الفرق بين المراجعتين لصفحة: «قالب:الجزء الثاني من كتاب حقيقة التنظيم الخاص»

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
لا ملخص تعديل
سطر ٢٬٠١١: سطر ٢٬٠١١:
<div class="reflist4" style="height: 300px; overflow: auto; padding: 3px" >
<div class="reflist4" style="height: 300px; overflow: auto; padding: 3px" >


1- رسالة الجهاد للإمام الشهيد الأستاذ حسن البنا.
1- رسالة الجهاد للإمام الشهيد الأستاذ [[حسن البنا]].


2- رسالة المأثورات للإمام الشهيد الأستاذ حسن البنا.
2- رسالة المأثورات للإمام الشهيد الأستاذ [[حسن البنا]].


3- حيثيات الحكم في قضية السيارة الجيب (قضية النيابة العمومية رقم 3394 الوايلي سنة 1950 ورقم 227 سنة 1950 كلي سيارة الجيب المتهم فيها عبد الرحمن السندي وآخرين).
3- حيثيات الحكم في [[قضية السيارة الجيب]] (قضية النيابة العمومية رقم 3394 الوايلي سنة [[1950]] ورقم 227 سنة [[1950]] كلي سيارة الجيب المتهم فيها [[عبد الرحمن السندي]] وآخرين).


4- الصامتون يتكلمون سامي جوهر.
4- الصامتون يتكلمون [[سامي جوهر]].


5- أعداد مجلة المسلمون المحددة داخل الموضوع.
5- أعداد مجلة المسلمون المحددة داخل الموضوع.


6- قضايا الإخوان- قضية السيارة الجيب- أقوال كبار الشهود وحوادث التعذيب (مطبوع دار الفكر الإسلامي مطبعا أحمد مخيمر بشارع فاروق).
6- قضايا [[الإخوان]]- قضية [[السيارة الجيب]]- أقوال كبار الشهود وحوادث التعذيب (مطبوع دار الفكر [[الإسلام]]ي مطبعا [[أحمد مخيمر]] بشارع فاروق).


7- مصر وقضايا الاغتيالات السياسية د. محمود متولي.
7- [[مصر]] وقضايا الاغتيالات السياسية د. [[محمود متولي]].


8- صفحات من التاريخ (حصاد العمر) صلاح شادي.
8- صفحات من التاريخ (حصاد العمر) [[صلاح شادي]].


9- الإخوان المسلمون بين إرهاب فاروق وعبد الناصر- علي صديق.
9- [[الإخوان المسلمون]] بين إرهاب فاروق و[[عبد الناصر]]- [[علي صديق]].


10- المقاومة السرية في قناة السويس- كامل الشريف.
10- المقاومة السرية في قناة [[السويس]]- [[كامل الشريف]].


11- في قافلة الإخوان المسلمين- عباس السيسي.
11- في قافلة [[الإخوان المسلمين]]- [[عباس السيسي]].


12- حسن البنا (مواقف في الدعوة والتربية)- عباس السيسي.
12- [[حسن البنا]] (مواقف في الدعوة والتربية)- [[عباس السيسي]].


13- يوميات يحيى عبد الحليم (تحت الطبع).
13- يوميات [[يحيى عبد الحليم]] (تحت الطبع).


14- عسلوج- يحيى عبد الحليم (من مطبوعات دار الأنصار- سلسلة الله أكبر- بطولات إسلامية معاصرة).
14- عسلوج- [[يحيى عبد الحليم]] (من مطبوعات دار الأنصار- سلسلة الله أكبر- بطولات إسلامية معاصرة).


15- التبة 86 محمد علي قطب (من مطبوعات دار الأنصار - سلسلة الله أكبر- بطولات إسلامية معاصرة).
15- التبة 86 [[محمد علي قطب]] (من مطبوعات دار الأنصار - سلسلة الله أكبر- بطولات إسلامية معاصرة).


16- الإخوان المسلمون في حرب فلسطين - كامل الشريف.
16- [[الإخوان المسلمون]] في حرب [[فلسطين]] - [[كامل الشريف]].


17- القتال في الإسلام- أحمد نار.
17- القتال في [[الإسلام]]- [[أحمد نار]].


18- الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ (رؤية من الداخل) محمود عبد الحليم (ثلاثة أجزاء).
18- [[الإخوان المسلمون]] أحداث صنعت التاريخ (رؤية من الداخل) [[محمود عبد الحليم]] (ثلاثة أجزاء).


19- النقط فوق الحروف- الإخوان المسلمون والنظام الخاص- أحمد عادل كمال.
19- النقط فوق الحروف- [[الإخوان المسلمون]] والنظام الخاص- [[أحمد عادل كمال]].


</div><noinclude> </noinclude>
</div><noinclude> </noinclude>

مراجعة ١٢:٣٦، ١٩ يناير ٢٠١١

الفصل السادس : دور النظام الخاص في فلسطين..الإخوان يتسابقون إلى الجنة ويدفعون باليهود إلى النار


مقدمة

سبق أن جرتنا أحداث قضية السيارة الجيب وشهادات الشهود بها إلى وفاء الإخوان بمبادئ دعوتهم، وإسهامهم الجدي في قضية فلسطين، باذلين في هذا السبيل أموالهم وأنفسهم في سبيل الله آملين أن يحق فيهم قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111].

ولقد خصصنا هذا الفصل لبيان دور النظام الخاص في فلسطين بتفصيل أوسع من اللمحات التي ظهرت على ألسنة الشهود في قضية السيارة الجيب وما صاحبها من وقفات.


نزول سماحة مفتي فلسطين وأعوانه لاجئين سياسيين في القاهرة

كان أول تحريك عملي نحو الجهاد في فلسطين، بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، هو وصول سماحة الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين إلى القاهرة في عام 1946م فارًا من محاكمة الحلفاء لمجرمي الحرب العالمية الثانية، وقد كان منهم الحاج أمين الحسيني متهمًا بتهمة التعاون مع هتلر، والعمل على مناصرة قواته لدخول مصر، والتخابر مع المسئولين المصريين في هذا الشأن. وقد سكن سماحته قصرًا بحلمية الزيتون، وسكن ابن أخيه الشهيد عبد القادر الحسيني فيلا بهذا الحي الهادئ، واشتغلا مع باقي المجاهدين الفلسطينيين من هذا الموقع لإعداد الشعب الفلسطيني، لاستخلاص وطنه من الخطة الإنجليزية المرسومة لتوطن اليهود في هذا الجزء من الوطن العربي المسلم تنفيذًا لوعد حكومتهم الصادر في سنة 1917م والمشهور بوعد بلفور.

وكان طبيعيًا أن تتجاوب جماعة الإخوان المسلمين مع سماحة مفتي فلسطين ورجاله، فإن مبادئهم كحملة لدعوة الإسلام السلفية إلى الناس، تفرض عليهم الجهاد في سبيل الله، وهو مبدأ معلن من مبادئهم يقول: «الموت في سبيل الله أسمى أمانينا»، خاصة وأن هذه الجماعة التزمت بعهدها للناس فكونت منذ سنة 1939 جيشها المسلم المشهور باسم «النظام الخاص» والذي اشترك حتى هذا الوقت في عمليات فدائية ضد قوات الاحتلال الإنجليزي في مصر.

كما كان طبيعيًا أن تتجاوب حكومة مصر مع سماحة مفتي فلسطين ورجاله، إذ كان بين سماحته وبين ملك مصر السابق فاروق الأول تعاون وثقة في العمل السياسي ضد الإنجليز خاصة بعد حادث 4 فبراير سنة 1942 الذي أساء فيه الإنجليز إلى الملك وهددوه بخلعه عن العرش إذا لم يقبل تعيين النحاس باشا رئيسًا لوزراء مصر، ومن ثم كان ترحيب الملك فاروق بسماحته ومنحه هو ورجاله حق اللجوء السياسي، وحق حرية العمل لتجهيز الفلسطينيين في معركتهم القادمة، لحكم وطنهم فور خروج الإنجليز منه في 15 مايو سنة 1948م وهو تاريخ انتهاء الانتداب الإنجليزي على فلسطين، أمرًا ملزمًا للحكومة تيسيرًا لتبعات هذه الرسالة الهامة.

وكان معروفًا أن الإنجليز مهدوا خلال مدة انتدابهم على فلسطين والتي بلغت ثلاثين سنة متصلة لتحقيق وعدهم لليهود بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين، فيسروا لهم بناء المستعمرات المسلحة على مواقع إستراتيجية فوق أرض فلسطين، وتوسعوا في السماح بالهجرة اليهودية إلى فلسطين، وبحماية القرى والمستعمرات اليهودية من أي عدوان، بينما تشددوا في الضغط على القوى العربية الفلسطينية وحرمانها من المعاملة بالمثل إلى حد أن الحكام الإنجليز كانوا يحكمون بالإعدام على العربي الذي تضبط لديه رصاصة فارغة.

وقد تركز فكر سماحة الحاج أمين الحسيني في طلب تسليح الفلسطيني ووضعه في وضع مماثل لليهودي المستوطن لمستعمرات وقرى متفرقة فوق أرض فلسطين، فبدأ جديًا في شراء الأسلحة اللازمة لهذا الغرض والاستعانة بجماعة الإخوان المسلمين في تحقيق هدفه لما لها من سبق في هذا المجال.

كما تأكدت وجهة نظر الحاج أمين الحسيني في تحرير فلسطين بقرار اللجنة العسكرية العليا التي اجتمعت في عالية سنة 1947م، وقد اشتملت خطتها المثلى لتحرير فلسطين على ما يأتي:

1- الاعتماد على الفلسطينيين في الدفاع عن بلدهم أولاً، ثم ما يحتاج إليه الأمر من متطوعين.

2- تحصين الفلسطينيين في قراهم وتسليحهم ليكونوا في مستوى اليهود.

3- وقوف الجيوش العربية على الحدود وعدم دخولها أرض فلسطين.

ولهذا كان تركيز دور الجماعة في خدمة قضية فلسطين مبنيًا على إسهامها في تسليح الفلسطينيين خاصة أن تقرير الصاغ محمود بك لبيب عضو الهيئة التأسيسية للجماعة ورئيس منظمة شباب فلسطين كان يقطع بأن تحرير فلسطين لا يحتاج إلى رجال من الخارج وإنما يحتاج إلى تسليح الفلسطينيين أنفسهم.

وكان على النظام الخاص أن يقوم بهذا الدور الهام في خدمة القضية الفلسطينية، فركزنا على الاستفادة بالكميات الهائلة من الأسلحة والمتفجرات المتخلفة عن الحرب العالمية الثانية في الصحراء الغربية، حيث كانت القوى المتحاربة قد نقلت إلى أرض المعركة حول العلمين كل إمكانياتها من هذه الأسلحة والمتفجرات، ثم انتهت الرحب بانتصار الحلفاء في هذه المعركة وهزيمة الألمان، وبكسب الحرب أصبحت كل هذه الكميات عديمة الفائدة بالنسبة إلى الدول المتحاربة ولا تستحق تكاليف نقلها إلى مخازنها، حيث أصبحت الأولوية الأولى لنقل المواد التموينية اللازمة للسلام بعد حرب عالمية استمرت خمس سنوات متصلة، وكانت هذه الكميات من الضخامة بحيث تكفي الجيوش العربية مجتمعة للتدريب والقتال عشر سنوات.

وإلى جانب هذا المصدر الرئيسي لتسليح الفلسطينيين، كان بالإمكان تكليف رؤساء المناطق في جميع أنحاء القطر بجمع الأسلحة المعروضة للبيع في الأقاليم من تجار الأسلحة المحترفين خاصة أن أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين كانت تحضر إلى مصر لشراء سلاحها على حسابها ولا تدري إلى أين تذهب، فكانت الهيئة العربية العليا تحيلهم إلى جماعة الإخوان المسلمين لتيسير تسليحهم عن هذا الطريق.

وقد كلفتني قيادة النظام بتأمين تسليح الفلسطينيين من المصدر الأول وكلفت الأخ أحمد حسنين باعتباره مسئول الأقاليم بتسليح الفلسطينيين من المصدر الثاني.

وقد عاونني في مهمتي الأخ: أحمد شرف الدين من إخوان الإسكندرية الذي اكتسب خبرة كبيرة في التوغل في الصحراء الغربية، ونقل ما فيها من أسلحة ومفرقعات وتوصيلها إلينا في القاهرة.

وقد بدأ هذا العمل في سنة 1946م سرًا، حيث كانت حكومة صدقي باشا تحكم البلاد وتحاول فرض اتفاقية تحقق للإنجليز ضمان استمرار مصالحهم في مصر، ولكنها قوبلت بثورة عارمة من الشعب بكافة طوائفه، حتى أن سبعة من أعضاء لجنة المفاوضات المصرية استقالوا من اللجنة احتجاجًا على أن مشروع المفاوضة لا يحقق الأماني المصرية، وكان الإخوان المسلمون من عمد المقاومة الشعبية لهذه المفاوضة، حتى سقط صدقي باشا في ديسمبر سنة 1946م، وحل محله محمود فهمي النقراشي باشا في وزارته الثانية.


تعاون الإخوان المسلمون مع حكومة محمود فهمي النقراشي باشا الثانية

رأت جماعة الإخوان المسلمين أن تأييد النقراشي باشا، إذا ما سلك أسلوبًا جديدًا في مواجهة الإنجليز أجدى وأنفع من دخول البلاد في اضطرابات داخلية جديدة، وإسقاط النقراشي باشا استنادًا إلى ماضيه الشائن أثناء توليه وزراته الأولى من مارس 1945 إلى فبراير 1946، فقد تقدم إلى الحكومة البريطانية حينئذ بمذكرة هزيلة، مما أطمع الإنجليز وجعلهم لا يردون عليه ولو بالرفض، فثارت الطوائف الشعبية يتقدمها الإخوان المسلمون، ووقعت مصادمات عنيفة بين الشعب والبوليس في القاهرة والإسكندرية، وقتل البوليس فيها الكثير من شباب الجامعة المصرية، كما حدث فوق كوبري عباس في 9 فبراير سنة 1946، بتعليمات من عبد الرحمن عمار بك نفذها اللواء سليم زكي باشا، وقد أصيب فيها 160 طالبًا إصابات شديدة، وفقد 28 طالبا حيث كانوا يلقون بأنفسهم من فوق الكوبري في النيل من شدة الضرب بالرصاص وبالهراوات والكرابيج، واستمرت مقاومة الشعب له حينئذ حتى اضطر إلى تقديم استقالته يوم 14 فبراير سنة 1946، وعلى الرغم من ذلك كله فقد رأى الإخوان تأييد النقراشي باشا في حكومته الثانية عندما أعلن على الشعب أنه قرر قطع المفاوضات مع الإنجليز وعرض القضية على مجلس الأمن أملا أن يبدأ صفحة جديدة من العمل الوطني.

وكان من مظاهر تأييد الإخوان المسلمين للنقراشي باشا في هذه الوزارة أنه فيما كان يلقي خطابا في مجلس الأمن دفاعًا عن قضية مصر الوطنية إذا برفعة النحاس باشا زعيم حزب الوفد يبعث ببرقية ضد موقف النقراشي باشا يندد فيها بأن حكومة النقراشي حكومة غير ديمقراطية ويتهمها أنها حكومة ديكتاتورية.

مما حدا بالإمام الشهيد إلى إرسال برقية باسم الإخوان المسلمين هذا نصها:

إلى جناب رئيس مجلس الأمن وسكرتير هيئة الأمم المتحدة

يستنكر شعب وادي النيل البرقية التي بعث بها إلى المجلس وإلى هيئة الأمم المتحدة رئيس حزب الوفد المصري ويراها مناورة حزبية لا أثر للحرص على الاعتبارات القومية فيها، وسواء كانت حكومة مصر ديمقراطية أو ديكتاتورية، فإن الشعب المصري يعلن على الملأ أمام هيئة الأمم المتحدة أن ذلك أمر يعنيه وحده، وأنه لا يسمح لأي دولة أجنبية بالتدخل فيه، فله وحده الحق في أن يختار نوع الحكم الذي يريده، طبقا لميثاق الأطلنطي ومبادئ هيئة الأمم، وله وحده الحق في أن يعرض على حكومته ما يريد وأن يؤاخذها على كل تقصير يراه.

كما يعلن كذلك أن حقوقه الثابتة في الجلاء التام عن مصره وسودانه، والحرص الكامل على استقلاله أمر لا يقبل جدالا أو مساومة، وأن الوحدة بين شماله وجنوبه حقيقة واقعة وضرورة لا مخيص عنها ولا يحول بينها وبين الظهور على حقيقتها وروعتها إلا هذه الإدارة الثنائية التي فرضتها بريطانيا عليه بالإكراه والتي طلبت الحكومة المصرية في عريضة دعواها إلغاءها وأشارت إلى بطلان المعاهدة التي سجلتها بريطانيا، والتي لم يرض عنها الشعب المصري ولم يسلم بها يومًا من الأيام.

وأنتهز هذه الفرصة فأؤكد لأعضاء المجلس والهيئة أن شعب وادي النيل عظيم الأمل في لجوء الأمم والشعوب إليها، وتضاعف ثقتهم بمبادئ العدالة العالمية ويقظة الضمير العالمي، وأنه لن يستقر سلام في الشرق ولن تهدأ ثائرة شعوب العروبة وأمم الإسلام حتى ينال وادي النيل حقه كاملا، وليس إرضاء مجموعة من البشر قوامها أربعمائة مليون بالشيء الذي يستهين به الحريصون على الأمن والسلام». وقد قامت الإذاعة المصرية بإذاعة برقية الإمام الشهيد في كل نشراتها الإخبارية يومين كاملين، كما سافر الأخ مصطفى مؤمن إلى أمريكا موفدًا من جبهة الدعاية لوادي النيل ليسمع صرخة وادي النيل في المجالات الدولية، وخطب من شرفة مجلس الأمن منددًا بتواجد القوات البريطانية في مصر، وقاد مظاهرات من الشباب المصري في قلب المدينة يحملون لافتات ضد الاستعمار البريطاني، ونجح في لفت نظر العالم لقضية وادي النيل.

بالإضافة إلى هذا المظهر العملي من مظاهر التعاون بين الإخوان المسلمين والنقراشي باشا في وزارته الثانية خدمة للقضية الوطنية، فرضت الأقدار على العالم العربي قضية فلسطين في هذا الوقت حين قررت لجنة التحقيق التي أوفدتها الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين إلى دولتين أحدهما عربية والأخرى يهودية، واعتمدت هيئة الأمم المتحدة هذا القرار بأغلبية 15 صوتًا ضد 13 صوتا مع امتناع 17 عضوًا عن الاقتراع وذلك في 29/ 11/ 1947، وتوجهت الجهود كلها نحو قضية فلسطين، وأصبحت هل الشغل الشاغل لجميع الحكومات العربية الأمر الذي توقفت بسببه كل الجهود التي كانت مبذولة لحل القضية المصرية. ولقد أخذ على الحكومات العربية أنها رضخت للاحتجاج البريطاني على قرارات اللجنة العسكرية المنعقدة بعالية سنة 1947، والتي تعتمد ضرورة تسليح الفلسطينيين وتدريبهم داخل فلسطين، حتى يصبحوا في نفس المستوى الذي وصل إليه اليهود، فأوقفت كل الجهود التي كانت مبذولة في هذا السبيل من جانب جامعة الدول العربية، ولم يبق إلا تسليح الفلسطينيين من الخارج على النحو الذي بدأه الإخوان المسلمون سرًا من سنة 1946.

تصريح الحكومة للإخوان المسلمين بجمع السلاح والمفرقعات وتسليح الهيئة العربية العليا بها، وكذلك تدريب وتسليح وسفر المتطوعين المصريين عامة والإخوان المسلمين خاصة إلى فلسطين:

كان من نتائج سياسية تعاون الإخوان المسلمين مع حكومة النقراشي باشا الثانية فور إعلانها أنها عزمت على قطع المفاوضات ومنابذة الإنجليز في هيئة الأمم المتحدة، أن سهلت للإخوان المسلمين رسالتها في تسليح الفلسطينيين.

فبالنسبة للأسلحة التي كانت تجمع بين الصحراء الغربية، بلغ تعاون الحكومة أن الإخوان كانوا يسلمون الأسلحة والذخائر إلى مأمور الحمامات الذي يحملها إلى محافظة القاهرة في سيارات البوليس، ثم يتسلمها الإخوان من المحافظة لضبطها وتجهيزها، ثم تسليمها إلى الهيئة العربية العليا أو تدريب متطوعيهم عليها.

ومن أدلة تعاون الحكومة الصارخة في هذا المجال، أنه حدث انفجار ذات مرة في أرض تابعة للإخوان المسلمين من شحنة مفرقعات كانت مخزنة به مؤقتًا لحين نقلها إلى المخازن الخاصة بها، ثم حفظت القضية لعلم الحكومة بهذا التخزين.

كما تكرر ضبط أسلحة مجموعة من المناطق بمعرفة رؤساء مناطق الإخوان المسلمين لتسليح الفلسطينيين، ثم أفرج عنها وسلمت للإخوان ثانية بعد إبلاغ رؤساء النيابة المختصين بأن هذه الأسلحة مصرح بجمعها لخدمة القضية الفلسطينية، وذلك على النحو الثابت من شهادة الأخ محمد حامد أبو النصر في قضية السيارة الجيب.

وقد ضبط الأخ سيد فايز يدرب مجموعة من متطوعي الإخوان المسلمين بجبل المقطم على استخدام الأسلحة والمتفجرات، ثم أفرج عنهم جميعا لنفس السبب، وقد سجلت المحكمة ذلك في حيثيات حكمها في قضية السيارة الجيب على لسان الأخ عبد المجيد أحمد حسن قاتل النقراشي باشا.

ومن ثم يكون كل ما يقال بعد ذلك عن إدانة الإخوان المسلمين في حيازة أسلحة ومفرقعات لأعمال التخريب هو من باب الهراء الذي قصد به تشويه سمعة هذه الجماعة تغطية لفشل الحكومة الظاهر في إنقاذ فلسطين.


الشهيد البطل عبد القادر الحسيني

كان البطل الشهيد عبد القادر الحسيني هو القائد العام للقوات الفلسطينية المحاربة سنة 1948، وقد بدأ واجبه منذ عام 1946 مشغولاً بشراء الأسلحة اللازمة لهذه المعركة يعاونه خلاصة الرجال الفلسطينيين ومنهم الحاج عبد الفتاح التميمي المسئول عن تمويل شراء الأسلحة.

وقد سبق لي أن ذكرت أن قيادة النظام الخاص عينتني ضابط اتصال بين هيئة الإخوان المسلمين والهيئة العربية العليا في شئون التسليح، وكان القيام بهذا الواجب يتم استنادًا إلى الصلة الوثيقة التي قامت بيني وبين الشهيد عبد القادر الحسيني في هذا المجال.

لقد كانت ثقافتنا متقاربة، فكلانا من خريجي كلية العلوم، إلا أنه تخرج من هذه الكلية في الجامعة الأمريكية وتخرجت منها في جامعة فؤاد الأول، وكان سكننا متجاورًا في حلمية الزيتون، مما هيأ لنا فرصة العمل الميسر ليلا ونهارًا.

وقد بلغ من قوة الصلة بيننا وشدة التآلف الأخوي والعائلي أنه ما إن علم بعقد قراني حتى أهداني راديو ماركة «إيركنج» لا أزال احتفظ بذكراه إلى اليوم، وقد تصادف ليلة زفافي أن جاءني ليلا دون أن يعلم أن هذه ليلة زفافي، يحمل كميات كبيرة من البنادق والأسلحة لتخزينها عندي في المنزل، وقد تركت العروسة في حجرة نومها ودخلت المطبخ، حيث أدخلنا الأسلحة فوق الصندرة، ثم انصرف وترك لي مهمة ترتيبها، وكنت أظن أنني أنجزت هذا العمل دون أن تشعل العروسة ليلة زفافها بشيء.

ولكن الذي حدث هو أنني علمت منها بعد أن تم حبسي في قضية السيارة الجيب أنها قامت تتسلل إلى المطبخ، ورأتني فوق الصندرة وأنا أرتب السلاح، وعادت لتنام، وكأن شيئا لم يحدث، ولكنها لم تجرؤ أن تسألني عن هذه الواقعة، أو تحدث بها أحد إلا بعد أن اتهمت في قضية السيارة الجيب، وأصبح دوري فيها معروفًا للجميع.

ولقد كان البطل الشهيد يكشف لي عن خفايا قلبه، لما صار بيننا من حب ومودة، فقد انطوى هذا القلب الكبير على عزم أكيد على تحرير وطنه فلسطين، ثم الانتقال منه إلى وطن عربي آخر محتل للاشتراك في تحريره، وهكذا حتى يتم تحرير الوطن العربي بأجمعه، وقد نقلت إلى فضيلة الإمام الشهيد الأستاذ حسن البنا هذه الحقيقة فور إعلان استشهاد الأخ المسلم البطل في معركة القسطل، فأذاعها فضيلته على الناس ليعلموا كيف يخلق الإسلام من جنوده أبطالاً على مستوى الأمة الإسلامية، لا تنحصر مسئوليتهم بحدود وطنهم السياسي الذي حدد حدوده الكفار رغبة منهم في تقسيم الوطن الإسلامي إلى دويلات يسهل ابتلاعها دويلة دويلة.

كما سلمت الأخ الكريم الأستاذ محمود عساف الصورة التي أهداني إياها البطل الشهيد لنفسه وهو يتمنطق بحزام الذخيرة من كتفه إلى وسطه، وكان ذلك بصفته مديرًا لشركة الإعلانات العربية وصاحب ورئيس مجلة الكشكول الجديد، فتولى نشر هذه الصورة التاريخية على العالم وأصبحت رمزًا للبطل الشهيد، يتذكر به أبناء الأمة الإسلامية نموذجًا من نماذج أبطالهم الشجعان.

يرحمك الله أيها الأخ البطل ويحقق أملك في تحرير الشعوب الإسلامية كافة ووحدتها حتى يكون المسلمون أمة واحدة، ويكون الدين كله لله. إن ربي سميع مجيب.


دخول الإخوان المسلمين فلسطين

لقد قام الإخوان المسلمون بواجبهم في تحقيق رغبة الفلسطينيين في التسليح، وقد سلمت بنفسي إلى الشهيد عبد القادر الحسيني ورجاله كل حاجاتهم من السلاح والمتفجرات على النحو الذي شهد به سماحة مفتي فلسطين في قضية السيارة الجيب، الأمر الذي سمح للشهيد عبد القادر الحسيني أن يدخل إلى أرض فلسطين ليقود جنوده، في الدفاع عن وطنهم العزيز، بعد أن شعر أن لديه من السلاح ما يكفي لخوض معاركه، وكان ذلك في أواخر سنة 1947م.

وفي يناير سنة 1948م كانت مصر الفتاة قد أرسلت متطوعًا واحدًا إلى فلسطين، وقد كثر ضجيج الأستاذ أحمد حسين رئيس هذا الحزب عن هذا المتطوع الذي سافر للجهاد في فلسطين، بينما تقاعست جماعة الإخوان المسلمين صاحبة مبدأ الموت في سبيل الله أسمى أمانينا عن دخول ساحة الشرف والنضال، حتى خشى المرشد العام رحمه الله على شباب الإخوان أن يتأثروا بهذا الهراء، فقرر أن يدخل الإخوان المسلمون حرب فلسطين، حتى يحقق لهم الله النصر أو الشهادة.

ولهذا الغرض دعانا فضيلته إلى اجتماع في منزل الأخ عبد الرحمن السندي بحلوان وذلك في فبراير 1948م، وقد شملت الدعوة جميع قادة النظام الخاص في القاهرة والأقاليم، وقال لنا فضيلته في هذا الاجتماع إنه يشعر أنه أدى واجبه في تبليغ رسالة الدعوة إلى الناس كافة، فأصبح الإخوان المسلمون في مصر وفي جميع أنحاء العالم على وعي كامل بالدعوة الإسلامية في صورتها السلفية الصحيحة، بحيث أنه لم يعد يجد لديه زيادة يمكن أن تضاف في هذا المجال، وأنه أصبح مطمئنًا إلى أن الإخوان في جميع أنحاء العالم أصبحوا قادرين على التقدم بدعوتهم قدما حتى النصر إن شاء الله.

ولقد بقى عليه أن يقاتل في فلسطين حتى النصر أو الشهادة، فالقتال فرض علين، والإخوان أحق الناس بالقيام به، وإن تأخرهم عن الاشتراك فيه قد يحقق مقالة أحمد حسين الباطلة في أعين من لا يعرفون ما قام به الإخوان في هذا المجال.

ولهذا فإنه عزم على دخول فلسطين مقاتلا مع كل من يتطوع معه من الإخوان المسلمين حتى النصر أو الشهادة.

وقد كان ردنا على فضيلته: أن النظام الخاص باعتباره الجهاز المسئول عن الجهاد في الدعوة لم يكلف حتى هذه اللحظة بالاستعداد لدخول فلسطين، ومن ثم فقد كان تركيز كل جهده على تنفيذ الخطة الموضوعة بتسليح الفلسطينيين، مع تدريب أعداد قليلة من الإخوان لا يتناسب مع قلتها دخولها إلى فلسطين اليوم تحت قيادة المرشد العام، فذلك أمر لا يتناسب مع مركز الدعوة في نظر العالم الإسلامي.

واقترحنا على فضيلته أن يدخل الإخوان فلسطين بقيادة أحد الإخوان، في أعداد تتفق مع إمكانيات الإخوان الحالية، ثم يتوسع الإخوان تدريجيا في الدخول إلى فلسطين وفق ما تفرضه الظروف والإمكانيات.

وقد وافق فضيلته على هذا الاقتراح وطلب تسمية من يتقدم لقيادة المجموعة الأولى فتقدمت متطوعا واعتمد تطوعي في هذه الجلسة، وتقرر سفري على رأس مجموعة من المتطوعين ناهز عددها المائة متطوع، وكان قوامها من متطوعي منطقة الدقهلية، وانضم إلي مع المتطوعين من القاهرة فضيلة الشيخ سيد سابق، والأخ علي الخولي، والأخ عبد الرحمن عبد الخالق من إخوان منطقة العباسية.

ولقد تحركت الدفعة الأولى من المتطوعين من دار المركز العام، في أتوبيسين كبيرين محملين بالمتطوعين وأسلحتهم ومفرقعاتهم، أما خيامهم فقد أمكن تحميلها على بعض سيارات نقل ضمن قافلة من قوافل الجيش المصري المسافرة من القاهرة إلى العريش.

وفي القنطرة تعرضت قافلتنا للتفتيش النظامي، خاصة أننا نحمل أسلحة ومفرقعات، وقد أصدر النقراشي باشا تعليماته التليفونية للضابط المسئول بالسماح لنا بالعبور ومعنا ما نحمله من أسلحة وذخائر. وقد حدث أن تعطلت نسبة كبيرة من سيارات الجيش المسافرة إلى العريش وكان من بين السيارات التي تعطلت السيارات التي تحمل خيامنا معها، فوصلنا العريش، ولم تصل الخيام وكان ذلك ليلاً.

حاول إخوان العريش أن يدعوننا للمبيت فيها حتى وصول خيامنا، ولكني رفضت ذلك رفضصا باتًا، حيث لا ينبغي للمجاهدين أن يخلدوا إلى حياة مدنية بعد أن خرجوا منها مجاهدين في سبيل الله، وصممت على أن نواصل سيرنا إلى خارج العريش، حيث نعسكر في العراء حتى تصلنا خيامنا أو نتدبر أمرنا هناك.

ولم يكن أمام أهالي العريش إلا الرضا بهذا العزم الذي قصد به وجه الله فعسكرنا أول ليلة في العراء بمنطقة الريسة على الرغم من شدة برودة الجو مع هطول المطر، فالأصل أن المجاهدين قد أعدوا أنفسهم لمواجهة ما هو أشد وأصعب من مثل هذه الظروف.

وفي صباح اليوم الثاني قدمت لنا القوات المسلحة خيامًا بديلة لخيامنا التي تأخرت في الطريق، فأقمناها في منطقة الريسة، حتى زارنا القائمقام محمد نجيب قائد ثاني القوات المسلحة في منطقة سيناء في هذه الأيام، وأهدانا قفة من البرتقال اليفاوي، وكان المتطوعون يقدمون على أكلها بإعجاب لقرب حجم الواحدة منها من حجم رأس اليهودي، أو كذلك كان يحلو لهم أن يتندروا.

وقد اتخذنا من معسكر الريسة نقطة تجمع، ننتظر فيها أفواج المتطوعين وتدريبهم فيها استعدادًا لدخول المعركة، مع إجراء ما يمكن إجراؤه من دراسات لأرض العمليات المنتظرة.

وقد كانت خطة فضيلة المرشد العام أن يدعو الإخوان للجهاد فور تحرك الدفعة الأولى من المتطوعين، وأن يدعو الأمة للإسهام في تكاليف الجهاد دفاعًا عن قضيتها المقدسة في فلسطين متخذًا من تحرك الدفعة الأولى من المجاهدين سندًا ماديًا لما يدعو إليه الناس.

وقد زارنا في معسكر الريسة من القوات المسلحة اللواء أحمد زكي الأرناؤطي قائد القوات المسلحة في سيناء، وذلك بعد أن وصلت خيامنا، ورددنا للقوات المسلحة خيامهم وأخذ معسكرنا الشكل المنتظم اللائق بأخوة خرجوا وقد باعوا أنفسهم في سبيل الله.

ولقد هز مشاعرنا جميعًا تعليق اللواء أحمد زكي الأرناؤطي عندما شاهد معسكرنا وعرضنا عليه ما معنا من أسلحة وذخائر، حيث أدمعت عينا الرجل المخلص وهو يحدثنا، حزنا أن يحرم هو وجنوده من هذا الواجب الوطني الذي يقع على كاهلهم بحكم عملهم الرسمي، ويتقدم إليه متطوعون مدنيون فيسبقوهم إلى ساحة الشرف والنضال.

ولقد أكبرناه أيما إكبار وهو يبث إلينا حقيقة مشاعره في هذا الموقف المهيب، ولا يستطيع أن يخفيها تحت مظاهر العسكرية المترفعة، بل زاد على ذلك أنه عندما ركب سيارته الجيب راجعًا إلى مقر قيادته ووقفنا لتحيته، وجاء السائق يحاول قفل باب السيارة بعد أن ركب منعه، وصمم أن لا يقفل بيننا وبينه باب السيارة حتى يخرج من المعسكر، مشاركة منه لنا في هذا الغرض النبيل الذي خرجنا له، وتعبيرًا عما يكنه لمظهرنا من وشائج المحبة والاحترام.

كما زارنا أيضًا في هذا المعسكر الأخ كامل الشريف صاحب كتاب «الإخوان المسلمون في حرب فلسطين» ووزير الأوقاف في المملكة الأردنية الهاشمية فيما بعد، وقد كان شابًا يافعًا جلس معي على إحدى التباب المطلة على المعسكر نتحدث عن القضية الفلسطينية، وعرفني أنه هو المتطوع الوحيد من منطقة العريش الذي سبق جماعة الإخوان المسلمين في مصر للتطوع جهادًا مع قوات القائد فوزي القاوقجي في شمال فلسطين، وأبلغني أنه عازم على السفر إلى هناك للانضمام إلى هذه القوات.

وزارنا أيضا في هذا المعسكر الشهيد عبد القادر الحسيني عليه رحمة الله ورضوانه، في إحدى جولاته بين القاهرة وبين قواته في الميدان، وأبدى سروره وإعجابه بقدون المتطوعين من الإخوان للاشتراك في المعركة.

الأستاذ أحمد حسين ينجو من موت محقق في معسكر الإخوان:

وزارنا الأستاذ أحمد حسين رئيس حزب مصر الفتاة، وجلس معنا في خيمة القيادة وكان معنا فضيلة الأخ السيد سابق.

ومن لطف الله بنا جميعًا أثناء هذه الزيارة أن كان فضيلة الشيخ السيد سابق ممسكًا «مسدس طاحونة» يشرح للأستاذ أحمد حسين رئيس حزب مصر الفتاة، وكانت الماسورة موجهة إلى رأسه يقينًا من خلو المسدس من الطلقات، وإذا بنا نحس عندما ضغط الشيخ على الزناد ليدير طاحونة المسدس أن بها رصاصة كادت تنطلق إلى رأس الأستاذ أحمد حسين فتقضي عليه وهو بيننا في خيمة القيادة، وحينئذ لم يكن في الإمكان لأي بيان أو منطق أن يبرئنا من قتله عمدًا في خيمة القيادة، خاصة وأن هجومه العلني على الإخوان قبل ذلك يمكن أن يفسر دافعًا لمثل هذه الجريمة.

ولكن لطف الله الكبير أبى إلا أن تكذب هذه الرصاصة فلا تنطلق فنجا الأستاذ أحمد حسين من موت محقق، ونجونا جميعا من تهمة لو وجهت إلينا لحملتنا أوزارًا لا قبل لأحد منا بتحملها، ولا أمل في النجاة منها بحال من الأحوال، رغم براءتنا التامة من مثل هذا الحدث العفوي.


حركة التدريب والاستطلاع في المعسكر

انتظمت حركة التدريب في المعسكر، وكان الإخوان يتحملون مسئولية تموين أنفسهم بالطعام والمياه رغم عدم توفر سيارات معهم، بل كانوا يقومون بذلك حملا على الأعناق دون أدنى تضرر أو تذمر. ولقد حاولت أن أخفف عن الإخوان عبء تموين الماء فطلبت من القائمقام محمد نجيب أن يأذن للفنطاس الذي يوزع المياه على معسكرات الجيش المصري كل صباح أن يمر علينا فيموننا بالماء تخفيفًا عن الإخوان في هذه المرحلة من مراحل التجمع، ولكنه اعتذر لي بأن معسكرنا يقع خارج البوابة التي يمنع عبور سيارات الجيش لها خشية من اشتغال الجنود بتهريب الحشيش داخل سيارات الجيش، وكان الحشيش آنذاك متوافرًا بكميات كبيرة في رفح ويتم تبادله تجاريًا بأسلوب أقرب إلى العلن منه إلى السر.

فشكرته وإن كنت لم أقتنع بجدية الاعتذار، حيث كان من أيسر اليسر التغلب على هذا الاحتمال.

كما لاحظت بعد أن رددنا الخيام إلى أركان حرب القائمقام محمد نجيب أنه أرسل إلينا يطالبنا بعدد من الأوتاد الناقصة، فتعجبت من هذا الطلب لأننا سلمنا جميع الأوتاد ولا حاجة لنا بأي منها من ناحية، ولأن تدبير أوتاد بديلة أمر من السهولة بمكان.

فكلفت بعض المتطوعين بجمع قطع من الخشب المنثورة فوق رمال الصحراء وعملناها أوتادًا بالعدد الذي طلبه القائمقام محمد نجيب وسلمناه إلى أركان حربه شاكرين ومقدرين، وقد عادت إلى ذاكرتي هاتان الملاحظتان عندما أعلن قيامة ثورة 23 يوليو سنة 1952 وعلى رأسها اللواء محمد نجيب وقد رقى من رتبة القائمقام إلى رتبة لواء خلال هذه المدة، واستبعدت أن يكون اللواء محمد نجيب الذي لمست منه هذين التصرفين الضعيفين قائدًا لثورة 1952، وقد تأكد هذا الظن فثبت أن القائد الفعلي لهذه الثورة كان الضابط جمال عبد الناصر؟

ثم بدأت استطلاع أرض المعركة بزيارة النقيب عبد المنعم النجار قائد المخابرات العسكرية لمنطقة سيناء في ذلك الوقت، والذي أصبح سفيرًا لمصر في باريس فيما بعد، وطلبت منه معونته باعتباره مسئولا عن المخابرات العسكرية في المنطقة، بتقديم أحدث المعلومات عن المستعمرات اليهودية في أرض فلسطين.

ولكنني دهشت عندما سلمني سعادته الخرائط الصادرة عن الجيش الإنجليزي لإقليم فلسطين والتي كان لدينا نسخًا منها، وقد أكد لي سعادته أنه لم يرسل أحدًا من رجاله بعد ليجوب المنطقة وينقل إليه من على الطبيعة المتغيرات التي حدثت عليها بعد احتلال الإنجليز لفلسطين ثلاثين سنة متصلة، غيروا فيها كل الأوضاع تمهيدًا لقيام وطن قومي لليهود في فلسطين، وتلقيت من هذه الحقائق درسًا هامًا، هو أن واجبنا هو القيام بهذه الدوريات الاستطلاعية بأنفسنا، دون اعتماد على معونة أحد، خاصة أن المعلومات التي نحتاجها غير موجودة أصلا لدى الجهات المختصة في القوات المسلحة المصرية.

ومن طريق ما يذكر في هذه المناسبة أنني جعلت سفري إلى فلسطين سرًا على زوجتي فقد كنت عريسًا، ولم تكن هي قد تهيأت نفسيًا لقبول مبادئ التضحية والفداء التي يفرضها الإسلام ويجهلها الكثير من المسلمين وهي واحدة منهم، وقد كانت زوجتي حاملاً في ولدنا الأول محمد وكان طبيعيًا أن تطلب زوجتي بين الحين والحين زيارة أمها المقيمة مع أبيها وأشقائها في شارع عبد العزيز بالقاهرة، بينما كنت أنا وزوجتي نقيم في حلمية الزيتون مجاورين للشهيد عبد القادر الحسيني، ولما تقرر سفري إلى فلسطين، أخفيت ذلك عن زوجتي إلى يوم السفر، وكانت تطالبني كالعادة بزيارة أمها، وفي يوم السفر دعوتها لزيارة أمها، وتركتها في منزل والديها مستأذنا في قضاء بعض المصالح بالخارج، ثم سافرت دون إخطارهم مع الفوج الأول لمتطوعي الإخوان إلى فلسطين، تفاديًا لما يمكن أن يقع من اعتراضات لن تجدي في تغيير عزيمتي فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

أما عن عملي فقد حاولت أن أحصل على تصريح بأجازة لهذا السبب ولكن المسئولين في مصلحة الأرصاد الجوية التابعة لوزارة الحربية، وكان مقرها في ذلك الوقت في مبنى الوزارة رفضوا التصريح لي بحجة أن حاجة العمل لا تسمح إطلاقًا بذلك لقلة عدد المتنبئين الجويين وضرورة انتظامهم جميعًا لخدمة حركة الطيران المدني البالغة الأهمية كالتزام دولي تلتزم به مصر أمام دول العالم التي تسير خطوطها الجوية عبر القاهرة، فاضطررت إلى السفر مع الفوج الأول دون تصريح أيضًا من جهة عملي. وقد استصدرت مصلحة الأرصاد الجوية أمرًا من وزير الحربية إلى محافظة سيناء بالقبض علي وإعادتي إلى عملي في القاهرة، ولكني الرجل عندما استقبل الأمر في برقية واردة له من القاهرة وعلم بتصميمي على الاستمرار مع المجاهدين سخر من هذا الأمر واعتبره كأن لم يكن، حيث لا سبيل للمقارنة في الأولوية بين واجب خدمات الطيران المدني وواجب الدفاع عن فلسطين المقدسة.


استدعائي للعودة إلى القاهرة

بعد أن انتظم العمل والتدريب في معسكرنا بالريسة زارني الأخ الصاغ محمود لبيب في المعسكر ونقل إلي تعليمات الإمام الشهيد بالسفر إلى القاهرة لأمر هام.

وعند وصولنا إلى القاهرة توجهت رأسًا معه لمقابلة الإمام الشهيد، فأخبرني فضيلته بأنه قرر بقائي في القاهرة للمساهمة في تسليح المجاهدين من جهة، وإرضاء لرغبة والدي الذي حضر إليه مع حماي فضيلة الشيخ عبد الصادق الغنيمي يشكون له من مخالفة الإخوان لقاعدتهم في الاقتصار على من لا يتحملون مسئوليات عائلية عند اختيار المتطوعين للسفر إلى فلسطين، وأنني متزوج وزوجتي حامل وأن القاعدة تحتم عودتي لرعاية زوجتي وجنينها.

وقد استقبل الإمام الشهيد والدي وصهري استقبالا كريمًا أزال عنهما كل ما عندهما من غضب وأكد لهما أنه لم يكن يعرف أنني أتحمل مسئولية زوجة وطفل حين أذن لي بالسفر، وأنه سيستدعيني فورًا، خاصة أنه يعتبرني يده اليمنى في تسليح المجاهدين من مصر.

وقد بالغ في كرمه للوالد أنه عندما هم بالانصراف شاكرًا للمرشد حسن لقائه، معلنا أنه بعد هذا اللقاء لم يعد يهمه أيعود محمود من فلسطين أم لا وأنه أصبح مستعدًا شخصيًا أن يذهب إلى فلسطين بعد لقائه هذا للمرشد، فابتسم المرشد وودعه، ولما لاحظ أنه يبحث عن حذائه سارع فأحضره له بنفسه، مما أثر في عواطف أبي أبلغ الأثر وتحول بكل عواطفه نحو هذا الداعية الكبير، الذي أخلص في تبليغ الرسالة إخلاصًا حرره من كل عوامل الضعف والنقص المعروفة في البشر، فأصبح من وفائه لدعوته وكأنه ملاك منزل من رب العالمين.

ولكن المرشد كان قد أرسل برقية فعلا باستدعائي، دون إبلاغي السبب، فحضرت مطيعًا للأمر، ولما عرفت السبب صممت على العودة إلى معسكري، وعدت فعلا، بعد أن دارت مناقشة دينية في منزلي مع حماي الحاصل على العالمية الأزهرية في شرعية سفري وأنه فرض عين، ولكن حنان الرجل على ابنته جعله يصمم على الاعتراض على سفري، ولكنني عزمت على السفر ونفذته، حيث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.


