مي ملكاوي تكتب: جمعتهم السوداء وجمعتنا الدامية
على باب المول التجاري الضخم وقفت جموع هائلة منذ اللحظات الأولى للفجر، وبمجرد فتح الأبواب انطلقت الجموع كالرصاص باتجاه الأجهزة الإلكترونية والألعاب والتلفزيونات وغيرها فسقط منهم من سقط واشتبك منهم الكثيرون بشجارات دامية.. إنه يوم الجمعة الأسود أو (Black Friday) كما أرادته آلة التجارة العالمية.
وفي الجهة الأخرى من الأرض وفي يوم الجمعة كذلك كانت وقفت جموع أخرى من البشر من أجل هدف آخر وانطلقت باتجاه آخر محاولة الهروب من الموت بهجوم مسلح، فتناثرت الأجساد وصعدت الأرواح الى بارئها.. هو يوم الجمعة الأسود أيضاً كما أرادته الآلة السياسية العالمية.
في يوم التسوق المسمى بـ"البلاك فرايدي" والذي يأتي مباشرة بعد يوم الشكر (Thanks Giving) -المشكوك بحقيقة شُكره الحقيقي- يسهر المئات إن لم يكن الآلاف من الأمريكيين على أبواب المخازن التجارية في كل ولاية من ولايات أمريكا الشاسعة، من أجل شراء أشياء لا يحتاجونها فعلاً لكنها أصبحت مهمة بين يوم وليلة، يخططون للأمر ويدبرونه في مشهد سنوي أقل ما يمكن أن يسمى بالمقرف.
وعلى الرغم من أن الشراء لا يتوقف طوال أيام السنة، إلا أن هوس الاستهلاك يقنع الناس بأن الأسعار بالفعل تتغير في موسم الاعياد الذي يبدأ اعتباراً من شهر أكتوبر بالهالاوين وينتهي في شهر ديسمبر بالكريسماس ثم رأس السنة الجديدة، فيتهافتون على الشراء بشكل مثير للدهشة وكأنهم مخدرون أو مريضون، وبخاصة عندما نعرف أنهم صرفوا في العام الماضي فقط في يوم الجمعة الأسود قرابة 4 بليون دولار.
وفي هذا العام، صادفت الجمعة السوداء مع جمعتنا الدامية في سيناء، حيث سقط أكثر من مئتي مصلي على يد مسلحين لا تُعرف لهم وجوه ولا هويات، كأنهم جاؤوا فجأة من العدم ليقتلوا الناس بدماء باردة ويختفوا في غياهب الصحراء دون أثر، ألا يشبه هذا الهراء والضحك على عقولنا بالضحك على عقول البشر وتخديرهم بهوس الاستهلاك في البلاك فرايدي؟ فأي سخرية نعيش بها ولا يشبه الأمران بعضهما، لكنه في عُرف القوى العالمية يقف في المقياس نفسه، فلكل شعب من شعوب العالم طريقة خاصة بالتعامل، كلّ حسب نقاط ضعفه وثقافته وأسلوب حياته، وفي كل الأحوال المتضررون الوحيدون هم الطبقة الكادحة والفقيرة والبائسة، وإلا فلماذا لا يستهدف أغنياء العالم بالحروب الاستهلاكية أو بالحروب الدموية؟
في بلادنا العربية صارت الصورة أشد كتامة في كل شيء، الشعور بالأمان تتضاءل إلى حد لم يعد يستطيع فيه الناس التنبؤ بأي مستقبل قريب، وقلوبهم على وَجَلٍ دائم. وفي بلاد الغرب يشكو الإنسان من استنزاف كيانه وحياته في عالم ماديّ بحت وشديد الجفاف.
قد لا يبدو الأمر مقنعاً، قد تبدو المقارنة من أصلها غير مقبولة.. لكنها شئنا أم أبينا بائنة وواضحة وضوح الشمس في الأفق، وما بين هنا وهنا تجد البشر في أحوال متشابهة، عقولهم مخدرة وأرواحهم لاهثة نحو الحياة... الحياة فقط.
المصدر
- مقال: مي ملكاوي تكتب: جمعتهم السوداء وجمعتنا الدامية موقع الشرقية أون لاين