كردستان.
صفاته
اشتهر الشيخ رحمه الله، بورعه وتقواه، وتواضعه، فلم يكن يأكل إلا من عامة طعام المجاهدين، وكان غالب جلوسه على الارض، وما انقطع عن تدريس العلم الى حين وفاته، وقد كان رحمه الله مداوما على قيام الليل مع تقدم عمره، بل لم يكن يطيق البقاء بلا وضوء ولو للحظة حتى وهو في مرض موته، وكان من يعرفه عن قرب يعجب من روحه الشابة النشطة التي يحملها بين جنبيه حتى ان المرء ليخجل من نفسه وهو يقارن نفسه به.
كما اشتهر الشيخ عثمان في كردستان بتفسيره الشهير للقرآن الكريم الذي يعتبر مرجعا نفيسا باللغة الكردية لفهم القرآن الكريم على منهج أهل السنة والجماعة والعقيدة الصحيحة.
من آثار ومؤلفاته العلمية
اتصف الشيخ عثمان بالتقوى والصلاح والكرم وحسن السيرة. وكان كثير المطالعة والقراءة، له حافظة قوية وحادة، وكان مع حفظه للقرآن الكريم يحفظ أكثر المتون في العلوم المختلفة، وآراء العلماء في فنون شتى. أقدم الشيخ عثمان على التأليف في مرحلة مبكرة من عمره، لذا فقد ترك الكثير من المصنفات والمؤلفات والبحوث والمقالات
- تفسير القرآن الكريم باللغة الكردية بعنوان (تةفسيرى قورئانى ثيروز-تفسير القرآن الكريم)
- شرح (صحيح البخاري) باللغة الكردية.
- (علوم القرآن): وهو باللغة العربية، كتبه الشَّيخ عثمان في أواخر حياته على غرار (البرهان في علوم القرآن للزركشي).
- (الأسئلة والأجوبة في أصول الفقه)، يتضمن هذا الكتاب مجموعة من الأسئلة كانت موجهة من قبل المرحوم الأستاذ (رشيد الخطيب الموصلي) موضوعة بحسب المنهج الذي قرره مجلس الأوقاف الأعلى للأئمة والخطباء؛ وكانت الأجوبة لفضيلة الشَّيخ عثمان.
- (سلسلة الفقه الإسلامي): بدأ رحمه الله في أواخر حياته بتأليف سلسلة فقهية بصورة مختصرة وسهلة، أكثرها باللغة الكردية؛ تتضمن مواضيع مهمة، وقضايا عصرية، ومشاكل تهمّ الساحة الكردية والمجتمع الكُردي.
- رسالة (بيدعةضيية؟) (ما البدعة؟) باللغة الكردية.
- (مناسك الحج باللغة الكردية) كتاب موجز مفيد عن الحج وآدابه
وفاته
ظل الشيخ على عمله من أجل دينه حتى توفي رحمه الله يوم الأربعاء 12 مايو 1999م الموافق 26 صفر 1420هـ في مدينة دمشق التي كان يزورها لغرض العلاج، وكانت جنازته من أعجب الجنائز التي شهدها الاكراد في تاريخهم وتؤكد محبتهم لعلماء الاسلام ورجاله المجاهدين وتمسكهم بدينهم
اذ رافقها الالاف من المسلمين في سوريا الى حدود كردستان، وفي كردستان شيع الجنازة مئات الالاف من الناس الذين خرجوا بصورة عفوية الى الشوارع وهم يستقبلون شيخهم ويحملونه على اكتافهم لاكثر من 500 كيلومتر، في مسيرة ضجت لها جنبات الطرق والمساكن والجبال بالتكبير والتهليل.
نقل جثمانه الى مسجد ابي النور الصلاة عليه في مجمع ابي النور بدمشق بمشاركة الشخصيات العلمية السورية ثم الى الحدود السورية العراقية وفي موكب رسمي وجماهيري كبير وعاد جثمانه الطاهر الى مدينته حلبجة في أكبر تشييع جماهيري ورسمي ودفن رحمه الله في مقبرة (كولان) قرب حلبجة.
المصادر
- نبذة مختصرة عن حياة الشيخ عثمان بن عبدالعزيز
- محسن بن محمد صابر جوامير: تاريخ تطور ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الكردية، 2022، صـ26، 27.
- محمد سيد نوري البارزاني، مستقبل الحركة الإسلامية في كردستان العراق، طـ1، أربيل 2006، صـ91.
- شيخ المجاهدن الأكراد عثمان بن عبدالعزيز رحمه الله، 15 ديسمبر 2002
- موقع الشيخ أحمد كاكه محمود: حياة الشيخ السياسية