العودة إلى المعسكر

عدت إلى المعسكر ولم يمض على سفري منه أكثر من ثلاثة أيام، كنت قد أطلعت خلالها فضيلة المرشد على حقيقة الموقف وبينت له أنني أرى أن لا ندخل في عمليات واسعة، بل نقتصر على عمليات فدائية موجعة لليهود، فذلك ما تسمح به إمكانياتنا المادية في مثل هذه الحرب، ولكنني شعرت أن فضيلة المرشد كان يطمح إلى تضاعف إمكانياتنا المادية والبشرية في فلسطين وظهورنا في حشود كبيرة تحرر الأرض وتعيد الحق. ومن هذا المنطلق وجدت ضرورة مادية لعودتي للعمل في مضاعفة السلاح اللازم للمجاهدين وقد تولى قيادة المتطوعين بدلا مني فضيلة الشيخ محمد فرغلي رئيس الإخوان المسلمين في الإسماعيلية.


سفر الفوج الثاني من متطوعي الإخوان إلى فلسطين ونزولهم في معسكر البريج

سافر الفوج الثاني من متطوعي الإخوان إلى فلسطين بقيادة فضيلة الشيخ محمد فرغلي ووصل إلى معسكر الريسة، وكان قوام هذا الفوج من إخوان منطقة الإسماعيلية والقنال وكان من بين أفراده الأخ الشهيد يوسف طلعت عليه رحمة الله ورضوانه، وانضموا جميعا إلى إخوانهم الذين سبقوهم من منطقة الدقهلية في معسكر الريسة.

وقد كان المعسكر جاهزًا للدخول إلى فلسطين فدخلت القوة مكتملة إلى فلسطين بقيادة الشيخ فرغلي وعسكرت في معسكر البريج بجنوب فلسطين، وكان معظمها من إخوان النظام الخاص، وقد انضم إليهم فيما بعد الأخ كامل الشريف من إخوان العريش قادمًا من الجبهة الشمالية، كما كان من بين جنود هذا المعسكر الأخوة حسن عبد الغني، وحسن دوح، ونجيب جويفل، ومحمد سليم، ضمن كتيبة جديدة من كتائب الإخوان المسلمين.

وقد ساعد الإخوان على التوسع في إرسال دفعات أخرى من المتطوعين إلى هذا المعسكر سماح الحكومة للضباط الوطنيين الراغبين في المساهمة في القتال مع أشقائهم الفلسطينيين بطلب الإحالة إلى الاستيداع، وكان من بينهم الضابط الشهيد أحمد عبد العزيز، والضباط كمال الدين حسين، وحسن فهمي عبد المجيد، وعبد المنعم عبد الرؤوف وغيرهم كثير، كما صرحت الحكومة لهؤلا الضباط بأخذ ما يشاءون من أسلحة ومدافع وذخيرة من مخازن الجيش المصري فانحلت بذلك أزمة الإمكانيات المادية التي يتطلبها قتال المتطوعين في فلسطين.


المعركة الأولى من معارك الإخوان

وقعت هذه المعركة في 14 أبريل سنة 1948 قبل أن ينضم متطوعي الجيش من ضباط إلى المقاتلين، فكانت المعركة مواجهة بين الإخوان المسلمين الخلص وبين اليهود في أول دراسة ميدانية لمستوى تحصينهم لمستعمراتهم.

ووقع الخيار على مهاجمة مستعمرة دير البلح «كفار ديروم» لأهمية موقعها بوقوعها على الطريق الرئيسي الذي يربط مصر بفلسطين ولقربها من الحدود المصرية ولم يمنع الإخوان قلة عددهم وعدتهم من الهجوم مغامرين على هذه المستعمرة في وقت مبكر من صباح ذلك اليوم، فاجتازوا حقول الألغام وعوائق الأسلاك الشائكة دون أن ينتبه إليهم حراس المستعمرة، ثم بدأت المعركة على صوت انفجار هائل أطاح بأحد مراكز الحراسة.

ولقد أبدى الإخوان في هذه المعركة من صنوف البطولة والفداء ما شهدت به الأعداء، ولكن قلة عددهم وعدتهم لم تمكنهم من احتلال المستعمرة فانسحبوا بعد أن استشهد منهم اثنا عشر شهيدًا، لم يصب واحد منهم من ظهره، بل كانت إصابتهم جميعًا من الأمام.

أذكر منهم الأخوة الشهداء محمد سلطان، وعبد الرحمن عبد الخالق، وحلمي السيد جبريل، وعبد الرحيم عبد الحي، وعمر عبد الرءوف، ومحمد عبد الخالق يوسف، وعثمان بلال، وعلي صبري، ومحمود مجاهد، كما جرح في هذه المعركة خمسة من الإخوان منهم الأخ لطفي ميره، والأخ محمد الفلاحجي.

وإني أترك وصف هذه المعركة لمراسل جريدة أخبار اليوم في غزة، كما نشرته جريدة الإخوان المسلمين اليومية في عددها رقم 604 الصادرة في 9 جمادى الآخرة سنة 1367هـ الموافق 18 أبريل سنة 1948م.

«أكتب إليكم من ميدان القتال- نحن الآن في منتصف الطريق بين (غزة وخان يونس) انتهت المعركة الأولى بين المصريين واليهود، إنها أول معركة حربية تخوضها مصر ضد اليهود- اثنا عشر شهيدًا وخمسة من الجرحى- إنهم يحملونهم الآن ليدفنوا في دير البلح، إنني أتأمل القتلى واحدًا واحدًا، ليس بينهم واحد مصاب من ظهره، إن بعضهم أصيب مرة أو مرتين ومع ذلك بقى يحمل بندقيته ويضرب بها- إنهم يحملونهم الآن ليدفنوا كما هم بغير غسيل أو كفن، فإن تقاليد الإسلام أن يدفن الشهيد بملابس المعركة- كان منظرًا رائعًا هذا الدم المصري يغطي أرض الصحراء المنبسطة- هذه الأرض التي سارت فيها جيوش المارشال اللنبي وانتصرت انتصاراتها الأخيرة- أصبحت نقطة البداية، التي تطلق منها مصر رصاصاتها على مستعمرات اليهود، وتصاعدت الأصوات، تبحث عن الحاج عبد الخالق الذي كان يحارب في المعركة، ومعه ابن محمد عبد الخالق- وسقط ابنه قتيلا إلى جانبه، فلم يبك عليه، بل حمل بندقيته وراح يقتل بها الذين قتلوا ولده!! ثم انتهت المعركة ولم ينتظر الحاج عبد الخالق ليشيع جنازة ولده مع المشيعين، بل ذهب مع ابن أخيه الجريح أحمد يوسف إلى مستشفى غزة، وقال له إخوانه إننا نعزيك!! قال كلا، بل هنئوني، إنني سأبقى هنا لأنال بعض الشرف الذي ناله ابني- قلت فمن عبد الخالق..؟! فإذا به عبد الخالق يوسف حسن يوسف من بلدة قويسنا منوفية.. وهو مزارع يبلغ الخامسة والأربعين طويل القامة فارع العود.,. حاد النظر، تبدو عليه الثقة والاطمئنان، وقف يتقبل تهاني المجاهدين وكأنه يزف ولده إلى عروس، وقد كان ولده يبلغ العشرين من العمر.

ومن العجيب أن أغلب القتلى المصريين لم يتجاوز الخامسة والعشرين وجميعهم من الإخوان المسلمين.. وقد وقف القائد محمود لبيب يروي لنا أن أحد الشباب انتدب لخفارة المعسكر، ولكنه أصر على أن يكون في مقدمة المقاتلين، وقال له القائد أنت صغير السن، فليتقدم أولاً من يكبرك سنًا، وبكى الشاب المصري، ولكن القائد أصر على بقائه، ولما علم أن الذي حل مكانه قد قتل في بداية المعركة وأخبره زملاءه بذلك ازداد بكاء وحزنًا.

وبدأت هذه المعركة في الساعة الثانية من صباح السبت 30 جمادى الأولى سنة 1367هـ الموافق 10 أبريل سنة 1948- كان الجو أشبه بالنسيم العليل، وقد أصر الجنود على أن يستحموا قبل المعركة استعدادًا للموت، وصلوا على أنفسهم صلاة الجنازة، وتلوا جميعًا آيات من كتاب الله، وذهب كل منهم إلى الموقع الذي اختير له، كان الظلام دامسًا فقد كنا في آخر يوم للشهر العربي، سواد في كل مكان، نرى أشباحًا تتحرك وقد ارتدت أحذية من الكاوتشوك تحمل في أيديها المدافع والنبادق، كلام كالهمس وبدأوا يقصون الأسلاك الشائكة التي تحيط بالمستعمرة اليهودية حتى إذا انتهوا من خطها الأول، أخذوا ينسفون الخط الثاني، وإذا بالمدافع الهاون وقنابل الدخان تطلق من الجهة الشرقية لتغطية الهجوم واستيقظ اليهود وراحوا يضربون أوكار مدافع الهاون وهم يظنون أن الهجوم العربي قد بدأ من تلك الناحية، وهنا تسلل الفدائيون واقتحموا الأماكن الملغومة ووضعوا الألغام والمتفجرات في الحصون، فنسفوا جزءًا من البرج دمروا كل الحصون، وأخذ المصريون واليهود يتقاذفون القنابل اليدوية ويتراشقون بمدافع التومي جن والبنادق البرن، وظن اليهود في أول الأمر أن المعركة بسيطة ولكنهم بعد ساعتين تنبهوا إلى خطورة الهجوم فاستغاثوا بالجيش البريطاني فحضرت الدبابات، ولما وجدت أن المصريين قد لغموا الأرض راحت ترفع الألغام وكانت الدبابات البريطانية ترفع الأعلام البيضاء، ووقفت بين المصريين واليهود وصدرت الأوامر بعدم إطلاق النار.

ورأى القائد البريطاني الشهداء، وأطلعه قائد الإخوان على تفاصيل المعركة وكيف أن العرب لم يخسروا من أسلحتهم شيئا، بل أنهم استعادوا أسلحة الشهداء والجرحى فدهش، وذهب إلى حيث يرقد الشهداء وأحنى رأسه قائلاً: «إنني في دهشة كيف استطعتم أن تفعلوا كل هذا، لقد كنت في فرقة الكوماندوس البريطانية ولم أشهد جرأة كالتي رأيتها الآن.. ولو كان معي ثلاثة آلاف من هؤلاء لفتحت بهم فلسطين، ثم تقدم القائد البريطاني إلى الجرحى المصريين وقبل كل منهم في جنبيه، وقال من أي بلد هؤلاء الأبطال؟ فقالوا من مصر».

وقفة تأمل من وحي المعركة:

1- يلاحظ القارئ الكريم أنه اجتمع في هذه المعركة أب وابنه، وابن أخيه وثلاثتهم متطوعون للقتال تحملوا نفقات سلاحهم من مالهم الخاص.

ومن ينظر في هذه الحقيقة يتبين مدى الخسارة التي تقع على عاتق الأمة الإسلامية بتخليها عن تطبيق الشريعة الإسلامية.

إننا في ظل القوانين الوضعية نرى الناس يتهربون من الجندية، وليس بعيدًا ذلك العهد الذي كان يتعمد فيه الفلاحون المصريون إحداث عاهات مستديمة في أجسامهم لكي يشركوا في الكشف الطبي، فيتم إعفاؤهم من التجنيد العسكري لعدم اللياقة البدنية.

كما أنا لا نزال نجد أن القوانين الوضعية تعفي الابن الأكبر من التجنيد في حالة شيخوخة والده أو وفاته، وذلك كله على الرغم من إنفاق المبالغ الباهظة على المجندين لتدريبهم وإعاشتهم وتسليحهم. ولكن في ظل العقيدة الإسلامية، يتقدم الرجال والنساء والأطفال للقتال ودفاعًا عن دينهم يهبون وطنهم ما يملكون من مال، ويبذلون أرواحهم رخيصة في سبيل الله بأن لهم الجنة.

وإنني لأذكر أخي الشهيد محمد سلطان ونحن في معسكر الريسة، وقد كان يقف حراسة ليلية حين خرجت أتفقد المعسكر في الثانية صباحًا وأمر على جنود الحراسة، فإذا بي أحده يقف في موقعه يقظًا منتبهًا، ولكن دموعه تسيل على خديه في صمت فظننت لأول وهلة أنه تعرض للدغ حشرة من حشرات الأرض، وأنه يتجلد حتى تنتهي نوبة حراسته، فلا يحرم أجر العين التي تبيت في حراسة في سبيل الله، ولكنني فوجئت عندما سألته عما يبكيه، فكان رده عليَّ أسمى وأبعد من هذا الخاطر بكثير، قال: «ما بي من بأس والحمد لله، ولكني سمعت أنك سترسل سرية غدًا إلى المستعمرة اليهودية وأن اسمي ليس من بين أفرادها، فوقفت حزينًا تسيل دموعي كما ترى».

لا إله إلا الله، إننا في عهد صحابة رسول الله (ص) الذين وصفوا بأن الموت في سبيل الله كان أحب عندهم من الحياة.

إن وجود مثل هؤلاء الرجال لا يرتبط بزمان ولا بمكان، إنه وقف على من نشأ نفسه على شريعة الإسلام، فكان خلقه القرآن، وها نحن نرى هذه الآية ماثلة بين أيدينا للعيان.

إن المعارك القادمة جميعًا لم تشهد فارًا واحدًا ولا متخاذلاً واحدً من رجال الإخوان المسلمين، ولكن التدافع للتطوع بالقيام بأشد الأعمال خطورة وفداء، كان في كل الأوقات مشكلة القيادة، التي لم تكن تجد مخرجًا إلا الاقتراع على من يصدر إليه الأمر من الفدائيين بالتقدم للعمل الخطير، فكلهم أشد رغبة من أخيه في الإقدام على الموت لتوهب له الحياة، واقع متكرر لا أثر للخيال ولا للدعاية ولا للخيلاء فيه، شهد به كل من رآه.

2- إن هذه المعركة كانت أول معركة حربية تخوضها مصر ضد اليهود، فمن كان رجالها؟

«الإخوان المسلمون» سبقوا متطوعي القوات المسلحة وسبقوا الجيش النظامي لمصر وبدأوا المعارك وهم وحدهم في الميدان وفاء لعقيدتهم وتحقيقًا للهدف الذي حدده إنشاء جيشهم الإسلامي المسمى «النظام الخاص» دفاعًا عن الوطن الإسلامي في كل مكان، مع الالتزام بأحكام الدين الحنيف شريعة الرحمن، ومن أحسن من الله قيلا؟

3- إن هذه المعركة على ما ظهر فيها من بطولات، تعتبر معركة استطلاع ناجحة كشفت لكل الجيوش العربية حقيقة الاستعدادات والتحصينات اليهودية التي تستتر داخل مستعمرات تبدو صغيرة للعيان، ولكنها معدة إعدادًا عسكريًا يفوق كل خيالٍ.

4- إن هذا الواقع الذي يؤيد نظرتي التي أبديتها للإمام الشهيد، في أن تقتصر مهمتنا في فلسطين على إنزال ضربات موجعة لليهود، دون التفكير في الحرب الشاملة لأنها فوق طاقتنا وفوق استعداداتنا، لم تغير من نظرة الإمام الشهيد في توجيه جهاد الإخوان إلى الحرب الشاملة فذلك هو حكم الله، الذي حكم بفرضية الجهاد على كل مسلم ومسلمة في هذا الوقت الذي آل إليه الوطن الإسلامي، ومن ثم فقد ضاعف الإمام الشهيد جهوده لدفع أعداد أكبر من المتطوعين بلغ عشرة آلاف متطوع في الجبهة الجنوبية وحدها، باذلا آخر الاستطاعة مع تفويض الأمر كله لله.

وذلك لعمري هو واجب المسلمين في كل زمان ومكان، فإن قاموا به عزوا وإن تخاذلوا عنه ذلوا.

ولكن دخول الجيوش العربية، وتحملها مسئولية الاحتلال الشامل لفلسطين في حرب شاملة، ثم فشلها في ذلك، هو الذي عطل الاستمرار في تنفيذ ما اعتزمه الإمام الشهيد من مواصلة إمداد المعركة بالمجاهدين حتى النصر، ولم يقتصر دور هذه الجيوش على إعلان الهزيمة وقبول الهدنة الدائمة في فلسطين الأمر الذي جعل إسرائيل حقيقة واقعة، بل إن الجيش المصري كلف باعتقال جميع المجاهدين المصريين من الإخوان المسلمين في فلسطين، كما قررت حكومة مصر في هذا الظرف الرهيب حل الإخوان المسلمين في مصر واعتقالهم، لعرقلة استمرار السيل المتدفق من المجاهدين، بل زاد من إجرام حكومة النقراشي أن مهدت لقتل الإمام الشهيد جهارًا نهارًا كما يفعل قطاع الطرق والأشرار دون أدنى خجل أو حياء، وقد نفذ خطتها خليفة النقراشي إبراهيم عبد الهادي، بعد أن نفذ بعض شباب الإخوان قتل النقراشي باشا جزاء له على خيانته للأمة الإسلامية وانضمامه لقتالها في صفوف الكفار.


سفر الفوج الثالث من متطوعي الإخوان إلى فلسطين عن طريق سوريا

في مارس سنة 1948 سافر الفوج الثالث من متطوعي الإخوان إلى فلسطين، بعد أن تم تجهيزه بالسلاح والعتاد وكان يتكون من ثلاثة فصائل، وزعها الإمام الشهيد بنفسه وعين على كل منها قائدًا يتولى قيادتها، وقد كان الأخ علي صديق قائدًا للفصيلة الأولى والأخ مالك نار قائدًا للفصيلة الثانية، والأخ يحيى عبد الحليم قائدًا للفصيلة الثالثة، وتولى قيادة الكتيبة الأخ محمود عبده.

تحركت الكتيبة في استعراض عسكري من المركز العام مارة بميدان الأوبرا ثم إلى شارع إبراهيم حتى وصلت ميدان محطة مصر، وقد اصطفت الجموع تهتف وتكبر معلنة صحوة جديدة لشعب مصر في إيمان متدفق، وبعث جديد في توثبت متحفز، ثم استقلت الكتيبة القطار إلى بورسعيد، حيث ودعها فضيلة الإمام الشهيد وداعًا حارًا، حين نزلت المجموعة على ظهر الباخرة اليونانية «سيرينا» في وسط جموع المسافرين على ظهر الباخرة والذين احتشدوا لتحيتهم، وما أن تحركت السفينة حتى لاحقها فضيلة الإمام الشهيد مع حشود الإخوان المودعين في زوارق للتحية، يلوحون بأيديهم مودعين حتى غابت عن الأنظار.

وقد وصلت الكتيبة معسكر قطنا بسورية بعد أن مرت ببيروت حيث استقبلها الأخوة مصطفى السباعي وعمر بهاء الأميري من إخوان سوريا، وكان في صحبتهم الأخ سعيد رمضان سكرتير المؤتمر الإسلامي بكراتشي، وكان في مقدمة المستقبلين اللبنانيين الأستاذ مجيد أرسلان وزير الدفاع اللبناني وعدد كبير من فرق النجادة والفتوة على رأسهم قائدهم ببيروت.

وعلى مشارف دمشق استقبل الكتيبة جوالة الإخوان بالموتوسيكلات وصحبتها إلى معسكر قطنا.

وكان معسكر قطنا قد أعد لاستقبال المتطوعين من جميع أنحاء العالم العربي والإسلامي، وقد أعد لاستقبال آلاف المجاهدين، وكان يشرف عليه من القادة العسكريين ضابطًا بالجيش السوري ومن الإخوان المسلمين الأخ مصطفى السباعي رئيس الإخوان بسوريا، ووكيل القائد العسكري والمسئول الروحي للمعسكر.

وكان التدريب في هذا المعسكر يبدأ من الساعة السادسة صباحًا حتى موعد الغذاء، ثم من بعد صلاة العصر حتى غروب الشمس، حيث قسمت الكتيبة إلى عدة فرق مشاة ومدفعية ومغاوير ونسف وتدمير، ويقوم بالتدريب ضباط سوريون كما كان منهم ضباط يوغسلان اشتركوا في الحرب العالمية الثانية.

وقد تدرب الإخوان على هذه الأعمال بنجاح تام وعملوا كمائن لنسف بعض القوافل، كما أتقنوا استعمال الأسلحة الصغيرة (البنادق- التومي- جن- البرنات) والأسلحة السريعة كالفيكارز بالإضافة إلى مدافع الهاون والبويز المضادة للمصفحات والدبابات، وقد استغرقت مدة التدريب شهرًا تحركت الكتيبة بعدها لتنضم إلى باقي المجاهدين من الإخوان في جنوب فلسطين في رحلة طويلة وشاقة بالسيارات بدأت من دمشق إلى عمان، ثم حزاء البحر الميت في طريق وادي عربة إلى العقبة، ثم اجتازت حدود الأردن متجهة شمالا إلى الكونتلا داخل الأراضي المصرية بصحراء سيناء، ثم إلى العوجة ومنها إلى رفح فخان يونس فدير البلح فغزة.


سفر الفوج الرابع وتتابع سفر الأفواج الأخرى بعده من معسكر هايكستب

بناء على توصية اللجنة العليا لإنقاذ فلسطين افتتحت جامعة الدول العربية معسكرًا لتدريب المتطويعن في هايكستب على غرار قطنا بسوريا، وقد عج هذا المعسكر بآلاف المتطوعين من الإخوان المسلمين، الذين سافروا في أفواج متتالية إلى أرض المعركة.

وكانت قيادة المعسكر للبكباشي حسين أحمد مصطفى من خيرة ضباط الجيش المصري يعاونه عدد من صفوة الضباط والمعلمين، وكانت الكتيبة الأولى لهذا المعسكر مكونة من متطوعي الإخوان الذين اجتازوا الكشف الطبي الدقيق، وقد قسمت إلى أربع سرايا تتكون كل سرية من فصيلتين، وكل فصيلة من 24 متطوعًا، وكانت كل كتيبة يتم تدريبها ترحل إلى الميدان لتلحق بإخوانها في ساحة الشرف والنضال.


معركة الطيران بغزة

ما إن وصل الفوج الثالث من متطوعي الإخوان إلى غزة، حتى نزلوا بمعسكر الطيران بغزة فأعلنهم قائدهم في ليلتهم الأولى بهذا المعسكر أنها ليلة طوارئ، فقام الأفراد بتنظيف سلاحهم وقادم قادة الفصائل بتوزيع الذخيرة عليهم، ثم تحركت الفصائل لتباغت العدو قبل أن يبغتها في ليلتها الأولى، فكانت فصيلة الأخ علي صديق في مواجهة المستعمرة من الناحية الشرقية ووزع باقي قواد الفصائل رجالهم على الجهات الأخرى حتى انتصف الليل وأظلم الكون وعم الهدوء، وبدأت قوات العدو تتحرك في 18 سيارة مصفحة نحو معسكر الطيران للإجهاز على هذه الكتيبة المجهدة، ليلة وصولها وهي تظن أنها ستحظى بها نائمة من فرط الإجهاد.

ولكنها فوجئت فور وصلها إلى قرب أسلاك المعسكر بنيران المجاهدين تحصدهم من جميع الجهات، وما أن انقشع الظلام وبدأت خيوط الفجر تسطع حتى شوهد العدو وقد انسحب إلى مستعمرته تاركًا خلفه بعض الآليات غنيمة للمسلمين، فانتشر الخبر في جميع أنحاء غزة فجاءوا مهنئين بهذا النصر المظفر، حيث بلغ عدد القتلى اثنى عشر قتيلا مقابل جريح واحد من الإخوان، فكانت وكأنها ضربة بضربة دير البلح الأولى.

وقد وصف أحد قادة الفصائل ما كان حوله فقال: «كانت دانات المدافع تسقط أمامنا وخلفنا وكانت طلقات الرصاص تأتينا عن اليمين وعن الشمال، ولكن الحق تبارك وتعالى أذن أن يسلم جميع الإخوان من هذه النيران الكثيفة، وكأن الملائكة عليهم السلام قد حملت مهمة الدفاع عن الإخوان وتثبيت قلوبهم، فقد تقد متطوعو الإخوان حتى لم يبق بينهم وبين اليهود إلا خمسة أمتار، وقد أطلق البطل رفعت وحده 150 طلقة وكان يحب أن يخرج إليهم، أما إبراهيم ربيع فقد جرح في قدمه، ولكنه يقول لأخيه عبد الهادي ونحن في حومة الوغي، والمعركة حامية، ووطيس الحرب مشتعل، يقول: وكأنه ليس في حرب «أخي» إن رصاص العدو يتساقط علينا ورجلي تؤلمني ولكن لا تعوقني عن الضرب» واستمر هو وإخوانه يضربون من فوهات خمس وعشرين بندقية ليس من بينها مدفع سريع ولا مضاد للدبابات والمصفحات، ومع ذلك كان نصر الله للمؤمنين عظيما.


معركة دير البلح الثانية

عندما سمحت الحكومة لبعض ضباط الجيش المصري الراغبين في التطوع للقتال في فلسطين بتحقيق رغبتهم بأن قبلت طلبات إحالتهم للاستيداع وفتحت لهم مخازن الجيش المصري يتسلحون بما يشاءون من أسلحته، وانضم هؤلاء الضباط بقيادة البكباشي أحمد عبد العزيز إلى المتطوعين من الإخوان، وتم تنظيم قيادة المجموعة على النحو التالي، وقد حضر هذا الاجتماع الشهيد الشيخ محمد فراغلي، والأخوة محمود عبده، والصاغ محمود لبيب:

1- البكباشي أحمد عبد العزيز .. قائدًا للقوات.

2- اليوزباشي عبد المنعم عبد الرءوف .. أركان حرب.

3- الملازم أول معروف الحضري .. مساعد أركان حرب العمليات.

4- بكباشي زكريا الورداني .. أركان حرب إمداد وتموين.

5- ملازم أول حمدي ناصف .. مساعد أركان حرب إمداد وتموين.

6- يوزباشي كمال الدين حسين .. قائد لمدفعية الهاوزر 3.7 بوصة.

7- ملازم ثاني خالد فوزي .. مساعد لقائد مدفعية الهاوز.

8- يوزباشي حسن فهمي عبد المجيد .. قائد للمدفعية المضادة للمصفحات 2 رطل.

9- ملازم ثاني أنور نصحي .. مساعد لقائد المدفعية المضادة للمصفحات.

وكان معظم هؤلاء الضباط من الإخوان المسلمين أو محبيهم، كما كان جميع المقاتلين معهم من متطوعي الإخوان المسلمين.

مهدت المجموعة لدخول معركة دير البلح الثانية بمسح شامل لهذه المستعمرة قام به الأخ عبد المنعم عبد الروءف، وعملية استكشاف قام بها الأخ لبيب الترجمان، والأخ معروف الحضري، يساعدهم متطوعون آخرون مثل الأخ عبد المنعم أبو النصر، والأخ حسين حجازي، والأخ محمد عبد الغفار، وتم وضع خطة المعركة على أساس هذه المعلومات، واختيار الجنود الذين تقرر أن يشتركوا فيها.

وكانت مهمة اختيار الجنود مهمة عسيرة حيث يتسابق الإخوان للتطوع بالجهاد في المعركة حرصًا على نيل الشهادة في سبيل الله مما اضطر القيادة إلى الاقتراع بينهم مع تقديم البشرى للباقين في قول رسول الله : «عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله».

أعدت مجموعة النسف والتدمير بقيادة الأخ إسماعيل الفرماوي طوربيدات البنجالور لاستعمالها في فتح الثغرات لدخول المقتحمين، وهذا الطوربيد عبارة عن ماسورة من الحديد قطرها خمسة سنتمترات وطولها 130 سم معبأة بمادة الجنجلايت الشديدة الانفجار.

ثم تقرر تنفيذ خطة الهجوم على المستعمرة على النحو التالي:

يتم الهجوم على المستعمرة من شرقها وجنوبها في وقت واحد مع استعمال الوادي الواقع في الجنوب كساتر إلى المستعمرة، واستبعدت جهة الغرب لعاملين أساسيين:

1- إن أفكار اليهود مركزة دائمًا على الجهة الغربية المطلة على الطريق الرئيسي، بدليل أن حراس المستعمرة لم يشعروا بحركة الاستكشاف التي تمت من الجنوب.

2- إن الجهة الغربية أرض مكشوفة مزروعة شعيرًا لا يزيد طوله على ثلاثين سنتمترًا وليس بها أي سواتر يمكن أن يستتر بها المهاجمون.

على أن يأخذ رماة مدافع الهاون كميات كبيرة من قنابل الدخان والقنابل الشديدة الانفجار (ميلز) لستر الهجوم عند اللزوم بقنابل الدخان وإلحاق الخسائر المدمرة بقنابل الميلز، وكان المسئول عن هذا العمل هو الأخ حسن الجمل.

تحركت السيارات من خان يونس إلى نقطة تجمع منخفضة قرب المستعمرة أثناء الليل وهي مطفئة أنوارها حتى لا يشعر بها العدو بعد أن شرحت للجميع الصورة الكاملة عن شكل المستعمرة ومبانيها ومرافقها، وخزان مياهها ونقط حراستها والأسلاك والدشم المتقدمة منها ومداخلها، والقوة الدفاعية بها وأنواع الأسلحة المدافعة بالتفصيل، وبين الشكل رقم (1) رسمًا تخطيطًا للمستعمرة وما حولها.

ثم أخذ الجنود مواقعهم المتفق عليها حتى حان وقت ضرب المدفعية للمستعمرة، فأمر الأخ عبد المنعم عبد الرءوف كل القوات بالانبطاح أرضًا حتى لا تصيبهم شظايا قنابل المدفعية واستمر الضرب لمدة عشرة دقائق.

ثم صدرت الأوامر لقاذفي الهاون دخان، فأطلق ثم أمر الأفراد بالتقدم السريع والاقتحام، فهجموا وكأنهم على أجنحة طير، حتى اقتربوا من الأسلاك الشائكة بسرعة أكبر من المتوقعة، ولكن قنابل الدخان قد نفذت بسبب عدم تقدير المسئول عن أهميتها، فلم يحمل معه منها إلا صندوقًا واحدًا بدلاً من ثالثة صناديق، مستكثرًا من القنابل الشديدة الانفجار لضمان إلحاق خسائر أكبر بالعدو، ولهذا السبب لم تجد تعليمات اليوزباشي عبد المنعم عبد الرءوف بإطلاق مزيد من قنابل الدخان، وانكشف المهاجمون للعدو، والذي زاد في انتباهه وتحفزه ضرب المدفعية المستمر لمدة عشر دقائق، ففتح نيرانه على المهاجمين متبادلا معهم الضرب بالرشاشات ولكن من وراء جدر متحصنة ومسيطرة، مما عرقل الهجوم.

وقد زاد في الارتباك أن عادت مدفعيتنا للضرب دون أوامر، بينما كان المهاجمون يتقدمون عليهم دانات خاطئة ضاعفت في عرقلة الهجوم مما حدا بالأخ عبد المنعم عبد الرءوف أن يأمر القوات المهاجمة بالانسحاب إنقاذًا للموقف، وقد أصيب الأخ كمال عزمي بدانة أثناء الانسحاب، ثم بدفعة يرن أصابته في أصبعه وهو يخرج المنديل ويربط جرحه، ولكنه ظل مبتسمًا صامتًا حتى أخذ الأخ حسين حجازي قايشه وربطه جيدًا بقايش الأخ عبد المنعم أبو النصر، وربط يد الأخ كمال عزمي السليمة بالقايش جيدًا، وتم سحبه من أرض المعركة حتى الوادي حيث نقل على نقالة إلى مكان أمين.

ولقد تسبب الأخطاء الآتية في زيادة عدد الجرحى والشهداء من متطوعي الإخوان في هذه المعركة:

1- تأخر ضرب المدفعية إلى الفجر وكان المقرر أن يتم القذف قبل ذلك بكثير لاتخاذ الليل ساتر طبيعًا للمهاجمين.

2- كانت قنابل 2 رطل لا تؤثر في دشم العدو، حتى إذا أصابتها، وذلك من متانة الدشم فلا تترك إلا أثرًا أسودًا على جدرانها مكان الطلقة.

3- لم يحمل الأخ حسن الجمل ما يكفي من قنابل الدخان مما كشف المهاجمين في مواقعهم الحساسة على مشارف المستعمرة، وقد ظهر الصباح وانعدم الساتر الطبيعي لهم وهو ظلمة الليل، مما عرضهم لرشاشات العدو المباشرة.

4- عاودت المدفعية ضربها دون أن يصدر لها الأخ عبد المنعم عبد الرءوف الإشارة الحمراء المتفق عليها، مما عرض المهاجمين إلى دانات المدفعية المصرية لأنهم كانوا مشتبكين مع العدو في أرض واحدة.

5- لم يتمكن الأخ محمد حسن العناني المكلف بوضع طوربيد البنجالور تحت الأسلاك الشائكة لنسفها وفتح ثغرة فيها بسب إصابته في فخذه وهو يتقدم نحو الأسلاك بعد زوال الدخان الساتر، وقد نزف نزيفًا شديدًا من هذه الإصابة تلطخ بسببه سرواله الكاكي فأصبح جميعه بلون الدم، فاستغاث بشقيقه عبد الوكيل بصوت منخفض وكان من رمان البرن، فبدأ يتحرك نحوه رغم ما في ذلك من مخالفة عسكرية حيث لا يصح الاقتراب من المصاب أثناء المعركة، لأن موقع المصاب أصبح مكشوفًا للعدو وجاهزًا لضرب كل من يتقدم إليه دون اتخاذ إجراء لحمايته أثناء التقدم كسواتر الدخان أو النيران الكثيفة تجاه العدو، لتشغل أو تمنع من أصاب الأول أن يصيب الثاني.

وقد بدأ عبد الوكيل بالزحف للخلف بعض الشيء، وسحب بندقية شقيقه وسلمها لقائد الفصيلة الذي لم يكن مسلحًا ببندقية، بل كان يحمل مسدسًا، وحاول محمد التحرك ولكنه لم يستطع حيث ازداد نزيف الجرح وآلامه، فلم يتحمل شقيقه وزحف نحوه مغلبًا العاطفة على القاعدة، فأصابته دفعات طلقات مباشرة فور اقترابه منه استشهد على أثرها على الفور، وكان استشهاد الشقيقين تحقيقًا لرؤية صالحة رآها أبوهما الصالح، فتحققت كفلق الصبح، حيث رآهما مجتمعين في رحاب الجنة.

ولما ذهب الإمام الشهيد ليواسي الأب الصالح رد عليه قائلا لو أردت ولدي الثالث لأرسلته فورًا إلى ميدان الشرف والكرامة.

وقد استشهد في هذه المعركة الأخ أحمد السيد، وجرح الأخ معروف الحضري وهو على أسلاك المستعمرة، وإذا كان عدد الشهداء والجرحى في هذه المعركة كبيرًا، إلا أن أحدًا منهم لم تكن إصابته من الخلف. وقد استمرت المعركة مع الخيط الأول للفجر واستمرت حتى الظهر حين تم الانسحاب إلى الوادي، ومن هناك نقل الجرحى والشهداء إلى المستشفى، وكانت قائمة الجرحى كالآتي:

1- بكباشي معروف الخضري

2- كمال عزمي.

3- سالم حسن سالم

4- محمد فؤاد إبراهيم.

5- عبد الحميد غالي

6- ملازم مصطفى ميره.

وكانت قائمة الشهداء كالآتي:

1- نور الدين الغزالي

2- محمد أنور عبد الرحمن الفرسيسي.

3- محمد محمد كرم حسين

4- رشاد محمد مرسي.

5- محمود عبد الجواد أحمد

6- محمد حسن العناني.

7- عبد الوكيل حسن العناني

8- حسن مصطفى العزازي.

9- جميل أنور الأعسر

10- محمد عثمان بدر.

11- محمد عثمان عبد الله

12- هرون عبد العزيز حسان.

13- محمود إبراهيم السيد

14- محمد كامل بيومي.

15- السيد فرج السيد

16- علي متولي خليل

17- عبد العزيز إسماعيل

18- محمد حسن علي.

19- فتحي محمود مراد

20- حسن صالح أبو عيسى الكواكبي.

21- عبد الوكيل حسن علي

22- محمد عبد الجليل عبد الله.

23- عبد الحميد حسنين

24- عبد الظاهر سليمان.

25- سيد محمد منصور

26- مصطفى حسن المزين.

27- مصطفى عبد المطلب عبد الحميد

28- مكاوي محمد مصطفى.

29- محمود شعبان

30- عدلي محمود شيش.

31- زين العابد عوض الله محمد

32- جابر عبد الجواد.

33- أمين محمود سليمان

34- جماد الدين أحمد إدريس.

35- علي حسن بركات

36- مصطفى شديد.

37- محمد مختار حمزة

38- رفعت محمد عثمان.

39- عبد الرازق أبو السعود

40- محمد إبراهيم رضيه.

41- عبد السميع قنديل

42- أحم محمد السيد.

43- الحاج عيسى إسماعيل عيسى.

الإخوان في معسكر النصيرات:


معركة بين علي صديق ومدرعات العدو واستشهاد الأخ رفعت عثمان بيد بدوي خائن

بعد انتهاء معركة الطيران بغزة انتقلت فصيلتين من الكتيبة إلى معسكر النصيرات وبقيت فصيلة يحيى عبد الحليم بمعسكر الطيران.

وصل إلى علم الإخوان بمعسكر النصيرات أن قافلة من المصفحات والعربات المدرعة للعدو تتحرك لتموين مستعمرة كفار ديروم، فانطلق إليها علي صديق بفصيلته، ودارت بينه وبينهم معركة خلف المستعمرة استعمل فيها طلقات مضادة للدبابات من مدافع البويز، فكانت ذخيرتها تخترق جدار المصفحات وتقضي على الجنود المخبئين بداخلها.

وأسفرت النتيجة عن انسحاب هذه المصفحات رغم أن القوة التي واجهتها لم تزد على فصيلة مشاة - وقد تغيب عن العودة مع إخوانه بعد نهاية المعركة الأخ رفعت عثمان.

وقد تبين لنا أنه كان قد توجه إلى المعسكر أثناء المعركة لإحضار ذخيرة بعد أن نفذت ذخيرته، وطلب من أحد الأعراب مصاحبته كدليل فاختار له طريقًا خلفيًا يمر ببيارة غير مأهولة، ثم ضربه برصاصة في ظهره أردته قتيلاً طمعًا في الحصول على بندقيته وقد دفن الأخ الشهيد بدير البلح.

خدعة صهيونية وخيانة بدوي آخر:

استمر الشهيد أحمد عبد العزيز محاصرًا لمستعمرة دير البلح لفترة طويلة بعد معركة دير البلح الثانية، حتى رفع اليهود العلم الأبيض فوقها دليلا على التسليم، فأرسل الشهيد أحمد عبد العزيز إلى الأخ محمود عبده قائد كتيبة الإخوان بمعسكر النصيرات يطلب فصيلة مشاه للاستيلاء على مستعمرة «كفار ديروم».

وقد كلف الأخ محمود عبده فصيلة بقيادة الأخ علي صديق مجهزة بأسلحة سريعة الطلقات تساعدها فرقة ألغام لنسف ما قد يكون بداخل المستعمرة من ألغام.

وما إن مالت الشمس للمغيب حتى كانت الفصيلة قد سلمت نفسها للقائد أحمد عبد العزيز وتقدم قائدها لتحيته، فأصدر إليه تعليمات باحتلال المستعمرة التي أعلنت التسليم برفع العلم الأبيض، وقدم إليه أحد البدو دليلا إلى طريق اقتحام المستعمرة.

وما إن قربت الفصيلة من المستعمرة عبر حقول الشعير حتى اختفى البدوي عن الأنظار واستلم مدفعًا من وراء دشمة كان قد أعدها ثم أخذ يطلق سيلا من الرصاص على أفراد الفصيلة، فانبطحوا مسرعين متخذين من أعواد الشعير سواتر، ثم فوجئوا بالمستعمرة تفتح عليهم أتونا من النيران غطت بها جميع الجهات.

وقد صدرت التعليمات بسرعة إلى الجميع بالسكون التام حتى لا تهتز أعواد الشعير فتدل عليهم، وقد استشهد عدد من الإخوان في هذه المعركة وجرح عدد آخر نتيجة لغدر هذا البدوي الخائن، الذي أمكن القبض عليه عند الانسحاب وأخذه إلى المعسكر، وعندما ضيق عليه الخناق اعترف بأنه يعتبر أحد أفراد هذه المستعمرة وأنه تزوج فيها من صهيونية وله فيها أولا وكان يجمع الأخبار عن العسكريين عددًا وعتادًا، مع تحديد أماكن تجمعهم ويعود بها مساء كل يوم إلى المستعمرة.

توبة البدوي الخائن والاستيلاء على قافلة مصفحات:

وفي لحظة من لحظات الندم صحا ضمير البدوي الخائن وأخذ يجهش بالبكاء عما اقترفه من جرم في حق عروبته ودينه، وعرض أن يحرك قولاً من المؤن والذخائر من المستعمرة الأم، ليصطادها الإخوان تكفيرًا عن جريمته.

وبالفعل اتصل بالمستعمرة لاسلكيًا وكان يتكلم العبرية كأحد أبنائها وأبلغهم أن الإخوان يحاصرون المستعمرة وهي في حاجة ماسة إلى نجدة سريعة.

وقد استجابت المستعمرة وحددت للبدوي خط سير القافلة المكونة من 15 مصفحة ولوري وعليها التموين والذخيرة والسلاح يتبعها ونش كبير لإنقاذ ما قد يتعطل منها أثناء السير.

وفي المكان والزمان المحددين وقف علي صديق وفصيلته مستترين بالخنادق، وبالقرب منه وقف اليوزباشي عبد المنعم عبد الرءوف يقود سيارة تجر مدفعًا مضادًا للدبابات، حتى إذا ظهرت القافلة فاجأتها نيران الفصيلة بنيرانها ونيران المدفعية المضادة بقذائفها فاختل سير القافلة، وانفرط عقدها، وترك اليهود سياراتهم ومصفحاتهم وارتدوا هاربين إلى مستعمرتهم خشية الوقوع أسرى في أيدي المجاهدين من الإخوان، وقد جرح منهم أثناء الفرار من جرح وقتل من قتل، وكان نصرًا مظفرًا غنمت الفصيلة فيه هذا الرتل من السيارات والمصفحات بما عليه من مؤن وذخائر، حيث استدعى قائدها عدد من السائقين في المعسكر لسحبها جميعًا غنيمة للمسلمين.


ضرب مستعمرة بير إسحاق

تأهب الأخ يحيى عبد الحليم الذي استمر بفصيلته في معسكر الطيران بغزة إلى عملية ليلية، فانتقى عشرة أفراد للقيام بدورية قتال وخرج ومعه ثالثة من الضباط الألمان.

تحركت السرية في الساعة الثامنة مساءً وواصلت يسرها مدة ساعتين وعملت كمينًا بين مستعمرتي بير إسحاق وكفار ديروم، ولكن شيئا من سيارات العدو أو صفحاته لم يظهر حتى انتصف الليل.

فقررت السرية السير جنوبًا إلى مستعمرة بير إسحاق التي تبعد عن موقعها بأربعة كيلو مترات، وفي الواحدة صباحًا كانت السرية داخلت بيارة وأفرادها منبطحين جميعًا في حذر وكل ممسك ببندقيته في وضع استعداد، حيث شعروا بشبه حركة التفاف حولهم، فلما اطمأنوا تقدم ثلاثة منهم إلى المستعمرة بعد قطع السلك وقذفوها بقنابل متفجرة قتلت واحدًا من الأعداء، ثم انسحبت بعد ذلك عائدة إلى معسكرها فوصلت سالمة مع تباشير الفجر.

ضرب مصفحات يهودية:

في يوم الجمعة 6 مايو علم الإخوان بمعسكر الطيران بغزة بوجود مصفحات يهودية غارزة في الرمل فسيروا سرية داخل مصفحة وذهبت لمقاتلتها بقيادة الأخ يحيى عبد الحليم، وعلى بعد 1500 متر من المصفحات اليهودية أحد جنود السرية مواقعهم للضرب واستمرت المعركة ساعة، جرح فيها الأخ محمد فؤاد، والأخ محمد الشاذلي، واستشهد فيها الأخ فتحي الخولي، وقتل وجرح من اليهود من قتل وجرح، وعادت السرية إلى مواقعها بمعسكر الطيران.


تحرك الكتيبة إلى الشمال بعد دخول الجيش المصري واحتلالها للعوجة وعسلوج وبئر سبع

بعد دخول الجيش المصري في 15 مايو سنة 1948م أرض فلسطين تقدم في اتجاهين الأول يوازي الساحل الفلسطيني شمالاً، والثاني إلى الجنوب حيث أقام اتصالا مع الجيش الأردني الذي اندفع إلى القدس واشتبك مع اليهود هناك.

وقد قرر القائد أحمد عبد العزيز أن تتحرك كتيبة الإخوان مع القوات الخفيفة داخل النقب لما يعلمه عن هذه الكتيبة من مقدرة فائقة على التحرك والعمل والفدائي.

فتحركت الكتيبة في قول يتكون من مائة عربة ناقلة جنود وعربات مدرعة ومدفعة مضادة وعربات تموين وأسلحة وذخيرة وسيارات نقل مياه وعربات إسعاف، وتوغلت في صحراء النقب مارة بالكثير من المستعمرات اليهودية.

وكانت الكتيبة تطلق قنابل الدخان في اتجاه كل مستعمرة تمر بها، حتى استطاعت اجتياز هذه المناطق ووصلت مدينة العوجة، حيث تركت كتيبة من القوات الخفيفة بقيادة اليوزباشي محمد سالم، ثم واصلت السير نحو بلدة عسلوج، حيث تركت بها كتيبة أخرى بقيادة الأخ عبد المنعم عبد الرءوف لحماية خط العوجة- عسلوج، ثم واصلت السير في اتجاه بئر سبع عاصمة النقب، وهي محاطة بعدد من المستعمرات، وقد استقرت كتيبة الإخوان ببئر السبع بقيادة الأخ محمود عبده، وواصل القول سيره نحو الشمال، وفي الطريق فتحت القوات الخفيفة مدفعيتها الثقيلة على المستعمرة الغربية من بئر سبع لتحطيم روح اليهود المعنوية فلا يفكروا في الهجوم عليها، ثم واصلت سيرها في اتجاه الظاهرية حتى وصلت مدينة القدس فعسكرت هناك قرب المسجد الأقصى.

كتيبة الإخوان في بئر سبع:

عسكرت كتيبة الإخوان في المدرسة الثانوية ببئر سبع وكانت الدراسة معطلة وأمر قائد الكتيبة الأخ محمود عبده سرعة تحصين المدرسة لأهميتها، وكلف أفراد الكتيبة بحفر الخنادق وإعداد الدشم من جميع الجهات، وتطوع كثير من أهالي البلدة وشبابها مساهمين في هذا العمل العسكري دفاعًا عن مدينتهم كما تطوع الكثيرون منهم لحمل السلاح وكانوا شجعانا أوفياء.

هجوم العدو على المدينة وإلحاق خسائر ضخمة به في كل مرة:

حاول العدو مرات ومرات مهاجمة المدينة بمصفحاته ومدفعياته ولكنه كان يرد في كل مرة تاركا خلفه الكثير من الجرحى والقتلى، حتى يئس وتقوقع داخل مستعمراته وبدأ دور الإخوان في الهجوم.

علي صديق يقتنص دبابة ضخمة في بئر سبع:

لما شاهد الأهالي تتابع هجمات كتيبة الإخوان على مستعمرات العدو في هذه المنطقة تحمسوا وقرروا التعاون مع أفرادها، فأسر الشيخ سلامة بن سعيد من أثرياء المدينة إلى قائد الكتيبة بأخبار عن تحرك العدو في طريق مجهولة، ويمكن لقناصة الإخوان اقتناصه، وعلى الفور أمر الأخ محمود عبده قائد الكتيبة تجهيز سرية من سبعة أشخاص بقيادة الأخ علي صديق، يكونون جميعًا من أمهر الكفاءات القتالية مع تجهيز الألغام الكهربائية اللازمة لنسف الجسر الذي تمر فوقه مصفحات العدو.

وفي المساء تحرك علي صديق ومعه أفراد الكمين في سيارة وحملوا كل لوازمهم من ذخيرة وألغام مضادة للمصفحات وجهاز لاسلكي ومواد تموينية جافة تكفي لمدة ثلاثة أيام، ولبس أفراد السرية ملابس بدوية حتى وصلوا إلى الطريق الإسفلتي، ثم وضعوا أمتعتهم فوق ظهر الجمال حتى يظنهم الرائي من البدو الرُّحَّل، وقادهم دليل من اختيار الحاج سلامة وهم في طريقهم إلى المستعمرة يسترهم ظلام الليل البهيم.

ثم حطت السرية رحالها وسط واد عميق بالقرب من الطريق المسفلت الذي يربط المستعمرات بعضها ببعض، والذي سيكون أرضًا للمعركة، وتسلل بعض أفرادها إلى الكوبري الذي تعبر فوقه المصفحات، فوضعوا الألغام فوق قواعده الرئيسية، ثم حفروا الخنادق بسرعة لبقية أفراد المجموعة في المواجهة الكبرى، مع العمل على توفير الحماية لظهور المهاجمين وقد تم توزيع الذخيرة والتموين والزمزمية مملوءة بالماء بما يكفي كل خندق ثلاثة أيام، وجلس قائد السرية الأخ علي صديق ومعه بطارية التفجير يومين على هذا الحال وقد أمر جنوده أن لا يظهروا إطلاقًا وأن يصلوا متيممين داخل الخنادق حتى يظهر العدو وتبدأ المعركة.

وقبل ظهر اليوم الثالث وكان يوم جمعة ظهرت القافلة في الطريق فأصدر الأخ علي صديق أمره بعدم إطلاق النار إلا بعد أن يتم نسف الكوبري محافظة على الذخيرة، حيث إن المعركة في أرض العدو وسوف تتوالى نجداته من المستعمرات المجاورة.

وما إن وصلت المصفحة التي تتسع لأكثر من سبعين من العساكر اليهود إلى الهدف حتى أدار على المفجر الكهربائي، فارتفع صوت انفجار هائل زلزل المنطقة وتصاعدت منه الأتربة وكأنها تصعد من بركان، وما إن انقشع التراب حتى ظهرت المصفحة وقد هوت وسط هذا الوادي السحيق، وفي الحال ألقى الإخوان المكلفون بضب الناقبل، قنابل شديدة الانفجار على المصفحة حتى لا ينجو من ركابها أحد، ثم تلى ذلك نيران مدافع سريعة الطلقات من الشهيد علي صبري.

وقد سر قائد الكتيبة فور إبلاغه لاسلكيا يبدأ المعركة وأرسل فرقة لضربه إحدى المستعمرات لتعطيل خروج أي نجدات منها، أما المستعمرة الثانية فقد أخرجت نجدة إلى أرض المعركة وبدأت في نقل القتلى والجرحى في عربات نقل تحت وابل من نيران الإخوان وهم في خنادقهم لا يراهم أحد، وقد وقع في هذه النجدة العديد من الإصابات.

ثم انسحب الإخوان عندما رأوا عربة جنود تحاول تطويقهم، وشاءت إرادة الله أن تصل فرقة من إخوان بئر سبع بمجرد رؤيتهم لهذه السيارة حاملة الجنود أسرعوا في إطلاق النار عليها فولت هاربة إلى داخل المستعمرة ولم يجرؤ أحد من اليهود على الخروج.

ثم قام الإخوان بجمع السلاح المتخلف عن الأعداء، وقضوا ليلة في حراسة المصفحة التي لم تصب من الضربة لمتانتها حتى حضر الأخ محمود عبده في الصباح ومعه جرار كبير استطاع أن يرفعها لتقف على عجلاتها، ثم تمت قيادتها إلى بئر سبع وسط فرح الأهالي وتكبيرهم.

وقد أذاع راديو الهاجاناه نعيا لهذه المصفحة وجنودها فقد كانت أكبر وأقوى مصفحاتهم على الإطلاق. ولم يخسر الإخوان إلا شهيدًا واحدًا في المعركة هو الأخ علي صبري الذي دفن في بئر سبع في مشهد رهيب جمع العسكريين والمدنيين.

تحرك الكتيبة من بئر سبع إلى بيت لحم:

في اليوم التالي تحركت الكتيبة من بئر سبع مارة بالخليل حيث كان يعسكر عدد كبير من إخوان الإسكندرية منهم الشهيد يوسف عفيفي الذي استشهد فيما بعد في بئر سبع، ثم واصلت الكتيبة سيرها إلى بيت لحم، حيث عسكرت بجوار مقر قيادة الشهيد أحمد عبد العزيز، وهناك ضربت المدفعية القدس الجديدة ضربًا متواصلا بينما الأخ المجاهد يرتل آيات من كتاب الله في صوت رخيم ويردد معها الله أكبر الله أكبر، ضربت خيبر.

تحرك الكتيبة إلى صور باهر:

في 26 يونيو سنة 1948م تحركت كتيبة الإخوان إلى صور باهر، حيث قرر القائد تحصين المدينة فأعد مشروع دفاع عنها وأسهم الإخوان مع الأهالي في تنفيذه، وكان من بينهم الأخ مالك نار، فأنجزوا حفر الخنادق وإتمام التحصينات في سرعة ملحوظة وبنجاح كبير، ثم عسكر الإخوان في مدرسة صور باهر في انتظار عمل كبير.


احتلال العسلوج

سبق أن جاء على لسان اللواء أحمد علي المواو بك في شهادته أمام المحكمة في قضية السيارة الجيب عن احتلال الإخوان لبلدة العسلوج النص الآتي:

«العسلوج هذه بلد تقع على الطريق الشرقي، استولى عليها اليهود أول يوم في الهدنة، ولهذه البلدة أهمية كبيرة جدًا بالنسبة لخطوط المواصلات، وكانت رئاسة الجيش تهتم كل الاهتمام باسترجاع هذا البلد حتى أن رئيس هيئة أركان الحرب أرسل لي إشارة هامة يقول فيها: لا بد من استرجاع هذه البلدة بالهجوم عليها من كلا الطرفين من الجانبين، فكلفت المرحوم أحمد عبد العزيز بك بإرسال قوة من الشرق من المتطوعين وكانت صغيرة بقيادة ملازم، وأرسلت قوة كبيرة من الغرب تعاونها جميع الأسلحة، ولكن القوة الصغيرة هي التي تمكنت من دخول القرية والاستيلاء عليها».

ويفصل لنا الأخ يحيى عبد الحليم قائد السرية التي احتلت العسلوج وقائع هذه المعركة في سلسلة الله أكبر الصادرة عن دار الأنصار بالقاهرة تحت عنوان «بطولات إسلامية معاصرة» - من الانتصارات الباهرة لكتائب الإخوان المسلمين في فلسطين سنة 1948 فيقول: «كانت قوات قائد القوات الخفيفة البكباشي أحمد عبد العزيز كلها من متطوعي الإخوان المسلمين، وقد كلفت هذه القوة باحتلال الخط -عسلوج- بئر سبع الخليل لحماية ميمنة الجيش المصري المتمركز على المنطقة الساحلية على الخط -رفح- غزة- أسدود غرب فلسطين ولحماية النقب ومحاصرة اليهود وطردهم من جنوب فلسطين- ولما كانت القوة قليلة العد لا تستطيع حماية هذا الخط الطويل، اضطر القائد أن يترك فصائل صغيرة لحماية القرى المتحكمة في هذا الطريق.. ومن أهمها قرية (عسلوج) التي كانت تشرف على الطريق الرئيسي المرصوف وكان يقوم على قيادة الخط العوجة -عسلوج- الأخ اليوزباشي عبد المنعم عبد الرءوف.

وقد ترك الأخ عبد المنعم عبد الرءوف معظم قواته بالعوجة لأنها كانت مركز تموين القوات الخفيفة، وترك قوة صغيرة بقرية العسلوج بقيادة الأخ الشهيد عبد الوهاب البتانوني ومعه جنديان هما الشهيد رشاد محمد زكي، والشهيد محمد حامد ماهر.

وفي أول أيام الهدنة انتهز اليهود فرصة اطمئنان المقاتلين بإعلان الهدنة من ناحية، وقلة عدد جماعة العصلوج من ناحية أخرى، فقرروا الغدر بهم واحتلال العسلوج، وكان الأخوة الثلاثة في مخزن الذخيرة حين دخل اليهود القرية دون مقاومة لاحتلالها، ولما انتبهت حماية القرية وكان ثلاثتهم داخل مخزن الذخيرة إلى دخول اليهود، قرروا أن لا يمكنوهم من اغتنام أسلحتهم وذخائرهم الموجودة بالمخزن، ولو كان ذلك على حساب تقديم أنفسهم شهداء، فاختبئوا خلف كومة من صناديق الذخيرة حتى امتلأ المخزن بجنود العدو المزهو بالنصر، وأشعل الشهداء الثلاثة النار في صناديق المفرقعات في لحظة واحدة فانفجرت انفجارًا هائلاً أحال المخزن إلى كومة من الأنقاض قتل تحتها أغلبية القوة المهاجمة من اليهود، واستشهد الأبطال الثلاثة ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: 170].

وقد حاول اليهود التمركز في القرية بعد هذه الكارثة المدمرة التي لحقتهم، فانشأوا مواقع دفاعية فوق المرتفعات المواجهة للقرية وأحاطوها بأسلاك شائكة وبنوا بها عددًا من الدشم حتى صارت موقعًا حصينا لهم فأصبحوا متحكمين مسيطرين على الطريق الرئيسي العوجة- بئر سبع.

ولأهمية موقع القرية وتحكمها في الطريق وقربها من الحدود المصرية -طلب رئيس هيئة أركان حرب الجيش المصري من القائد العام ضرورة استردادها من اليهود بأي ثمن، وأرسل مساعد مدير العمليات الحربية إلى فلسطين لهذه المهمة، فصدرت الأوامر إلى كتيبة من الجيش المصري بأسلحتها المساعدة مع سرب من سلاح الطيران المصري في 17/ 7/ 1948 لتتحرك لمهاجمة عسلوج والاستيلاء عليها، وأخذ سلاح الطيران في ضرب موقع العدو ثم تلاه سلاح المدفعية، ولما جاء دور المشاة تعذر عليها دخولها. استنجدت القيادة العامة بقوات المتطوعين، واتصلت بالمرحوم أحمد عبد العزيز لإرسال قوة تقتحم القرية، وتمهد لقوات الجيش احتلالها، واتصل هو بدوره بقائد الإخوان المسلمين الأخ اليوزباشي محمود عبده بموقع «صور باهر» على مشارف القدس.

وقد كلف الأخ اليوزباشي محمود عبده الأخ يحيى عبد الحليم باختيار فصيلة للقيام بهذه المهمة فاختار عشرين أخًا.

وكانت مهمة الاختيار عسيرة وصعبة فالكل والحمد لله على روح متساوية في الإيمان والجميع يبغي الشهادة والجميع يتمثل بقول القائل:

ركضًا إلى الله بغير زاد

إلا التقى وعمل الميعاد

والصبر على الله في الجهاد

وكل زاد عرضة للنفاد

غير التقى والبر والإرشاد

وهكذا وبمجرد أن شعر الإخوان أن هناك مهمة فدائية حتى تسابق وتدافع الجميع واقتحموا مكتب قائد القوة وكل منهم يريد أن ينال شرف الشهادة ويحصل على إحدى الحسنيين، وكان على رأس هؤلاء المطالبين بإلحاح في الاشتراك في هذه العملية الأخ شرف الدين قاسم من إخوان بورسعيد، فدخل مكتب القائد وصرخ بأعلى صوته أنت تحابي وتختار للشهادة غيري!!!.

وما كان القائد ليحكم العاطفة في هذا الموقف وأمره بالعودة إلى مكانه وذكره بحديث رسول الله (ص): «عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» فعاد الأخ شرف ليكون عينًا ساهرة في سبيل الله حقًا، ولكن بدموع باكية.

قدمت الفصيلة المجاهدة نفسها يوم 17/7/ 1948 إلى الصاغ حسن فهمي عبد المجيد والملازم خالد فوزي من ضباط الجيش المصري، وقد تطوع الضابطان معها للقيام بهذه المهمة.

ولكن ما إن وصل إلى علم قيادة مدفعية بيت لحم أن قوات الجيش التي كلفت بالاستيلاء على عسلوج قد أحرزت بعض التقدم حتى أصدرت لها الأمر بالعودة إلى مواقعها في «صور باهر» وما كادت تصل إلى الموقع حتى جاءت إشارة عاجلة من القائد أحمد عبد العزيز يستدعيها للقائه، ذلك لأن قوات الجيش تعذر عليها اقتحام القرية.

وعندما التقى الأخ يحيى عبد الحليم بالقائد أحمد عبد العزيز حدثه باهتمام شديد وجاد وشرح له دقائق العملية بالتفصيل، وكان اللقاء مملوءًا بالحماسة والإيمان وكان توجيه القائد أحمد عبد العزيز مملوءًا بالصدق والإخلاص والنصائح القيمة المفيدة والتشجيع بالكلام الطيب مع التوصية بالثبات عند اللقاء وأن النصر مع الصبر.

ركبت الفصيلة السيارات وكلمات القائد تملأ السمع والفؤاد، وانضم إليها الدكتور محمد غراب طبيبب القوة المخلص التقي الطاهر «أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحد».

ولقد تفاءل قائد الفصيلة بوجوده، وبدأ تحركها ليلا، حتى وصلت أرض العسلوج وكانت أرضًا مسطحة مكشوفة ليس بها سواتر، بينما كان العدو مستترًا في دشمة المحصنة، وكان يغطي أرض المعركة التي بينه وبين الأخوة المهاجمين بالنيران المكثفة، وكان على هذه القوة أن تضع خطة سريعة خاطفة لتخطي هذه العقبات دون خسائر.

فقررت التقدم السريع في قفزات سريعة متعرجة، وانبطاح حتى نقترب من الدشم.

اجتمع الأخ يحيى عبد الحليم بأفراد الفصيلة ووزع على كل منهم دوره بدقة، وأفهمه البدائل حين تكون مفاجآت غير منتظرة، والحيز الذي يجب أن يتصرف الأخ فيه حين ينقطع الاتصال بينه وبين قائده القريب.

وظهر بوضوح في هذه الجلسة القصيرة مدى الترابط المتين بين أفراد هذه القوة ودرجة الحب العالية التي تربط بين الأخوة، وحرص الجميع على السمع والطاعة المبصرة، فجاءت الثواني الأولى من المعركة والكل بحمد الله على درجة عالية من الثقة بالله والاتصال به والتوكل عليه.

تكونت المجموعة المتقدمة من يحيى عبد الحليم، وعبد الكريم السيد، وإسماعيل عبد النبي وهذه مجموعة القلب.

كما كانت هناك مجموعة في الميمنة ومجموعة في الميسرة ومجموعة تعزيز من الخلف تتابع التقدم وتراقب بدقة المجموعات الأمامية.

وبعد دقائق بدأت مدفعية الفصيلة تدك مواقع العدو ودشمه، وواصلت الضرب، وتوالى نزول الدانات على الموقع وسكتت المدافع فكان سكوتها هو كلمة السر لبدء الهجوم.

تقدمت مجموعة القلب في سرعة مذهلة وكأنها تتقدم على أجنحة الملائكة، ولسان حالها يقول: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [اطه: 84].

وكان الشعور مرهفًا والحواس يقظة حذرة، فرصاص العدو يتساقط على المهاجمين كالمطر وهم يوجهون قلوبهم إلى الله القائل: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 126]. ويجدون في التقدم السريع حتى تسللوا إلى القرية زحفًا لمقابلة الذين كفروا تحت وابل من النيران ودانات مدافع الهاون التي تتساقط بجوارهم.

وما إن اقتربت مجموعة القلب من العدو بحيث لا تؤثر نيرانه عليها إذا بالأخ محمد إسماعيل عبد النبي يهاجم على الموقع، بينما يقف الأخ يحيى عبد الحليم والأخ عبد الكريم السيد يراقبان الموقف حتى أنهى الأخ عبد النبي تطهير الموقع ودخل الجميع الدشمة فوجدوا فيها ثلاث جثث لليهود.

ومن هذه الدشمة التي اعتبرت نقطة تقدم تقدمت باقي المجموعات وتم بحمد الله استرداد قرية العسلوج في سرعة خاطفة حيث فر اليهود منها تاركين وراءهم سيارات ومعدات وأسلحة كثيرة وعددًا كبيرًا من صناديق الذخيرة، واحتموا وتحصنوا بالتبة المشرفة على الطريق الرئيسي في انتظار وصول قوة كبيرة يبدأون بها استعادة القرية وإجلاء المتطوعين.

أما المتطوعون فقد كان تفكيرهم منصب على القضاء على الدشمة التي لا تزال تواصل ضرب النار، فقررت مجموعة القلب الهجوم عليها مجتازة مساحة تزيد على خمسمائة مترًا من أرض مكشوفة مغمورة بالنيران المكثفة، ويكون وراءها طقم مدفع 6 رطل يضرب بصفة مستمرة أثناء تقدم المجموعات.

وقد أحدث نزول الدانات على الموقع ارتباكًا وذعرًا في نفوس العدو وخصوصًا وهم يشعرون أنه لم يبق غير هذه الدشمة من دشمهم، التي أسكتت جميعًا، بينما ازدادت القوة المهاجمة جراءة وجسارة وعزمًا ثابتًا على بلوغ الهدف.

واصلت مجموعات الهجوم التقدم تتقدمهم مجموعة القلب وقطعوا نصف المسافة أو يزيد في قفزات سريعة وزحف مستمر، برغم وابل الرصاص المنطلق من الرشاشات السريعة الطلقات حتى إذا كان بين مجموعة القلب وبين العدو حوالي سبعين مترًا وتوقفت نيران مدفعية الهجوم وسكنت أيضا نيران العدو وتقدم الأخ إسماعيل عبد النبي، ولكن ما إن تحرك حتى انطلقت في اتجاهه دفعة هائلة من الطلقات المتتابعة فأشار إليه يحيى أن يتوقف تمامًا كما أشار أيضًا إلى عبد الكريم بالسكون التام وعدم الحركة، وبعد هنيهة تقدم يحيى إلى الأمام في سرعة فائقة وصمت تام، وإذا بالنيران تفتح بغزارة وبسرعة نحوه فيصيب إحداها ساقه اليسرى مخترقة عظمة الركبة من الأمام، نافذة من عظمه الساق وعظمة الفخذ، أعجزته عن مواصلة التقدم فأشار إلى إسماعيل عبد النبي بأن ذخيرة اليهود قد نفذت وآخرها هو ما أصابه، ولابد من الهجوم والاقتحام في حذر شديد وجراءة فائقة وجسارة لا تعرف التردد، فتقدم الأخ إسماعيل ومعه الأخ عبد الكريم ومن وراءهم مجموعة الميمنة وظلت مجموعة الميسرى تترقب، حتى إذا أصبح إسماعيل أمام الدشمة قفز عليها وانتظره عبد الكريم بالخارج، حتى ناداه إسماعيل فقاما بتطهير الدشمة والقضاء على المقاومة الأخيرة، وقتل جميع من بقى فيها، ثم تابعوا الفارين بالطلقات النارية وتم تأمين الاستيلاء على القرية.

وعندما حمل المجاهدون قائدهم المصاب في ساقه على نقاله تحققت آية مذهلة من آيات رعاية الله للصادقين، فقد هاجمتهم طائرات إسرائيلية انخفضت إلى ارتفاع قريب وكانت ثلاث طائرات، توالى إطلاق النار من مدفعيتها السريعة الطلقات تجاه النقالة، فأسرع حملة النقالة بالاختباء في مخبأ قريب ولم يصب أحد منهم بسوء، أما النقالة فقد اخترق الرصاص المنصب عليها وكأنه منصب من أفواه القرب معظم قماشها، ولكن المصاب الراقد فوقها لم يصبه سوء، وكأن أيدي الملائكة كانت تدفع الرصاص المتساقط ليتحول بعيدًا عن الجسد الجريح إلى الحواف في إعجاز مذهل.

وقد تمكن الأخوة المسيطرون على باقي الدشم المحتلة من إطلاق مدافعهم الرشاشة في اتجاه الطائرات الثلاث ووالوا الضرب حتى فرت جميعًا واكتمل النصر ودوى في الفضاء آذان المؤذن الأخ مصطفى المبلط الذي اعتلى المأذنه وأشرقت القلوب بسماع صوته يجلجل الله أكبر الله أكبر، وكان هذا الأذان إيذانًا لقوات الجيش المصري بالاندفاع إلى القرية مهللين ومكبرين وهتفت الجموع كلها في بشر وسرور الله أكبر سقطت عسلوج. وقام قواد الفصائل من الجيش بتنظيم حراسة شديدة خشية المفاجأة فوضعوا في كل دشمة وكل موقع قوة كبيرة، وأحاطوا القرية بعيون حارسة وبقلوب مؤمنة، وفي الجانب الآخر كان هم جنود العدو الهرب حفاظًا على الحياة وطلبًا للنجاة حيث أصيبوا بحالة ذعر فكانوا ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: 50، 51].

وقفة لازمة عقب هذا الوصف الواقعي للمعركة:

1- لقد شاهدنا ثلاثة رجال من المسلمين تفاجئهم قوة الأعداء داخل مخزن ذخيرتهم الأمر الذي يجعل المقاومة مستحيلة، ومع ذلك لا يرتضون الاستسلام للعدو ويصممون على أن يضحوا بأنفسهم في سبيل إلحاق خسارة فادحة بالعدو، فينسفون المعسكر بما فيه، ليقضوا على كل قوة العدو دفعة واحدة، ولا يسمحوا له بغنيمة جزء من مال المسلمين وحسبهم أنهم في الجنة وعدوهم في النار.

إن التفكير في هذه الحقيقة التاريخية لجدير أن يجسد مدى التغيير الذي تضفيه العقيدة الإسلامية على المسلم عملا لا قولا. إننا عندما كنا نقرأ عن الفرق الانتحارية اليابانية ونحن صغار، كنا نعجب أشد العجب من هذا الجندي الياباني الذي يتطوع لقيادة طوربيد متفجر في عرض البحر ليصطدم بسفينة من السفن الأمريكية فيغرقها بمن فيها ويغرق معها، وكنا نعتبر مثل هذه الروح الفدائية خرافة لا يقدر عليها إلا اليابانيون، لاعتقادهم أن أرواحهم تنسخ في أجساد أخرى، وتترقى إلى درجات أعلى بعد أن تعود إلى الحياة في الأجساد الجديدة.

وها نحن نعيش حتى نرى المسلمين الذي تمكنت العقيدة في نفوسهم، وتأكدوا من صدق ربهم الذي وعد الشهداء بالجنة، فصار الموت أحب لهم من الحياة، وقد يكون انتصار فرد واحد على دواعي الضعف البشري، فيقدم على تفجير نفسه مع أعدائه راكضًا إلى الجنة وهم إلى النار، أمرًا مشهودًا، أما أن يتفق ثلاثة في وقت واحد ولا يختلفون، ويشعلون المتفجرات بأيديهم في لحظة واحدة لينفجروا ويفجروا أعداءهم، فذلك لا يمكن أن يتأتى إلا لمن يرى الجنة رأى العين فيعبر الدنيا سعيدًا بدخول الجنة دون تردد أو وجل. 2- إن عشرين رجلا من المؤمنين قد أنجزوا عملا عجزت كتيبة بأسرها ومعها مساعد مدير العمليات بالجيش المصري أن تعمله، على الرغم من مساعدة أسلحة الطيران والمدفعية.

وإن المتفكر في هذه الظاهرة ليدرك أن التمسك بالعقيدة الإسلامية علمًا وعملا، وتنشئة الأمة على مبادئها، هو الضمان الأكيد للبقاء على كيان الأمة وعزها ومجدها، وأن كل ما عدا ذلك هزل لا خير فيه.

وأن ما قرأنا عن الفتوحات الإسلامية التي قام بها جند من وسط الصحراء ضعاف البنية، قليلو العدة، أمام أباطرة الفرس والرومان، ليست قاصرة على ذلك العهد الذي اقتصرت فيه الحروب على الفرس بالسيف، ولكنها سنة ماضية في كل زمان ومكان، فنحن نرى أثنى عشر رجلا يتقدمون في أرض منبسطة وسط سيل النيران المنهمر ليحتلوا موقعًا محصنًا بالدشم ومزودا بأفتك الأسلحة وأمضاها، ويحققون في هذا الزمان المعجزة التي حققها آباؤهم، بل أكبر وما من جديد إلا أنهم شربوا كأس الإيمان صافيًا راقراقًا، كما شربه أجدادهم، فصاروا فرسانًا بالليل ورهبانًا بالنهار، وجرت الحكمة على أفواههم، فصاروا عباقرة الفلسفة في الحكم والعدل والسياسة والسلم والحرب، تتلمذ عليهم الأجيال إلى اليوم.

3- إن الجريح المسلم وقد اخترق الرصاص ساقه وفخذه مارًا بالركبة لم يتخلف، بل استمر يقود المعركة حتى انتصر، رغم إصابته، ولا غرو، فقد جعل قدوته خالد بن الوليد، وأبي عبيدة بن الجراح، والمثنى بن حارثة، وسعد ابن أبي وقاص، وغيرهم من قادة المسلمين وجنودهم البواسل.

وما عبور الفرات بالخيل لمواجهة العدو ثم مهاجمة الفيل بالسيف إلا نوع من أنواع الفداء الذي يقترب مما نراه اليوم من هجوم على النيران المشتعلة والدشم الحصينة دون تردد أو خوف، بل باندفاع وإصرار.

4- إن النصر بيد الله ومن الله، وإن المسلمين لا يكلفون إلا بإعداد ما يستطيعون من عدة ثم عليهم أن يواجهوا بها أعداءهم مهما أوتوا من قوة وما داموا يتسلحون بالإيمان العميق واثقين بأنهم لن ينالوا إلا إحدى الحسنيين النصر أو الجنة فسوف ينصرهم الله أو يدخلهم الجنة.

وها قد رأينا جريحًا على نقالة مستهدفًا من ثلاث طائرات برشاشاتها ليس معه إلا الله، فقد اختفى إخوانه في جحور للحماية من وابل الرشاشات السريعة الطلقات المنهالة على موقع الجريح كالمطر، ولكن جند الله الذين لا نراهم بالأعين أبعدوا كل هذا الرصاص عن جثمان الجريح، فلم يصب بأذى بينما تهتك قماش النقالة من حوله في كل أجزائه، فلم يبق فيه مكان لثقب جديد.

درس عملي لرجال الأمة الإسلامية وقادتها ليعلموا كم هي الخسارة التي تفقدها الأمة بالبعد عن اتخاذ الإسلام الحنيف شرعة ومنهاجًا، إنهم لا يخسرون الدنيا فقط، بل يخسرون أيضًا يد الله الحانية على عباده المخلصين.


احتلال التبة 86

لقد جاء ذكر احتلال التبة 86 في شهادة اللواء أحمد فؤاد صادق باشا الذي خلف اللواء أحمد علي المواوي في قيادة حملة فلسطين، أمام المحكمة في قضية السيارة الجيب حيث قال سعادته بالنص واصفًا الأعمال البطولية للإخوان المسلمين أمام المحكمة:

«نعم سمعت بعد وصولي لرئاسة القوات من قلم المخابرات العسكرية أن اليهود يبحثون دائما عن مواقع الإخوان لتجنبوها في هجومهم، فجثت عن حالتهم الفنية، وأمرت بتمرينهم أسوة بالجنود ودخلوا مدارس التدريب، وأصبح يمكن الاعتماد عليهم في كثير من الأحوال التي تستدعي بطولة خاصة، مثلا أرسلتهم من دير البلح إلى ما يقرب من 100 كيلو إلى الجنوب لملاقاة الهجوم الإسرائيلي على العريش فاستبسلوا وأدوا واجبهم تمامًا- واشتركوا أيضا في الدفاع عن الموقع 86 في دير البلح وأعطيتهم واجبًا من الواجبات الخطيرة، فكانوا في كل مرة يقومون بأعمالهم ببطولة استحقوا من أجلها أن أكتب لرياسة مصر أطلب لهم مكافأة بنياشين».

لا تدهش أيها القارئ العزيز وأنت تسمع القائد العام لحملة فلسطين بعد أن أقسم اليمين وهو يشهد في المحكمة التي تحاكم الإخوان المسلمين باسم الدولة التي نصبته قائدًا عامًا للجيش وهو يقول في ثلاثة أسطر إن:

1- الإخوان كلفوا من قبله لملاقاة الهجوم الإسرائيلي على العريش، فتحركوا إلى أرض المعركة التي تبعد عنهم مائة كيلو واستبسلوا وأدوا واجبهم تماما.

2- إنهم اشتركوا في الدفاع عن الموقع 86 في دير البلح.

3- إنهم كانوا في كل مرة يعطيهم واجبًا من الواجبات الخطيرة يقومون بأعمالهم ببطولة استحقوا من أجلها أن يكتب لرياسة مصر يطلب لهم مكافأة بنياشين، وإني أدعوك لتسمع رواية القائد التفصيلية لاشتراك الإخوان في احتلال الموقع 86 في منطقة دير البلح، كما جاءت على لسانه متحدثًا إلى سماحة مفتي فلسطين الذي كلف الكاتب الفلسطيني محمد علي قطب تنشرها ضمن سلسلة الله أكبر «بطولات معاصرة» التي تنشرها دار الأنصار تحت عنوان «التبة 86- الصاغ محمود عبده وإخوانه- قمة في الفدائية- قمة في التجرد والعطاء» قال اللواء فؤاد صادق باشا: تسلمت قيادة الجبهة والجيش المصري في أسوأ حالاته الدفاعية، من حيث خطوط المواجهة الممزقة، ومن حيث إمكانيات السلاح الضعيفة والذخيرة الفاسدة، ومن حيث حصار بعض شراذمة في «الفالوجة» وغيرها.

ولقد حملت عبئا ووزرًا، عبئا ثقيلا تنوء به الجبال الرواسي، ووزرًا شائنا يصبح وصمة في تاريخ حياتي العسكرية.

وكان عليَّ أن أحلل مع أركان حربي كل الموقف وأدرس كل الاحتمالات، فأغير من الخطة وفق ما يتناسب مع قدراتي العددية، ووفق ما تتطلبه المفاجآت التي تحدث بين ساعة وساعة، ولقد قضيت ليلتين متواصلتين مع أعواني وإخواني من الضباط ندرس الموقف بدقة متناهية فلا نغادر جزئية ولو بسيطة حتى نشبعها بحثًا وتمحيصًا، وبناء على ما حصلنا عليه من نتائج وضعنا الخطة الجديدة ووسائل العمل والتنفيذ، وحددنا تواريخ البدء.

هجوم يهودي مفاجئ واحتلالهم للتبة 86:

وعند الساعة الثانية ليلا من فجر أحد الأيام دوى انفجار شديد، تبعثه أصوات القذائف والرشاشات، وكنت لا أزال مستيقظًا في خيتمي، مستلقيًا على سريري لا يعرف النوم سبيله إلى جفني، فقمت من فراشي مسرعًا، وما إن بلغت وسط الخيمة حتى دخل أحد الضباط يخبرني بأن هجوما تشنه العصابات الصهيونية على أحد مواقعنا.

فخرجت مهرولا وأعطيت أوامري بالتأهب والمواجهة، وحاولنا الاتصال بالموقع فلم نفلح، كما حاولنا إرسال مدد فارتد على أعقابه لشدة المقاومة وكثافة النيران.

ثم أعطيت أوامر جديدة بتعزيز دفاعاتنا خشية أن نكون هدفا ثانيا، كما درست مع أركان حربي وضع خطة هجوم معاكس.

ولبثنا ننتظر ما تسفر عنه الساعات القادمة من أحداث.

وبعد أربع ساعات من دوي المدافع وانفجار القذائف وأزيز الرصاص، خفت الأصوات تدريجيًا وبدأت طلائع الجرحى القادمين من القادرين على الهرب رغم جروحهم تصل إلينا، فبادرناها بالإسعافات الممكنة، نقلنا أصحاب الإصابات الشديدة إلى مستشفى الميدان وتلقينا نبأ سقوط الموقع بألم ومرارة وخيبة أمل.

ولم يكن بد من استرجاع الموقع.. مهما كان الثمن ومهما كانت التضحيات لأسباب أهمها:

(1) القيمة الإستراتيجية لذلك الموقع إذ يقع على مرتفع عال يعرف بالتبة 86، ويتوسط خطوط مواصلاتنا التي نعتمد عليها في تحركاتنا وإمدادتنا.

(2) ولأنني لن أسمح شخصيًا -للمتآمرين هناك في القاهرة- أن يجعلوا من شباب مصر البررة ثمنًا بخسًا لخياناتهم، أو أن يتاجروا بأرواحهم على مذبح شهواتهم ومطامعهم، أو أن أكون مع إخواني ضباط الجيش، صاحب المجد التاريخي، أضحوكة أو ألعوبة أو ملهاة.

أول ومحاولة لاسترداد التبة بقوات الجيش المصري وفشلها بسبب الأسلحة الفاسدة:

اجتمعت بأركان حربي، ودرست معهم طبيعة الموقع، التبة (86)، ومنافذها الضعيفة، وعدد الجنود اللازم، والآليات، وكل ما يمكن أن يحقق الهدف، وأزمعت أمري أن يكون التنفيذ أي ساعة الصفر، منتصف الليلة التالية، حيث يفاجأ العدو ولا يزال في نشوة النصر، منصرفا لأخذ قسط من الراحة، وحيث لا يزال ضعيف التحصينات لم يتمركز بعد، وعهدت إلى أكفأ ضباطي بتنفيذ العملية.

ومع انطباق عقربي الساعة على الثانية عشر ليلا كانت فوهات المدافع تنطلق قريبًا أو تنفجر في الهواء، أو تفجر المدفع وطاقمه، وتتبعثر الأشلاء من حوله، وتصعد الأرواح الطاهرة إلى باريها شاكية غدر الغادرين، وعبث اللاهين، وتفاهة الخائنين.

وردت العصابات الصهيونية بنيران غزيرة محكمة التصويب، فأوقعت في صفوف جنودي إصابات متعددة وبالغة، وامتلأ الميدان بالجثث، ولولا أن الله سبحانه وتعالى ألهم قائد العملية بالانسحاب لأبيدت الفرقة المهاجمة عن بكرة أبيها دون أن تحقق ولو جزءًا يسيرًا من مهمتها.

عادت الفرقة محطمة مهشمة، فروى لي الضابط الجريح ما لقيه مع إخوانه الجنود من عنت ومشقة، وحكى لي التفاصيل، فتألمت وأسقط في يدي، ورحت أدور في الخيمة الكبيرة بين أسرة الجرحى مواسيًا ومخففًا عنهم ما أصابهم، مشددًا من عزائمهم.

ثم خلوت إلى نفسي في خيمة القيادة أ

زرع أرضها بخطوات متثاقلة تارة، أو أجلس متهالكا على كرسي المكتب ذو الإضاءة الخفيفة، سارحا بفكري وخيالي نحو أرض الوطن، متصورًا مفاسد الفاسدين، وعبث العابثين، وسخرية الساخرين، واستهتار المسئولين، أتصورهم في لهوهم وفجورهم، وصفقات خياناتهم، وأقارن بين هذا الفساد وبين ما نحن فيه من مكابدة للشدائد ومقارعة للموت، ثم أهب واقفًا مذعورًا كمن لدغته عقرب.

ومع الهزيع الأخير من الليل الطويل، ليل الألم والمرارة واليأس، انتفضت في كياني عزيمة الجندي المصري الأبي، فقررت أن أنتصر مهما كان الثمن، انتصر على الخيانة، وأنتصر على اليأس وانتصر على العدو.

وطلبت إلى الجندي الحارس على باب الخيمة أن يأتيني فورا بالضابط «أحمد» وعلى جناح السرعة.

كان هذا الضابط يتمتع بكفاءات عالية وميزات خاصة، فيه الإقدام والشجاعة والخبرة القتالية الواسعة، مغامرًا ذكيًا حذرًا.

وما هي إلا لحظات حتى كان الضابط أمامي يقرع الأرض بقدميه ويؤدي التحية العسكرية، قامة مديدة.. وعينان حادتان كعيني الصقر، تشعان بالعزيمة والسحر النفاذ.

وضعت يدي على كتفه، ثم تأبطت ذراعه، ورحنا نمشي في أرض الخيمة، وحدثته حديث القلب المفتوح، وبحت له بكل ما يخالج نفسي عن الوطن.. وعن القيادة السياسية الفاسدة، وعن الجيش، كنت أتكلم وهو صامت لا يحير جوابًا غير الجواب المألوف (تمام يا فندم)، يقولها وصرير أسنانه يسبق ألفاظه، وأخيرًا، وبعد أن شحنت نفسه وقلبه بما أفرغته من ذاتي وكياني ولم يكن بحاجة إلى ذلك، طلبت إليه أن يقوم بإعادة الهجوم على التبة (86) لاستعادة الموقع. مبينًا له الأهمية القصوى والحاجة الماسة. وقلت ذراعه من ذراعي، والتفت إلي وهو في مقابلتي مؤديا التحية، ثم قال -حاضر يا فندم.. ولكن لي رجاء.. فقلت وما هو؟

أن تمهلني اليوم لأجري اختبارا على ما بين يدي من عتاد وسلاح وذخيرة ومدى صلاحيتها كي لا ترتد على جنودي بالقتل والدمار، ثم انصرف إلى إعداد الخطة اللازمة، ثم أعرضها على سيادتكم.

قلت: لقد سبقتني يا «أحمد» إلى ما كان يجول في صدري.

إنني أريد للعملية أن تنجح ولابد للنجاح من إعداد أسبابه، وتوفر عناصره، وأن نقطة دم واحدة من جندي أغلى من كل ما على الأرض. هيا توكل على الله وإنني بانتظارك.

كان ذلك اليوم طويلا مملا، شعرت بساعاته، متباطئة متماهلة، كنت أستحث عقارب ساعتي فلا تستجيب لي، وهي الصَّمَّاءُ الجامدة، ومع الأصيل دخل علي «أحمد» فخفق قلبي لرؤية ابتسامته المشرقة، وأشرق الأمل في نفسي بعد طول ظلام، كان يعلو ثغره طيف ابتسامة، ويظهر في محياه بريق العزم، فجلسنا حول المنضدة التي بسط فوقها لفافة كانت في يده، إنها خريطة متصلة لكل أبعاد العمل وجزئياته، إنها المهمة الأمل.. وبعد المناقشة وقفت ووقف، ثم شددت على يده مصافحًا، فأحسست بحرارة دمه الذي يفور من جسمه إلى درجة الغليان، وجرت من عيني دمعة لم أستطع مغالبتها وقلت بصوت متهدج على بركة الله. كانت عصابات اليهود قد أقامت تحصيناتها في (التبة 86)، وتشكيلات دفاعها مستفيدة من عامل الزمن، بين احتلال الموقع والهجوم الفاشل الذي قمنا به لاستعادته.

المحاولة الثانية لاسترداد التبة بقوات الجيش المصري وفشلها لوقوع المهاجمين في كمين:

وانطلقت فرقة القائد «أحمد» الضابط المغامر المقدام لتؤدي مهمتها فودعته بيد حانية وعين رانية ونفس آملة مؤملة..

وعدت إلى خيمة العمليات، وحاولت الجلوس قريبًا من ضابط اللاسلكي، ولكني وقفت فجأة، وبدأت أزرع المكان جيئة وذهابًا، كان شعوري يتأرجح بين الثقة والقلق، ويهتز كرقاص الساعة يمنة ويسرة، أرجو النصر وأطلبه، وأخشى الفشل.

إنني أعرف «أحمد» تمام المعرفة، وأثق به كل الثقة، لكن التجربة الهجومية السابقة لا تزال ماثلة في ذهني بكل أبعادها المأساوية، وأيضا فإن الموقف مرهبون بالمفاجآت، والعدو الصهيوني غدار لئيم ماكر.. كل هذا كان يبعث القلق في نفسي.

استمر الاتصال اللاسلكي بيننا واضحا دون تشويش، حتى كان بدء الهجوم وانفجار الموقف، فغطى دوي المدافع وصوت القذائف على الوضوح، ولكنه لم ينقطع، وبعد مضي زمن يسير بدأت أنباء التقدم ونجاح الهجوم تعيد الثقة الكاملة إلى قلبي والطمأنينة إلى نفسي ويزول من خاطري شبح القلق الرهيب. فجلست وأخذت أتابع تطورات العملية.. وفجأة تغير كل شيء.

انقطع الاتصال.. وطغى عليه صوت المعركة، وتطايرت القذائف تلهب السماء والأرض بنيرانها، سيارات الإسعاف تنقل الجرحى والقتلى.. يا للفشل الرهيب ولفظ الضابط «أحمد» أنفاسه الأخيرة بين يدي.. على سرير المستشفى الميداني، وقد تشوه وجهه،وانفصلت ذراعه اليمنى عن جسده.

لماذا فشلنا؟؟

كان هذا هو السؤال الذي ركزت عليه..فأجابني الناجون: لقد استدرجنا فوقعنا في كمين وضاع الأمل!!.

الإيمان العميق بالله يقود القائد العام إلى طريق النصر -الاعتماد على الإخوان المسلمين لأنهم على عقيدة الحق:

ولكن الأمل مع الإيمان الصادق والعزم الثابت لا يضيع: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].

تذكرت الآية الكريمة بعد ساعات من الحزن الشديد، تذكرتها قبل صلاة الفجر مع الليلة التالية، ففي تلك الليلة لم أعرف النوم، قضيت ساعاتها الطوال في وصل النفس بالله عز وجل، وشعرت بالهدوء ينساب إلى قلبي بارقة أمل ونسمة إيمان واطمئنان.

وساقتني قدماي إلى باب الخيمة، كان الظلام دامسًا، والليل حالكًا ونظرت إلى السماء وقد غطت وجهها سحب داكنة كثيفة، وصدقني فيما أرويه لك لقد رأيت انفراجًا في الأفق وأحرنا نورانية تسطر ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾.

ومضيت خارجا من الخيمة أجوب أنحاء المعسكر، وحديثي مع نفسي هو الحديث الطاغي قالت لي: لقد أخطأتم السبيل فلم تبلغوا الهدف.

قلت: وكيف؟ قالت: إن الغاية الحقة هي النصر أو الشهادة والسبيل هو الجهاد، أو لستم مسلمين؟

قلت: بلى ولكن!!!

فقالت مقاطعة: لا تجادلني على غير طائل.. فالمسلم الحق عبر التاريخ لم ينهزم أبدًا، كلما كان في ساحة الشرف أو ميدان الحروب والمعارك موصولا بالله تعالى، فهو يستمد منه القوى والنصر، ولن يخذله ربه أبدا.

المسلم الحق كان يردد شعاره العظيم «الله أكبر» فيدوي كالرعد القاصف، فيخلع معه قلوب الأعداء هلعا ورعبًا، ألم تقرأوا تاريخكم؟؟ أم أنكم ترونه للتسلية والتغني بالأمجاد.

إن هذا التاريخ حقيقة ماثلة وليس أسطورة أو خرافة، لقد اختلطت عليكم أساطير الأولين من غير طينتكم مع ما سطره أبطالكم من أمجاد، فضعتم، ولم تعودوا تميزون بين الحقائق والأوهام، لقد أصبتم بعمى البصر والبصيرة.

لقد تنكرتم لوجودكم ومكانتكم بين الأمم، تنكرتم لإسلامكم، وأعرضتم عن ذكر ربكم وذكرتم أربابكم من دون الله.. والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه: 124- 126].

ثم قالت: اسمع يا فؤاد، واعلم أنك في امتحان عسير مع الله فإن أتيته ماشيًا بالرجاء هرول إليك بالنصر، ولا تبتغ غير ذلك سبيلا.

فقلت: حقا ما تقولين، ولكني لا أملك إلا نفسي.

فأجابت ساخرة: بل تملك نفسك وإخوانا لك ما جاءوا إلى فلسطين إلا رغبة في الله، لا طمعا بأرض أو مال أو جاه، أعرضوا عن الدنيا ابتغاء الآخرة، فماذا كان جزاؤهم؟ غدر بهم وعطلوا عن الجهاد بأمر من الاستعمار وأعوانه وزجوا في غياهب السجون والمعتقلات، هؤلاء سيشد الله بهم عضدك.

واستيقظت من حديث نفسي على طلب منها خطير.

أأفرج عن أناس مسجونين جاء الأمر بحبسهم من القاهرة؟

أأخالف أوامر السلطة؟ وأعرض نفسي للعقوبة؟ وما أدراك ما تكون؟

وماذا لو فر هؤلاء؟ وماذا لو وجهوا سلاحهم نحو صدور إخوانهم الجنود؟ أية فتنة تكون؟ وأيضا هل سيقبلون بتنفيذ المهمة؟ كلا كلا لن يكون هذا.

كنت قد بلغت أقصى طرف المعسكر حيث يوجد المعتقل الذي يضم خيرة من شباب مصر، ولا أدري حتى الساعة تفسيرًا لما كنت فيه، كيف ساقني القدر إلى ذلك المكان؟ لا أدري.

ثم قلت لنفسي وقد استبدت بي نزعة الإيمان.

- نعم أيتها النفس الكبيرة سوف أفرج عنهم ولو كان أمر اعتقالهم قد جاء من القاهرة، فهو ظلم وزور وبهتان.. نعم سأخالف أوامر السلطة فلا سلطان إلا للحق، ولن أخشى العقوبة، فعقوبة العبيد أيسر بكثير من عقاب رب العبيد، وإني لعلى ثقة كبيرة بأنهم لن يوجهوا سلاحهم نحو إخوانهم لأنهم «مسلمون» والمسلم أخو المسلم، ولن يفروا في طلب الحياة لأنهم جاءوا من أجل الموت.. ولن تكون فتنة بل سيكون النصر المؤزر بإذن الله.

وأما قبولهم بالتنفيذ فهو امتحان لشعارهم القائل: الموت في سبيل الله أسمى أمانينا.

وكنت أعرف من بين المعتقلين اليوزباشي «محمود عبده» ذلك الشاب الذي استقال من الجيش والتحق بكتائب الشباب المؤمن، وانضم إلى صفوف المتطوعين مدربًا ومجاهدًا ولقد قام على رأس مجموعته الفدائية بأعمال باهرة مجيدة، لا تزال ذرات تراب الأرض المقدسة تحتضن فصولها بحنان وشوق.

لقد كان هذا الشاب من خيرة الكفاءات التي يزخر بها جيشنا ويفخر، جيشنا الذي لم تعط له الفرصة الصادقة، أو تهيأ له أسباب الغلبة والانتصار، وإبراز الكفاءات، اللهم إلا أن يكون حارسًا للملك وأعوانه والطاغية وزبانيته، يتحكم في إدارته الكبرى والعليا «السير والبريجادير» «والميجر» وغيرهم.

ولقد عانى الضباط الوطنيون المؤمنون بربهم وبلدهم كثيرًا من جراء الفساد والتسلط والتخلص، التي كانت هي العناوين البارزة لجيشنا المسكين، فانتفضوا انتفاضات مختلفة متباينة، بعضها فردي وبعضها جماعي، لكنها جميعها في منطلقها وأغراضها كانت تعبر عن روح وطنية صادقة، لم تؤد حتى اليوم غرضها المنشود وغايتها السامية.

(محمود عبده) كان واحدًا من هؤلاء، ولكنه كان مع روحه الربانية الوثابة كفاءة قتالية قليلة النظير، وخصوصًا في حرب العصابات، فجمع المجد العسكري من طرفيه.

وكنت قد توصلت إلى قناعة تامة بأن النجاح في استعادة الموقع الاستراتيجي الهام (التبة 86) لا بد وأن يعتمد تكتيكيا على حرب العصابات، فهي التي تجدي وحدها وتنتج خصوصا بعد التجربتين الفاشلتين اللتين قمنا بهما من قبل.

ورافقني الضابط المسئول عن المعتقل إلى غرفة اليوزباشي محمود عبده، فدخلتها وطلبت من الضابط أن ينصرف ويتركني، فإن لي حديثًا خاصا مع السجين.

كانت الغرفة أشبه بالتخشيبة ضوءها خافت، رطبة باردة ضيقة، وفوجئ اليوزباشي محمود عبده بدخولي عليه، فهب واقفا يؤدي التحية العسكرية، فقد كان بيني وبينه رفقة وصحبة.

جلست على المقعد الخشبي وجلس هو إلى جانبي، ودار بيننا حديث مرير، وحوار أشد مرارة، أحداث وذكريات وشؤون وشجون.

وكنت خلال ذلك أركز عن قصد على فدائية الشباب المسلم المؤمن الذي لا يبتغي أجر الحياة الدنيا بل يقصد بعمله وجه الله وحده، صور من فصول التاريخ القريب والبعيد، تلهب حماس الإنسان تزيده طلبًا لما عند الله واستمساكًا بالشهادة في سبيل الله.

بعد هذا التمهيد طلبت إلى (محمود عبده) أن يحمل هو وإخوانه عن الجيش المصري مسئولية استعادة الموقع (التبة 86)، فقد وقع اختياري عليهم ثقة مني بهم وبمقدرتهم.

إنه طلب في غير محله، يجافي المنطق والحق، بكل أبعاده ومنطلقاته بمعانيه وأغراضه، كيف أطلب إلى سجين معتقل ظلما وعدوانا أن يقوم عني بمهمة هي صميم مسئوليتي؟ ماذا تكون نفسيته؟ وأي صدى سوف يجاوب في أعماقها؟ قطعًا هو مفاجأة غير معقولة أو مقبولة.

ولقد كان غريبًا حقا أن لا يفاجأ جليسي بما طلبت وقلت، وفوجئت أنا.. فوجئت بالموافقة السريعة غير المشروطة.

فانتصبت واقفا مادًا يدي إلى يد اليوزباشي (محمود عبده) مصافحًا وعيناي تغشاهما الدموع.. وقبلت الرجل بين جبينه ثم قلت إلى اللقاء غدا لكي تعد للأمر عدته، فأجاب إلى اللقاء.

وعدت إلى خيمتي، فاستلقيت على سريري ونمت نوما عميقًا.

كانت الشمس بنورها الساطع قد بددت الغيوم وأشرق علينا يوم جديد غيره بالأمس فقد كان يوم البارحة ممطرًا كثيف السحب ليس من فرق بعيد بينه وبين الليل.

ثم استيقظت على صوت الضابط المرافق ينبهني إلى حلول وقت الظهر فقمت مرتاحًا نشطًا، متحفزًا للعمل. سويت من هندامي سريعًا وغدوت إلى غايتي.

الإخوان يخططون لاستعادة التبة ويحققون النصر بعون الله تعالى:

كان اليوزباشي (محمود عبده) بانتظاري مع أربعة من إخوانه في غرفة حراسة المعتقل وحين دخلت خرج الضابط الحارس، وخلونا إلى بعض.

عرفني اليوزباشي محمود عبده بالأخوة (م. س، ا، اء. ن. ع، ع. ف) على أنهم قادة فصائل الفرقة التي ستقوم بالمهمة، كانت عيونهم تشع بنور الأمل، وكلماتهم تنبئ العزم الصادق وتوحي بالنصر المؤكد، ومحورهم في ذلك كله إيمان راسخ لو وزن بالجبال الرواسي لرجح عليها.

بسطت أمامهم خريطة الموقع بتفاصيلها الدقيقة وعرضت معهم خطتي الهجوم السابقتين، وتناقشنا في أسباب فشلهما، ودرسنا كل ما يتعلق بالأمر بالتفصيل. ولم أحاول أن أتدخل في رسم الخطة الجديدة، بل تركت الأمر لأصحاب الشأن، ولكنني سألت عن عدد أفراد الفرقة التي ستؤدي المهمة وما هي أسماؤهم كي أعطي الأوامر اللازمة لإطلاق سراحهم وتحديد أماكن تواجدهم.

فقال محمود عبده 150 وهذه هي الأسماء.

وأخرج قصاصة عليها الأسماء مدونة وقدمها لي فتناولتها، ناديت على الضابط الحارس وبلغته أوامري، ثم قلت لليوزباشي محمود عبده:

- كم تريدون من أنواع السلاح وكمية الذخيرة ووسائل النقل؟ فنظر إلي نظرة ما عرفتها وما تعودتها من قبل في عينيه، امتزج فيها الألم المرير بالسخرية الحادة، ثم قال:

لا نريد من السلاح يا سعادة الباشا سوى ما صودر منا، نريد فقط سلاحنا وذخيرتنا التي دفعنا ثمنها من أموالنا الخاصة، من دمنا وعرقنا ودموعنا، استعدادًا لمثل هذا اليوم.

هذا هو السلاح الذي نريد.

ازداد إعجابي باليوزباشي (محمود عبده) وإكباري لأمثاله من الأحرار الأبرار، ذوي البطولة، واستصغاري واحتقاري للذين يخشونهم ويرهبونهم.

وخرجت مع اليوزباشي محمود عبده وإخوانه الأربعة، إلى حيث مخازن السلاح والذخيرة ليختاروا بأيديهم وحسب متطلباتهم ما يريدون.

وكنت في تصرفي هذا كتومًا، أخفي الأمر إلا عن فئة قليلة من الضباط الذين أثق فيهم كي لا تتسرب الأنباء، وتشيع الأخبار، وقد يحدث ما يعكس المراد، فتضيع الفرصة.

ومع منتصف الليلة التالية كانت تدرج خمس سيارات نقل كبيرة من طرف المعسكر باتجاه الشمال الشقي، تتقدمها سيارة جيب تحمل اليوزباشي محمود عبده وإخوانه وتتبعها سيارة جيب كنت أستقلها وأقودها بنفسي -رغبة مني في متابعة العملية، ولقد أصررت على ذلك رغم ممانعة محمود عبده واعتراضه حرصًا منه عليَّ ومحبة منه ليَّ.

كان الليل صامتًا موحشًا لا يشق سكونه سوى هدير محركات السيارات الضخمة والتي تتبين طريقها بصعوبة بسبب الضوء الخافت المخنوق الذي ينبعث من مصابيحها.

وحين بلغنا آخر منعطف يقودنا إلى الموقع توقفت السيارات وقفز منها بخفة ورشاقة رهبان الليل وفرسان النهار، الذين يحتضنون إيمانهم في صدورهم، وأرواحهم في أيديهم، يبذلونها بسخاء حين يستحق البذل.

وأذن مؤذن الجهاد:

واصطف الجميع خلف إمامهم (محمود عبده)، وأدينا ركعتي سنة، تتيمنًا، ولما انتهينا ابتهل (محمود عبده) بدعاء مأثور فأمنا جميعًا.

وأعطى (محمود عبده) أوامره همسًا، وزع قواته، وكان كل يعرف مهمته وعمله، وقبل بدء التحرك تقدم مني مصافحًا مودعًا قائلاً:

- إلى هنا انتهت مهمتك يا سعادة الباشا، فأرجوك أن لا تتقدم خطوة بعد هذا، وادع لنا الله تعالى أن يوفقنا.. وعد إلى المعسكر فهناك أخوة لنا أحوج منا إليك.

فشددت على يده، وتركته يمضي وعدت.. لا إلى المعسكر كما أراد، بل إلى مرتفع قريب تسلقته مشيًا حتى بلغت ذروته كي أستطيع مراقبة سير المعركة ما أمكنني النظر في هذا الليل الرهيب.

توزعت الفصائل إلى خمس مجموعات زحفت هونًا باتجاهين معاكسين، تتسلل بصمت كالقطا، تارة قفزًا وهرولة، وأخرى زحفًا على البطون، حتى انفتحت فوهات البنادق باتجاهها من تحصينات العدو ومواقعه تحصد الأرض ومن عليها حصدًا. ورد المهاجمون بنيران ضعيفة لاهثة توحي بالوهن، وهم مستمرون في الزحف لا يتراجعون، نفوسهم أقوى من سلاحهم، بالجلال الإيمان وروعة الإسلام!!

وبعد أقل من ساعة خلتها دهرًا طويلاً كان الليل قد تحول إلى نهار بسبب النيران الغزيرة من القذائف على أنواعها، خفت الحدة، وسكنت الأصوات وهدأ الرصاص.

وسمعت النداء العظيم يتجاوب في سماء الكون من أعلى التبة «الله أكبر الله أكبر» مجلجلا كدوي الرعد.

فأسرعت إلى سيارتي وأدرت محركها ولحقت بالأبطال الذين بلغوا قمة الموقع وقمة المجد.

وحضنت بشوق ولهفة وإعزاز اليوزباشي (محمود عبده) وإخوانه الأشاوش وهنأتهم بحرارة دموعي المنسابة على وجهي، واصطحبني القائد في جولة سريعة على أرجاء المواقع كي أعاين معه على الطبيعة ظروف المعركة.

وحاولت استنطاقه كيف أتعرف على كيفية سير الوقائع التي مروا بها، والمخاطر التي تعرضوا لها، والصعوبات التي واجهوها، ولكنه ظل صامتًا لا يجيب على أي سؤال، وقد يصرفني عن غرضي بكلمة عارضة عابرة، أو بإيماءة من رأسه لا توحي بأي جواب شاف.

ثم اغتنمت فرصة انفرادي بأحد الأخوة الذين شاركوا في قيادة المجموعات فحدثني بما أثلج صدري، وروح عن نفسي.

واحد من قادة الفصائل يصف المعركة:

اسمي عبد الهادي ناصف وكنت قائدًا للمجموعة الثالثة، وكانت خطتنا التي اتفقنا عليها تعتمد على الخطوات الآتية:

أولا: التسلل الصامت: دون إحداث أي حركة تكشف عن مواقعنا أو عددنا أو جهات هجومنا.

ثانيًا: المفاجأة: بحيث نواجه العدو من أماكن قريبة يصعب معها استعمال الأسلحة النارية.

ثالثًا: الاشتراك بالسلاح الأبيض: لأننا نعرف تمام المعرفة، نفسية العدو الصهيوني التي جبلت على الغدر والجبن.

ولقد راعينا كل المراعاة حدوث أي مفاجأة، ووضعنا للاحتمالات حلولا فورية نعتمدها عند الحاجة والضرورة، منها على سبيل المثال: تغيير خط التسلل إذا ما واجهتنا نيران العدو أو اكتشف وجودنا، وقد حذرنا من الرد بالمثل مهما كانت الظروف.. ومهما كانت التضحيات.

وبعد أن ودعناك يا سعادة الباشا، أخذ كل قائد مجموعته إلى نقطة سيره وانطلاقه وبدأنا التحرك. وكانت الجهة التي أسندت إليَّ مهمة الهجوم منها، صخرية كثيرة النتوء والتعرجات تنصب فيها الأشواك والنباتات الطفيلية والحشائش بين الصخور كأشباح ليل مخيفة.

ولقد ساعدتنا هذه الصخور على أن تكون بالنسبة لنا حصونا ستظهر فائدتها فيما بعد، وجعلت ما معي من الإخوة ثلاث فرق، بين الواحدة والثانية مسافة تسمح بسماع الهمس فلا نفترق أو نضل- على أن يكون ملتقانا على هدف واحد ونقطة واحدة قبل بلوغ ذروة التبة.

ومضيت في الطريق الشائك المخيف على رأس الفصيلة الوسطى بحيث أتمكن من مشاهدة الجناحين.

كان البرد شديدًا، والليل داكنًا معتمًا، والصعود مشيًا أو زحفًا مرهقًا، ولكنني نسين كل ما أن فيه، وتذكرت الغاية الكبرى والهدف الأسمى، تذكرت كرامتنا الممرغة في أوحال الخيانة والفساد والانحراف، وتذكرت جيشنا المسكين الذي فقد كل حول وطول، وأصبح دمية خرساء بكماء، تذكرت أمتنا المهيضة الجناح تتقاذفها تيارات العمالة الفكرية والسياسية.

ونسيت كل همومي البدنية.. وركبت موجة ضعفي وأسري وقيودي زدت من تقدمي وإصراري، بعد حين من السعي الدءوب، فوجئنا بمنبسط من الأرض لا يظله شيء، خال من الحجر والشجر، فأعطيت إشارة للفصائل بالتلبث في أماكنها ريثما أطمئن برهة إلى سلامة الموقف، ثم أشرت بمتابعة السير زحفًا على الأرض حتى نبلغ آخر هذا المنبسط.

وبعد قليل كانت المفاجأة الرهيبة، سطعت أنوار الكشافات فوق رءوسنا فجمدنا في أماكننا وكأننا التماثيل.. ولو أننا مكثنا على ما نحن عليه لسارت الخطة إلى غايتها المنشودة، غير أن الأخ علي شيحة من جناح اليمين صوب بندقيته نحو الكشاف المواجه لنا فأصابه، وهنا انهمرت في كل اتجاه نيران العدو العزيرة.

وسريعًا نظرت إلى الوراء وإلى الأمام فإذا التقدم أفضل وأقرب فطلبت من الجناحين الجري بسرعة كي نتخذ من الصخور أسوارًا طبيعية نحتمي بها.

وكان لا بد من المناوشة كغطاء لتقدمنا حتى إذا ما حمتنا الصخور ثانية توقفنا عن إطلاق النار، وسقط منا بعض الجرحى فاتخذنا من مناديلنا ضمادات مؤقتة لجراحهم، وتحاملوا على أنفسهم، فلم يرضوا أن يتخلفوا عن القافلة الزاحفة إلى الذروة، رغم كل الأوامر.

وكانت ذراع أحدهم تنزف بغزارة، تقدمت منه وحاولت أن أثنيه عن عزمه بجذبه أو هزه لعله في غيبوبة فيفيق منها، فنظر إلي بعينين براقتين وقال: ليتها كانت القاضية يا أخي.. إنني أشم رائحة الجنة فكيف تحرمني هذا النعيم؟؟ دعني أمضي في سبيلي، فلم أر مناصًا من موافقته على ما أراد، وأذعن لمشيئته.

ومضينا صعودًا والنيران تنهمر كأفواه القرب غزارة، ثم طيشا إلى غير هدف، وكأن أيد خفية تصدها عنا وتحمينا من لظاها، وكنا كلما اقتربنا من خط دفاع العدو انفرجت أساريرنا وزاد حماسنا. وفجأة ظهرنا بمجموعتنا كاملة وفي أيدينا خناجرنا تلمع وتضيء، فتمزق أستار الليل وتمزق ظهور جنود العدو الهارب.

ورحنا نتنادى ونتعارف: الله أكبر ولله الحمد، والمواقع تنهار وكأنها الهشيم، وسكت الكون إلا عن صدق النداء المعظم «الله أكبر».

بحثت عن الأخ الجريح، فوجدت مشهدًا مؤثرًا بالغ الروعة، وجدته مرتميًا فوق جثة أحد الصهاينة ويداه مطبقتان على عنقه، والصهيوني جاحظة عيناه، قد فارق الحياة، جذبت الأخ برفق فإذا خنجر في صدره، لقد صمم على الشهادة فنالها، وأراد سبيل الله فمضى فيها.

وبصعوبة بالغة استطعت أن أنزع يديه عن عنق الصهيوني وكأنهما قد أصبحتا قطعة واحدة.

يقول اللواء فؤاد صادق: «كنت أصغي للأخ عبد الهادي ناصف باهتمام شديد بدون مقاطعة، ثم بحثت عن اليوزباشي (محمود عبده) لأتمم جولتي معه وسرنا بين المواقع والتحصينات، وأحسست بأنني أنا الضابط الصغير وهو القائد الكبير، أنا التابع وهو المتبوع.

ويشهد الله أنني ما عثرت بجثة عدو صهيوني إلا وهي ممزقة بالخناجر لم أجد واحد قد صرعته رصاصة، كانت المعركة فعلاً بالسلاح الأبيض وهي الخطة المعتمدة.. ومررت بالتحصينات والاستحكامات فوجدت الأخوة قد احتلوها جميعًا وأقاموا من خلفها يتربصون، وأجرينا فورًا اتصالاً لاسلكيًا بالمعسكر، نخبره بالنصر ونطلب تحرك الآليات اللازمة وسيارات الإسعاف لنقل الجرحى والشهداء الخمسة.

معسكر الإخوان بالبريج يشترك مع الجيش المصري في هجمته الأولى على الموقع:

يقول الأخ كامل الشريف في كتابه الإخوان المسلمون في المعركة، وهو من قادة الإخوان المسلمين في معسكر البريج على الجانب الآخر من هذه المعركة الذي لم يشاهده اللواء صادق عندما أعطى الأوامر لضباطه مرتين باحتلال الموقع، وقبل أن يلجأ إلى الأخ محمود عبده لوجوده على جانب واحد مع مركز القيادة، كتب الأخ كامل الشريف يقول:

تحدث إلي الأميرالاي «محمود رأفت» قائد قطاع «دير البلح» بالتليفون في ساعة متأخرة من ليلة 23 ديسمبر، وأخبرني أن العدو قد نجح في اختراق خطوطنا الأمامية في دير البلح، وانتزع المرتفع من أيدي جنودنا، وقواته تتجمع الآن وتحاول الوصول إلى طريق المواصلات الرئيسي، ولكن قوات الجيش تحاول حصره فوق المرتفع حتى الصباح، حيث يمكننا أن نقوم بهجمات مضادة لاسترداده، وتطهيره، وطلب أن يستعد الإخوان ليكونوا «آخر ورقة» نقذف بها في وجه العدو بعد أن يقوم الجيش بهجماته المضادة، وأن هذه المعركة سوف يكون لها أثر بالغ في النتيجة العامة للحرب.

ولعل القارئ الكريم يلاحظ أن عبارات الأميرالاي «محمود رأفت» إنما تصف الهجمة الأولى التي أمر اللواء صادق بها لاسترداده الموقع بعد أن احتلته قوات العدو، يقول الأخ كامل الشريف: «ولم تكد الشمس ترسل أول أشعتها، حتى صدرت الأوامر لجنود الجيش بالتقدم فانسابوا في أفواج متلاحقة، تريد أن تصل إلى القمة، وتطرد العدو الرابض فيها، ولكن ارتفاع الموقع وسيطرة أسلحة اليهود على الأرض المحيطة به، كانا يمنعان الجنود من الاقتراب، وظلت الحالة هكذا، موجات إثر موجات وجرحى كثيرون، وشهداء يسقطون دون الهدف، وكيف يمكن للحوم آدمية أن تقاوم القنابل والرصاص؟ والعدو الماكر يربض خلف الخنادق التي أعدها بعناية ويصوب نيرانه منها على لحوم بشرية متراصة وبدأ جليًا للعيان أنه لا أمل مطلقًا في كسب المعركة إلا في حضور عدد من الدبابات».

وهنا يختفي من حديث الأخ كامل الشريف الجزء الذي لم يشعر به، والذي دار في غرفة القيادة بين اللواء صادق والضابط «أحمد» الذي كلف بالهجمة الثانية والذي ترتب عليه حضور الدبابات للبدأ في هذه الهجمة، ثم يستطرد الأخ كامل الشريف فيقول:

«وجاءت الدبابات، ودفعت إلى المعركة واحدة تلو الأخرى، فتعطلت منها اثنتان على سفح التل، ولم يستطع أحد الاقتراب من مواقع العدو، ووقف الضباط يلتمسون العون من الله العلي الكبير بعد أن جربت كل الأسلحة، ووضح جليًا أن هذه المعركة قد (ماعت) وضعف الأمل في جسمها.

وكان لا بد من إلقاء الورقة الأخيرة، فطلب الأميرالاي» محمود رأفت إحضار الإخوان على عجل، وما إن سمع الجنود والضباط اسم الإخوان حتى سرت في نفوسهم روح جديدة من الأمل والثقة، وطلبت من القائمقام «علي مقلد» قائد الفرسان أن يوفر دباباته ليدفع بها أمام جنود الإخوان، وبعد لحظات وصل جنود الإخوان إلى ميدان المعركة، وترجلوا عند مكان أمين لتنظيمهم وإعدادهم، وكانت الخطة تقضي بتقسيم الإخوان إلى ثلاث مجموعات تهاجم اثنتان منها الموقع من الأمام ومن جهة الشمال، بينما تدور القوة الثالثة حول المرتفع وتهاجم مؤخرته وتمنع تدافع الإمدادات عليه، وتجذب اهتمام المدافعين إليها وتشغلهم عن القوتين الأخريين.

تقدمت الدبابات متجمعة أمام قوة الإخوان تحت ستار من نيران المدفعية والأسلحة الرشاشة، وتحت غلالة من قنابل الدخان التي كانت تطلقها مدافع الهاون التابعة للإخوان المسلمين، وأنطلق الإخوان إلى أهدافهم وقد علت وجوههم إشراقة الإيمان القوي وكانوا ينشدون في حماسة نشيدهم المعروف:

هو الحق يحشد أجناده

ويعتد للموقف الفاصل

فصفوا الكتائب آساده

ودكوا به دولة الباطل

وظلت مدافع الإخوان تقذف الموقع بقنابل الدخان فترة طويلة حتى أحالت القمة إلى سحابة قاتمة، لا ترى خلالها إلا ألسنة اللهب الناتج عن انفجارات القنابل.

وسكتت المدافع وانساب المجاهدون إلى أهدافهم، وبدأت معركة الخنادق وروع اليهود حين رأوا الإخوان يلقون بأنفسهم فوق الخنادق والدشم ويعاركونهم بالقنابل والحراب والأيدي، ورغم كثرة الضحايا من الإخوان فإن القوة تمكنت من احتلال خنادق العدو، وأخذت تطهرها جزءًا جزءًا.

ولا شك أن قوات الإخوان بقيادة الأخ «محمود عبده» قد التقت بقوات الإخوان القادمة من معسكر البريج في القمة، وتضافرت على تطهير كل المواقع واحتلالها على النحو الذي رواه لنا اللواء صادق وهو يتجول في الموقع مع الأخ محمود عبده، كما كانت أصوات الإخوان مجتمعين تجلجل في سماء القمة «الله أكبر».

ولما وصلت جنود الجيش لتحصين الموقع بعد أن تم تطهيره من اليهود انسحب الإخوان من معسكر البريج كما يقول الأخ كامل الشريف في سكون وهدوء إلى معسكرهم بعد أن أخذوا كميات وفيرة من الأسلحة الألمانية والروسية، وأكداسًا من القنابل والذخائر وكان الضباط يعانقونهم عند خروجهم، ويهنئونهم بهذا النصر الحاسم ويشيدون بجهودهم وفضلهم.

ثم يواصل اللواء فؤاد صادق قوله بعد هذا النصر المؤزر:

لقد كانت فرحتي وغبطتي بهذا اليوم لا توصف ولا تقدر، ولا أكون مبالغًا إذا ما قلت إنه كان أسعد وأغلى أيامي العسكرية، إذ تحققت فيه أمنية عزيزة غالية، شاركت فيها متواضعًا باتخاذ القرار الجريء الشجاع، والفضل كل الفضل فيها لله وحده ولطليعة شباب مصر المؤمن.

وقد آليت على نفسي أن أشهد لهؤلاء الأبرار الأطهار أمام الله، وأمام التاريخ وأمام الناس أنهم بالفعل الصورة الحية لأبناء المدرسة المحمدية في القرن العشرين، وأنهم سلالة النماذج الرائعة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، يبذلون أغلى ما عند الإنسان دون منة أو رياء، فيجودون بالأرواح طلبًا لرضوان الله -عز وجل-.

كما آليت على نفسي أن أقول كلمة الحق في حقهم دون رهبة من سلطان أو خشية من طغيان، إذا ما آن الأوان.

ولقد صدق اللواء صادق باشا وعده فشهد شهادة الحق أمام محكمة الجنايات في قضية السيارة الجيب، كما شهد بنفس المعنى سلفه اللواء أحمد علي المواوي لما رواه من روعة أعمال الفداء التي قام بها الإخوان وخص بالذكر منها احتلال عسلوج على النحو الذي فصلناه سابقًا، كما حرص اللواء فؤاد صادق باشا أن ينقل التفاصيل كاملة إلى الحاج أمين الحسيني، لتصل إلى الناس على النحو الذي نشرته به دار الأنصار، فأخذنا عنها هذا الوصف الرائع، الذي صمم اللواء فؤاد صادق باشا أن يستوفيه وفاء بعهده أن يشهد لهؤلاء الإخوان إمام الناس بعد أن شهد لهم أمام السلطان، ونحن لا نشك أنه سيشهد أمام الله وهو جل وعلا خير الشاهدين.

جزاك الله خيرًا أيها القائد المصري الجريء الشجاع فقد كنت صادقًا مع نفسك وأهلك ووطنك، فنصرك الله بجند من أوليائه وهو خير الناصرين.

يقول اللواء فؤاد صادق باشا:

ثم عدت إلى مقر قيادتي، فاستقبلتني مظاهرة من الجنود مهللة، مكبرة، وعمت الفرحة كل الناس، ووصلت الأنباء إلى القاهرة، فجاءتني التهنئة والترقية، وصدرت الإدارة الملكية بمنحي وسامًا عسكريًا رفيعًا تقديرًا لما قمت به، ولو أنصف المسئولون يومها لأدركوا الحقيقة وعلموا أن الذي يستحق التهنئة هم صناع مجد ذلك اليوم العظيم، ومنحوا أهله وسام البراءة والحرية بدلا من الافتراء والقهر، بدلا من الكيد والدس والسجن.

وطلبت إلى الجنود والضباط أن يتصرف كل إلى واجبه وعمله، ثم توجهت إلى حيث تقف السيارات التي نقل اليوزباشي (محمود عبده) وفرقته.

الأبطال يستجيبون لطلب القائد العام ويدخلون طوعًا السجن العسكري بعد تحقيق النصر:

يواصل اللواء فؤاد صادق كلامه فيقول: وهنا لا بد أن أتوقف قليلا لقد واجهت من قبل موقفًا عسكريًا صعبًا، شديد الصعوبة، معقدًا بالغ التعقيد، سيئا غاية السوء، عانيت فيه من الحرج والهزيمة، ولكنني الآن في موقف أصعب وأقسى، تتنازعني فيه العوامل النفسية القاسية، تنتابني فيه ألوان من القهر والألم، وتفتت الجماد، وتذيب الصخر، فكيف بقلبي الإنسان الرقيق؟

لقد كان عليَّ أن طلب من اليوزباشي (محمود عبده) ورفاقه العودة إلى السجن!! إلى المعتقل!! إلى الأسر والعذاب!! فكيف أواجه الموقف؟! وبأي لسان أطلب ذلك؟ وممن؟ من الذين حموا شرفنا، ودافعوا عن كرامتنا، وصانوا رايتنا، وأنقذوا جيشنا؟

كنت أتقدم بخطوات بطيئة متثاقلة مترددة.. وحين أصبحت على قيد خطوات من السيارات التي لا تزال واقفة في مكانها، غلبتني عاطفتي الجياشة وتوقفت وقد أزمعت أن أصبح أذني لنداء قلبي، وأوامر حسي، غير عابئ بالنتائج، لكن الخوف كان أقوى من العاطفة، ولبئس جبن الإنسان في لحظات من الزمان.

وطلبت متلعثمًا، ترتجف الكلمات وكأنها تحت تأثير زمهرير بارد، أن ينزل الأحرار الأخيار من جديد ضيوفًا في فواقع الظلم والظلام، طلبت ذلك من القائد الظافر صانع البطولة اليوزباشي (محمود عبده)، وأنا في حالة غيبوبة العقل والحس، لم أستفق منها، فتعاودني حالة من الوعي العابر على فرقعة حذاء البطل وتحيته العسكرية وصوته الصارخ- حاضر يا أفندم أمرك يا سعادة الباشا.

وما أن أسبل ذراعه إلى جانبه حتى لفتني غيبوبة من الإعجاب والدهشة إذ كنت قبل غير واثق كل الثقة من تنفيذه، والرضوخ إليه، لأن الإنسان عندما يملك نسمة الحرية المدعومة بقوة السلاح يفتديها بحياته، فما بال هؤلاء الملائكة لا يعصون؟!!.

إنهم ليسوا خونة قطعًا، ولا متمردين حتمًا ولا عصاة، ولا مذنبين، إنهم يؤمنون بما قاله أحد أئمة السلف: (إن قتلي شهادة في سبيل الله، وتشريدي سياحة في أرض الله، وأسري خلوة مع الله).

لقد تعلمت من هؤلاء الأماثيل دروسًا كثيرة، ووعيت من مواقفهم عبرًا بالغة، فليت الناس يتعلمون ويعتبرون، وليت قومي يعلمون ويسمعون.

يقول الأخ محمد علي قطب بعد أن انتهى سماعه لهذه الشهادة التي جاءت وفاء من اللواء فؤاد صادق باشا بعهده الذي قال فيه:

«لقد سبق أن أقسمت أن شهد لهم أمام الله والتاريخ والناس بأحقيتهم وفضلهم، لقد بررت بقسمي حيث شهدت لهم في المحكمة شهادة التاريخ، وشهدت لهم بالحديث عن كريم خصالهم وجميل فعالهم أمام الناس، ولسوف ألقى الله تعالى شاهدًا أمامه سبحانه لعباده الطائعين المكرمين بصدق العزم واليقين». يقول الأخ محمد علي قطب بعد أن سمع هذا كله:

عدت إلى «صيداء» وفي جنبي قلب لا يرهب ولا يرغب، وروح لا ترى في الكون كبيرًا إلا الله وحده ولسان يردد:

لا أرى أكبر منه

ولا أرى مني أصغر

إن أحد أكبر مني

واحدًا فالله أكبر

أيها الأخ القارئ العزيز:

كنت أقف عقب كل واقعة حقيقية وقفة، أما عقب هذه الواقعة التاريخية، فقف أنت وعاود قراءتها، فالعبرة منها واضحة لا تحتاج مني إلى توجيه أو تعليق.

فقط أريد أن أقول للحكام المسلمين: إنكم تحكمون أمة مريضة، ودواؤها بين أيديكم ولا يليق بكم وأنتم في عصر النور أن تكرهوا الدواء. إن الرفاهية التي تعيشون فيها حاليًا من دماء شعوبكم المكسورة، سيتزيد رونقًا وبهاء إذا جاءت من تحت ظلال السيوف المؤمنة.


نماذج من الأعمال الخطرة التي قام بها متطوعوا الإخوان في الحرب في منطقة بيت لحم وصور باهر

1- احتلال مستعمرة رامات راحيل:

تعتبر هذه المستعمرة من المستعمرات الحصينة التي تقع على ربوة عالية، وتتحكم في الطريق الرئيسي الذي يصل بيت لحم، ويمكن لليهود منها إحصاء القوات الموجودة في بيت لحم من المجاهدين، وكذلك إحصاء حركاتها وسكناتها، لذلك كله رأى أحمد عبد العزيز أن يقتحمها.

ولقد بدأ في 24 مايو سنة 1948م فأرسل قوة من جنود الإخوان بقيادة (لبيب الترجمان) لتقوم باستكشاف المستعمرة وكتابة تقرير واف عن تحصيناتها، وقد تمكنت القوة من وضع تقرير مفصل عن المستعمرة ونقاط القوة والضعف في الدفاع عنها بعد أن استمرت يومًا كاملاً في مهمتها تتسلل إلى أقرب مكان ممكن وتراقب التحصينات ومواقع الدفاع، لتسليم التقرير وقد وضع هذا التقرير أساسًا للخطة.

وفي 26 مايو سنة 1948م بدأت مدفعية الإخوان بقصف الحصون والأبراج، ثم زحفت مشاتهم تحت غلالة من نيران مدفعية الهاون وقنابلها الدخانية، ثم تقدمت مجموعات الفدائيين من حملة الألغام (البنجالور) لنسف العوائق السلكية وحقول الألغام.

وقد بدأت الهجوم بعد منتصف الليل بعد أن نامت قوات الهاجاناه داخل مستعمراتهم، وفي الساعة الثانية صباحًا قصفت المدفعية المستعمرة بشدة فاشتعلت الحرائق في أكشاكها الخشبية، وتفجرت حقول الألغام التي لف بها العدو مستعمراته، ثم سكتت المدافع وأصدر الأخ (لبيب الترجمان) أوامره لقواته فبدأت تزحف تحت غلالة كثيفة من قنابل الهاون المتفجرة، وقنابل الدخان، وفي لمح البصر اندفع الفدائيون يفجرون ألغامهم تحت الأسلاك الشائكة، ومن ورائهم فصائل الاقتحام تعبر مسرعة لتحتل الأغراض التي خصصت لها.

ثم بدأ الاشتباك الرهيب عند الخنادق والدشم، وتسلل نفر من الإخوان إلى الأبراج العالية يفجرون تحتها الألغام ويحيلونها أنقاضًا ورمادًا، فاضطرب العدو وأخذ الأحياء من أفراده ينسحبون إلى مستعمرة «تل بيوت» عبر ممراتهم السرية.

وعكف المجاهدون على الخنادق يتمون تطهيرها، وارتفع صوت المؤذن على أعلى قمة فوق أعلى برج يييؤذن الله أكبر الله أكبر.

وقد عثر الإخوان على مائتي جثة من جثث اليهود تحت الأنقاض وبلغ جرحى الإخوان وشهداؤهم عشرة منهم شهيد واحد من إخوان شرق الأردن.

وقد غنم الإخوان الكثير من الخيرات والمؤن المكدسة في هذه المستعمرة، إذ كانت مركز التموين الذي يشرف على إمداد المستعمرات الواقعة في جنوبي القدس، ثم أجلوا عنها بعد يومين إلى معسكرهم بصور باهر بعد أن دمروها تدميرًا كاملاً ولم يتركوا فيها بقعة واحدة صالحة للإيواء، واكتفوا بحصار موقعها الخطير حتى لا يتسرب إليه الأعداء».

2- احتلال معسكر «ديرمار إلياس»:

حاول اليهود الانتقام لخسارتهم في رامات راحيل فهاجموا مقر قيادة الجيش الأردني في ديرمار إلياس وأجلوهم عن مواقعهم، فأصبح مقر قيادة الجيش الأردني محتلا باليهود، وكان هذا المقر خطرًا على معسكر الإخوان في صور باهر لقربه منه، فقرروا إجلاء اليهود واحتلاله.

تقدمت قوة منهم بقيادة الأخ حسين حجازي وهاجمت اليهود على غزة واضطرتهم للانسحاب بعد أن أوقعت بهم خسائر كبيرة، وقد ضم حسين حجازي إلى مجموعته مجموعة من جيش الجهاد المقدس الفلسطيني لمعاونته في هذه المعركة.

3- تدمير مستعمرة (تل بيروت):

كانت مستعمرة تل بيوت التي انسحب إليها اليهود الفارين من معركة رامات راحيل، دائبة التحرش بالإخوان فقرروا تدميرها.

وفي ليلة 4 يونيو 1948م انطلقت مجموعة من الإخوان الفدائيين بقيادة الأخ حسين حجازي من بيت لحم بتكتم شديد، حتى أن زملاءه في القوة لم يعلموا حقيقة المهمة التي سيقومون بها، واتجه بهم متسللين إلى مستعمرة تل بيوت فلغموا برجها الكبير، وعادوا سالمين.

وقد وصفت جريدة أخبار اليوم في عددها الصادرة في (5 يونيو سنة 1948م) هذا الهجوم الجريء فقالت: «وفي الليل تسلل (حسين) ومعه أربعة جنود.. وزحفوا على الأشواك في صور باهر أربعة كيلو مترات تحت تهديد الرصاص الطائر في الهواء والحيات الزاحفة بين الأحجار.

«وقرب الفجر سمعت بيت لحم انفجارًا مدويًا، وتهدمت ثلاثة حصون من (تل بيوت) وفي الصباح عاد (حسين حجازي) ليتلقى تهنئة قائده ومعها لقب بطل (تل بيوت)». ولقد شاهد الناس أحجار البرج الضخم تتناثر في الهواء ثم تتهاوى لتصنع من تراكمها قبر كبيرًا يضم نخبة كبيرة من رجال الهاجاناه.

4- دحر اليهود فوق جبل المكبر واحتلال رأس الأحرش:

كان جبل المكبر. واحدًا من المرتفعات التي يتولى الإخوان الدفاع عنها تحت إشراف الأخ محمود عبده قائد معسكر الإخوان في صور باهر.

وفي مساء 18 أغسطس سنة 1948م فكر اليهود أن يهاجموه على غرة من الإخوان، فبدأت جموعهم تتحرك في الساعة الثامنة من مساء هذا اليوم من أحياء القدس اليهودية ومن المستعمرات الواقعة في جنوبها، ثم بدئوا يزحفون في سكون وهدوء.

ولكن نقط المراقبة الأمامية للإخوان فطنت لهذه الحركة وأرسلت تخبر قائد صور باهر بهذا النبأ وتطلب توجيهاته السريعة.

بدأ محمود عبده يفكر في الموقع ويضع خطته على أساس الأنباء التي تصل إليه تباعًا، ولم يكن يعنيه وقف الزحف اليهودي والاحتفاظ بالموقع، ولكنه كان يريد إبادة هذه القوات وتلقين اليهود درسًا قاسيًا يحفظونه عن الإخوان وشدتهم في القتال.

كانت أول خطوات محمود عبده أن أمر فصيلة من جنوده، فدارت إلى اليمين واقتربت من الطريق الذي يستخدمه العدو في تحركاته، وأخذت تطلق النار على القوافل التي تتحرك جنوب المعركة، وفي نفس اللحظة كان يصدر أمره للمدافعين عن الجبل بالانسحاب إلى الوراء، حتى ظن العدو أن مقاومتهم انتهت، فتقدم ليحتل المواقع التي أخلاها المجاهدون، وفي هذه اللحظة أمر محمود عبده مدفعيته لتقذف الموقع من كل صوب، ولم يكن لليهود ما يحتمون فيه، فقتل منهم عددًا كبيرًا وبدأوا يتراجعون في ذعر وارتباك، ولكن القوة الخلفية فاجأتهم بنيران حامية أسقطت منهم عددًا كبيرًا.

وقد أصيب (محمود عبده) في هذه المعركة فحمله مرافقوه للخلف دون أن يفطن لذلك أحد، واستدعوا الأخ المجاهد (لبيب الترجمان) ليتولى قيادة المعركة في مرحلتها الختامية، حتى أخذ اليهود يتسللون فرادى إلى المنطقة الحرام وإلى دار الحكومة حيث يوجد بعض مراقبي الهدنة، فاتبعهم الإخوان وضربوا حصارًا محكمًا حول دار الحكومة وهددوا بتدميرها، مما اضطر رجال هيئة الأمم إلى الاستعانة بالبكباشي أحمد عبد العزيز الذي حضر ووافق على وقف إطلاق النار بشرط أن يحتل جنود الإخوان مرتفع (رأس الأحرش)، وبذلك أصبح الإخوان خطرًا شديدًا يهدد القدس الجديدة، من موقع يتيسر لهم فيه مراقبة حركات اليهود وسكناتهم.

وقد تكرر ذخر اليهود في اليوم التالي حيث حاولوا استرداد هذين الموقعين، بقوات كبيرة، ولكن يقظة الإخوان واستماتتهم في الدفاع وقفت سدًا منيعًا دون وصولهم لهذه الغاية.

مفاوضات تحديد حدود المنطقة الحرام واستشهاد البطل أحمد عبد العزيز:

بدأت بعد المعارك السابقة مفاوضات طويلة لتحديد حدود المنطقة الحرام، انتهت يوم 22 أغسطس سنة 1948م، وقرر أحمد عبد العزيز حمل نتائج المفاوضات بنفسه إلى القيادة المصرية العامة «بالمجدل» وصحبه في سيارة الجيب اليوزباشي «الورداني» واليوزباشي» صلاح سالم»() من ضباط رئاسة المواوي بالإضافة إلى سائق سيارته.

وعند عراق المنشية حيث ترابط قوة من الجيش المصري، وتمنع السير على هذا الطريق أثناء الليل، صاح الحارس يأمر السيارة القادمة بالوقوف، ولكن يبدو أن الراكبين لم يسمعوا صوت الحارس، فأطلق عليهم النار وأصيب أحمد عبد العزيز في جنبه إصابة فاضت بها روحه الطاهرة وهو في الطريق إلى عيادة طبيب بمدينة (الفالوجة) يصاحبه الضابطان «الورداني وصلاح سالم».

5- تدمير مركز قيادة صهيوني:

وقد حل محل القائد الشهيد في قيادة متطوعي الإخوان البكباشي «عبد الجواد طبالة» قائد كتيبة متطوعي الإخوان الثانية من هايكستب وكانت هذه الكتيبة تعمل في منطقة غزة- رفح، وكان الأخ «صلاح البنا» يرأسها وقد أصدر البكباشي «عبد الجواد طبالة» أمره بضم هذه الكتيبة التي كانت تحاصر بعض المستعمرات الواقعة في منطقة غزة -رفح إلى كتيبة الإخوان في صور باهر.

وبعد وصول الكتيبة نقض اليهود الهدنة واحتلوا منزلا في الشقة الحرام قرب مواقع الإخوان، واتخذوا منه وكرًا خطيرًا للقناصة يستعيضون به عن البرج الذي نسفه الإخوان في (تل بيوت)، وأخذوا يطلقون النار على مواقع الإخوان، وحاولوا اقتناص قائد المنطقة نفسه، حين كان يحاول الوصول إلى دار الحكومة للاجتماع بمراقبي الهدنة، فقرر الإخوان تدمير هذا البناء خاصة أن الأنباء كانت تشير إلى أن كبار ضباط الجيش الإسرائيلي قد نزلوا في هذا البناء واتخذوه مقرًا تشرف منه قيادتهم على جبهات المتطوعين وتضع خطة لمعارك شاملة وتكتسح فيها هذه القوات.

تسللت جماعة من الإخوان تحمل ألغامها وأسلحتها نحو هذا المنزل الواقع بين ثلاث مستعمرات من أخطر المستعمرات اليهودية، وأخذوا يزحفون حتى اقتربوا من الباب، وبينما كانوا يعالجون فتح الباب الخارجي انتبه اليهود، فأخذوا يطلقون عليهم النار من أعلى المنزل ومن الدشم المسلحة المقامة حوله، وبدلهم الإخوان الضرب، بعد أن ألقوا بألغامهم بعيدًا عن البناء، ثم فجروها وانسحبوا عائدين ومعهم جريح واحد هو الأخ (عثمان عبد المجيد).

وفي اليوم التالي. تحركت قوة كبيرة من متطوعي الإخوان وكان من بين أفرادها بعض الإخوان السوريين، وبعض الإخوان الأردنيين للهجوم على هذا البناء، ونجحت القوة التي تسللت تحمل المتفجرات في الوصول إلى المنزل وتدميره على جميع من فيه من الضباط والجنود، وقد وصف البكباشي عبد الجواد طبالة هذا الهجوم في إحدى المجلات العسكرية فقال:

«عالج قائد الدورية الباب معتمدًا على أن صوت الرصاص يعلو صوت معالجة الباب، ولكن الباب لم يفتح وهو موصد من الداخل، وإذا بالقائد يضغط بسبابة يمناه على تتك سلاحه فيطير قفل الباب ويفتح على مصراعيه، وفي لحظات أشعل الآخرون العبوات، وألقوا بها داخل الدار، وارتد الجميع للخلف قليلا ورقدوا إلى أن صم آذانهم صوت انفجار هائل تطاير على أثره الغبار في كل مكان.

ثم انسحبوا إلى رئاسة القطاع ومعهم جريح واحد هو المجاهد (ضيف الله) من الإخوان السوريين، وفي المساء كانت إسرائيل تذيع نبأ المعركة وتنعي إلى اليهود مقتل ضابط كبير من ضباطهم، ومعه عدد آخر من الضباط والجنود ماتوا تحت الردم، على مقربة من مواقع الإخوان المسلمين في صور باهر».

6- احتلال تبة «اليمن» وإطلاق اسم تبة الإخوان المسلمين عليها:

حاول اليهود الهجوم على (صور باهر) غير أن هجماتهم المتكررة تكسرت تحت تحصينات الإخوان القوية، فقرروا الاستيلاء على المرتفعات المجاورة، للانقضاض منها على (صور باهر)، وعلى قيادة القوات الخفيفة في بيت لحم، وحشدوا حشودهم لهذا الغرض.

فأرسل الأخ محمود عبده قوة كبيرة لتقوم بهجوم مضاد، تستعيد به تبة «اليمن» التي كانت أولى المرتفعات التي احتلها اليهود، وعين لقيادة هذه القوة الملازم أول خالد فوزي.

وقد نجح الإخوان في الهجوم الذي شنوه على اليهود الذين تراجعون بعد مقاومة شديدة وخسائر من الطرفين، وقد وصفت قيادة بيت لحم هذا الهجوم في إشارتها إلى قيادة الجيش بتاريخ 20 أكتوبر سنة 1948 تقول:

قام العدو بهجوم عنيف على جميع مواقعنا الدفاعية تحت ستار غلالة شديدة من نيران الأسلحة الأتوماتيكية والهاونات وقاذفات الألغام والمدفعية الثقيلة، صدت قواتنا الهجوم وتمكن العدو من الاستيلاء على مواقعنا بجبل «اليمن»، قامت قوة من الإخوان المسلمين بقيادة الملازم أول خالد فوزي بهجوم مضاد فطردت العدو بعد أن كبدته خسائر فادحة.

وقد علقت جريدة (الناس) العراقية في عددها الصادر 7/11/ 1948 على هذه المعركة بمقال تحت عنوان (بسالة متطوعي الإخوان المسلمين) جاء فيه: «وأن اليومين الماضيين امتازا ببسالة منقطعة النظير من متطوعي الإخوان المسلمين، فقد استولى اليهود شمال غربي بيت لحم بعد محاولات عديدة على جبل مرتفع يسمى «تبة اليمن» ويشرف على قرى «الولجة» و «عين كام» و «المالحة»، وما جاورها وأصبحوا يهددون كل المناطق المحيطة بها.

ورأت قيادة الجيش المصري ضرورة تطهيرها فندبت لذلك عددًا من متطوعي الإخوان المسلمين في «صور باهر» فتقدمت سرية منهم، ولم تمر ساعة حتى كانت هذه الفرقة قد أجهزت على القوة اليهودية وغنمت ذخيرتها ومتاعها وحررت قرية «الولجة» وأصبحت تسيطر على منطقة واسعة.

وقد أصدرت قيادة الجيش أمرًا بتسمية الجبل «تبة الإخوان المسلمين» وقد استشهد من الإخوان كل من مكاوي سليم علي من الزقازيق، والسيد محمد قارون من المنصورة، وإبراهيم عبد الجواد من الفيوم، رحمهم الله رحمة واسعة.

تموين قوات الجيش المصري المحاصرة في «الفالوجا»:

يئس العدو من اقتحام بيت لحم والخليل لوجود هذه القوات المؤمنة فيها فركز هجومه على قوات الجيش المصري في «أسدود» و «المجدل» واستطاع أن يجلي القوات عن هاتين المنطقتين، وأن يحاصر قوة كبيرة منها في «الفالوجا» يرأسها الأميرالاي سيد طه، فاهتم الإخوان بتموين هذه القوة المحاصرة حتى تستطيع الصمود على الرغم من أنه لم يعد لقوات الإخوان طريق يصلها بالقاهرة إلا طريق الخط الجوي عمان- القاهرة.

أخذت قوافل المعونة تتسلل عبر الصحاري الواسعة التي يسيطر عليها العدو، وهي تحمل المؤن للقوات المحصورة في الفالوجة، وتتعرض في طريقها لكثير من الاشتباكات مع دوريات العدو، وكان يقود الإخوان في تسللهم هذا لنجدة الجيش المصري في الفالوجا الأخ الكريم «اليوزباشي معروف الحضري». وقد تعقبه اليهود حتى استطاعوا الظفر به في إحدى العمليات ونقلوه إلى خطوطهم الخلفية أسيرًا حتى نهاية الحرب وتبادل الأسرى. يرحمك الله أيها الأخ الكريم رحمة واسعة ويرزقك الفردوس الأعلى من الصديقين والأنبياء والشهداء وحسن أولئك رفيقًا.

وبينما كان الإخوان يعملون بهمة وإخلاص في تموين القوة المحاصرة في الفالوجا أصد النقراشي باشا قرار بحل هيئة الإخوان المسلمين في مصر ومصادرة أموالها، ولكن الإخوان قدروا حجم الكارثة لو أنهم قاموا بعمل مضاد، فهم وحدهم الذين يحمون مناطق بيت لحم والخليل وكانوا في هذا الالتزام ملتزمين بأوامر وصلتهم من المرشد العام، تلزمهم بالهدوء والسكينة منعًا من وقوع الكارثة وضياع هذه المنطقة الكبيرة التي تقع تحت حمايتهم وحدهم.


نماذج من عمليات الحصار ونسف الطرق التي قام بها الإخوان في الحرب والدفاع عن العريش

1- قامت قوة من الإخوان بقيادة المجاهد (حسن عبد الغني) بتدمير شبكات المياه بين مستعمرتي «بيرى» و «أتوكوما» وأباحت أنابيب المياه لأعراب المنطقة ينتزعونها من الأرض تحت حراستهم، حتى نزعت من الأنابيت مساحة شاسعة، ثم رابطت في المنطقة، لتمنع العدو من إصلاحها، وصبر اليهود يومين عسى أن تنصرف قوة الإخوان لشأنها، ولكن القوة العنيدة ظلت تواصل تدمير الأنابيب ونزعها والتعرض للمصفحات والقوافل التي تحاول إصلاحها، فلم تجد القيادة الإسرائيلية بدا من الدخول في معركة مباشرة خارج تحصينات المستعمرات وكان هذا هو المطلوب.

جمعت القيادة الإسرائيلية عددًا كبيرًا من المصفحات من جميع المستعمرات، وأحاطت بالقوة الإخوانية من جميع الجهات، وأخذت تقترب منها على أمل أن تظفر بها، وثبت الإخوان ثباتًا عجيبًا، وأوقعوا في اليهود عددًا من القتلى قبل أن يبعثوا في طلب النجدات من معسكراتهم.

وجاءت مصفحات الإخوان وأقامت حول مصفحات العدو، الذي أسقط في يده حين رأى نفسه محصورا بين نارين، فاضطر إلى طلب نجدات أخرى من المستعمرات القريبة، وامتلأ ميدان المعركة بقوات كبيرة من الجانبين، واشتد القتال بين الفريقين على نحو لم يسبق له مثيل، حتى يئس العدو من زحزحة الإخوان من موقفهم، فأخذ يطلق سحبًا من الدخان ليستر انسحابه، وما كادت أطباق الدخان تنجاب عن ميدان المعركة حتى سارع الإخوان يجمعون غنائمهم من السلاح، ويعودون لتدمير الأنابيب من جديد.

2- محاولة من اليهود لتسميم الآبار في خزاعة وحرق جثث الذين أقدموا على ذلك:

حاول اليهود تسميم آبار يستعملها الإخوان في منطقة «خزاعة» انتقامًا لتدمير أنابيب مياههم، وذلك بأن أرسلوا رجلين يرتديان الملابس العربية ويتظاهران باستجلاء الماء، وكان منظرهما يدعو إلى الريبة، فاقترب منهما الجندي الإخواني الحارس وأمرهما بالوقوف، فلاذا بالفرار، فتعقبهما الجندي الإخواني الحارس وعدد من إخوان سريته المرابطة في هذه المنطقة بقيادة المجاهد (نجيب جويفل) حتى أدركوهما وأمروهما بالتسليم أو إطلاق النار، فرفعا أيديهما بالتسليم، وحين اقترب الإخوان منهما، انبطحا على الأرض في سرعة وقذفا على المهاجمين عددًا من القنابل اليدوية وأسرع الإخوان بملاصقة الأرض ثم أطلقوا عليهما النار فأردوهما قتيلين.

وهنا على مقربة من مستعمرة «تيريم» حمل الإخوان الجثتين، ونضخوهما بالبترول وأشعلوا فيهما النيران على مرأى جيد من المستعمرات انتقامًا من هذا الغدر.

وجن جنون اليهود واخذوا يلوحون بأيديهم في غضب وانفعال، وحين جن الليل هاجموا مواقع الإخوان في «خزاعة»، ولكنهم لم يتمكنوا من زحزحتهم، وقد استشهد في هذه المعركة شهيد واحد هو الأخ «عيسى إسماعيل» من إخوان الشرقية.

3- معركة أبو معليق وتدريب مجموعة من شباب البدو على القتال:

استفاد الإخوان من غدر اليهود في منطقة أبو معليق، حيث كانت إحدى القوافل اليهودية تمر قريبًا من مضارب البدو، وكان الإخوان قد لغموا هذا الطريق، فانفجرت الألغام في هذه القافلة، وظن اليهود السوء بالبدو، فغدروا بهم وأخذوا يطلقون عليهم النار، ولكن قوة من الإخوان كانت مستعدة عن قرب، فهاجمت مؤخرة اليهود حتى أرغمتهم على الهرب إلى مستعمراتهم.

والتحم البدو المجني عليهم بالإخوان لما رأوا جسارتهم، فقام الإخوان على تدريبهم على القتال، وكان الأخوة «علي صديق» و «نجيب جويفل» و «حسن عبد الغني» وغيرهم يتناوبون على تدريبهم، ثم قام الإخوان بتشكيل مجموعة منهم للتطوع في القتال، وفتحوا باب التطوع للآخرين، فانهال عدد كبير من الشباب البدو، وكون الإخوان منهم عددًا من السرايا المقاتلة أشرف على تدريبها الأخ نصر الدين جاد.

وحينئذ أقام الإخوان في المنطقة موقعًا حصينًا فوق تل مرتفع يشرف على مساحات واسعة من الأرض، وأحاطوه بالأسلاك والألغام، وزودوه بالأسلحة والعتاد، وأشرف قادة المعسكر على تنظيم دوريات مسلحة تخرج بمعونة البدو، وتتعرض لقوافل التموين اليهودية فتدمرها وتقتل الكثيرين ممن فيها، مما اضطر اليهود إلى مهاجمة الموقع أكثر من مرة بمصفحاتهم غير أنهم لم يفلحوا في اقتحامه.

وفي صبيحة يوم 19/7/ 1948م حشدوا قوات كبيرة من جميع المستعمرات القريبة ومهدوا لهجومهم بضرب شديد من مدفعيتهم ثم تقدموا تحت حماية المصفحات.

وقد تصدى لهم إخوان المعسكر بقيادة الأخ «محمد الفلاحجي» من إخوان الدقهلية وأحاطوا بهم وسط التلال المتناثرة على مقربة من قرية «أبو معليق» وأوقعوا بهم خسائر فادحة وأرغموهم على التقهقر بعد تدمير عدد من المصفحات.

وقد استشهد في هذه المعركة الشهيد «سيد حجازي» وجرح فيها قائد المعسكر الأخ «محمد الفلاحجي».

4- علي صديق يحصد اليهود على مشارف كفار ديروم:

بعد معركة الإخوان الثانية لاحتلال كفار ديروم بقيادة أحمد عبد العزيز واستشهاد عدد كبير في هذه المعركة التي لم يتتحقق أهدافها، قرر ضرب حصار على المستعمرة، وأحكموا الحصار، وفي اليوم التالي للمعركة حاول العدو تحطيم هذا الحصار وإدخال قافلة كبيرة محملة بالجنود والعتاد، وكانت هي الفرصة التي ينتظرها الإخوان، يسيل لها لعابهم، فنظموا كمينًا محكمًا، وحشدت مدفعية الإخوان مدافعها على سفوح التلال المشرفة على الطريق وحين دخلت القافلة في الدائرة المرسومة أمر اليوزباشي «حسن فهمي» قائد المدفعية بالضرب، فانطلقت المدافع من أبعاد قريبة، وحاول اليهود الدفاع عن أنفسهم بادئ الأمر، ولكنهم وجدوا أنفسهم محصورين داخل حلقة فولاذية، فاختاروا أهون الضررين وقذفوا بأنفسهم من المصفحات وحاولوا النجاة بأرواحهم فرارًا إلى مستعمرة «كفار ديروم».

وكان الأخ «علي صديق» مختبئًا بعناية وراء التلال القريبة، ينتظر هذه الخطوة، فلم يكد اليهود ينزلون من المصفحات ويتحركون تجاه المستعمرة، حتى انطلقت الرشاشات من كل صوب فحصدتهم حصدًا.

ولما حاول حماة المستعمرة تجدتهم، تركهم الإخوان يغادرون الأسلاك الشائكة ويبتعدون عن المستعمرة، ثم بدئوا يطلقون عليهم النار من «أوكار» معدة بعناية حتى سقط منهم عدد كبير، وتراجع الباقون إلى المستعمرة.

وقد غنم المجاهدون خمس عشرة مصفحة مشحونة بأحدث طراز من الأسلحة والذخائر ومواد التموين، وعمهم البشر لهذا الانتصار الرائع الذي عوض خسارتهم بالأمس، حيث وجدوا إحدى المصفحات مملوءة بالدجاج والطيور من مختلف الأنواع والأحجام.

وقد استمر الإخوان يحاصرون هذه المستعمرة حتى جلاء عنها اليهود، واحتلها الإخوان دون قتال في منتصف يوليو، بعد أن أفلحوا في إنهاك وحدة الهاجاناه، التي كات تحميها إلى درجة لم تعد تتحمل بعدها مزيدًا من البقاء.

5- علي صديق يحرق سيارة يهودية تتحرك من مستعمرة رامات راحيل في اتجاه مستعمرة الدجاج:

في ليلة من الليالي أثناء الهدنة الثانية كان الأخ «علي صديق» في حراسة لموقع (مجاهد) بدلا من الأخ «محمود حسن» الذي كان متعبًا فنصحه علي صديق بالراحة هذه الليلة.

وبينما كان علي يرقب ما حول المستعمرة إذا به يشاهد سيارة يهودية محملة بمجموعة من الضباط تتحرك ليلا من مستعمرة رامات راحيل في اتجاه مستعمرة الدجاج، فراوده خاطر سريع، أن يتقرب إلى الله بدماء هؤلاء المغتصبين الذين قال الله فيهم إنهم أشد عداوة للذين آمنوا ولم يكن يمنعه إلا قرار الهدنة.

ولكنه وقد كانت يده على الزناد، وجد نفسه يضغط موجهًا مدفعه الفيكرز تجاه سيارة العدو فاشتعلت النيران بمن فيها، وما إن سمعت مواقع الإخوان بهذه الطلقات، حتى صبت أتونا من نيرانها على جميع مواقع العدو.

وما إن سمع القائد بهذه النيران، حتى حضر إلى الموقع الذي انطلقت منه قذائف الموت وعندما أراد أن يستطلع الخبر، اكتفى الأخ علي صديق بأن أشار له بيده نحو السيارة المحترقة التي كانت في طريقها لاختراق خط الهدنة، وقد حقق مراقبو الهدنة في هذا الحادث.

6- قطع الطرق المؤدية إلى مستعمرة «بيرون إسحق» أثناء هجوم الجيش المصري عليها:

كانت مهمة الإخوان في ذلك الوقت تتلخص في إرباك مستعمرات النقب، وإشعالها في الدفاع عن نفسها، حتى لا تفكر في الانقضاض على مؤخرة الجيش المصري وهو مشغول بعاركه الأمامية في مناطق أسدود والمجدل والفالوجا.

فمرت بالإخوان في ذلك الوقت فترة من أنشط الفترات، وبلغت المعارك بينهم وبين اليهود إلى عنفوان شدتها، ولم يكن يمر يوم واحد حتى تنشب الاشتباكات الدامية في مناطق مختلفة من الصحراء، والإخوان في ذلك غير مقيدين مطلقًا بما جد من أساليب الخداع والتثبيط كقرارات الهدنة ووقف القتال.

بل لا يعتبر من المبالغة إذا قلنا أن الإخوان كانوا يعملون في فترات الهدنة أكثر مما يعملون في أوقات القتال، وقد قدموا في معاركهم هذه الكثير من الجرحى والشهداء.

وعندما فكر الجيش المصري في الهجوم على مستعمرة «بيرون إسحق» طلب البكباشي «عبد الجواد طبالة» من معسكر الإخوان أن يقوموا بقطع الطرق التي تصل إلى المستعمرة فعهدت بهذا العمل إلى الأخوين «نجيب جويفل» و «محمد علي سليم».

رابط «نجيب جويفل» و «محمد علي سليم» بفصائلهما على نقاط متقاربة على الطريق، فلما بدأت القوات المصرية الهجوم على المستعمرة واشتد الضغط على حاميتها بعثت تطلب المزيد من القوات، واستجابت لها القيادة اليهودية، وما هي إلا برهة يسيرة حتى امتلأ الطريق بالمصفحات القادمة من مستعمرات النقب الجنوبية ونشبت معركة شديدة بين فصائل الأخوين «نجيب جويفل» و «محمد علي سليم» وبين هذا العدد الهائل من المصفحات.

ولكن قوة النيران الموجهة إلى اليهود من الأسلحة الأوتوماتيكية ومدافع الهاون، وحقول الألغام التي زرعت في طريقهم اضطرتهم إلى العودة من حيث أتوا تاركين مستعمرة بيرون إسحق تعاني وحدها شدة المعركة أمام الجيش المصري وتستغيث ولا مغيث.

7- انتقام الإخوان من اليهود لهجومهم على أحد مضارب البدو وإشعال النيران به بعد أن قتلوا كثيرًا من رجاله وجاء الأحياء منهم يشكون من هذه المذبحة:

ظن العدو سوءًا بأحد مضارب البدو، واعتقد أن رجاله يتعاونون مع الإخوان فهجموا عليه وقتلوا العديد من رجاله وأضرموا فيه النار وجاء الأحياء منهم يستنجدون بمعسكر الإخوان من هذا الشر المستطير، فقرر الإخوان الانتقام لهم من اليهود.

تسللت قوة من الإخوان في جوف الليل إلى إحدى المناطق الداخلية متوغلة في أرض اليهود، حرمهم الخاص، وهناك على طريق السيارات بثوا حقلاً كبيرًا من الألغام، وانفلتوا في أحد الوديان المجاورة ينتظرون مقدم «الصيد» وجاءت قافلة كبيرة عند الفجر، فلم تكد تمس الألغام حتى انفجرت وتطايرت أجزاء السيارات في الفضاء، وظل الإخوان في مكمنهم حتى انجلى الدخان، وقام من نجا من اليهود، فأخذوا يطلقون عليهم النار، حتى مات من مات وفر من استطاع الفرار، ثم جمعوا القتلى وكدسوهم كومة واحدة، بعد ما أخذوا ما وجدوه من سلاح وعتاد، وتركوا أمام كوم الجثث منشورا ينبئ اليهود بأن هذا الحادث جاء ردًا على ما ارتكبوه ضد العرب الآمنين.

وقد سمع القائد العام بهذه العملية الجريئة فأبدى رغبته في رؤية بعض الأسلحة التي غنمها الإخوان، وأعجب كثيرًا بما شاهده منا خاصة أحد مدافع «المورتر» المصنوعة حديثًا في بلجيكا.

8- اشتراك الإخوان في الهجوم على مستعمرة دير سنيد بعد إحكام محاصرتهم لها:

كانت مستعمرة دير سنيد تحتل نقطة حاكمة بالنسبة للمناطق العربية المجاورة لها، وكانت هذه المستعمرة تقوم على الطريق الساحلي الرئيسي للجيش في قطاع غزة المجدل، ولم يكن بالإمكان تجاهلها أو الاكتفاء بحصارها، كما حدث بالنسبة إلى مستعمرة «كفار ديروم» أو «يتروم» وغيرها من مستعمرات النقب.

وفي 16 مايو سنة 1948م طلبت قيادة الجيش من الإخوان قطع خطوط مواصلات المستعمرات لتمنع وصول النجدات إليها من المستعمرات المجاورة عندما يوجه إليها الجيش المصري ثقله مهاجمًا.

وفي يوم 19 مايو سنة 1948 تحركت مدافع الميدان لتحتل مواقع قريبة من المستعمرة غير أن الهجوم الفعلي لم يبدأ إلا عصر يوم 19 حين أخذت المدفعية تركز نيرانها على موقع المراقبة الأمامي القائم جنوب المستعمرة، حتى دمرت أجزاءه البارزة على سطح الأرض تدميرًا، ثم حاولت المشاة اقتحامه، ولكنهم فوجئوا بنيران شديدة من الرشاشات مما اضطرهم إلى تأجيل الهجوم الحاسم.

كانت قوة الإخوان تقوم بحصار طرق المواصلات خلال الأربعة أيام السابقة للهجوم، وقد صد الإخوان خلال هذه المدة عدة محاولات جريئة من جانب العدو لتعزيز وحدة الهاجاناه في المستعمرة وإمدادها بالمؤن والذخائر، ولم تستطع مصفحات العدو من الوصول إلى المستعمرة مخترقة حصار الإخوان لها، إلا جزًا يسيرًا من طابرو يتكون من عشرين مصفحة، هاجم الإخوان من جهة مستعمرة «كفار ديروم» فاشتبكوا مع الطابور في معركة ضاربة بالرشاشات ومدافع البازوكا، مما اضطر هذا الطابور إلى الارتداد من حيث أتى بعد أن نجح عدد يسير منه في الوصول إلى المستعمرة وكان ذلك في لية 24 مايو سنة 1948.

وبينما كانت معارك الطرق تدور بين اليهود والإخوان كرر الجيش هجومه على المستعمرة المعزولة عن كل عون من الخارج، وحين اشتدت المعركة طلبت قيادة الجيش فصيلة من الإخوان للاشتراك فيها، وبالفعل اشترك الإخوان في الهجوم على هذه المستعمرة بفصيلة وثلاث مصفحات، كان الإخوان قد غنموها من اليهود في معارك النقب، وحتى سقطت «دير سنيد» المسماة «ياد مردخاي» في أيدي الجيش المصري وكان لسقوطها دوي عظيم، كما كان له أسوأ الأثر في نفوس الإسرائيليين.

ولا شك أن أهم دور في هذه المعركة كان نجاح الإخوان في منع وصول النجدات اليهودية للمستعمرة حيث لو أمكن لليهود إقامة جسر بين المستعمرة المهاجمة، ومجموعة المستعمرات التي حولها لتغيرت حتمًا نتيجة المعركة.

خاتمة لازمة لهذا الفصل

إن هذه الروح العالية في قتال الأعداء، هي أعز ما يتمنى أن يصل إليه الحكام الصالحون بين أفراد قواتهم المسلحة، ليضمنوا لأوطانهم النصر العزيز، ولقد رأينا الدول الحرة تتسابق في بذل كل مرتخص وغال لتصل بهؤلاء الأفراد إلى مثل هذا المستوى الرفيع من التضحية والفداء.

فإذا ما ظهر من بين أبناء وطننا العزيز من الأفراد المدنيين من ارتفعت روحهم المعنوية فاستبسلوا في القتال والتدريب على هذا النحو الفريد الذي رأيناه في الفصلين السابقين دون أن يكلفوا الدولة درهمًا ولا دينارًا، لوجب على حكامها المخلصين أن يدرسوا هذه الظاهرة الفريدة، ويتعرفوا على أسرارها لاستخدامها في بناء قواتهم المسلحة خاصة، وتعميمها بين جميع أبناء الوطن عامة، ليضمنوا لوطنهم عزًا تليدًا، ومجدًا أكيدًا، وليس هناك سر في ذلك كله إلا التربية الإسلامية والأخذ بمبادئها الغراء، التي أوصانا بها العزيز الحكيم.

ولقد ثبت لنا بيقين أن ما ظهر على أيدي صحابة رسول الله من بسالة فذة، ورغبة حقة في الاستشهاد في سبيل الله أدت إلى نصر المسلمين على دولتي الكفر: الفرس والروم مجتمعتين في فترة قصيرة من عمر الزمان، رغم قلة العدد والعتاد، لم يكن هذا الذي ظهر قاصرًا على ذلك الجيل وحده، بل هو نتيجة حتمية لكل من يطبق شريعة الإسلام ويربي أبناءه على مبادئها السمحة، وقد رأى حكام العرب والمسلمين كل هذا الذي قصصناه من بطولات أفراد الإخوان المسلمين في جبهتي القتال سواء في فلسطين أو في القتال، وكان جدير بهم جميعًا أن ينتفعوا بهذا السر الذي غاب عنهم عدة قرون، فيكرموا هؤلاء الأبطال ويأخذوا عنهم أسلوبهم في التربية والتدريب والوفاء، فيتحقق بذلك لدولهم الأمن والأمان ولأشخاصهم المجد الخالد والعز التالد، ولكننا رأينا العجب العجاب.

رأينا حكام مصر يقلبون لأبنائهم الذين استبسلوا في القتال باعتراف كبار قادة جيوشهم استبسالا أذهل كل من رأى ومن سمع، ظهر المجن، فيناصبونهم العداء ويبذلون كل مرتخص وغال لتحطيم هذه الروح العالية الفذة الفريدة، وتلك لعمري هي الخيانة العظمى التي نفرد لبيانها الفصل القادم إن شاء الله..


</include>


الفصل السابع : الخيانة العظمى في مصر وانتصار الإخوان على مرتكبيها مع بيان حكم الشريعة الإسلامية بإغتيال المحاربين للإسلام


كانت الخطة المشتركة بين الاستعمار الأب الحقيقي للصهيونية، وبين أعوانه من الخونة من حكام الدول العربية، في ذلك الوقت لتسليم فلسطين لليهود، هي أن تتقدم الجيوش العربية بقيادة قائد إنجليزي هو جلوب باشا رئيس هيئة أركان القوات الأردنية الهاشمية إلى داخل فلسطين، لتنهزم هذه الجيوش السبعة، ويكون ذلك إعلانًا واقعيًا على قيام دولة إسرائيلية على أرض فلسطين تعادل في قوتها قوة الدول العربية السبعة مجتمعة، ولتأمين هذه النتيجة كان قد تم تسليح الجيش المصري بأسلحة فاسدة تقتل صاحبها عند الإطلاق، كما تم تلقين جلوب باشا الأوامر المناسبة لإجلاء المواقع الهامة من القوات العربية المحاربة ليستولي عليها اليهود دون قتال، ثم يأخذون قتلاً وتشريدًا لأبنائها من الرجال والنساء والأطفال، كما حدث في دير ياسين.

ولقد نفذت الخطة بالفعل، فتقدم الجيش المصري إلى بينا على مسيرة عشرين ميلا من تل أبيب. حسب الخطة العربية العامة، ولم تحاول المستعمرات اليهودية أن تعترض طريق الجيش المصري حسب الخطة اليهودية العامة، بل أظهرت كل معاني الضعف والاستسلام، وكان بعضها يرفع الأعلام البيضاء على قمم الأبراج الشاهقة، حتى يمضي الجيش في تنفيذ خطته.

ولا يغير من ذلك وقوع بعض التحرشات التي قام بها الجيش المصري أثناء تقدمه، استجابة للروح المعنوية التي كانت تعتمل في صدور أفراد هذا الجيش ضباطًا وأفرادًا.

وكانت أول محاولة للتحرش هي مهاجمة مستعمرة «تيريم الدنجور» على الحدود المصرية في 16مايو سنة 1948م، حيث أطلق عليها الجيش نيران مدفعيته ثم حاول المشاة اقتحامها، ولكنهم صرفوا النظر لما وجدوا منها مقاومة عنيفة، واستمروا في التقدم مكتفين بحصار هذه المستعمرة.

ثم واصل الجيش تقدمه شمالاً وأخذ يهاجم (كفار ديروم) و (بيرون إسحق) و (كوكبة) و (نحبيا) وغيرها دون أن يحتل أي منها.

وقد نجح في احتلال «بتسانيم» بعد معركة دامية أظهر فيها الجنود المصريون ضروبًا من البسالة، كما نجح في احتلال «دير سنيد» على النحو الذي سبق لنا تفصيله وأظهرنا دور متطوعي الإخوان المسلمين فيه.

ولكن الروح المعنوية للضباط والجنود ضعفت بعد تدخل السياسة وفرض الهدنة الأولى والثانية، وما كادت طلائع الجيش تصل إلى «أسدود» حتى تجمعت القوات اليهودية من منطقة «رحبوت» وهاجمته هجومًا عنيفًا، أفلح الجيش المصري في صده وتكبيده العدو خسائر فادحة، ولكنه توقف عند أسدود، ولم يتمكن من التقدم بعد ذلك متخذًا موقف الدفاع عن نفسه وعن الأرض التي احتلها.

ثم زحفت القوات المصرية شرقًا واتصلت بقوات المتطوعين المصريين المرابطة في جبال الخليل بقصد عزل مستعمرات النقب عن بقية أجزاء فلسطين.

ولكن هذه القوات لم تعمل شيئا ضد عشرات المستعمرات وعشرات الآلاف من جنود العدو المتناثرة داخل هذا الإطار الذي رسمته القوات المصرية لقواتها.

ثم فرضت الهدنة الأولى لتمكين العدو من جلب أنواع جديدة من الأسلحة الثقيلة والطائرات الضخمة، وحين آنس اليهود في أنفسهم القوة والإعداد ضربوا بالهدنة عرض الحائط وأخذوا يهاجمون تقاطع الطرق ويحتلونها، وانتفضت المستعمرات الهادئة الوادعة لتؤدي دورها المرسوم، فقطعت طرق المواصلات حين كان الضغط يشتد على خطوط الجيش الأمامية، مما اضطر قيادته إلى تقصير خطوطه والتخلي عن مناطق المجدل وأسدود والتجمع في منطقة رفح- غزة، تاركا خلفه قوة قوامها خمسة آلاف جندي محاصرة في الفالوجا لم تستطع الإفلات واللحاق بالجيش المنسحب إلى غزة دون سبب ظاهر.

والغريب أن تصدر الأوامر بالانسحاب من هذه المناطق الشاسعة دون أن يبذل الجيش أي مجهود في ضرب فصائل العدو التي أخذت تقطع الطرق على إمداداته، ودون أن يتعرض الجيش لهجوم جدي يضطر بسببه إلى الانسحاب، فقد كانت ضغوط العدو من جهة الشمال مما يمكن صده بسهولة كما سبق أن فعل الجيش عند أسدود. وليس هناك أدنى سبب لبقاء قوات الفالوجا محصورة بعد انسحاب الجيش المصري إلى قطاع رفح- غزة، بينما كانت منطقة بئر سبع في أشد الحاجة إليها لحمايتها.

ولم يعد هناك من أمل في إنقاذ فلسطين، بعد أن أصبحت قوة الجيش كلها متجمعة في منطقة رفح- غزة، بأوامر عليا، ولواء الفالوجا الذي كان مقررًا أن يحتل بئر سبع محاصر في الفالوجا لا يستطيع حراكًا، ولم يعد في الإمكان حمايته إلا بمحاصرة المستعمرات الكبيرة وعدم إعطائها فرصة للتكتل، حتى يفرغ الجيش من إعادة تنظيم خطوطه الدفاعية ويستطيع أن يصمد للهجمات التي تكررت عليه من قبل القوات اليهودية، وهو ينسحب إلى منطقة رفح- غزة، والتي استمرت تتوالى عليه في مواقعه الجديدة قبل أن يتحصن ويستعد للدفاع عن نفسه.

القيادة العليا للجيش تطلب كتيبة من متطوعي الإخوان لإنقاذ الموقف والنقراشي يمنع الكتيبة من التحرك:

وتركز الأمل في أن يقوم متطوعو الإخوان بهذا الواجب الكبير، وقد تقدموا فعلا إلى قيادة الجيش بهذا الرأي الذي وافق عليه اللواء المواوي، وكتب إلى كل من الأمانة العامة للجامعة العربية وإلى رئاسة أركان الحرب يطلب تجنيد كتيبة من الإخوان عن طريق المركز العام وإرسالهم فورًا إلى الميدان ليتمكن من السيطرة على الموقف.

وسافر فعلا فضيلة الشيخ محمد فرغلي قائد المتطوعين الإخوان في منطقة رفح ليعمل على تجهيز هذا العدد الكبير وترحيله فورًا إلى الميدان.

وفي نفس الوقت نشطت قوات الإخوان الموجودة بالفعل في الميدان، في عمليات قطع الطرق وإنزال الخسائر بالعدو على النحو الذي فصلناه في الفصل السابق، مما كان له أكبر الأثر في تمكين الجيش من الاستمرار في المواقع الجديدة التي اختارها لنفسه.

وما إن طلب المرحوم عبد الرحمن عزام باشا أمين الجامعة العربية من الإخوان تجهيز الكتيبة المطلوبة لإنقاذ الموقف وشل حركة اليهود والتحول إلى الهجوم بدلا من الدفاع، حتى بادر الصاغ محمود لبيب بطلب متطوع واحد من كل شعبة من شعب الإخوان على النحو المفصل في شهادة سيادته في قضية السيارة الجيب، واستعد الإخوان للتحرك.

ولكن ما إن وصل النبأ إلى مسامع النقراشي باشا حتى هاج وماج ورفض قبول الفكرة من أساسها على الرغم من أنها مطلب رئيسي لقيادة الحملة في فلسطين، ولم يكن هناك أدنى تفسير لذلك غير ما ظهر على الفور من تجنيد النقراشي باشا لقوى الأمن في مصر للقضاء على الإخوان المسلمين، مصدر القوة الرئيسي لإمداد القوات المسلحة بحاجتها من الفدائيين لإكمال النصر، كما أمر قيادات الجيش باعتقال المقاتلين من الإخوان في الميدان، حتى لا يسهموا في إنقاذ الجيش المصري، الذي كان مقررًا له أن يعلن الهزيمة ويستسلم للصهاينة إسهامًا من حكومة مصر الخائنة في قيام إسرائيل على أرض فلسطين، هذه هي الخيانة العظمى، الماثلة للعيان بحقائقها المادية دون ما حاجة إلى استقراء الوثائق البريطانية والأمريكية التي تدمغ قوى الاستعمار بدفع الحكومة المصرية إلى القضاء على الإخوان المسلمين، ومع ذلك فلابد لنا من أن نعرض لهذه الوثائق التي نشرت بالفعل، بعد مضي المدة القانونية لحظر الإطلاع عليها، والتي تطوع بنشرها في جريدة «المسلمون» الأستاذ محسن محمد رئيس تحرير الجمهورية في سلسلة من المقالات تحت عنوان من قتل الإمام الشهيد الأستاذ حسن البنا.

وقبل أن نعرض إلى هذه الوثائق يجمل بنا أن نركز على الصورة الواقعية في الميدان والتي فرضت على الخونة التعجيل بضرب الإخوان انتصارًا لأعداء هذا الوطن وتمكينًا لهم من احتلال فلسطين.

1- كانت قوات الإخوان المسلمين في مناطق رفح- غزة حيث تمركز فضيلة الشيخ فرغلي بقواته في معسكر البريج وتمركزت فصائل من الإخوان في معسكر غزة ومعسكر النصيرات بقيادة الأخ محمود عبده، ثم تحركت هذه الفصائل إلى مناطق بيت لحم- الخليل، حيث تمركزت في «صور باهر» بقيادة الأخ محمود عبده، وأنزلت بالعدو خسائر بعد أن مرت وهي في طريقها إلى بيت لحم بمناطق العوجة- عصلوج- بئر سبع- حيث تمركز الأخ عبد المنعم عبد الرءوف بقواته وهو ينزل بالعدو كل يوم خسائر فادحة ويحمي ظهر الجيش المصري من الجنوب، وهذا الأمر لا يغيظ إلا الأعداء، لكنه يدخل السرور والانشراح في قلوب الأصدقاء.

فإذا اغتاظ النقراشي باشا وأصدر قراره في هذا الموقف بحل الإخوان في مصر واعتقالهم وحبس المجاهدين في فلسطين، فمن أي الفريقين يكون؟ ومع أي الجانبي يعمل مصر أو إسرائيل؟

2- كانت قوات الجيش المصري تنسحب من مواقعها التي احتلتها وتنكمش في منطقة رفح- غزة وطلبت نجدة من متطوعي الإخوان لمضاعفة الضربات للعدو، حتى تأخذ فرصة لتعزيز دفاعاتها استعدادًا للهجوم واسترداد الأرض التي انسحب منها الجيش، فإذا أعلن الإخوان استعدادهم وبدأوا فعلا في تجهيز الكتيبة المطلوبة، ثم هاج النقراشي باشا وثار، وأمر بمنع سفر الكتيبة، واتخذ على الفور إجراءات القضاء على هذا العنصر الذي يعزز الجيش المصري ويدعمه فمن أي الفريقين يكون النقراشي باشا؟ ومع أي الجانبي يعمل، مصر أو إسرائيل؟.

إنه يعمل مع إسرائيل دون نزاع ودون حاجة إلى استطلاع الوثائق البريطانية أو غيرها ما دامت حالة التلبس ظاهرة للعيان، وتلك هي الخيانة العظمى بأدلتها الدامغة.

3- كانت قيادة هذا الجيش الإخواني المسلم في السجون، وكانت كل أوراق هذا الجيش وتنظيماته وغاياته وأهدافه مضبوطة في السيارة الجيب تحت تصرف النقراشي باشا، وكانت كل هذه الأوراق تتضح بشرف الغاية ونبل المقصد، فالغاية هي تحرير مصر من الإنجليز ومحاربة الصهاينة والوسيلة أعمال جدية في التسليح والتدريب، واضحة في الأوراق لكل ذي عين تقرأ، ومعلومة لدى النقراشي باشا بحكم تصريحه للإخوان بتسليح أنفسهم وتسليح جنود الهيئة العربية العليا، وقد قرأت المحكمة هذه الأوراق وأعلنت حقيقتها هذه على شعب مصر والشعوب العربية جمعاء.

فإذا كان النقراشي قد أخفى على شعب مصر والشعوب العربية هذه الأغراض الشريفة والمقاصد النبيلة، المؤيدة عمليًا بما يعلم من مجهود غير عادي في تسليح جنود الهيئة العربية العليا وجنود الإخوان وتدريبهم للقتال في فلسطين، كما أخفى على شعب مصر والشعوب العربية كل ما جاء في هذه الأوراق وقد وضع فعلا موضع التنفيذ، فكان جنود هذا الجيش المسلم يقاتلون فعلا بعلمه وتحت إمرة ضباطه في الميدان مقدمين الشهداء والجرحى فداء للإسلام، دون دعاية أو منٍّ أو تأخير، وكانت قيادة الجيش المصري تلح كل يوم في طلب هذا العنصر من الرجال الذي يحمي مؤخرة الجيش ويشترك في أخطر العمليات العسكرية، ويزعج العدو ويقطع طرق مواصلاته ومحاصرة مستعمراته.

إذا كان النقراشي قد أخفى على شعب مصر والشعوب الإسلامية كل هذه الحقائق التي تحت يده، ونسب إلى هؤلاء الأبطال الجريمة والإجرام، والتخريب والتآمر على الحكم. فماذا يكون النقراشي باشا؟ هل يكون أمينًا على العروبة والإسلام؟ هل يكون أمينًا على مصر والمصريين؟ أم يكون غادرًا خائنًا، يقاتل المؤمنين ويقف إلى صفوف الكفار، متلبسًا بالغدر والخيانة والتضليل، وإخفاء الحق وإعلاء الباطل، بكل ما يستطيع من وسائل الإعلام والسلطان، إلى حد أن يستصدر الفتاوى الشرعية المضللة لتقول للناس: إن جنود الإسلام الشرفاء الأطهار ليسوا إلا ممن ينطبق عليهم قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33].

أي والله ضلل النقراشي باشا علماء الأزهر الشريف، كما ضللهم خلفه إبراهيم عبد الهادي ليصدروا هذه الفتوى في حق جنود الإسلام الذين يقدمون في كل يوم من الشهداء والجرحى ما سبق أن أوضحنا عند وصف المعارك في فلسطين، مستعملا سلطان المادة، فهو الذي يرقيهم ويصرف لهم المرتبات، ويختار لهم المناصب، وقد كذب وتحمل وزرهم هو وكل من عاونه أو خلفه متبعًا نفس السبيل، أي شيء هو هذا الوزر؟ إنه النفاق الذي اكتملت صفاته، وتمت عناصره في بناء هؤلاء الرجال الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يدعون أنهم يحسنون صنعًا، ولا أقول مقولة القرآن الكريم: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104]، ذلك لأنهم أدنى بكثير من هذه الدرجة إ شتان بين من يحسب أنه يحسن صنعا، وبين من يدعي أنه يحسن صنعا وهو يعلم علم اليقين أنه كاذب مضل، مضلل مبين، تجتمع فيه الصفات التي حددها رسول الله للمنافقين:

«آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان» كأظهر ما يكون عليه الاجتماع وأوضح.

وقد كذب هو وأعوانه وخلفاؤه أن نسبوا الجريمة إلى المجاهدين في سبيل الله وهم يعلمون إخلاصهم وترد لهم التقارير اليومية عن بطولاتهم وشجاعتهم.

وقد أخلفوا والله إذا وعدوا الأمة بتطهير فلسطين، وهم ضاربين في أعماق التضليل حيث قدموا جيشًا يثيرون به الغبار زاعمين أنهم يحاولون تحقيق الوعد، ويصدرون له من التعليمات ما يضمن لهم خلف هذا الوعد وتحقيق النصر للأعداء وتثبيت أقدامهم، على النحو الذي فصلناه في إصدار الأوامر إليه بالانسحاب والانكماش في منطقة رفح- غزة، دون أدنى مبرر تفرضه ظروف القتال، ثم قطع التموين عنه لتكون هزيمته مؤكدة، على عكس ما أعلنوا ووعدوا.

وقد خانوا والله إذ اؤتمنوا على أمانة الدفاع عن الوطن، فما رعوا الأمانة حق رعايتها بل إنهم: أولا: أسلموا القيادة العامة للجيوش العربية المسلحة إلى إنجليزي صهيوني هو جلوب باشا وتلك هي ذروة الخيانة.

ثانيًا: سمحوا بتوغل الجيش المصري في فلسطين دون أن يضع خطة عملية لفض «الجيوب» اليهودية الخطيرة، التي توزعت في الصحراء «النقب» حتى يحاصر هذا الجيش من الجنوب بقوات مستعمرات النقب، ومن الشمال بالقوات اليهودية، في المستعمرات الصهيونية، فتتحقق بذلك هزيمته، وإعلان إسرائيل. ثالثًا: قبلوا الهدنة الأولى والثانية لإعطاء اليهود فرصة نادرة لاستجلاب أحدث أنواع الطائرات والدبابات وغيرها، وحبسوا واعتقلوا أبناء مصر البررة، المتطوعين في سبيل الله؛ فمنعوهم من مواصلة العمل، لما رأوا أن في مصر جال هم أهل فعلا لإنزال الهزيمة بالأعداء، وتخييب آمال حكام مصر في الولاء والفناء ذلا وانكسارًا لهؤلاء الأعداء.

رابعًا: غيروا دون سبب معقول هدف الجيش المصري في احتلال تل أبيب وهو يتقدم إلى الشمال دون مقاومة مخافة أن ينهار العدو باحتلال عاصمته، وقبل تل أبيب بعشرين ميلا عددوا له الأهداف ليضطرب صفه وينكمش جمعه، ويقترب من الهزيمة، وييأس من المقاومة والاستبسال.

خامسًا: سلحوا الجيش بأسلحة ترتد إلى جنوده لتقتلهم، ولا تندفع إلى الأمام لتنصرهم، اللهم إلا القليل من الأسلحة الخفيفة، التي لم يستطيعوا سحبها، وإحلالها بما فسد، لثقتهم أنها لن تحسم المعركة، وأن خدمة العدو في تقديم شعب مصر ممثلاً في جيشها فداء للأعداء هي خدمة أكيدة ومحققة. فما يكون جزء مثل هؤلاء الخونة الغدارين في الإسلام؟


حكم الشريعة الإسلامية باغتيال المحاربين من الأعداء

إن هؤلاء الجنود الأبرار قدموا دمهم ثمنًا للجنة، لم يقدموه عن إثارة عاطفية حمقاء، بل عن علم ويقين بحكم دينهم الحنيف، فكلهم قبل أن يستعذب الموت في سبيل الله ويعلن أنه أسمى أمانيه، قد تعلم كل ما شرعته عقيدته الإسلامية من قواعد القتال والشهادة في سبيل الله، ولا حاجة لأحد منهم لعالم يفتي له، هل يعمل أو لا يعمل، ولا قائد يقول له هل يتطوع أو لا يتطوع. ولكن كتاب الله الذي بيني يديه، وسنة رسول الله التي تعلمها هي التي تقوده إلى التطوع، والتدافع ليكون في مقدمة المقاتلين المتنافسين على المراكز الأولى بين الفدائيين، ليحظى بريح الجنة، وينزل في الفردوس الأعلى. منازل الأنبياء والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا.

ووكلهم قارئ لسنة رسول الله في إباحة اغتيال أعداء الله، لا يحتاجون إلى بيانات تصدر من الإمام الشهيد تحت ضغط التهديد بنسف الدعوة التي بناها من جذورها، وضياع الجهد والعرق الذي بذله في تربية رجالها، لكي يكفوا عن طاعة الله ورسوله.

إن الإمام الشهيد حرصًا على أن يثني الخونة عن خيانتهم، ولعله لم تكن قد اكتملت لديه الصورة اليقينية بهذه الخيانة، فهو لم يشهد ما وقع لجنوده في السجون والمعتقلات، حيث أبقوه بعيدًا عنهم، ولم يشهد ما وقع لجنوده في المعركة، حيث بالغوا في إصدار البيانات الكاذبة، ظن أنه بإصدار بيان للإخوان يوافق أهواء هؤلاء الحكام، سوف يثنيهم عن جريمتهم ويردهم إلى طريق الصواب، ولكن هيهات، فقد اتخذ هؤلاء الحكام من بيان الإمام الشهيد وسيلة للضغط على الإخوان في السجون للتخلي عن عقائدهم ومبادئهم، فلما وجدوا أن ضغطهم ضاع هباء ظنوا أنهم إن قتلوا الإمام الشهيد، وقتلوا هؤلاء الرجال الذين تعلموا عنه الإسلام ومبادئه أمنوا أن تزلزل دولتهم ويضيع سلطانهم، ولكنهم كانوا واهمين، فالحكم لله هو يقضي بالخير والحق، وهو وحتى تقوم الساعة أحكم الحاكمين.

واسمح لي أيها القارئ العزيز أن أقدم لك في هذا السياق ثلاثة نماذج من الأمثلة التي حض رسول الله (ص) فيها جنده لاغتيال المحاربين من أعداء الدين، لتعلم أن مصادر التشريع الموجودة بين أيدي المسلمين هي التي تقودهم، وأنه ما دام الكتاب والسنة في حفظ من الله، فلن يذوق الكفار طعمًا للراحة، حتى ينتصر الحق، ويكون الدين كله لله ولو كره المشركون.

1- سرية محمد بن مسلمة لقتل كعب بن الأشرف :

قال ابن إسحق: إن كعب بن الأشرف كان مع اليهود بالحلف، وكان أبوه عربيا من بني نبهان، أصاب دمًا في الجاهلية، فأتى المدينة فحالف بني النضير، فشرف فيهم وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق فولدت له كعبًا، وكان طويلاً جسيمًا، ذا بطن وهامة، شاعرًا مجيدًا، ساد يهود الحجاز بكثرة ماله، فكان يعطي أحبار يهود الحجاز ويصلهم، فلما قدم النبي (ص) المدينة، جاء أحبار اليهود من بني قينقاع وبني قريظة إلى كعب بن الأشرف ليأخذوا صلتهم على عادتهم، فقال لهم ما عندكم من أمر هذا الرجل، فقالوا هو الذي كنا ننتظره، ما أنكرنا من نعوته شيئًا، فقال لهم قد حرمتم كثيرًا من الخير، ارجعوا إلى أهليكم فإن الحقوق في مالي كثيرة، فرجعوا عنه خاسئين.

ثم رجعوا إليه وقالوا: إنا عجلنا فيما أخبرناك به أولاً ولما استنبأنا علماءنا غلطنا، وليس هو المنتظر، فرضى عنهم، ووصلهم، وجعل لكل من تابعهم من الأحبار شيئا من ماله وكان يهجو رسول الله (ص) في أشعاره، ويحرض كفار قريش على قتاله، وكان (ص) حين قدم إلى المدينة مأمورًا بتأليف الناس وبالصبر على الأذى كما قال تعالى ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186]، لأنه (ص) ورد المدينة وأهلها أخلاط مجتمعون من قبائل شتى، مختلفة أحوالهم وعقائدهم، فأراد استصلاحهم على كلمة الإسلام، وكان المشركون اليهود يؤذون المسلمين أشد الأذى فصبروا على ذلك، وكان كعب بن الأشرف من أشد الناس أذى للنبي (ص) وللمسلمين، وكان قد عاهد النبي (ص) ألا يعين عليه أحدًا، فنقض العهد وسبه وسب أصحابه، وكان من عداواته أنه لما قدم البشيران بقتل من قتل ببدر، وأسر من أسر، قال كعب: أحق هذا؟ ترون أن محمدًا قتل هؤلاء الذين يسمى هذان الرجلان؟ فهؤلاء أشرف العرب، وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم، لبطن الأرض خير من ظهرها، فلما استيقن من الخبر ورأى الأسرى مقرنين، كبت وذل، وخرج إلى قريش يبكي على قتلاهم ويحرضهم على قتال النبي (ص)، فنزل بمكة على المطلب بن أبي وداعة السهمي، وعند زوجته عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص، فأنزلته وأكرمته، فجعل يحرض على النبي (ص)وينشد الأشعار، فبلغ النبي (ص) ذلك فدعا حسانًا فهجا المطلب وزوجته فأسلما بعد ذلك (رضي الله عنهما) فلما بلغ ذلك عاتكة، ألقت رحله، وقالت مالنا ولهذا اليهودي؟

فخرج من عندها وصار يتجول من قوم إلى قوم فيفعل مثل ما فعل عند عاتكة ويبلغ خبره النبي (ص)، فيهجوهم حسان، فيفعلون معه مثل ما فعلت عاتكة، ثم رجع إلى المدينة، فتغزل في نساء المسلمين، وذكرهن بسوء، فلما أبى أن ينزع عن أذاه قال رسول الله (ص): «من لنا بابن الأشرف؟» وفي رواية: «من بكعب بن الأشرف» أي من ينتدب لقتله؟ فقد استعلن لعداوتنا وهجائنا وقد خرج إلى المشركين بمكة فجمعهم على قتالنا، وجاء في رواية أنه حالف قريشًا عند أستار الكعبة على قتال المسلمين، فأخبر النبي (ص) أصحابه بخبره، وكعب بمكة وقال لهم إن الله أخبرني بذلك، ثم قرأ على المسلمين ما أنزل الله عليه فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: 51، 52].

ولما قال رسول الله (ص) من ينتدب لقتل كعب؟ قال محمد بن مسلمة الأوسي : أنا الكفيل به لك يا رسول الله، وفي رواية قال أنا أقتله قال فافعل إن قدرت وفي رواية قال: أنت له ثم قال: إن كنت فاعلا فلا تعجل حتى تشاور سعد بن معاذ .

فشاوره فقال توجه إليه واشك إليه الحاجة، وسله أن يسلفك طعامًا، فمكث محمد بن مسلمة ثلاثة أيام لا يأكل ولا يشرب إلا ما تعلق به نفسه، فذكرت ذلك لرسول الله (صض) فدعاه فقال: لم تركت الطعام والشراب؟ قال يا رسول الله قلت لك قولا لا أدري هل أوفي لك به أم لا. قال: «إنما عليك الجهد» ثم أتى أبا نائلة، وعباد بن بشر، والحرث بن أوس وأبا عيسى بن جبر فأخبرهم بما وعد به رسول الله (ص) من قتله، فأجابوه، قالوا كلنا نقتله ثم أتوا رسول الله (ص)، وقالوا يا رسول الله لا بد لنا أن نقول قولاً غير مطابق للواقع، يسر كعبا، لنتوصل به إلى التمكن من قتله، قال قولوا ما بدا لكم،ـ فأنتم في حل من ذلك، فأباح لهم القول لأنه من خدع الحرب، وكأنهم استأذنوه في أن يشكوا منه (ص)، ويعيبوا دينه، لأن كعبا كان يحرض على قتل المسلمين، وكان في قتله خلاصهم فكأنه أكره الناس على النطق بهذا الكلام بتعريضه إياهم للقتل، فدفعوا عن أنفسهم بألسنتهم مع أن قلوبهم مطمئنة بالإيمان.

ولولا هذا العذر لكان التعرض لمثل ذلك كفرًا لكنه يباح بالإكراه، وهذا بمنزلته.

فجاء محمد بن مسلمة كعب بن الأشرف، فقال إن هذا الرجل يعني النبي (ص) قد سألنا صدقة، ونحن ما نجد ما نأكله وفي رواية أن نبينا أراد منا الصدقة وليس لنا مال نصدقه، وأنه قد عنانا، وإني قد أتيتك أستسلفك، قال كعب وأيضا والله لتملنه، قال إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وأحب أن تسلفنا طعامًا، قال وأين طعامكم، فقال أنفقناه على هذا الرجل، وعلى أصحابه: قال ألم يأن لكم أن تعرفوا ما أنتم عليه من الباطل؟ ثم أجابه بأنه يسلفهم وقال: «أرهنوني»، قال: «أي شيء تريد؟» قال: «أرهنوني نساءكم»، قال: «كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب، ولا نأمنك، وأي امرأة تمنع منك لجمالك؟ قال: «فأرهنوني أبناءكم» قال: «كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال، رهن بوسق أو وسقين هذا عار علينا، ولكن نرهنك اللامة»، يعني السلاح مع علمك بحاجتنا، قال: «نعم» وإنما قال ذلك لئلا ينكر عليه مجيئه إليه بالسلاح، فواعده أن يأتيه وجاءه أيضا أبو نائلة وقال له: «ويحك يا ابن الأشرف إني قد جئتك لحاجة أريد أن أذكرها لك فاكتم عني»، قال: «أفعل» قال كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء. عادتنا العرب، ورمتنا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبل حتى جاع العيال وجهدت الأنفس، فقال كعب: «أنا ابن الأشرف، وأنا والله لقد كنت أخبرك يا ابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما أقول؟» فقال: «إني أردت أن تبيعنا طعامًا ونرهنك ونوثق لك، وتحسن في ذلك، وإن معي أصحابًا على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن في ذلك، وإن معي أصحابًا على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن إليهم ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء، فقال: «إن في الحلقة لوفاء».

وكان أبو نائلة أخا لكعب من الرضاع، ومحمد بن مسلمة ابن أخيه من الرضاع، فجاءه محمد بن مسلمة وأبو نائلة ومعهما عباس بن بشر والحرث بن أوس بن معاذ، وأبو عيسى بن جبر، وكلهم من الرءوس، ولما فارقوا النبي (ص) مشى معهم إلى بقيع الغرقد، ثم وجههم وقال: «انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم، ثم رجع (ص) إلى بيته، وكان ذلك بالليل، وكانت الليلة مقمرة، فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه، وكان حديث عهد بعرس، فناداه أبو نائلة، ثم بقية أصحابه، فعرفهم فوثب في ملحفته، فأخذته امرأته بناحيتها وقالت: وقالت: «إنك امرؤ تحارب، وإن أصحاب الحروب لا ينزلون في مثل هذه الساعة، قال لها: «إنما هو ابن أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعى إلى طعنة بليل لأجاب»، فنزل فتحدث معهم ساعة وتحدثوا معه ثم قالوا له: «هل لك يا ابن الأشرف أن نمشي إلى شعب العجوز، نتحدث به بقية ليلتنا، فقال إن شئتم، فخرجوا يتماشون، فمشوا ساعة، ثم إن ابن نائلة أدخل يده في باطن رأسه، ثم شم يده، فقال: ما رأيت كالليلة طيبًا أعطر، ثم مشى ساعة، ثم عاد لمثلها، ثم اطمأن، ثم مشى ساعة، ثم عاد لمثلها، وأمسكه من شعره وقال اضربوا عدو الله، وفي البخاري أن ابن مسلمة قال لأصحابه: «إذا ما جاء كعب، فإني قاتل بشعره، أي آخذ بشعره، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فاضربوه»، فنزل إليهم متوشحا وهو ينفخ منه ريح الطيب فقال ابن مسلمة: «ما رأيت كاليوم طيبًا، فقال عندي أعطر نساء العرب وأجملهن»، فقال: «أتأذن لي أن أشم رأسك»، قال: «نعم» ثم شمه، ثم أشم أصحابه، وكان كعب يدهن بالمسك المفتت والعنبر حتى يتلبد في صدغيه، فلما تمكن أبو نائلة أو محمد بن مسلمة من إمساكه ضربوه بأسيافهم، وقد صاح عدو الله صيحة منكرة وصاحت امرأته: «يا آل قريظة والنضير» مرتين، فلم يبق حصن إلا أوقدت عليه نار قال محمد بن مسلمة فوضعت سيفي في ثنيه، ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته، فوقع عدو الله، فجزوا رأسه، واحتملوه في مخلاة كانت معهم، واجتمعت اليهود من كل ناحية فأخذوا على غير الطريق، ففاتوهم، فلما بلغوا بقيع الغرقد، كبروا وقد قام النبي (ص) يصلي، فلما سمع تكبيرهم، كبر، وعرف أنهم قد قتلوه، ثم انتهوا إليه فأخبروه بمقتل عدو الله، فقال أفلحت الوجوه قالوا ووجهك يا رسول الله، ورموا برأسه بين يديه فحمد الله على قتله.

اقرأ يا أخي هذه الواقعة التي وقعت على أيدي رسول الله وأصحابه، لتعلم أن قتل أعداء الله، غيلة من شرائع الإسلام، وأنه من خدع الحرب فيها أن يسب المجاهد المسلمين وأن يضلل عدو الله بالكلام حتى يتمكن منه ويقتله، وقد قتل المسلمون كعبًا يوم الرابع عشر من ربيع الأولى على رأس خمسة وعشرين شهرًا من الهجرة.


2- سرية عبد الله بن أنيس الجهني السلمي الأنصاري لقتل سفيان ابن خالد بن نبيح الهذلي:

بلغ رسول الله (ص) أن سفيان بن خالد بن نبيح الذهلي جمع الجموع لحربه، فقال لعبد الله: ائته فاقتله، فقال: صفه لي يا رسول الله حتى أعرفه قال: إذا رأيته هبته وفرقت منه ووجدت له قشعريرة وذكرت الشيطان.

قال عبد الله وكنت لا أهاب الرجال، فقلت يا رسول الله ما فرقت من شيء قط. فقال آية ما بينك وبينه ذلك واستأذنته أن أقول، فقال: قل ما بدا لك وقال: انتسب لخزاعة.

فأخذت سيفي وخرجت اعتزي لخزاعة فلما وصلت إليه لقيته يمشي ووراءه الأحابيش فهبته وعرفته بنعت النبي (ص) فقلت: صدق الله وصدق رسوله. وقد دخل وقت العصر حين رأيته، فصليت وأنا ماشي وأومئ برأسي إيماء، ثم دنوت منه فقال: ممن الرجل؟ قلت: من بني خزاعة سمعت بجمعك لمحمد فجئت لأكون معك. قال: أجل. إني لفي الجمع له، فمشيت معه وهو يتوكأ على عصا يهد الأرض حتى انتهى إلى خبائة، وتفرق عنه أصحابه إلى منازل قريبة وهم يطيفون به فقال: هلم يا أخا خزاعة فدنوت منه قال: أجلس. قال: فجلست معه حتى إذا نام الناس اغتررته وقتلته وأخذت رأسه، ثم أقبلت فصعدت جبلا، ودخلت غارًا وأقبل الطلب وأنا كامن في الغار، وضربت العنكبوت على الغار.

ثم جاء رجل معه إداوة ضخمة ونعلاه في يده وكنت حافيًا، فوضع إداوته ونعله وجلس يبول قريبا من فم الغار، ثم قال لأصحابه ليس أحد في الغار، فانصرفوا راجعين. فخرجت فشربت ما في الأدواة، ولبست النعلين ولم يرني أحد، فطلبهما صاحبهما بعد ذلك فلم يجدهما، فرجع إلى قومه، وكنت أسير الليل وأتوارى النهار خوفًا من الطلب أن يدركني حتى قدمت المدينة، فوجدته (ص) بالمسجد، فقال (ص) أفلح الوجه؟ قلت أفلح وجهك يا رسول الله، ووضعت الرأس بين يديه، وأخبرته خبري، فدفع إلى عصا وقال:تخصر بها في الجنة، فإن المتخصرين في الجنة قليل، فكانت العصا عنده حتى إذا حضرته الوفاة أوصى أن يدرجوها في أكفانه.

وقد وقعت هذه الواقعة يوم الاثنين لخمس خلون من المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من الهجرة حين بعثه رسول الله (ص) لقتل سفيان بن خالد في عرنه وهو موقع قريب من عرفة، وقد كانت غيبته ثماني عشرة ليلة وقدم المدينة يوم السبت لسبع من المحرم.

والتخصر بالعصا هو الاتكاء عليها.

3- سرية عبد الله بن عتيك لقتل أبي رافع عبد الله أو سلام بن أبي الحقيق اليهودي:

كان سلام بن أبي الحقيق اليهودي من الذين حزبوا الأحزاب يوم الخندق، وأعان المشركين بالمال الكثير، بعث إليه (ص) عبد الله بن عتيك الخزرجي الأنصاري (ص) بعد وقعة الأحزاب، لما قتلت الأوس كعب بن الأشرف في عداوته للنبي (ص) بعد إذنه وتحريضه عليه.

قال ابن إسحق حدثني محمد بن مسلم بن شهاب عن عبد الله بن كعب ابن مالك قال: كان مما صنع الله لرسوله (ص) أن الأوس والخزرج كانا يتصاولان مع رسول الله (ص) تصاول الفحلين، أي يحمل كل منهما على الآخر، والمراد أن كل من الأوس والخزرج يدفع عن النبي (ص) ويتفاخر بذلك ولا يصنع الأوس شيئا فيه عنه (ص) غناء إلا قالت الخزرج والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله (ص) في الإسلام، وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مثل ذلك.

ولما أصابت الأوس كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله (ص) قالت الخزرج والله لا يذهبون بهذا فضلا علينا أبدًا فتذاكروا من رجل لرسول الله (ص) في العداوة كابن الأشرف فذكورا سلام بن أبي الحقيق فاستأذنوه (ص) في قتله، فأذن لهم، فخرج إليه من الخزرج خمسة عبد الله بن عتيك وعبد الله بن أنيس وأبو قتادة واسمه الحرث بن ربعى، والأسود بن خزاعى ومسعود بن سنان الأسلمي حليف بني سلمة، فأمرهم (ص) بقتله ونهاهم أن يقتلوا وليدًا أو امرأة.

فذهبوا إلى خيبر، فكمنوا، فلما هدأت الحركة جاءوا إلى منزله، وكان في حصن مرتفع، فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم، قال عبد الله بن عتيك لأصحابه اجلسوا مكانكم فإني منطلق ومتلطف للبواب، لعلي أدخل الحصن، فأقبل حتى دنا من الباب ثم تقنع بثوبه ليخفي شخصه، كي لا يعرف، كأنه يقضي حاجته، وقد دخل الناس، وكانوا قد فقدوا حمارًا لهم فخرجوا بقبس يطلبونه، فكان ذلك سبب تقنع عبد الله بن عتيك بثوبه.

فناداه البواب يا هذا إن كنت تريد أن تدخل فأدخل فإني أريد أن أغلق الباب لأنه ظن أنه من أهل الحصن الذين خرجوا لطلب الحمار، قال ابن عتيك فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن، فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الأقاليد أي المفاتيح على وتد في كوة، فقمت إلى الأقاليد فأخذتها ففتحت الباب، وكان أبو رافع يسمر الناس عنده، وكان في غرفة عالية له إليها عجلة من خشب، فلما ذهب عنه أهل سمره، صعدت إليه، فجعلت كلما فتحت بابًا أغلق علي من داخله، وقلت إن القوم إن نذروا بي لم يخلصوا إلي حتى أقتله، فانتهيت إليه، فإذا هو وسط عياله في بيت مظلم، قد أطفئ سراجه لا أدري أين هو، وكان عبد الله بن عتيك يتكلم باليهودية، فقدمه أصحابه ليتكلم كلام أبي رافع فيظنه أنه من قومه فلا يفزع منه.

فاستفتح باب غرفته فرأته امرأته فقالت من أنت؟ قال جئت أبا رافع بهدية، ففتحت له وقالت: «ذاك صاحبك»، فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح، فأشار إليها بالسيف فسكتت، قال: فقلت «أبا رافع»؟ لا أعرف موضعه، فقال: «من هذا؟» فأهويت نحو الصوت، فضربته ضربة، وأنا دهش فما أغنت شيئا، ولم أقتله وصاح أبو رافع فخرجت من البيت وكنت غير بعيد، فقالت امرأته: «يا أبا رافع هذا صوت عبد الله بن عتيك»، قال ثثكلتك أمك وأين عبد الله بن عتيك؟ قال: «ثم دخلت عليه كأني أغيثه وغيرت صوتي وقلت ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ قال: «لأمك الويل إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف، فضربته ضربة أثخنته، فلم أقتله، فصاح وقام أهله وصاحت امرأته ثم وضعت ظبة السيف في بطنه حتى دخل في ظهره وسمعت صوت العظم فعرفت أني قد قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا حتى انتهيت إلى درجة فوضعت رجلي وأنا رأى أني قد انتهيت إلى الأرض فوقعت في لية مقمرة، فانكسرت ساقي فصبتها بعمامة، ثم خرجت وكنت في موضع، وأوقدت اليهود النيران وذهبوا في كل وجه يطلبون، حتى إذا أيسوا رجعوا إليه، وجلست كامنًا، وقلت لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته؟ فلما صاح الديك صعد الناعي على السور، فقال أنعي أبا رافع تاجر الحجاز، فانطلقت إلى أصحابي فقلت النجاة، فقد قتل أبا رافع ثم انتهيت إلى النبي (ص) فحدثته فقال: أبسط رجلك فبسطها، فمسها بيده المباركة (ص) فكأني لم أشتكها قط.

ومن هذه الوقائع يتضح أنه:

1- يجوز اغتيال المشرك الذي بلغته الدعوة وأصر على العداء والتحريض على حرب المسلمين.

2- يجوز اغتيال من أعان على قتال المسلمين سواء بيده أو بماله أو بلسانه.

3- يجوز التجسس على أهل الحرب.

4- يجوز إيهام القول للمصلحة.

5- يجوز أن يتعرض القليل من المسلمين للكثير من المشركين.

6- يجوز الحكم بالدليل والعلامة للاستدلال، كما استدل ابن عتيك على أبى رافع بصوته، واعتماده على صوت الناعي بموته.


وفي قتل أبي رافع وكعب بن الأشرف يقول حسان بن ثابت:

لله در عصابة لاقيتهم

يا ابن الحقيق وأنت يا ابن الأشرف

يسرون بالبيض الخفاف إليكم

مرحًا كأسد في عرين معرف

حتى أتوكم من محل بلادكم

فسقوكم حتفًا ببيض ذفف

مستنصرين لنصر دين نبيهم

مستصغرين لكل أمر مجحف


ماذا فعل الإخوان المسلمون بعد صدور قرار الحل؟

بعد صدور قرار الحل، كان الإخوان المسلمون إما مجاهدين في فلسطين أو معتقلين في معتقلات مصر، أو مسجونين داخل سجونها، أو طلقاء لم يهتد إليهم البوليس السياسي ليعتقلهم.

المجاهدون في أرض فلسطين بعد حل جماعة الإخوان:

أما المجاهدون، فقد استمروا في الدفاع عن الجيش المصري المتمركز في قطاع غزة- رفح بتعليمات من المرشد العام، أمكنه إرسالها لهم عن طريق الجامعة العربية، حيث كان يسعى لإلغاء قرار الحل والإفراج عن المعتقلين بالاتصالات التي كان يجريها في جمعية الشبان المسلمين، ومن بين من كان يستطيع أن يتصل بهم أعضاء هيئة وادي النيل الذين تكفلوا بتبليغ الرسالة، فعسكر الإخوان المجاهدون على طول الجبهة بين غزة ودير البلح وخان يونس، وتحركت مجموعة منهم مع قوات الجيش واشتركت في تحصين مدينة العريش.

وقد هاجمت قوة من اليهود خط الدفاع المصري عن العريش قبل غروب شمس أحد الأيام، وكان يصحبها عدد من السيارات الخفيفة ودبابة واحدة من طراز شيرمان.

وكان الإخوان يحتلون الأجزاء الأمامية من خط الدفاع فاشتبكوا بشدة مع قواته، ورغم سيول النيران التي هطلت على مواقعهم إلا أنهم ثبتوا فيها، ولم يفكروا في التراجع للوراء، واستمروا في القتال بقيادة الأخ «حسن دوح» حتى أصابوا الدبابة اليهودية بطلقة من المدافع المضادة للدبابات عطلتها عن التقدم، وعجز اليهود عن إصلاحها فاضطروا إلى التراجع من حيث أتوا.

وقد ورد ذكر هذه الواقعة التي دافع فيها الإخوان عن العريش في شهادة اللواء أحمد فؤاد صادق أمام محكمة الجنايات في قضية السيارة الجيب.

واستمرت قوة الإخوان مرابطة مع الجيش بقيادة الأخ «حسن دوح» في منطقة العريش، وكان القائمقام «سيف الدين بنك» قائد المنطقة في ذلك الحين يعهد إليهم بأعمال الدوريات في جميع أرجاء شبه جزيرة سيناء، وقاموا بتطهير حقول الألغام التي بثها اليهود في كثير من المناطق، وعلى الطريق الذي يصل العريش بأبو عجيلة، كما قاموا بدوريات قتال تجوب المنطقة من جديد، فقاموا بهذا العمل الخطير ووصلت دورياتهم إلى «القصيمة» و «الحسنة» وحدود فلسطين من جهة النقب الجنوبي.

وقد أصيب في هذه الدوريات كثير من الإخوان واستشهد الأخ «مكاوي محمد مصطفى» من إخوان العريش في 7 يناير 1949م.

أما قوات العدو فقد شنت هجومًا شديدًا على مدينة رفح، بعد أن اطمأنت إلى أن حامية العريش لن تهب لنجدتها بعد هجومها عليها، وقد احتل العدو في هذا الهجوم «تبة الأسرى» واخترق الأسلاك المحيطة بمعسكر «رفح» ولكن القوات المصرية استطاعت أن تحصره في بعض المواقع، وأن تنزل به هزيمة منكرة، اضطرته إلى الانسحاب تاركًا خلفه مئات من القتلى وأكداسًا من الأسلحة.

وقد اشتركت قوة الإخوان المرابطة في رفح في هذه المعركة بقيادة الأخ «محمد علي سليم»، أما في غزة فقد احتلت قوة كبيرة من الإخوان بقيادة الأخوين «عباس فرج»، و «السيد الشراقي» جزءًا هامًا من خط الدفاع عن المدينة وضواحيها، وكان اللواء «محمود فهمي نعمة الله» قائد المنطقة يعتمد عليهم اعتمادًا خاصًا في الدفاع عن أخطر المناطق والقيام بالدوريات المقاتلة على طول القطاع. وقد كان الإخوان يقومون بواجبهم رغم الأنباء المثيرة التي كانت تتسلل إلى الميدان عن الجرائم الوحشية التي يرتكبها الرئيس السعدي الجديد «إبراهيم عبد الهادي» ضد إخوانهم وأهليهم في أرض الوطن.

المسجونون في سجون مصر بعد حل جماعة الإخوان:

مر المسجونون في سجون مصر بعد حل جماعة الإخوان بثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: قبل مقتل النقراشي باشا، حيث لم يكن في السجون إلا المتهمين في قضية السيارة الجيب، وكان حبسهم في سجن الأجانب، حبسًا انفراديًا، وكان نصيب كاتب هذا الكتاب الزنزانة رقم (4)، ومقتضى الحبس الانفرادي أن لا يخرج السجين من زنزانته إلا مرة واحدة في اليوم لقضاء حاجته، بشرط أن تكون الدورات وحوش السجن خالية من أي سجين آخر، فلا يرى السجناء بعضهم بعضًا على الإطلاق، ولا يستحقون فسحة خارج زنازينهم، بينما كان بالسجن عدد كبير من السجينات الشيوعيات ينعمن بالرياضة في حوش السجن، والاختلاط والغناء الجماعي، بأصوات رخيمة قصد بها التأثير على أعصاب السجناء من الإخوان، ولم يقع على المسجونين في هذه المرحلة أي نوع من التعذيب.

المرحلة الثانية: بعد مقتل النقراشي باشا، حيث نقل جميع المسجونين في قضية السيارة الجيب إلى سجن مصر العمومي (قره ميدان)، وكان حبسهم انفراديًا أيضًا، غير أنه يسمح لهم بالذهاب إلى دورات المياه جماعات، كما يسمح لهم بالفسح في حوش السجن جماعات، حيث كان التحقيق في قضيتهم قد مر بطور لم تر النيابة بعده ضرورة للاستمرار في عزل السجناء بعضهم عن بعض.

أما سجن الأجانب فقد خصص للمسجونين على ذمة التحقيق في قضية مقتل النقراشي باشا، ولقد وقع لي في سجن مصر حادثان هامان:

(أ) فوجئت بالسجان «غريب» وكان واحدًا من السجانين الذين اتفقت معهما على عمل مفتاح للزنازين ضمن خطة الإعداد لتهريب الأخوين حسن عبد الحافظ، ومحمود زينهم من السجن، وكان تعرفي به في هذا العمل باسم مستعار، فخشيت أن يتطوع بالإدلاء بشهادة للبوليس بما اشترك معي فيه، متأثرًا بما أثارته الحكومة ضدنا من اتهامات مثيرة، ملأت صفحات الجرائد ونشرات الإذاعة، وفي هذه الحالة يقدم للحكومة مادة جديدة للتشهير بالإخوان وهو واثق أنه سيعتبر شاهد ملك خاصة أن محاولة تهريب الأخوين لم تتم.

فتعمدت أن أدبر مشاجرة بيني وبينه، متناسيًا تمامًا سابق معرفتنا حتى إذا سلوت له نفسه الإدلاء بهذه الشهادة، يكون دفاعي جاهزًا بالخصومة المعلنة بيننا في السجن.

(ب) تم تطعيمنا جميعًا ضد الكوليرا، وكنت آخر من دعى للتطعيم، وكان معروفًا أن هذا التطعيم يؤدي إلى ارتفاع درجة الحرارة يومين تقريبًا، ارتفعت درجة حرارتي كالمعتاد، ولكنها لم تنخفض، بينما صار إخواني من المسجونين في درجة حرارة طبيعية.

ثم اشتدت بي الحمى، وكان طبيب السجن يمر علينا يوميًا، فكتب لي برشامًا، يصرفه لي تومارجي السجن، وقد لاحظت أن حرارتي تزيد رغم استعمال للبرشام، وينتابني مغص شديد لا يهدأ إلا باستعمال أسفلت الزنزانة ككمادة باردة، فكنت أستلقي على بطني وهو عار مباشرة على الأسفلت في ليالي الشتاء القارس البرودة، حتى إذا ما بدأت أشعر بالقشعريرة من البرد عدت لتدفئة نفسي ببطانية السجن لكي لا أصاب بالأنفلونزا، ولما استمر تأثير البرشام على هذا الحال شكوت إلى التمورجي دون جدوى، ففكرت في تسليم البرشام الذي يصرفه لي التمورجي إلى الطبيب، لفحصه والتأكد من أنه هو البرشام المقرر لعلاجي، وقد أبلغت التمورجي، وعندما سلمني البرشام في اليوم التالي أنني سأحتفظ به لتسليمه للطبيب لفحصه، ولكنه طلب مني إعادة البرشام، وما إن سلمته إليه حتى شد قبضته عليه ليحطمه، ثم قذف به من شباك زنزانة السجن ورفض إعطائي علاجًا بديلاً.

وفي أثناء الليل اشتد ارتفاع درجة حرارتي، وعجزت عن القيام من مضجعي، وأنا نائم على البرش، فاستعملت كوز المياه الزنك لاستدعاء السجان، بأن أقذفه بشدة وأنا نائم نحو الباب، فيحدث صوتًا لدعوة السجان، ثم يرتد ثانيًا من شدة الاصطدام لي فأقذفه ثانيًا وهكذا حتى حضر السجان، فأبلغته أن حالتي الصحية خطيرة وأن حرراتي مرتفعة للغاية ولابد من أن أعرض على طبيب حالا، وبعد قليل وصل قائد السجن القائمقام محمود الجوهري، ولما وصل إلى زنزانتي وعرف أنني أنا المستغيث، رفض أن يفتح الزنزانة، وأن يطلب لي الطبيب وقال مادام ده هو الصباغ اتركوه وعاد أدراجه.

ولم يكن أمامي إلا الاستمرار في استعمال الأسفلت ككمادات باردة لخفض درجة حرارتي، حتى إذا كان الصباح تحاملت على نفسي، ووقفت متكئًا على الحائط لأنظر على قاعدة شباك الزنزانة وكانت سميكة وأتبين هل أمكن للتمورجي حين ألقى بالبرشام من الشباك أن يقذفه للخارج أم أنه سقط على قاعدة الشباك، فتحققت من أنه سقط على قاعدة الشباك ولم يقذف إلى الخارج، وعدت مجهدًا مستلقيًا على البرش في حالة شديدة من الحمى والمغص، وبينما أنا كذلك سمعت نداء على اسمي للذهاب إلى النيابة، فلم أستطع القيام، ولكنني قررت أن أعرض البرشام الذي سبب لي كل هذه الآلام على النيابة بعد أن استحال على عرضه على الطبيب، وعزمت على حيلة تحقق لي هذا الهدف بحيث لا يتمكن أحد من إبطال خطتي.

ولما تكرر نداء اسمي تحاملت على نفسي مستندًا إلى الحائط، وطلبت أن يحملني العسكري إلى النيابة بناء على طلبها.

وعندما وصلنا إلى دار النيابة وكان المحقق هو الأستاذ محمد عبد السلام الذي صار نائبا عاما بعد ذلك، أوقفوني في طابور عرض ليتعرف على أحد المتهمين في قضية إلقاء حامض على وجوه الفتيات المتبرجات في الشوارع لتشويه أجسامهن حتى تكف الفتيات عن التبرج، ولم يكن هذا التفكير من عمل الإخوان المسلمين، فلم يتعرف هذا المتهم عليَّ، وفور انتهاء العرض تقدمت إلى وكيل النيابة مهنئًا له بحسن حظه، فسألني دهشًا، فقلت له إنني سأساعده في القبض على كل الإرهابيين.

فأخذني على الفور إلى المكتب سعيدًا مستفسرًا عن المعلومات التي لدي فقلت له: «لا أقول لك أي معلومات حتى تتحرك معي لأدلك على مقارهم»، ولما ألح قلت له: «لا تلح فإن تحركت معي دللتك على مقارهم، ويسرت لك القبض عليهم وإلا فلا قول لك عندي، ودعني أعود إلى سجني»، فأسقط في يده واضطر إلى إبلاغ اللواء أحمد طلعت حكمدار القاهرة، فتحدث معي اللواء أحمد طلعت متلطفًا ووعدني إن أنا أسهمت مع البوليس هذا الإسهام بخير كثير، فوعدته خيرًا وطلبت منه أن نتحرك سويًا إلى حيث أدله على الإرهابيين، فقال لي: «يا محمود أنت تعرف خطورة هؤلاء الإرهابيين، ولابد لي من أن أعرف الجهات التي سنذهب إليها حتى أؤمن المنطقة بعساكر البوليس، للقبض عليهم دون خسائر، فهم يستطيعون إذا لم نفاجئهم الضرب في البوليس وإلحاق خسائر كبيرة في قوته.

فصممت وقلت: «إذا لم تكن موافقًا على الذهاب معي، فلا داع إذن ودعني أعود ثانية إلى السجن، ولكنني أؤكد لك أنني لن أقودك إلى أي خطر على قوات البوليس، وأنك لن تتحرك معي إلا على أرض صلبة، فأسقط في يده وقرر أن يستأذن إبراهيم عبد الهادي باشا في التحرك معي إلى جهة لا يعلمها للقبض على الإرهابيين، فأذن له.

وعلى هذا الأساس أعد اللواء أحمد طلعت سيارتين نقل محملتين بالجنود المسلحين، سيارة تتحرك أمام موكبنا وسيارة تتحرك خلف موكبنا، أما أنا فقد فك سعادته الحديد من يدي، وأركبني في سيارته الفارهة إلى جواره وقد جلس معنا على نفس المقعد الخلفي للسيارة القائمقام مراد عبد الحي، وركب سعادة وكيل النائب العام الأستاذ محمد عبد السلام تاكسي.

وتحرك الركب بهذه السيارات الأربعة من ميدان باب الخلق، ثم بادرني اللواء أحمد طلعت بسؤال قل لنا كيف نتجه؟ قلت له: «تدخل أولا في شارع محمد علي».

فلما دخلنا في شارع محمد علي وقربنا من مسجد الرفاعي، سألني ثم إلى أين نتجه؟ قلت له: «نذهب أولا إلى سجن مصر لأثبت لك أنني أخطر الإرهابيين على الإطلاق»، فقال لي: «وكيف؟» قلت: «سأجعلك تضبط في زنزانتي محطة إرسال لاسلكي. فاستبشر خيرًا بعد أن أعلمته أنها تعمل بالبطارية إجابة على سؤال منه، هل تعمل بالكهرباء أو البطارية؟

ولكن القائمقام مراد عبد الحي كان أكثر ذكاء، فقال لي كيف يا محمود تحفظ في زنزانتك محطة إرسال لاسلكي تعمل بالبطارية مع أن مثل هذه المحطة يحتاج إلى حجم كبير من البطاريات؟

فقلت له إننا في عهد الذرة وكل شيء قد تقدم، فاستبشر خيرًا لأنه يعلم أنني من خريجي كلية العلوم وكل شيء ممكن. وما إن وصل الركب إلى سجن مصر، وعلم القائمقام محمود الجوهري مدير السجن بالغرض جن جنونه، إذ كيف يمكنه أن يواجه اللواء حيدر باشا إذا ضبطت محطة لاسلكي عند أحد المتهمين في السجن الذي يديره؟ فمنع الركب من الدخول إلا أن يأمر حيدر باشا بذلك، فقد كانت مصلحة السجون في هذه الأيام تلحق بأي جهة يعمل فيها حيدر باشا، باعتباره أحد مديري هذه المصلحة سابقًا، وكان يعشق الإشراف عليها حتى بعد ترقيته إلى وزير الحربية وقائد عام القوات المسلحة المصرية، فقد أمر بأن تتبع هذه المصلحة وزارة الحربية ما دام هو وزيرًا لها.

ولكن اللواء أحمد طلعت اتصل بحيدر باشا، وأعلمه أنه مصرح له من إبراهيم عبد الهادي باشا بمرافقتي لضبط الإرهابيين وأن معه قوة كافية من الجند المسلحين، وأن أول العمليات هي ضبط محطة اللاسلكي التي أخبأتها في زنزانتي، ولم يكن أمام حيدر باشا إلا إصدار أمره للقائمقام محمود الجوهري بأن ندخل السجن لضبط المحطة.

فدخلنا جميعا ووقف الحرس المسلح خارج السجن، وفوجئ إخواني السجناء في قضية السيارة الجيب بدخولي إلى العنبر رقم 6، حيث كانت تقع زنازيننا جميعًا، ومعي اللواء أحمد طلعت القائمقام مراد عبد الحي وخلفي مأمور السجن ورئيس النيابة، وما إن وصلنا إلى باب زنزانتي حتى فتح الأستاذ محمد عبد السلام رئيس النيابة محضره، ليسجل أنه استفسر مني قبل فتح الباب، هل هذه زنزانتك يا محمود؟ ثم يسجل إجابتي على ذلك بالإيجاب، ثم أمر بفتح الزنزانة.

فلما دخلنا جميعًا، قلت لمحمد عبد السلام بك، إنني أطلب منك أن تضبط هذا البرشام الموجود على جدار السجن في قاعدة الشباك، فهو يستخدم لتعذيبي، ولم يكن في استطاعتي أن أطلبك بالطريقة العادية خشية أن يرفع السجانون جسد الجريمة، ويعتبر بلاغي لك إزعاجًا للسلطة، وأنني وقد وفقني الله لأمكنك من ضبط جسد الجريمة، أجعل حياتي أمانة في عنقك باعتبارك ممثل العدالة.

فتأثر الأستاذ محمد عبد السلام كثيرًا، وأسقط في يد اللواء أحمد طلعت باشا، وكان وكأنك ألقيت عليه جردلاً من الماء البارد، حيث ظهر أمام إبراهيم عبد الهادي باشا أنني ضحكت عليه بإيهامه أنني سأضع يده على الإرهابيين، بينما الحقيقة هي أنني كنت أسعى لإدانته بتهمة الشروع في قتلي أو على الأقل تعذيبي بإعطائي عقارًا يرفع من درجة حرارتي إلى حد الاستصراخ.

أمر محمد عبد السلام بك بتشميع البرشام، ثم عدنا إلى دار النيابة وفتح محضرًا أثبت فيه كل الوقائع، وأمر بتحليل البرشام، ثم أمر بأن أودع في مستشفى السجن للعلاج تحت إشراف السلطة الطبية للسجن.

وما إن وصلنا إلى السجن حتى وجدت زنزانتي قد حولت إلى غرفة لحجز المجانين أو المحكوم عليهم بالإعدام، حيث سحب منها البرش الذي كنت أنام عليه وحل محله بطانيتين خشية أن أفتل من حبال البرش حبلاً انتحر به، كما سحبت الجرادل الصاج، واستبدلت بجرادل من الكاوتش، فعلمت أن أحمد طلعت قرر أن يداري خجله بأن ينسبني إلى الجنون، كما قرر أن يكذب النيابة في تقريرها، وأن يضرب بتعليماتها بإيداعي مستشفى السجن عرض الحائط. فقررت المقاومة.

أضربت عن الطعام والشراب حتى ينفذ قرار النيابة بإيداعي مستشفى السجن، وكان إصراري على الإضراب ظاهرًا لكل الضباط الذين حاولوا إقناعي بالعدول، أما القائمقام محمود الجوهري فلم أكن أسمح له بأن يحدثني، فإذا دخل الزنزانة زجرته بشدة وطردته منها، لأنه كان أحد الأطراف، الذين صمموا على استمراري حبيسًا دون عرض طبي، لما علم أن الشكوى مقدمة مني، فقد كان يحسب أن المريض سجين غيري، ولولا ذلك لما انتقل إلى زنزانتي إطلاقًا، حيث كانت لديه تعليمات بعدم نجدتي إذا استغثت، واستمر إضرابي جادًا لا طعام ولا شراب إحدى عشر يومًا متصلة هزلت خلالها، فنقص وزني ستة كيلو جرامات دفعة واحدة، فقررت في اليوم الثاني عشر الإضراب عن الكلام أيضًا.

ولما وجدت إدارة السجن أنها أمام سجين مضرب عن الطعام حتى أوشك على الهلاك، ثم أضاف الإضراب عن الكلام فأصبح غير قابل للتفاهم، استطلعت رأي أحمد طلعت فقرر إرسالي إلى مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية، إمعانًا منه في التشبث بنسبتي إلى الجنون.

وكنت خلال الإحدى عشر يومًا التي أضربت فيها عن الطعام، استشعر بوضوح ظلم هذه الطغمة التي تحكم مصر، دون إحساس أو ضمير، فزاد هذا الشعور من صلتي بالله، وكانت لي صيحة قوية أقول فيها: «يا قوي أنت القوي على كل متقوي جبار» وكان الإخوان يتأثرون بهذه الصيحة لأنها كانت تنبع من أعماق قلبي خالصة في توجيهها إلى ربي الخالق العظيم.

وقد نفذ أحمد طلعت قراره فحضرت سيارة من مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية، حيث نقلتني إلى هناك، فحاول طبيب الاستقبال استجوابي، ولكنني أشرت له أطلب ورقة وقلمًا، فأحضرهما، فكتبت له إني نذرت للرحمن أن أصوم عن الكلام حتى أنقل إلى المستشفى، وحيث قد حقق الله طلبي بالنقل إلى المستشفى فسوف أفطر مع أذان المغرب إن شاء الله وأتحدث إليك كما تشاء، ولم أتزحزح عن هذا الموقف.

ولقد أوحى الطبيب إلى أحد الممرضين أن يؤذن ليقنعني أن المغرب قد وجب، فضحكت مبتسمًا بما يشعر أنني فاهم الفولة، فاضطر إلى تركي حتى أذان المغرب وبت ليلة في المستشفى تحت حراسة مشددة نمت فيه ملء جفوني بعد أن أكلت سلطانيتين كبيرتين من العدس الدافئ، واستيقظت في الصباح في أحسن صحة وعافية.

جهز المستشفى بوحي من إدارة الأمن العام عنبرًا كاملاً احتجز فيه، تحت حراسة 24 ساعة تتكون كل دورية فيها من ضابط برتبة صاغ ووكيل له برتبة نقيب ورئيس برتبة ملازم واثنين من العساكر واثنين من المخبرين المدنيين، وكنت سعيدًا جدًا بالحياة في هذا الجناح الفاخر ومعي هذه الصحبة المباركة من رجال الأمن نتحدث ونتسامر، وقد ألحق لمرافقتي طبيا مع هذه الهيئة أربعًا من أكفأ الممرضين في المستشفى، وأشرف على تشخيص حالتي مدير المستشفى شخصيًا وكان يدعى الخولي بك.

وقد بقيت في المستشفى حوالي خمسة وأربعين يوما كنت طوالها تحت الملاحظة المستمرة والسؤال اليومي من مدير المستشفى عن ظروف حبسي، وما شعرت به من آلام، وأسبابها، وقد شرحتها على حقيقتها، كما أسردها اليوم في هذا الكتاب.

ولما قلت للخولي بك إن البرتقال أيضا كان به نفس الطعم الذي كنت أجده في الطعام والشراب الأمر الذي جعلني أقرر الإضراب عن الطعام والشراب فورًا، سألني قائلاً طيب إذا آمنا بإمكان وضع عقار لك في الطعام والشراب، فكيف نتخيل إمكان أن يوضع عقار لك داخل البرتقاله، وهي مقفلة لا يقشرها إلا أنت بيديك؟

فقلت له: إن هذا الأمر سهل وبسيط إذ يمكن حقن البرتقال بالمادة الضارة دون أن يظهر في قشرها أي أثر، لأن طبيعة البرتقال أنه مثقبة قشرته، كما لو كانت منخوسة بإبرة في كل أجزائها، وإن إضافة ثقب إلى هذه الثقوب العديدة لا يغير شيئًا في شكل البرتقال، ومن ثم يمكن لمن يحقن البرتقالة أن يطمئن إلى أن عمله لم يظهر للعيان.

وشعرت أن الرجل أكبر هذا الرد، وكتب تقريرًا يشيد فيه بذكائي ويقرر فيه أن الظروف التي أحاطت بي في السجن تبرر كل ما ذهبت إليه من شوكوك، وما أقدمت عليه من أفعال.

ثم عدت إلى السجن بهذا التقرير لأجد نفسي مودعًا بنفس الزنزانة المفروشة للمحكوم عليهم بالإعدام حتى لا ينتحرون، فصبرت حتى استدعتني النيابة، وبدأ محمد عبد السلام بك يسألني هل أنت مستريح في المستشفى يا محمود؟.

فقلت له: وهل تظن أنك فعلاً رئيسًا للنيابة، وأن قراراتك موضع التنفيذ؟

قال: كيف؟ قلت: إنني لا أزال في زنزانتي بالسجن حتى بعد عودتي من مستشفى الأمراض العقلية.

فاستشاط غيظًا لما علم أن أوامره لم تنفذ، وطلب على الفور محمود الجوهري بالسجن وأصدر إليه تعليماته قوية بضرورة إيداعي مستشفى السجن وأنذر بسوء العاقبة، والحق أن محمد عبد السلام بك كان من رؤساء النيابة الذين تستريح لهم النفس، والذين لا يقبلون الإساءة إلى السلطة النيابية بحال من الأحوال. فلما عدت إلى السجن وجدت زنزانتي قد فرشت بسرير سفري ومنضدة وطبق كبير على حامل لاستعماله مغسلة، وهذا الجهاز هو ما يخصص لتحويل الزنزانة إلى ملحق بالمستشفى إذا ضاقت مستشفى السجن بالنزلاء، كما أنه يؤجر للقادرين من نزلاء السجن تحت التحقيق بثلاثة جنيهات شهريًا.

وقد سررت كثيرًا بهذا الجهاز، وأخذت أضاحك الإخوان بأنه جهاز عروس، واستمر تمتعي به حتى صدور الحكم في قضية السيارة الجيب على نفقة الدولة دون أي مصاريف من قبلي.

المرحلة الثالثة: سجناء ما بعد مقتل النقراشي باشا وهم المتهمون في قضايا الأوكار وقضايا إخفاء محمد مالك، وهؤلاء جميعا كانوا لا يصلون إلى عنبر 6 بسجن قره ميدان، قبل أن تشرح أجسادهم بالكرابيج في أقسام البوليس أو سجن الاستئناف أو سجن القلعة، وتمزق أقدامهم وسيقانهم من الضرب عليها مع استعمال الفلقة، ويتعرضون إلى كل الصور التي يمكن أن يتعرض لها من يقع تحت طائلة خصم قوي فاجر متمكن مملوء بالغيظ مجرد عن الدين، حتى بلغ من ابتكارات هذا الخصم، التعذيب النفسي للإخوان بضرب آبائهم وأمهاتهم وأخواتهم وحلق شعورهن أمامهم، وتهديدهم بهتك أعراضهن، بالإضافة إلى تهديد المتهمين أنفسهم بهتك أعراضهم.

فكان إبراهيم عبد الهادي هو أول من أدخل التعذيب الوحشي في سجون مصر فعليه وزره ووزر من عمل به إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا.

ولقد ضرب محمد مالك عندما قبض عليه، ونقل من الإسكندرية إلى قسم الخليفة، وتركت جروحه دون علاج، حتى امتلأت بالدود يسعى فيها بأطوال تزيد على الخمسة سنتيمترات للدودة الواحدة، وبعد أن ينتهي التحقيق، ويأخذ المحقق الذي فقد ضميره ما شاء من أقوال من المتهم، يأمر به فتضمد جراحه، ثم يرسل إلى عنبر (6) حيث نستقبله مهللين ومكبرين، وكان شيخ هؤلاء المحققين الذين فقدوا ضمائرهم المحامي العام الأستاذ إسماعيل عوض.

والعجيب أن الأخ الذي يمر بكل هذه المراحل من التعذيب، يصل إلى السجن سعيدًا بما أصاب من أذى في سبيل الله مستبشرة نفسه بحسن ثواب الله، راسخ الإيمان بأن كل ما كان منه من مقاومة لهؤلاء الحكام هو الحق وفي سبيل الحق، فقد رأى بعينه إجرامهم الذي يعجز عن الوصف والبيان، واطمأن إلى أن صورهم اللامعة أمام الناس، لا تخفى وراءها إلا قلوبًا متحجرة، كفرت بربها، وآمنت بالطاغوت، وجندت نفسها له في ذل ووضحوا على حقيقتهم، لا يزيد من وزن أحدهم في نظر أصغر الإخوان عن هباءة في مهب الريح مهما تظاهر وادعى لنفسه من مظاهر القوة والجبروت.

هذا هو الانعكاس الحقيقي في قلوب المؤمنين، لصورة هذه الطغمة الباغية التي ترسمها أعمالهم الإجرامية، أسجلها ليعلمها كل من يقعد مقعدهم، ويخيل له شيطانه أن يتبع هذه الوسائل مع المؤمنين، ليعلم سلفًا أنه سيكون خاسرًا على الدوام، أما المؤمنون فسيزدادون إيمانًا ويزيدهم ربهم من فضله. تلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تحويلا.

ولقد تحول الأخ محمد مالك بعد كل هذا التعذيب الذي شرحته، وصورته دون أدنى مبالغة إلى بدر من البدور في خلال أسبوعين اثنين قضاهما معنا في عنبر (6) بعيدًا عن التعذيب، ثم استمر كذلك حتى تزوج وأنجب وأصبح الآن شيخًا وقورًا.

التأمت الجروح واحمر الوجه من العافية، وانشرح الصدر من السعادة، فكيف لا وهو القائل في فترات الاستراحة، بين جولات التعذيب في سجن الاستئناف:

يا عم طلعت

داحنا رجاله نار

من الإخوان الجدعان

لا يهمنا السجون

ولا نبات في جوعان

ذلك لأن التجويع كان أيضًا من وسائل تعذيب محمد مالك.

ولا يمكن أن يصدر هذا القول من أخ تحت كرابيج الجلادين، إلا إذا انضم صدره على قلب من فولاذ، وإيمان بالله يزن أثقال الجبال، والحمد لله رب العالمين.

المرحلة الرابعة: مرحلة الاعتقال وإني أعتذر للقارئ الكريم عن عجزي عن وصفها لأنني لم أعتقل طوال حياتي، كنت فقط أسجن أو أخرج من السجن، ولكن الاعتقال لا يختلف كثيرًا عن المرحلة الثالثة التي يسبقها تعذيب، ثم تنتهي بحياة مدنية داخل المعتقل لا يشوبها شائبة تصفو فيها روح الأخ، ويزيد اتصاله بالله، لما يتاح له من فرصة التفرغ للعبادة وكأنه معتكف في مسجد، لا يشغله شيء عن عبادة الله، إلا ما يلزمه من فترات الطعام أو اللباس، أو الراحة.

ويقع العبء كله في هذه الفترة على أهل المعتقل الذين يفقدون عائلهم طوال مدة اعتقاله دون تعويض مادي ييسر عليهم سبل العيش ظلمًا وعدوانًا.


الطلقاء الذين لا يعرفهم البوليس من إخوان النظام الخاص

كان هؤلاء الطلقاء الذين لا يعرفهم البوليس من إخوان النظام الخاص الذين اقتضت مصلحة المعركة في فلسطين أن يبقوا في مصر لخدمة المعركة، والذين أقعدهم أن لا يجدوا سبيلا للخروج إلى المعركة، إلا أن يأذن لهم ربهم فييسر لهم هذا السبيل، قد وجدوا أنفسهم في وسط المعركة دون جهد أو عناء.

فقد انكشف أمام ناظرهم القناع الذي لبسه النقراشي باشا، قناع الوطنية، وقناع القتال في سبيل تحرير فلسطين، وظهر لهم وجهه الحقيقي، عميلا للمستعمر، ضالعًا في الخيانة العظمى ضد فلسطين، فانبروا لقتاله مقدمين أنفسهم فداء للوطن والإسلام وفي سيبل الله واقتداء بسنة رسول الله في السرايا الثلاث السابق تقديمها وهي سرية محمد بن مسلمة، وسرية عبد الله بن عتيك وسرية عبد الله بن أنيس.

سرية الشهيد الضابط أحمد فؤاد لقتل النقراشي باشا:

كان الشهيد السيد فايز هو مسئول النظام الخاص عن مدينة القاهرة بعد اعتقال كل من يعلوه في القيادة سواء من رجال الدعوة العامة أو من رجال النظام الخاص، فقد اعتقل جميع أعضاء الهيئة التأسيسية وحيل بين المرشد العام وبين جميع الإخوان، فأصبح سيد فايز هو المسئول الأول عن حماية الدعوة في هذه الظروف الشاذة وله حق الاجتهاد.

وقد نظر السيد فايز في قرار حل الإخوان المسلمين وفي الظروف التي تحيط بهذا القرار سواء في الميدان أو داخل مصر، فشعر أنه محكوم بحكومة محاربة للإسلام والمسلمين وقرر الدخول معها في حرب عصابات فوق أرض مصر.

ولم يكن للسيد فايز من بد في أن يتحمل هذه المسئولية، فكل إخوان الدعوة العامة معتقلون والمرشد العام محجوب عن اللقاء بالإخوان بوضعه تحت العدسة المكبرة لرجال الأمن طوال ساعات النهار والليل، فليس هناك مجال للاتصال به أو أخذ التعليمات منه، وبدأ السيد فايز معاركه برأس الخيانة -محمود فهمي النقراشي.

كون سرية من محمد مالك، وشفيق أنس، وعاطف عطية حلمي، والضابط أحمد فؤاد، وعبد المجيد أحمد حسن، ومحمود كامل، لقتل النقراشي باشا غيلة، ولتتحطم رأس الاستبداد، وقد أسند قيادة هذه السرية إلى الشهيد الضابط أحمد فؤاد.

وقد رسموا الخطة على النحو الذي ظهر في تحقيقات هذه القضية، ونجح عبد المجيد أحمد حسن في قتل النقراشي باشا، في مركز سلطانه، وسط ضباطه وجنوده وهو يدخل مصعد وزارة الداخلية.

وصمد عبد المجيد أحمد حسن في التحقيقات، فلم يعترف على أحد من زملائه، حتى حين.


سرية شفيق أنس لحرق أوراق السيارة الجيب:

وبعد نجاح السرية في هذا العمل الفدائي، نظر السيد فايز في كل ما تنسبه الحكومة إلى الإخوان من جرائم باطلة، مدعية أنها تستند في كل ما تدعيه إلى حقائق صارخة في المستندات والوثائق المضبوطة في السيارة الجيب.

وكان يعلم يقينًا بكذب هذه الافتراءات، ودليل ذلك ما ذكره عبد المجيد أحمد حسن بعد أن قرر الاعتراف على زملائه، واستندت إليه المحكمة في براءة النظام الخاص مما وجه إليه من اتهامات- ولم يساوره شك في أن الحكومة قد زورت وثائق وقدمتها للنيابة لتدين الإخوان بما ليس فيهم من جرائم واتهامات باطلة، فقرر حرق هذه الأوراق وكون سرية لهذا الغرض بقيادة الأخ شفيق أنس، وقد رسمت الخطة على النحو الذي ظهر في تحقيقات القضية المسماة زورًا وبهتانا قضية محاولة نسف المحكمة، وحقيقتها أنها كانت محاولة حرق أوراق قضية السيارة الجيب.

وتمكن شفيق أنس من أن يضع حقيبة مملوءة بالمواد الحارقة معدة للانفجار الزمني بجوار دولاب حفظ أوراق قضية السيارة الجيب، إلا أن قدر الله قد مكن أحد المخبرين من ملاحظة شفيق، وهو يترك الحقيبة ثم ينصرف نازلا على درج المحكمة، فجرى مسرعًأ وحمل الحقيبة وجرى بها خلف شفيق، الذي أسرع في الجري حتى لا تنفجر الحقيبة على سلم المحكمة أو وسط حشود الداخلين في بهوها، ولما خرج إلى الميدان حذر المخبر من الحقيبة، فتركها فانفجرت في ساحة الميدان دون إحداث خسائر تذكر، وقبض على شفيق.

وقد هللت أجهزة الحكومة مدعية أن الغرض كان نسف المحكمة، وبالغت أبواق الاتهام تهيئ الجو للقضاء التام على الإخوان المسلمين، مما اضطر المرشد العام إلى إصدار بيانه ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين ليساعد على تخفيف حدة الضغط على الإخوان وهو أمر جائز شرعًا في الحرب ويعد من خدعه، كما أوضحنا عند ذكر سرايا رسول الله لاغتيال أعداء المسلمين، ولكن الأخ عبد المجيد أحمد حسن لم ينتبه إلى ذلك وتأثر بالبيان تأثرًا قاده إلى الاعتراف على إخوانه.

ولكن باقي الرجال كانوا يعلمون أنهم إخوان وأنهم مسلمون، وأن الضلال والخيانة في غيرهم، وقد قام عندهم الدليل الأكيد على صحة ما اعتقدوا عندما استعمل هذا البيان للضغط على عبد المجيد أحمد حسن للاعتراف على شركائه في قتل النقراشي، ثم ارتكاب الحكومة لجريمة قتل الإمام الشهيد، فزاد ذلك من إيمان المناضلين، بأن أرض المعركة في مصر أحق بالقتال فيها من أرض المعركة في فلسطين، فقد كان عهد الحكومة للإمام الشهيد هو الإفراج عن المعتقلين وعودة الإخوان، إذا ما أصدر هذا البيان لاستخدامه في استتباب الأمن، ولكنهم كانوا يخادعون الله وهو خادعهم، فاستخدموا البيان في المزيد من التنكيل بالإخوان وقتل مرشدهم حتى أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، فأزال دولتهم من الوجود، فضلا من الله ونعمة.

قضايا الأوكار:

اعتمد الإخوان في محاربتهم للحكومة على الاختفاء في شقق مستأجرة وموزعة في جميع أنحاء القاهرة ومجهزة بالسلاح، وعلى سبيل المثال:

فقد نزل البطل علي صديق إثر عودته من فلسطين في شقة بالدقي، كما نزل نجيب جويفل في شقة في جنينة السادات، ونزل حسن عبد الغني في منزل بشبرا وثلاثتهم من قادة الفصائل الذين أبلوا بلاء حسنا في فلسطين، وعادوا بعد أن انتهت مهمتهم هناك إلى أرض الوطن ليدافعوا عن دعوتهم المستهدفة بالفناء، جنبًا إلى جنب مع إخوانهم الذين لم يقدر لهم الاشتراك في معركة فلسطين.

وقد دخلت قضايا الأوكار في طور جديد، بعد أن نجحت وسائل البوليس في الاستناد على بيان الإمام الشهيد «ليسوا إخوانا، وليس مسلمين» واستدراج عبد المجيد أحمد حسن للاعتراف على زملائه، الذين لم يستسلموا للبوليس في سهولة، واستخدموا هذه الأوكار في الاختفاء عن أعين البوليس، والاشتراك مع الإخوان في محاربة الحكومة الخائنة.

فقد نزل الأخ محمد مالك مع الأخ علي صديق في شقة الدقي، وكانت حكومة إبراهيم عبد الهادي قد أعلنت مكافأة سخية (عشرة آلاف جنيه) لمن يقبض على محمد مالك حيًا أو ميتًا، إذ يبدو أن كل ما كان يهم إبراهيم عبد الهادي هو أن يأمن نفسه من خطر محمد مالك، لا أن يخدم التحقيق.

وقد اشترك معهما الأخ فتحي علام على أنه طباع، ينزل لشراء ما يحتاجه المنزل، وبيده سلة، ليبدو كل شيء في الشقة طبيعيًا، رغم أن علي صديق كان قد استأجر الشقة باسم مستعار على أنه مدرس بمدارس النيل بشبرا، وقد حرص على أن يغادر الشقة في مواعيد العمل صباحًا ويعود في مواعيده ظهرًا، وأن تبقى الشقة مفتحة النوافذ.

وقد كان محمد مالك يقوم بتجهيز الطعام بينما يتردد علي صديق على القيادات العاملة لتجهيز ضربة ترد للجماعة اعتبارها وكرامتها، وتبطش بأيدي العابثين بالقانون وبحرية المواطنين من الحكام الخونة.

وتصادف أن خرج محمد مالك ذات ليلة متنكرًا، وعلى ما يبدو فقد شك فيه أحد الناس وأبلغ البوليس بأن محمد مالك يقطن بمنطقة الدقي فجد البوليس في التحري في هذه المنطقة يدقون أبواب الشقق ويسألون عن القاطنين فيها، حتى دق أحد المخبرين باب شقة «عليِّ» التي يقطن فيها محمد مالك وسأل عن سكان الشقة ومستأجريها، فأملى «عليِّ» اسماءهم المستعارة ومكان عمله الذي لا يتفق مع الحقيقة، حتى اطمأن المخبر أن الحياة في هذه الشقة عادية وليس هناك ما يدعو إلى الشك، بينما كان كل من علي صديق وفتحي علام يتسلحون بالمدافع والقنابل اليدوية والمسدسات لحراسة محمد مالك، وكان قرار محمد مالك أن لا يسلم نفسه إلى البوليس إلا جثة هامدة.

وما إن غادر المخبر المنزل حتى أبلغ «عليِّ» المجموعات العاملة بالمعركة، فحضر الدكتور السيد الجيار وأخذ محمد مالك في سيارته الخاصة إلى الإسكندرية، ويبدو أن سيارة الدكتور الجيار كانت مراقبة، حيث قبض على جميع الإخوان الذين مر بهم محمد مالك في الطريق، كما قبض على محمد مالك في الشقة التي استقر فيها في الإسكندرية، بعد معركة نارية بينه وبين البوليس، لم يتوقف فيها إطلاق النار حتى نفذ كل ما مع محمد مالك من ذخيرة وقنابل، واضطر إلى التسليم.

أما علي صديق فقد نظف شقته تمامًا من كل ما يربطه بها واستأجر شقة أخرى بمصر القديمة بالقرب من مستشفى هرمل وأقام معه فيها الأخوة نجيب جويفل وفتحي علام ومصطفى كمال عبد المجيد، الذي كان يقود السيارة الجيب، ولم يستطع أحد أن يلاحقه، فلم يقبض عليه، ولم يقدم للاتهام في قضيتها.


سرية مصطفى كمال عبد المجيد لقتل إبراهيم عبد الهادي قاتل الإمام الشهيد:

اعتقل الأخ السيد فايز في حادث النقراشي باشا، وأصبح الدكتور أحمد الملط هو المسئول الأول عن حماية الدعوة في هذه الظروف الشاذة باعتقال كل من يعلوه في قيادة الجماعة سواء في الدعوة العامة أو في النظام الخاص، وقد قتل الأعداء الخونة الإمام الشهيد على قارعة الطريق في أبشع حادث يمكن أن يقع من حكومة ضد أحد رعاياها، ومن ثم فقد كان له حق الاجتهاد.

وقد درس الإخوان المجاهدين خطة محاولة قتل إبراهيم عبد الهادي باشا لأنه كان قائدًا لحكومة تحارب الإسلام وقد خلف محمود فهمي النقراشي باشا، وتعهد بتنفيذ كل مخططاته الإجرامية للقضاء على الدعوة الإسلامية نهائيًا في مصر، وقد اتخذ الدكتور أحمد الملط الشقة التي استأجرها الأخ علي صديق بمصر القديمة مقرًا للتخطيط لهذه العملية، وعين مصطفى كمال عبد المجيد قائدًا للسرية التي تقوم بها.

وكانت هذه الشقة تشرف تمامًا على طريق موكب إبراهيم عبد الهادي في ذهابه وعودته من المعادي إلى القاهرة كل يوم، ولم يكن إبراهيم عبد الهادي إلا امتدادًا أثيمًا لمحمود فهمي النقراشي، فقررت السرية المرابطة في هذه الشقة قتله غدرًا، وتخليص الإسلام من شروره، بعد اعتماد الخطة من المسئول في ذلك الوقت وهو الدكتور أحمد الملط.

وكان التفكير المبدئي أن يصدم مصطفى كمال عبد المجيد سيارة إبراهيم عبد الهادي بسيارة مجهزة بعبوات ناسفة تندفع من الطريق الجانبي، لتصطدم فجأة بسيارة إبراهيم عبد الهادي وتنفجر السيارتان بمن فيهما.

ولكن الأخ مصطفى عبد المجيد خشي أن يعد منتحرًا بهذه الطريقة، فيدخل النار، وفضل أن يشترك في معركة مسلحة تهاجم الموكب وتقضي على من فيه، وقد راجع الأخ علي صديق الدكتور أحمد الملط في هذه الخطة واشترك معه كل من علي رياض والدكتور عز الدين إبراهيم في معارضتها لمنا ينشأ عنها من خسائر أكبر في الأرواح، فالمنطقة آهلة بالسكان، ويمر بالشارع ترام، مما يعرض الكثير من الأرواح للهلاك، ويمكن التفكير في طريقة لا يقتل فيها إلا إبراهيم عبد الهادي وحده كما قتل النقراشي وحده.

ولكن يبدو أن الدكتور أحمد الملط كان قد أصدر أوامره بتنفيذ خطة الهجوم، حيث وقع الحادث وتم ضرب الموكب أثناء المناقشة، وقد استعمل المهاجمون الأسلحة السريعة والقنابل، ورد عليهم حرس الموكب بالمثل، وتبين أن إبراهيم عبد الهادي لم يكن من ضمن الراكبين، بل حل محله حامد جودة رئيس مجلس النواب الأسبق.

وتمخض الهجوم عن جرح بعض المارة وموت سائق عربة كارو، أما حامد جودة فقد ارتمى من الرعب في دواسة السيارة، ولم يصب بسوء، وتمكن جميع من اشتركوا في الحادث من الفرار إلا مصطفى كمال عبد المجيد الذي ظل يدافع عن نفسه بإطلاق عيارات نارية على متعقبيه حتى انتهت ذخيرته وقبض عليه ومعه مدفعه، وعن طريق تعذيب مصطفى كمال عبد المجيد أمكن الاستدلال على عدد كبير من الإخوان المجاهدين داخل الأوكار.

ولقد أدانت محكمة السيارة الجيب في حكمها إبراهيم عبد الهادي باشتراكه في تعذيب مصطفى كمال شخصيًا كما سبق أن أوضحنا.


إقالة إبراهيم عبد الهادي هدية الملك للشعب في العيد:

توالى اعتقال الإخوان في قضايا الأوكار، بالاستدلال على الشقق المتخذة مخابئ للإخوان المجاهدين، من كل من تقع يد البوليس عليه من هؤلاء الإخوان، واستباحت الحكومة لنفسها أقسى صور التعذيب، ولكنها ما كانت تقبض على وكر من الأوكار وتظن أنها انتهت من القبض على جميع المجاهدين، حتى يظهر لها وكر جديد لم تكن تعلم عنه شيئًا مزودًا أعضاؤه بالسلاح السريع الطلقات والقنابل.

فاهتزت أعصاب إبراهيم عبد الهادي اهتزازًا عنيفًا، حتى أشيع أنه كان يدخل دورة المياه بمنزله بيد مرتعشة تحمل مسدسًا، خشية أن يخرج له فدائي في الحمام.

وشعر الملك بفشل الحكومة الذريع في القضاء على مقاومة الإخوان المسلمين، وشعر بغضب الشعب المصري من الإجراءات الشاذة التي تستخدمها هذه الحكومة معهم، خاصة بعد أن رأى الشعب بطولاتهم في فلسطين، وفشل الحكومة في تحقيق وعدها بطرد اليهود منها، بل وبخسارتها للمعركة خسارة مذلة مهينة، كما شعر بالاستياء الشديد داخل صفوف الجيش مما ظهر أثناء حملة فلسطين من خيانات وفساد، ففكر أن ينجو بنفسه ويتخذ من حكومته كبش فداء، فقرر إقالة إبراهيم عبد الهادي يوم عيد الفطر وأعلن أن قراره هذا هدية الملك للشعب، فعم الفرح والسرور جميع جنبات الشعب المصري، واستبشر الإخوان خيرًا بهذا النصر الجديد، الذي ساقه الله إليهم، وفاء إخلاصهم واستبسالهم في الدفاع عن قضية الإسلام سواء في مصر أو في فلسطين، وبدأت على أرض مصر صفحة جديدة، لغسل الماضي والنظر بالأمل إلى المستقبل.

التذمر في صفوف الجيش:

في الوقت الذي ظهرت فيه بشائر انفراج الأزمة بطرد حكومة إبراهيم عبد الهادي، وتشكيل حكومة جديدة مستقلة برياسة حسين سري باشا، كانت مهمتها لحكومة شعبية تقوم على أساس استطلاع رأي الشعب في انتخابات حرة، كان ضباط الجيش يعاونون من أزمة ثقة في قادتهم وفي رؤساء حكوماتهم، فقد فقدوا ثقتهم في قادتهم لما رأوا أنهم رسموا لهم سياسة خاطئة عند دخول فلسطين، انتهت بهم إلى هزيمة لا ذنب لهم فيها، بعد أن ساقوهم إلى مجازر نتيجة خططهم المرتجلة التي عرضت الكثير من قواتهم إلى الحصار أو القتل، فقد شهدوا أكثر من مرة وصول الأوامر المتناقضة والتعليمات التي يهدم بعضها بعضًا، كما تذكروا حيرتهم، أي الأوامر ينفذون وأيها يتركون، ويظلون في حيرتهم حتى يلاقوا حتفهم، من فرط ما في تشكيلاتهم من ثغرات، وخططهم من نقص وقصور.

فامتلأت قلوبهم حقدًا على قادتهم، وانتزعت من قلوبهم الصفة الأساسية للجنود، وهي التزام الطاعة للقيادة، عن حب وثقة، وأخذت بذور القيام بثورة، يتخلصون بها من هذه القيادات الفاسدة تنمو في صدورهم.

كما فقد الجنود الثقة بقيادتهم العليا لما سمعوه عن الأسلحة الفاسدة، التي كانت تقتلهم قبل أن تقتل عدوهم وعن الدور السيئ الذي لعبته هذه القيادة العليا في توريد هذه الأسلحة للجيش.

وفقدوا ثقتهم في رؤساء حكوماتهم، لما رأوا أنهم أسلموا أعنتهم للمستعمر الغاصب يحركهم كيف يشاء، وينفذ بأيديهم وعقولهم خططه المرسومة، فكانوا يحرزون نصرًا عسكريًا، تضيعه هذه الحكومات بتصرفاتها مثل قبول الهدنة، أو سحب القوات المحاربة، مما أوقع في الجيش خسائر فادحة ليس لها ما يبررها.

كل ذلك جعل قلوب الكثيرين من ضباط الجيش وجنوده مهيأ للثورة، وتكونت شلل كثيرة من الضباط تتناجى فيما يمكن أن تفعله لتخليص البلاد من هذا البلاء الشديد.

إعلان الحكم في قضية السيارة الجيب وخروج المتهمين فيها:

كان إعلام الحكم في قضية السيارة الجيب في أواخر مارس 1951 بمثابة ناقوس كبير أشعر كل أفراد شعب مصر أنهم وقعوا ولمدة ثلاث سنوات تحت تأثير معلومات مضللة عن جماعة الإخوان المسلمين، وكانت شهادات الشخصيات الكبيرة مثل سماحة مفتي فلسطين واللواء أحمد المواوي، واللواء فؤادي صادق عن دور الإخوان المسلمين المشرف في القتال دفاعًا عن فلسطين، وعن دور الحكومة التي اتهمتهم بالباطل، وما ارتكبته من خيانات انتهت بضياع فلسطين، ووقع خسائر كبيرة في الأرواح والأموال في قوات الجيش المصري ومعداته، قد زادت من يقين شعب مصر بما صدر ضده من خيانة زعزعت ثقته، بالسلطات العليا التي لعبت دورًا كبيرًا في هذه الجريمة الشنعاء، فلم تجد الحكومة الجديدة بدًا من الإفراج عن المتعقلين السياسيين، كما أنها لم تستطع أن تقف ضد التفاف الشعب حو الإخوان المسلمين، الذين انتظمت صفوفهم بقيادة الأخ صالح عشماوي وكيل الجماعة التي فقدت مرشدها العام في جريمة شنعاء، ارتكبها الحكام السابقون، بغيًا وفسادًا، فعادت لجماعة الإخوان قوتها وأثرها في مجريات الأحداث، وبدأوا بمطالبة الحكومة بإصدار عفو عن المسجونين السياسيين في مظاهرات شعبية كانت تجد من أبناء الشعب كل مناصرة وتأييد.

وقد ظهر أثر ذلك كله في الانتخابات التي أجرتها حكومة سري باشا فتمخضت عن أغلبية وفدية، اضطرت الملك لتشكيل وزارة وفدية برئاسة النحاس باشا، فالتزمت بمسايرة الشعور الوطني العارم، الذي أشعلته في النفوس نتائج حرب فلسطين، فأعلنت إلغاء معاهدة 1936 وسمحت بإنشاء المعسكرات التدريبية لمواجهة الإنجليز في القتال مواجهة شعبية، وبذلك استنجد أمام الإخوان المسلمين الخارجين لتوهم من السجون والمعتقلات فرضًا لازمًا، تفرضه عليهم عقيدتهم الإسلامية، وهو قتال الإنجليز على أرض مصر حتى الجلاء.

وقد قام الإخوان بواجبهم على النحو الذي فصلناه في الفصل الخامس من هذا الكتاب واستمر الإخوان يقومون بواجبهم في هذا المجال إلى قيام ثورة 23 يوليو، واشترك معهم بعض الضباط الذين لمسوا رجولتهم في معارك فلسطين، كما استمر قتال الإخوان للإنجليز بعد قيام الثورة، مما دعا الإنجليز إلى التسليم لحكومة الثورة في مفاوضات الجلاء، بقبول الجلاء عن مصر وإن كانوا قد احتفظوا لأنفسهم بالحق في العودة في حالة خطر الحرب، ولكن هيهات أن يسمح شعب مصر لمحتل أن يعود لاحتلال أرضه بعد أن غادرها، مضطرًا تحت قوة ضربات أبناء هذا الشعب الصابر المناضل.

</include>


الفصل الثامن : الوثائق البريطانية التي تدين الحكومات المصرية العميلة في حربها للإخوان

مقدمة

تحرص الحكومات التي تحكم في ظل الاستعمار البريطاني أن تتظاهر للأمة بأنها تتخذ قراراتها في شئون البلاد الداخلية بوحي من إرادتها الوطنية، دون تدخل للمستعمر في هذه الشئون، وأن كل الحكمة من وجود قوى الاحتلال في هذه البلاد هي الدفاع عن البلاد في حالة تعرضها لهجوم غادر من دولة أجنبية أخرى.

ويتفنن الاستعمار الإنجليزي في إبرام معاهدات الصداقة بين حكومة إنجلترا وبين مثل هذه الحكومات، تحشوها بعبارات السيادة والاستقلال الزائفة، وذلك للاستهلاك المحلي حتى تقبل الشعوب نصوص هذه المعاهدات وهي تستشعر بعض العزة والكرامة ولكنها تضمن للمحتل استمرار قواته جاثمة على صدر الدولة المحتلة، ومن هذا المنطلق يوحي السفير البريطاني لرئيس الدولة باتخاذ القرارات التي تتفق مع مصالح الاستعمار العالمية، وأن يمهد لهذه القرارات بسيل من الشعارات الوطنية الرنانة، حتى تتهيأ الأذان لقبولها وكأنها ذروة الأماني الوطنية، فيهتفون لهؤلاء الحكام مشيدين بانتصاراتهم، حتى في الحروب التي انهزموا فيها، ولقد صور المرحوم أحمد شوقي بك أمير الشعراء هذه الحقيقة في مسرحيته الشعرية مصرع كليوباترا، فقال رحمه الله على لسان حابي أحد المصريين مخاطبًا من يدعي «ديون»:

اسمع الشعب ديون

كيف يوحون إليه

ملأ الجو هتافا

بحياتي قاتليه

أثر البهتان فيه

وانطلى الزور عليه

يا له من ببغاء

عقله في أذنيه

والذي يعنينا في هذا الفصل هو أن نسرد نصوص الوثائق البريطانية والأمريكية التي كشف عنها المؤرخ محسن محمد بعد أن مضت المدة القانونية لسريتها، ورفعت كل من الحكومتين البريطانية والأمريكية الحظر على نشرها، وتقتصر على موضوع الكتاب، فهي تؤيد بالدليل المادي ما ذهبنا إليه في الفصل السابق من خيانات حومتي محمود فهمي النقراشي، وإبراهيم عبدا لهادي، كما تضمنت أن هذه الخيانات لم تكن صادرة عن عقائد خاطئة لهذين الفحلين، الذين مارسا أعمال الوطنية والفداء في شبابهما، ولكنها كانت خيانات عميلة للمستعمر ينفذها الخائن بأسلوب يستحي المستعمر أن يسلكه لشدة انحرافه وبعده عن كل قيمة إنسانية.

ولابد لي أن أسجل قبل أن أحاول عرض هذه الوثائق، أنها لا تعطي كل الحقيقة ولكنها تكشف الجزء الذي يسمح المستعمرون بكشفه في الزمن الحالي اعتقادًا منهم أنه لا يضر بمصالحهم، أما الوثائق التي لا تزال نصوصها تمثل خطورة على مصالح الاستعمار في حالة نشرها، فإنها تظل محظورة رغم مرور المدة القانونية التي تكفي لرفع الحظر.

إن العدو يقظ وهو حريص دائما أن يلبس مسوح الود والإخلاص ليتسرب إلى أعماق الإدارات المحلية فيقودها لتحقيق مآربه في سهولة ويسر، وإن الوثائق الآتية هي خير دليل على ذلك كله بشهادة العدو نفسه، كما أنني أحذر القارئ من العبارات المغرضة التي دست في هذه الوثائق للإساءة إلى الإخوان المسلمين ويمكن للقارئ أن يلمحها فور قراءتها، إلا أنني حرصت لأمانة النقل أن أنقلها كما جاءت في جريدة «المسلمون» دون أدنى تغيير.


الوثائق

أولا: رصد الأعداء لفكرة الإخوان المسلمين وأهدافهم تمهيدًا للتعامل معهم على أساس من الدراسة العلمية: (العدد 44 من مجلة المسلمون):

(أ) قال هيوات دان- رجل المخابرات البريطانية في مصر الذي يجيد اللغة العربية وتزوج مصرية مسلمة- في بحث قدمه سرًا للإنجليز ثم نشره بعد ذلك كتابًا ولكن بأسلوب مختلف عن جماعة الإخوان المسلمين قال:

«تتمتع الجماعة بشعبية تفوق ما كان يتمتع به الوفد عند نشأته، وفي عصره الذهبي ويرجع ذلك إلى حسن البنا فهو رجل تنظيم على درجة عالية من الكفاءة، يصوغ تعاليمه الدينية بطريقة بارعة تمكنه من جذب خيرة شباب البلد إليه، ومجموعة أخرى من أصحاب المناصب والمكانة الطيبة.

وهو يتوجه إلى المشاعر الدينية، ويستخدم التنويم المغناطيسي العميق خلال خطبه وأحاديثه».

(ب) قالت المفوضية الأمريكية: «خطورة الإخوان تكمن في المبادئ المتعصبة التي تعتنقها، وطبقًا لما يقول الإخوان، مادامت مصر دولة إسلامية فيجب أن تحكم بقانون القرآن».

(ج) قالت السفارة البريطانية: «الهدف المعلن للجماعة إقامة حكومة ومؤسسات مصرية على أساس المبادئ القرآنية الأصيلة، ونبذ الثقافة الغربية التي تعتبرها الجماعة مسئولة عما أصاب المجتمع المصري من انهيار الأخلاق، وانحلال السلوك، وفساد القيم، فقد جلبت على الشعب ما يعانيه من تعاسة وفقر، ومهمة الجماعة إقامة تنظيم قوي لديه مشاعر العداء للأجانب» انتهى وواضح أن المقصود من كلمة الأجانب هو الاستعمار ولكن بصيغة مهذبة.


ثانيًا: رصد لنشاط الإخوان المسلمين تمهيدًا لضربه ضربة قاضية: (العدد 45 من جريدة المسلمون):

كتبت المخابرات البريطانية تقريرًا تقول فيه: «قبل الحرب العالمية الثانية بلغ عدد فروع الإخوان في مصر نحو 500 فرع ويرجع انتشارها السريع إلى أسباب منها فشل السياسيين الفاسدين في مصر في كبح جماح القلاقل الاجتماعية، فمكن ذلك من يدعو لاتخاذ الإسلام منهجًا من جذب أتباع من البيئة المضطهدة، وأصبح الإخوان بعد رعاية علي ماهر لهم، يتمتعون بدرجة ما من الاكتفاء الذاتي».

ويفسر الأستاذ محسن محمد التقارب بين علي ماهر وبين الإخوان بالحقائق الآتية:

كان علي ماهر خصمًا للوفد، ولم يكن عضوًا في الحزب السعدي، أو حزب الأحرار الدستوريين أصحاب الأغلبية في مجلس النواب.

ومن هنا سعى علي ماهر إلى الحصول على تأييد الإخوان المسلمين، وأيده في ذلك صالح حرب، وعبد الرحمن عزام، وعزيز المصري، وقابئل هؤلاء جميعًا الملك فاروق الذي كان يميل للألمان ويعادي الوفد والإنجليز، ويرى أن تجمعات الإخوان يمكن استغلالها في معارضة الوفد.

ويؤيد الأستاذ محسن محمد وجهة نظره هذه بالبرقية التالية الصادرة من السفير البريطاني اللورد كيلرن إلى لندن:

«عمل علي ماهر باشا بنشاط من وراء الكواليس لتأكيد سياسته الخاصة بالحركات المعادية للأجانب من خلال التنظيمات الإسلامية مثل جمعية الشبان المسلمين، وحركة مصر الفتاة، وجماعة الإخوان المسلمين وعدد آخر من الجمعيات الإسلامية أقل شهرة والتي تمارس نشاطها في الخفاء.

وأخذ علي ماهر باشا يشجع نوادي وجمعيات الشباب، وكان الهدف انتظام الأجيال القادمة تحت راية الملكية الوطنية المتطرفة، وكراهية الأجانب والمفهوم التقليدي للإسلام في مواجهة التيار الأكثر ليبرالية كحزب الوفد- وللأقباط نفوذ فيه- فإن مكرم عبيد باشا كان سكرتيرًا عامًا للوفد.. وكذلك في مواجهة الاحتلال الأجنبي».

والكلمة الأخيرة من هذه البرقية هي بيت القصيد، فكل ما ذكره اللورد كيلرن عن كراهية الأجانب إنما هو تعبير فيه تورية، والمقصود الحقيقي منه هو كراهية الاحتلال.

أما علي ماهر باشا نفسه فلم يكن له من هذا كله إلا سياسته الثابتة بتجنيب مصر ويلات الحرب وهي السياسة التي نالت تأييد جميع الهيئات الشعبية في مصر ومنها الإخوان المسلمون فالتفوا حوله وأيدوه.


ثالثًا: الأعداء يبدءون أول مناوشة مع الإخوان المسلمين: (العدد 45 من جريدة المسلمون:

استقال علي ماهر باشا وتولى الحكم بعده حسن صبري باشا الذي توفى وهو يلقي خطاب العرش داخل البرلمان فخلفه حسين سري باشا صديق الإنجليز، فبدأ الإنجليز في توجيه أول مناوشة مع الإخوان المسلمين مستعينين بصديقهم حسين سري باشا، وقد بلغت السلطات البريطانية حسين سري باشا أن حسن البنا يعمل في أوساط الإخوان لحساب إيطاليا وطلبت هذه السلطات إلى رئيس الوزراء العمل على الحد من نشاطه، وقد ورد هذا النص في مذكرات الدكتور محمد حسين هيكل باشا وزير المعارف في وزارة حسين سري.

رأى حسين سري باشا نقل البنا إلى بلد ناء في الصعيد وكلف محمد حسين هيكل باشا بتنفيذ القرار بصفته وزيرًا للمعارف، تحقيقًات لهدف الإنجليز في الحد من نشاطه.

وقد سجل السير مايلز لاميسون (اللورد كليرن) في البرقية 338 هذه الواقعة على استحياء، فهو يحاوب أن ينسب القرار إلى حسين سري باشا شخصيًا ثم يتهم تصرف حسين سري باشا بالشكل الفج الذي اتخذ به القرار بأن صرح أن القرار قد صدر بناء على اقتراح السفير البريطاني، ولتدرك هذه المعاني أيها الأخ العزيز اقرأ نص البرقية -338 الصادرة من السفير البريطاني السير مايلز لاميسون:

«كانت الملامح الرئيسية التي تميزت بها التطورات السياسية في مصر ازدياد حدة الصراع بين رئيس الوزراء وعلي ماهر باشا.

هاجم رئيس الوزراء علي ماهر باشا في معاقله الإدارية وشتت صنائع خصمه بالتنقلات.

وهاجم سري باشا علي ماهر باشا في التنظيمات الإسلامية التابعة لماهر باشا بنفيه حسن البنا رئيس جماعة الإخوان المسلمين إلى قنا.

ويبدو أن رئيس الوزراء تصرف في هذه المسألة بشكل فج، فقد صرح بأنه اتخذ هذا الإجراء بناء على اقتراح السفير البريطاني، ولم يتعامل في هذه المسألة بمقتضى السلطات المخولة له بوصفه حاكمًا عسكريًا».

والفقرة الأخيرة من هذه البرقية توضح بجلاء السياسة البريطانية التي تعتمد في تنفيذ مآربها على الأيدي المحلية، وتطلب منهم أن لا يعلنوا أنهم يتخذون قراراتهم تلبية لرغبة الإنجليز، بل عليهم أن يلبسوا القرارات الثوب الوطني الصادر من السلطات المخولة لهم بقوة القانون، وما ما نفذه النقراشي باشا بكل إخلاص عندما قرر حل الإخوان وادعى أن ذلك تم استنادًا إلى سلطاته المخولة له بقوة القانون، ولم يذكر أبدًا حتى في مجالسه الخاصة أنها رغبة بريطانية، حتى لا يشد أحد أذنه كما شد السير مايلز لاميسون أذن حسين سري عندما صرح بأن الإنجليز هم الذين طلبوا نقل حسن البنا، فوصف هذا التصريح بأنه اتخذ القرار بطريقة فجة، أي خالية من نضوج أساتذة العمل في خدمة بريطانيا الذين يخفون تمامًا دور بريطانيا الكائن وراء قراراتهم.


رابعًا: الإنجليز يخسرون الجولة في هذه المناوشة: (العدد 45 من مجلة المسلمون):

(أ) قال هيكل باشا في مذكراته: «أدى نقل البنا إلى ما لم يؤد إليه نقل مدرس غيره، جاءني غير واحد من النواب الدستوريين يخاطبني في إعادته إلى القاهرة ويرجوني في ذلك بإلحاح، ولما لم أقبل هذا الرجاء ذهب هؤلاء إلى رئيس الحزب عبد العزيز فهمي باشا وطلبوا إليه أن يخاطبني في الأمر، وخاطبني الرجل فذكرت له أن حسين سري باشا هو الذي طلب نقل الشيخ بحجة أن له نشاطًا سياسيًا، وأن النشاط السياسي محرم على رجال التعليم، كما أنه محرم على غيرهم من الموظفين، وأنه لا مانع عندي من إعادة الرجل إلى مدرسة المحمدية بالقاهرة.

وخاطب عبد العزيز باشا رئيس الوزراء في الأمر وذلك له إلحاح طائفة من النواب الدستوريين ذوي المكانة، وأبدى لي سرى باشا أنه لا يرى مانعًا من إعادة الرجل إلى القاهرة فأعدته» -انتهى كلام محمد حسين هيكل باشا.

وهكذا عاد الإمام الشهيد إلى القاهرة في يونيو من نفس العام وكان نصر الله للمؤمنين عظيمًا.

ويسجل السفير البريطاني خسارته لهذه الجولة في برقية بالنص الآتي: «إن القصر الملكي بدأ يجد في الإخوان أداة مفيدة، وأن الملك أصدر بنفسه أوامر لمديري الأقاليم المحافظين بعدم التدخل في أنشطة الإخوان الذين يعملون بلا أطماع شخصية لرفاهية البلاد».

وقال السفير: «لا شك أن الجماعة استفادت كثيرًا من محاباة القصر لها كما نالت التأييد المادي والمعنوي من العصبة المعادية لبريطانيا التي يرأسها علي ماهر.

وعلى أية حال فإن نتيجة قرار النقل والعدول عنه أفادت البنا فإن تراجع رئيس الوزراء الأسبق أشعر الشيخ حسن بأنه له من القوة ما يسمح بمضاعفة نشاطه من غير أن يخشى مغبة ذلك النشاط وأن هذا الشعور كان له أثره في تطوير الإخوان المسلمين».

وهذه الفقرة الأخيرة هي بيت القصيد ففيها اعترف الإنجليز بأنهم خسروا الجولة الأولى من المناوشات بسب محافظة حسين سري باشا على كرامته وإجابته للمطلب الشعبي بعودة الأستاذ البنا إلى القاهرة رغم إرادة الإنجليز، ولكن السفير البريطاني لا بد أن يستعمل الواقعة ليدق إسفينًا أكبر ضد الإخوان المسلمين.

(ب) طلبت السلطات البريطانية من سري باشا اعتقال حسن البنا وأحمد السكري وكيل الجماعة وكان السبب في ذلك تقارير المخابرات البريطانية التي أجمعت على أن الإخوان يقومون بدعايات مضادة للإنجليز ويخطبون ضد المخابرات في اجتماعات شعبية، ويجمعون معلومات عن تحركات القوات البريطانية ويجرون اتصالا مع موظفي السكك الحديدية ومع العاملين في المستودعات والمعسكرات البريطانية.

وقد سببت تقارير المخابرات التي تقول: إن هناك شكوك في أن الإخوان يخططون للقيام بعملية تخريبية شاملة ضد المنشآت الحيوية وشبكة الاتصالات البريطانية، سببت هذه التقارير قلقًا كبيرًا للسفارة رغم أنها غير مما دعاها إلى أن تطلب من حسين سري باشا اعتقال البنا وأحمد السكري وعبد الحكيم عابدين فاعتقلتهم الحكومة في 16 أكتوبر سنة 1941 في معتقل الزيتون بالقاهرة، بناء على طلب الإنجليز.

وأوقف سري باشا صحف الإخوان «التعارف» و «الشعاع» الأسبوعيتين و «المنار» الشهرية وأغلق مطبعتهم وحظر اجتماعاتهم ومنع الصحف من نشر أبناء عن الإخوان المسلمين واجتماعاتهم.

ومرة أخرى تحرك الكثيرون للدفاع عن الإمام الشهيد وبينهم توفيق دوس باشا نائب منفلوط الذي قدم استجوابًا في مجلس النواب بشأن اعتقال حسن البنا بناء على طلب من الأخ محمد حامد أبو النصر (المرشد العام الرابع للإخوان المسلمين) وهو من أبناء منفلوط.

وانهالت العرائض والالتماسات على الملك ورئيس الوزراء تطلب الإفراج عن الشيخ، واعتصم الطلاب في مسجد السلطان حسين بالقاهرة، وفي 12 نوفمبر ألقت الشرطة القبض على 16 طالبًا يحاولون تنظيم اجتماع للاحتجاج على اعتقال زعيم الجماعة.

فقرر سري باشا إطلاق سراح زعماء الإخوان المسلمين في اليوم التالي وكان نصر الله للمؤمنين عظيما. ولم يعجب هذا القرار السفير البريطاني بالطبع، فسأل سري باشا عن سبب الإفراج عن حسن البنا رغم أن السفير نفسه هو الذي أصر على الاعتقال.

أجاب رئيس الوزراء: «أن افتتاح البرلمان سيجري بعد يومين، ولا استطيع ضمان النظام والأمن في ذلك اليوم إذا استمر اعتقال البنا وزميليه».

ولم يعجب هذا الكلام السفير البريطاني بالطبع، فحسين سري صديق للإنجليز ولكنه يحتفظ بماء وجهه عند اللزوم، ويحافظ على كرامته أحيانًا، ومن ثم فلا يمكن أن تعتمد على أمثاله المصالح البريطانية.

ولهذا السبب قرر الإنجليز استبدال حسين سري باشا بمصطفى النحاس باشا في 4 فبراير سنة 1942 دون مواربة أو استحياء، بل بأن حاصرت الدبابات البريطانية قصر عابدين وفرضت قرارها على الملك بالقوة المسلحة -فالإنجليز رجال عمليون لا تهمهم الصداقة كثيرا، بل تهمهم المصلحة.

وعلى العموم فقد خرج الإخوان من هذه المناوشة وقد ظهرت قوتهم واضحة بعد أن أفرج عن الإمام الشهيد وصحبه في خلال أقل من شهر واحد على الرغم من أن الاعتقال كان في ظروف الحرب التي يسيطر فيها الإنجليز بيد من حديد على الشئون الداخلية لمصر وكان يمكن أن يمتد الاعتقال إلى سنوات عديدة، وكان ذلك دليل تسليم الإنجليز بشعبية الإخوان المسلمين التي لا يمكن تحديها في ظروف الحرب.


خامسًا: الإنجليز يتخوفون من الهدنة القائمة بين حزب الوفد وبين الإخوان المسلمين باعتبارهما أكبر هيئتين شعبيتين في مصر: (العدد 47 من جريدة المسلمون):

كتب السفير البريطاني يقول: «تتخذ العلاقات بين الإخوان والوفد شكل الهدنة من الناحية الفعلية ومن المفيد بالنسبة للإخوان أن يحتفظوا بعلاقات طيبة مع الوفد طالما أن المعارضة من شأنها أن تؤدي إلى إغلاق مقارهم واعتقال قادتهم وإلحاق أضرار جسيمة بمستقبل الجماعة، وقد التزم حسن البنا بنصيبه من الاتفاق بالامتناع عن توجيه النقد الاستفزازي للحكومة رغم أن موقعه الفكري من مبادئ الوفد لم يتغير.

أما الوفد فظل ينظر إلى أنشطة هذه الجماعة بعين الشك ويحرص على القيام بالمراقبة الدقيقة لهذه الأنشطة، وتبقى العلاقات بين الطرفين متقلبة لا تستقر، والهدنة لا تدوم».

والعبارة الأخيرة هي أهم العبارات لأنها تعبر عن أمل السفير في أن يقع صدام بين الوفد والإخوان يؤدي إلى القضاء على الإخوان وعزمه على تحقيق هذا الأمل.


سادسًا: الأمريكان يتخوفون أيضًا من استمرار حسن العلاقة بين الإخوان والوفد: (العدد 47 من جريدة المسلمون):

تلقت المفوضية الأمريكية 320 رسالة في يوم واحد وردت لها من 70 مركزًا للإخوان في القاهرة و 143 مركزًا في الأقاليم، وكتبت كل رسالة بأسلوب مختلف وكلها تحتج على الموقف الأمريكي فيما يتعلق بفلسطين، التي هي عربية تماما، وهم يتوقعون إعلانًا صريحًا يهدئ المشاعر ويضمن للعرب وطنهم.

وقد كان انعكاس هذه الرسائل عند القائم بالأعمال الأمريكية هو برقيته إلى واشنطن في 29 أبريل سنة 1944م قائلاً:

«ينظر النحاس إلى البنا باعتباره قوة يحسب لها حساب، فقد حضر أعضاء من وزارته اجتماعات أقامها البنا وقيل إنه منح الجماعة إعانة مالية كبيرة.

ومن الواضح أن الإخوان مستعدون للتعاون مع الحكومة الحالية الموجودة في السلطة ومن المشكوك فيه أن يتبع الإخوان هذه الحكومة إلى المعارضة في حالة سقوط الوزارة.

ونشاط الجماعة المقبل غير واضح ويمكن أن تصبح مثارًا للإزعاج أو حتى للخطر من زاوية طابعها الديني المتعصب».

والفقرة الأخيرة هي أيضًا أهم العبارات لأنها تثير الحكومة الأمريكية ضد الإخوان وتزرع لديها اتجاه العمل على القضاء عليهم ولو عن طريق إيقاع فتنة بينها وبين حزب الوفد.


سابعًا: الإنجليز يتدخلون صراحة في منع الإخوان من دخول البرلمان: (العدد 48 من جريدة المسلمون):

عندما انتهت مهمة مصطفى النحاس في حكم البلاد أثناء الحرب لضمان الاستقرار فيها حتى ينتصر الخلفاء أقيل مصطفى النحاس في 8 أكتوبر سنة 1944م، وكلف أحمد ماهر برئاسة الوزراء، وقد حل مجلس النواب يوم 15 نوفمبر وحدد يوم 8 يناير سنة 1945م موعدًا لإجراء الانتخابات وقد رشح الإمام الشهيد نفسه في دائرة الإسماعيلية، كما رشح خمسة من الإخوان أنفسهم في دوائر أخرى.

وقد أعيدت الانتخابات بين الإمام الشهيد والدكتور سليمان عيد متعهد توريد الأغذية لقوات الجيش البريطاني في منطقة القناة، لأن أيا منهما لم يحصل على عدد الأصوات اللازمة للفوز في الجولة الأولى.

وفي الإعادة تدخل الإنجليز والحكومة بصورة أكثر سفورًا حيث:

1- طرد الحاكم العسكري البريطاني مندوب فضيلة الأستاذ حسن البنا من اللجان الانتخابية في سيناء وقام مندوبو الحزب السعدي بملء الصناديق بالأصوات المؤيدة على هواهم.

2- تولت سيارات الجيش البريطاني نقل العمال من المعسكرات البريطانية إلى صناديق الانتخابات للتصويت لصالح الدكتور عيد ببطاقات مزورة، فجميعهم مقيدون في دوائر انتخابية خارج منطقة القنال.

3- حشدت الحكومة وأنصارها وقامت بتزوير الانتخابات ضد فضيلة الأستاذ حسنا البنا وزملائه الخمسة الذين رشحوا أنفسهم في دوائر أخرى كمستقلين.

وكانت نتيجة التزوير والتدخل البريطاني هي سقوط جميع مرشحي الإخوان، وعندما أعلن فوز مرشح الحكومة في الإسماعيلية كادت تحدث فتنة لولا تدخل الإمام الشهيد حيث خطب في الجموع قائلا:

«هذه الحشود الهائلة بهذه الصورة الرائعة تصم الحكومة بالتزوير والتضليل، إن مراجلكم تغلي بالثورة، وعلى شفا الانفجار ولكن اكظموا غيظكم وانصرفوا إلى منازلكم وبلادكم مشكورين مأجورين لتفوتوا على أعدائكم فرصة الاصطدام بكم.

إن عجز أمة أن تدفع بأحد أبنائها إلى البرلمان ليقول كلمة الحق والسلام لدليل على أن الحرية رياء وهباء، وأن الاستعمار سر البلاء».


ثامنًا: الإنجليز يشيدون بنجاح حكومة النقراشي في الوقيعة بين الإخوان والوفد ويضاعفون التحذير من قوة الإخوان بعد محاولتهم الوقيعة بين النقراشي والإخوان: (العدد 49 من جريدة المسلمون):

تمادى أحمد ماهر باشا في تحدي رغبات الشعب المصري إلى حد اتجاهه لإعلان الحرب على ألمانيا رغم تذكر كل طبقات الشعب من استمرار الاحتلال الإنجليزي لمصر بعد كسب الحرب بفضل جهودها، فقتله أحد الشبان الوطنيين من الحزب الوطني وهو المحامي محمود العيسوي، وخلفه في الوزارة محمود فهمي النقراشي باشا.

اتهم جميس بوكر شخصيات عليا بأنها مولت بعض صحف المعارضة واتهم الوفد بأنه موال بالمال حزب مصر الفتاة وجمعية الشبان المسلمين، وقال إن فؤاد سراج الدين عرض أموالاً على جماعة الإخوان المسلمين ولكنهم رفضوا طبقًا لسياستهم في عدم التعاون مع الوفد، وذلك في برقية أرسلها إلى لندن على أثر الحملة العنيفة التي شنتها الصحف ضد بريطانيا والصهيونية بمناسبة قرب ذكرى وعد بلفور.

وقد حاولت السير والترسمارت المستشار الشرقي للسفارة البريطانية أن يوقع بين حكومة النقراشي والإخوان، فذهب إلى حسن رفعت باشا وكيل وزارة الداخلية وقال له: «يتحرق حسن البنا شوقًا ليحل محل النحاس باشا والوفد».

رد حسن رفعت قائلاً: «لا يمكن أن نعارض أمرءًا يمثل التطور الطبيعي» وأضاف: «يتعاون الإخوان المسلمون معي للتقليل في حجم المظاهرات التي ستجري غدًا بشأن قضية فلسطين في ذكرى وعد بلفور. لقد صاروا الآن أقوياء للغاية كما أن البنا قائد ملتزم تماما، وهو خطيب مفوه، ولديه قدرة عالية على التنظيم».

قال والتر سمارت: «من الخطر مساندة الإخوان واستخدامهم كسلاح حتى لا يأتي اليوم تجد فيه هذه الحكومة، وكل الحكومات، أن التعامل معهم صار أمرًا عسيرًا، فهم جماعة تعمل في الظلام ومعادية للأجانب. واستخدامهم كسلاح يؤدي بالتأكيد إلى نمو قوتهم، وبالتالي تصبح السيطرة عليهم مستحيلا، وإني أدرك بالطبع زيادة قوتهم، ولكني متمسك برأيي في أن أنشطتهم يمكن أن تؤدي إلى قيام حركة معادية للأقباط».

رد حسن رفعت قائلا: «لا اعتقد بوجود خطر من وراء ذلك فحسن البنا حريص للغاية على عدم السماح بمثل هذه الأعمال».

أصر سمارت على موقفه وقال: «لازلت متمسكًا تماما برأيي في أن أي تشجيع للإخوان المسلمين يعد من الأمور الخطيرة».

وقد اشترك الإخوان فعلا في تنظيم المظاهرات المعادية للصهيونية والاستعمار في ذكرى وعد بلفور، ولكنهم تمكنوا من تقليل أعمال التخريب التي حثت عليها الأحزاب المعارضة مثل الوفد ومصر الفتاة، كما استطاع الإمام الشهيد بعد ساعة أن ينصح المتظاهرين بالتفرق فأطاعوا وانصرفوا بنظام وقد شعر الوفد بالسخط على الإخوان الذين أسهموا في تهدئة أعمال الشغب الأمر الذي استبشر به السير والتر سمارات في برقية إلى لندن يقول:

«يشعر الوفد بالسخط تجاه موقف الإخوان الذين قاموا بتهدئة أعمال الشغب التي وقعت أخيرًا بين صفوف الطلاب وقد اعتبر الوفد موقف الإخوان نوعًا من الخيانة.

وقد تلاعب فؤاد سراج الدين بالإخوان المسلمين لبعض الوقت ولا شك أنه قدم إليهم بعض المال., وعلى أية حال فإن حكومة النقراشي تبدو كما لو أنها نجحت في الوقيعة بين الوفد والإخوان.

لقد أصبحت الجماعة تضم حوالي نصف مليون عضو في مصر وافتتحت فروعًا لها في فلسطين وسوريا، ودفع الاستياء الذي يشعر به المصريون تجاه قادة الأحزاب السياسية الحالية إلى أن ينضم عدد منهم إلى الجماعة التي وجدت أعضاء لها بين الطبقات الراقية في المجتمع بعد أن كانت لا تضم إلا أبناء الطبقات الدنيا.

ومن الواضح أن الإخوان المسلمين سلاح ذو حدين، فيمكن أن يكونوا اليوم أصحاب دور فعال في وقف أعمال الإثارة ثم يقوموا غدًا بدور خطير في التحريض على مثل هذه الأعمال وخاصة في القضايا الدينية مثل قضية فلسطين، ولا أظن أن بمقدورنا القيام بأكثر من تحذير حسن رفعت».

وتشير هذه البرقية إلى اضطراب السياسة البريطانية من تزايد قوة الإخوان المسلمين وترحيبها بالوقيعة التي تصوروا أن حكومة النقراشي نجحت في إحداثها بين الوفد والإخوان عندما نسقت حكومة النقراشي تعاونا بينها وبين الإخوان للتخفيف من حوادث الشغب التي كان الوفد يخطط لمضاعفتها، لأن مثل هذه الوقيعة تخلق خصما قويًا للإخوان بمنع تزايد قوتهم، وذلك على الرغم من أن السير والترسمارت كان يحرض حسن رفعت ضد الإخوان رغم علمه أن الإخوان يساعدون الحكومة في التقليل من حوادث الشغب، فكأن الإنجليز قد وجدوا أنفسهم من فرط ارتباكهم يؤيدون الأمر ونقيضه في وقت واحد، بينما كان تخطيط رفعت أحكم منهم فهو يستفيد من روح الإصلاح عند الإخوان ليحقق وقيعة بينهم وبين الوفد دون أن يشعروا، وقد شعر الإنجليز بحكمة حسن رفعت وأشاروا إليها في البرقية.


تاسعًا: الإنجليز يرحبون باشتدادت الخصومة بين الوفد والإخوان: (الأعداد 50، 51 من جريدة المسلمون):

استمرت سياسة الإنجليز في تشجيع الحكومات المتعاقبة للوقيعة بين الوفد والإخوان، وقد اتهم أحد رجال الوفد إسماعيل صدقي صراحة أنه يستخدم الإخوان في محاربة الوفد، حيث قال إبراهيم فرج: إن صدقي ظن بدهائه أنه يستطيع بالإخوان محاربة الوفد، وكان من نتيجة هذا التصريح أن قامت اشتباكات في أنحاء كثيرة بين الوفد وبين الإخوان.

وقد اجتمع المرشد العام مع مصطفى النحاس باشا لبحث إمكانية التقارب بين الهيئتين ولكن السفير البريطاني السير رونالد كامبل كان وراء فشل هذه المحاولة وأعلن: «أن الرجلين بحثا إمكانية التقارب في اجتماع عاصف ولكنهما لم ينتهيا إلى اتفاق حاسم».

كما بعث السفير البريطاني إلى لندن برقية رقمها 1233 قال فيها:

«هناك صراع خطير بين الوفد والإخوان في بورسعيد.

قتل اثنان وأصيب كثيرون، وانتهز الوفد الفرصة فطالبت صحفه بحل الإخوان لأنها منظمة شبه عسكرية. وقتل الإخوان أحد الوفديين ولكن الوفد استعاد قوته.. والإخوان أضعف من الوفد».

ويكرر الإمام الشهيد محاولته لإفساد الخطة الإنجليزية فيعلن ما نصه:

«لا زلنا نجهل الدافع إلى خصومة الوفد والإخوان، ويقرر أنه ليس من داع لهذه الخصومة إلا التنافس الحزبي، ويزيدنا أسفًا وألما أن نحارب بأسلحة عجيبة: سلاح الكذب والافتراء بالإشاعة الكاذبة وسلاح التشويه بارتكاب الجرائم واستعداء الحكومة على حريات الإخوان والتحريش والشغب»، وتنجح محاولة الإمام الشهيد في تخفيف حدة الخلاف بين الوفد والإخوان فيجتمع بالإسكندرية الأستاذ أحمد السكري وكيل الإخوان بفؤاد سراج الدين سكرتير عام الوفد، وتنشر صحيفة الإخوان أن الحديث تناول وجوب أن تزول الخصومة بين الجماعة والوفد، وأن يحل محلها تفاهم وتعاون في هذا الظرف الدقيق أو أن تكون هدنة تحول اشتغال كل منهما بالآخر.

وترصد كل من السفارة الأمريكية والسفارة الإنجليزية هذا التقارب، مع تشويهه أو تمنى الفشل له بنسبته إلى الأغراض الشخصية.

فترى السفارة الأمريكية أن الجماعة هادنت الوفد لتحصل على معونته المالية، فتعوضها عن المساعدات التي توقف صدقي عن تقديمها، وتقول السفارة أن السكري له طموح سياسي وكذلك فؤاد سراج الدين، وكل منهما أراد التحالف لحسابه، ولكن العداء بين الوفد والجماعة لم ينته، فالوفد لا يريد أن ينافسه أحد في النفوذ بين الجماهير، وقد تأثر هذا النفوذ نتيجة قوة الإخوان، ولذلك يريد فرصة لإعادة تنظيم صفوفه حتى يتخذ موقفًا استراتيجيا ليهدم الإخوان ويدمرهم.

ويريد الوفد أيضا أن يفسد دعاية الإخوان ضده، فقد أعلن المرشد العام من قبل أنه يعارض الوفد والشيوعية مما يعني تحالف الوفد والشيوعية ولذلك يسعى الوفد بتحالفه الجديد من الإخوان إلى هدم فكرة ارتباطه بالشيوعيين.

وقالت السفارة الأمريكية: «إن اتفاق الوفد والجماعة سيفشل بعد تحقيق هدفهما المشترك وعندما يجد كل منهما الوقت المناسب لذلك».

وقالت السفارة البريطانية: «علاقات الإخوان بالوفد طيبة إلى حد كبير، ولكن كل منهما يعمل مستقلا ولا يتفقان إلا على ضرورة أن يمتنع كل طرف عن التدخل في أنشطة الطرف الآخر».

وكان القائم بالأعمال البريطاني قد كشف اللعبة التي يلعبها إسماعيل صدقي للوقيعة بين الإخوان والوفد في خطابه إلى لندن حين سمح صدقي بالمظاهرات التي اشترك فيها الوفد والإخوان والحزب الوطني ومصر الفتاة والشيوعيون فقال القائم بالأعمال.

«هذا جزء من اللعبة الديماجوجية، لقد ألغى تدابير الحكومة السابقة بمنع اجتماعات الإخوان المسلمين، وكلف حسن رفعت باشا وكيل وزارة الداخلية من جانب صدقي باشا بتنفيذ هذه السياسة».

أما المفوضية الأمريكية فقد كتبت إلى واشنطن تقول:

«يتزايد تنظيم الإخوان كل يوم كقوة سياسية، وبالذات منذ تولي صدقي باشا السلطة وقد رفع رئيس الوزراء الحظر الذي فرضه النقراشي باشا على اجتماعات الإخوان وهو يجامل الإخوان، ربما بدعم مالي بأمل فصم ارتباطهم بالوفد».


عاشرًا: السبب الرئيسي في حرص الإنجليز على الوقيعة بين الوفد والإخوان:

لقد أوضح اللورد كيلرن في تقاريره إلى لندن السبب الرئيسي في حرص الإنجليز على الوقيعة بين الوفد والإخوان، وهو تخوف الإنجليز من أن تقوم ثورة في مصر عقب الحرب العالمية الثانية تطالب بالجلاء والاستقلال على غرار ثورة 1919 التي قامت عقب الحرب العالمية الأولى بقيادة حزب الوفد. وإذا ما تحقق هذا الحدس فإن تعاون الإخوان مع الوفد يجعل مثل هذه الثورة خطيرة للغاية، فقد دوخ المصريون الإنجليز في ثورة 1919 وهم عزل من السلاح، فماذا يكون الموقف لو قامت ثورة مشابهة وتعاون فيها الوفد مع الإخوان الذين يتسلحون بأسلحة متطورة.

ويذكر اللورد كيلرن ذلك صراحة في تقاريره إلى لندن كما جاءت في العدد 49 من مجلة المسلمون حيث يقول:

«استمر تهريب الأسلحة على نطاق واسع والتي كان شراء معظمها من مخلفات الجيوش التي شاركت في معارك الصحراء الغربية خلال الحرب العالمية الثانية وبدت سلطات الأمن عاجزة عن القيام بأي شيء حيال هذا الأمر.

ولم يتوقف الأمر عند وجود تفتيش غير دقيق على شراء الأسلحة خلال هذه الحروب غير النظامية، بل كان في وسع سكان الأقاليم تحدي جهود السلطات لتنظيم حيازة الأسلحة النارية والإفلات من العقاب.

وزاد من صعوبة مهمة الحكومة في التعامل مع هذه المشكلة أن الأسلحة المحظورة كانت من أنواع متطورة للغاية بينما كانت قوات الأمن المصرية المسلحة في الغالب بأسلحة قديمة لا تصلح إطلاقًا لاستخدامها لغرض فرض احترام القانون على القرويين المسلحين تسليحًا جيدًا.

إن انتشار حيازة الأسلحة صار عاملاً جديدًا وخطيرًا على التأثير في العلاقات المصرية البريطانية، وفي حالة نشوب أية أعمال عنف معادية لبريطانيا على نطاق واسع سيصبح التعامل مع عناصر الشعب أكثر صعوبة عما كان عليه في عام 1919 منذ كانت معظم هذه العناصر غير مسلحة عام 1919م.

وتحت ظل هذا الرعب كان الإنجليز يقبلون من حكومات الأقلية تخفيف الضغط أحيانًا عن الإخوان المسلمين بقصد اجتذابهم وعرقلة تعاونهم مع الوفد، ولكنها لم تكن تسمح لهذه الحكومات بالتمادي في هذه السياسة إلا بالقدر الضئيل الذي يحقق غاية الفرقة بين الإخوان والوفد، فإذا ما تحقق هذا الغرض كلفوهم بالضغط على الإخوان، وفي هذه المعاني يكتب الوزير المفوض البريطاني جيمس بوكر ما يأتي:

«يجب أن نذكر أن الوفد لم يستطع عند افتتاح الجامعة في أكتوبر الماضي جذب الطلاق للتظاهر خارج الجامعة بسبب عدم تعاون الإخوان معه، فإنهم كانوا حينذاك يناصرون الحكومة.

ويبدو أن خروج الإخوان إلى الشارع جنبًا إلى جنب مع الوفد، إنما يشير إلى اعتقاد الإخوان بأن حكومة النقراشي تقضي أيامها الأخيرة.

ويشير ذلك أيضا إلى ضيق الجماعة بالحكومة التي بدأت أخيرًا في التضييق على أنشطة الإخوان. وبعد ذلك إشارة إلى التأثير المتزايد للجماعة، فعندما قررت أن تلقي بثقلها إلى جانب أعمال الشغب والاضطرابات كان لذلك أثره الفعال» والواضح أن تقرير اللورد كيلرن عن انتشار تسليح الإخوان المسلمين يفيد أن الحكومة أخفت عن الإنجليز تصريحها للإخوان بشراء السلاح، ولكن الأمر الواقع كان ظاهرًا لأجهزة المخابرات البريطانية الدقيقة، فظهر ذلك في تقاريرها، كما سيتضح فيما بعد.


حادي عشر: الأمريكان يرصدون خطورة الإخوان على الصهيونية: (العدد 54 من جريدة المسلمون):

كتبت السفارة الأمريكية إلى واشنطن تقول: «سيكون دور الإخوان المسلمين مهمًا في إثارة المسلمين في كل مكان ضد اليهود ومن يؤيدونهم إذا أصبح النضال لإنقاذ فلسطين دينيًا بجانب كونه سياسيًا».


ثاني عشر: الإنجليز يحرضون المسئولين في مصر ضد الإخوان المسلمين صراحة: (العدد 57 من جريدة المسلمون):

أبرق الوزير البريطاني تشايمان أندروز إلى لندن بنص ما قاله لحسن يوسف في تحذيراته من الإخوان وذلك في برقيته رقم 1679 عند وقوع حوادث انفجارات في القاهرة.

«هذه الحوادث هي النتيجة الطبيعية للسماح لمنظمات مثل الإخوان المسلمين بالخروج عن نطاق السيطرة، وعدم اتخاذ عمل سريع جاد يسمح به القانون ضد أولئك المدنيين في مؤامرات الاغتيال وقتل أناس مثل أمين عثمان باشا والقاضي أحمد الخازندار بك.

ومن المعروف للجميع أن الإخوان المسلمين والحاج أمين الحسيني مفتي القدس السابق يملكون مخازن كبيرة من المتفجرات والأسلحة لاستخدامها في فلسطين ظاهريًا، وسماح أية حكومة بمثل هذا الوضع يعتبر بمثابة دعوة لحدوث متاعب من هذا النوع.

وتستطيع الحكومة بالتأكيد أن تقوم بعمل فعال حتى الآن لتحطيم هذه المنظمات»، والمستفادة من هذه البرقية هو علم الإنجليز بتصريح الحكومة للإخوان والهيئة العربية بحيازة السلاح واعتبارها الخازندار بك واحدًا من رجالها مثل أمين عثمان تمامًا.

رد حسن يوسف بأنه يخشى أن يكون الإخوان المسلمون قد صاروا أقوى من أن يتم تحطيمهم بهذا الشكل، فسأله الوزير البريطاني عما يقترح عمله، ولكن حسن يوسف هز كتفيه يائسًا.

وهنا يعد القسم الشرقي في وزارة الخارجية البريطانية مذكرة تاريخها 7 ديسمبر سنة 1948 أي قبل صدور حل الإخوان المسلمين بيوم واحد تستحث فيه على الاستهانة بقيادة الشعب الذي يجري في مصر وتحض على القضاء عليهم بدعوى أنهم يشجعون غيرهم ممن يهددون السلام ويفتحون الطريق أمام التغلغل الشيوعي مستقبلا، حيث تقول المذكرة المؤرخة 7 ديسمبر سنة 1948:

«لا شك أن الشعب في مصر يقوده طلبة الجامعة عمومًا، وصبيان المدارس والسوقة مستعدون للانضمام للشغب من أجل النهب.

ولا يجب أن ينظر إليهم بجدية كتعبير عن الرأي العام، ولكنهم يكشفون عن عجز الحكومة على الحفاظ على الأمن، فيشجعون غيرهم ممن يهددون السلاح ويفتحون الطريق أمام التغلغل الشيوعي مستقبلاً» ويلاحظ على هذه المذكرة التورية مبالغة في الحذر حيث وضعت عبارة قيادة الشعب الذي يجري في مصر، بدلا من قيادة الإخوان المسلمين المعنية تمامًا بهذه العبارة.

وفي يوم 8 ديسمبر سنة 1948 وهو تاريخ صدور قرار حل الإخوان المسلمين أعدت وزارة الخارجية البريطانية مذكرة عن الموقف في مصر بصفة عامة قالت:

«كان واضحًا منذ وقت طويل مضى، أنه ما لم يتلق الزعماء المصريون والرعب الآخرون وخاصة الجامعة العربية صدمة بالغة الشدة، من نوع ما تخرجهم من إطارهم الفكري، المتبجح والمدعي فسوف تستمر الأمور في الشرق الأوسط في تدهور»، ويلاحظ أيضًا على هذه التورية إمعانًا في إخفاء اسم الإخوان المسلمين صراحة، وقد استبدلها بعبارة: «الزعماء المصريون» كما استبدلت الهيئة العربية العليا بعبارة: «الزعماء العرب الآخرون».

ومن ثم يكون المقصود بالصدمة بالغة الشدة هم الإخوان المسلمون والهيئة العربية العليا بقيادة الحاج أمين الحسيني، مفتي فلسطين وجامعة الدول العربية المشرفة على تنظيم التطوع الشعبي للقتال في فلسطين. ذلك لأن دور المقاومة الشعبية في فلسطين، وضد اليهود في مصر، كان قد بلغ ذروته بإشراف من الجامعة العربية كما سبق أن أوضحنا في هذا الكتاب.

وفي نفس التاريخ يصدر قرار حل هيئة الإخوان المسلمين بتوقيع محمود فهمي النقراشي باشا، فمن إذن الذي حرض على قرار الحل؟ الإنجليز أم أي شيء آخر؟


ثالث عشر: الإنجليز يتنصلون من تحريضهم الحكومة ضد الإخوان بعد أن نفذه النقراشي خضوعًا لإرادتهم: (العدد 58 من جريدة المسلمون):

أعلن الإخوان المسلمون أن قرار حل جمعيتهم إنما صدر بتحريض سافر من الإنجليز وقدموا على ذلك دليلين:

1- طلبت السفارة البريطانية من النحاس باشا عام 1942 والحرب العالمية على أشدها والألمان على الأبواب حل الإخوان المسلمين وتعطيل نشاطهم فأبى أن يجيبها إلى ذلك واكتفى بإغلاق الشعب كلها مع بقاء المركز العام إلى حين (وهذا هو الفرق بين حكومات الأغلبية الحريصة على شعبها وبين حكومات الأقلية العميلة للمحتل).

2- أن سفراء بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا اجتمعوا يوم 20/ 11/ 1948 في معسكرات القوات البريطانية في فايد قرب الإسماعيلية وقرورا أن يتقدم السفير البريطاني باسمهم إلى السلطات المصرية بحل جماعة الإخوان المسلمين في أقرب وقت مستطاع.

وقد ضاق الإنجليز ذرعًا بنشر نصوص الرسائل المتبادلة في هذا الشأن في مجلة الدعوة الصادرة في 31 يناير سنة 1951، فزار تشايمان اندروز الوزير البريطاني المفوض إبراهيم عبد الهادي باشا في منزله وقال له: هذه الوثائق مزورة، وإني أطلب منك أن تعلن ذلك باعتبارك رئيس الوزارة التي قبض في عهدها على المتهمين في سيارة الجيب وغيرها.

وأضاف أندروز إذا وجدت حرجًا في النشر بالصحف أو الاتصال بالقضاء فإن السفارة البريطانية على استعداد لإعلان ذلك رسميًا، ولكن إبراهيم عبد الهادي اعتذر، فكلف الوزير المفوض المستشار القانوني للسفارة البريطانية المستر مورى جراهام بإرسال رسالة إلى وحيد رأفت مستشار الرأي لوزارة الخارجية المصرية يقول فيها:

«إن أمر حل الإخوان المسلمين لم يكن محل حديث بين السفارة والحكومة المصرية».

ويعلق الأستاذ محسن محمد على هذه الرسالة قائلاً:

وكان موري يكذب فإن مقابلات السفير البريطاني السير رونالد كامبل للوزراء يقطع بأن السفير ألح على ضرورة الحل».

وأقول إن اعتذار إبراهيم عبد الهادي لم يكن تحديا للإرادة البريطانية ولكنه كان تحرجًا من أن يبلغ خضوع إبراهيم عبد الهادي للإنجليز حد الدفاع عنهم صراحة بنفسه، كما توقع تشامبان أندروز بالضبط.


رابع عشر: الإنجليز يتابعون التحريض على تحطيم الإخوان بعد قرار الحل: (العدد 59 من جريدة المسلمون):

حاول الإنجليز العمل على أن يسهم الوفد في الوزارة مع إبراهيم عبد الهادي الذي خلف النقراشي باشا لتقويته على تحطيم الإخوان فقابل أندروز كريم ثابت باشا المستشار في محاولة جديدة حتى يساهم الوفد مع إبراهيم عبد الهادي في تحطيم الإخوان قال كريم ثابت: «عبد الهادي باشا أفضل رجل لوزارة الداخلية وقد ينجح في تحطيم الإخوان».

قال أندروز وهو يتمنى للباشا حظًا سعيدًا لست متأكدًا تمامًا من أنه سينجح وإذا فشل سيقع جانب كبير من اللوم على كاهل الحكم لأنه ترك عبد الهادي يواجه الإخوان دون أن يكون الوفد معه، ولو كان قد اشترك الوفد لوفر فرصة أفضل كثيرًا للنجاح.

وأضاف أندروز: «المهمة الرئيسية للحكومة هي تحطيم الإخوان» وهكذا يرسم الإنجليز للحكومات العميلة واجبها بكل صراحة وهي تطيع بكل خسة.


خامس عشر: الإنجليز والأمريكان وراء فشل محاولات المرشد لتخفيف الحملة ضد الإخوان بعد قرار الحل: (العدد 61 من جريدة المسلمون):

طلب مصطفى مرعي من الإمام الشهيد إصدار بيان يتهم الإخوان الذين قاوموا حكومة النقراشي وإبراهيم عبد الهادي بالإجرام ويتبرأ منهم، ويثبت أنهم يعملون على غير إرادته فأعد الإمام الشهيد البيان رغبة منه في تخفيف حدة الهجوم على الإخوان بينما رغبت الحكومة في استخدام البيان للتأثير على الإخوان في السجود للإدلاء باعترافات تدل على إخوانهم خارج السجون، ليتمكنوا من القضاء نهائيًا على الإخوان.

ولم يكن هناك مانع شرعي يمنع الإمام الشهيد من إصدار مثل هذا البيان ليبطل مفعول سلاح كافر موجه ضد الإخوان المسلمين، فالحرب خدعة كما قال رسول الله (ص).

وإذا كانت الحكومة سيئة القصد في طلب البيان فإن حسبه الله، فإصدار البيان إن لم يخفف الضغط على الإخوان فلن يزده، لأن الضغط واقع فعلا في حالته القصوى التي لا تقبل الزيادة، وقد جاء البيان بالنص الآتي:

«وقعت أحداث نسبت إلى بعض من دخلوا هذه الجماعة دون أن يتشربوا روحها وتلا هذا الحادث المروع اغتيال رئيس الحكومة محمود فهمي النقراشي باشا الذي أسفت البلاد لوفاته، وخسرت بفقده علمًا من أعلام نهضتها، وقائدًا من قادة حركتها، ومثلا طيبًا للنزاهة والوطنية والعفة من أفضل أبنائها، ولسنا أقل من غيرنا آسفًا من أجله وتقديرًا لجهاده وخلقه.

ولما كانت طبيعة دعوة الإسلام تتنافى مع العنف، بل تنكره، وتمقت الجريمة مهما يكن نوعها، وتسخط على مرتكبيها، فنحن نبرأ إلى الله من الجرائم ومرتكبيها.

ولما كانت بلادنا تجتاز الآن مرحلة من أدق مراحل حياتها، مما يوجب أن يتوفر لها كامل الهدوء والطمأنينة والاستقرار، وكان الحاكم قد وجه الحكومة القائمة، وفيها هذه الخلاصة من رجالات مصر هذه الوجهة الصالحة، وجهة العمل على جمع كلمة الأمة وضم صفوفها، وتوجيه جهودها وكفاياتها مجتمعة لا موزعة إلى ما فيه خيرها وإصلاح أمرها في الداخل والخارج.

وقد أخذت الحكومة من أول لحظة على تحقيق هذا التوجيه في إخلاص ودأب وصدق، وكل ذلك يفرض علينا أن نبذل كل جهد ونستنفد كل وسع في أن نعين الحكومة في مهمتها، ونوفر لها كل وقت ومجهود للقيام بواجبها، والنهوض بعبئها الثقيل، ولا يتسنى لها ذلك بحق، إلا إذا وثقت تمامًا من استتباب الأمن واستقرار النظام، وهو واجب كل مواطن في الظروف العادية فكيف بهذه الظروف الدقيقة الحاسمة التي لا يستفيد فيها من بلبة الخواطر وتصادم القوى، وتشعب الجهود إلا خصوم الوطن وأعداء نهضته.

لهذا أناشد أخواني، لله وللمصلحة العامة أن يكون كل منهم عونا على تحقيق هذا المعنى وأن ينصرفوا إلى أعمالهم، ويبتعدوا عن كل عمل يتعارض مع استقرار الأمن وشمول الطمأنينة، حتى يؤدوا بذلك حق الله وحق الوطن عليهم» انتهى.

ويحرك الإنجليز استمرار الوقيعة فور إصدار هذا البيان بالتشكيك في نوايا المرشد العام والحض على القضاء على الإخوان.

فيبرق تشايمان أندروز الوزير البريطاني المفوض إلى لندن قائلا:

تبدو لهجة التصالح للبيان الذي نشر على نطاق واسع في الصحافة المحلية واضحة في كل من الإشارة إلى النقراشي باشا الراحل، وفي البحث على القيام بكل ما هو ممكن لمساعدة الحكومة بالمحافظة على النظام والأمن.

وحسن البنا انتهازي وربما يكون غرضه تخدير السلطات بشعور من الأمن المزيف، على أمل أن تتراخى تدريجيًا جهودها للقضاء على الإخوان»، وهذه هي أول مرة يفقد اللسان الإنجليزي قدرته على ضبط النفس فيصف الإمام الشهيد أنه انتهازي مبالغة منه في نسف شبهة التصالح التي ظهرت له من البيان. كما يحرض القائم بالأعمال الأمريكي الحكومة بعدم تحقيق رغبة الإمام الشهيد فيقول جيفرسون باترسون القائم بالأعمال الأمريكي ما نصه:

«حظى البيان باهتمام قليل على المستوى المحلي.. وقد نشأ عن رغبة حسن البنا لاسترداد موقعه الذي اهتز أمام الرأي العام ورغبته الواضحة في إعادة الجماعة، ولكن نظرًا لتوتر الأمن فليس العلاج أن تحقق الحكومة رغبته».

ويرد إبراهيم عبد الهادي قائلاً لتشامبنان أندروز: «الانطباع الذي أخذته من بيان حسن البنا أنه بدأ يتراجع أما تصرف الحكومة، ثم يطمئن اندروز قائلا له: إني واثق من الحصول على أفضل ما لدى الإخوان، ولكني مستعد للقضاء عليهم» هذا هو بيت القصيد الذي يهدف إليه كل من الإنجليز والأمريكان.


سادس عشر: الأمريكان يرحبون بمقتل الإمام الشهيد والأوفياء يتحسرون على شعب مصر: (العدد الرابع والستون من جريدة المسلمون):

كتب جيفرسون باترسون الوزير الأمريكي المفوض في القاهرة يقول: «يوجد ترحيب في أوساط الرأي العام بزوال الشيخ البنا من المسرح وإن كانت هناك خشية من أن يؤدي مقتله إلى عودة الأنشطة الإرهابية من جديد لأن اختفاء حسن البنا بكل ما كان يتمتع به من سلطة مطلقة على الإخوان المسلمين ومن طموح غير محدود يعني زوال شخصية اختلف الناس عليها حيث يسهم ذلك في استتباب الأمن من جديد بعد أن تتبدد آثار صدمة اغتيال البنا من نفوس أتباعه».

أما الضابط الكندي هاردي فقد قال: «إن وفاة البنا كان أكبر ضربة للحركة، بل هي ضربة صاعقة للإخوان بالمعنى الحرفي للكلمة، ولم يكن هناك شخص يملأ -في الحال- مكان البنا وكان هذا هو هدف الجريمة».


الأوفياء يتحسرون على شعب مصر: (العدد الثاني والستون من جريدة المسلمون)

أما الأمير المغربي عبد الكريم الخطابي عندما سمع نبأ الجريمة قال:

«ويح مصر وإخواني أهل مصر- سفكوا دم ولي من أولياء الله».

وأقول هذا هو الفرق بين قلوب الأعداء وقلوب الأحباب وحسبنا الله ونعم الوكيل.


سابع عشر: الأمريكان مستعدون لاحتضان انقلاب في مصر ليوجهوه وفقًا لمصالحهم بعد أن تخلصوا من الإخوان المسلمين أو توجيهه ليخلصهم من الإخوان المسلمين إذا عادوا للنشاط: (العدد الخامس والستون من جريدة المسلمون):

بعث وزير الخارجية الأمريكي إلى جيفرسون باترسون الوزير المفوض في القاهرة يقول:

«اطلعت على تحذير وارد من مصدر موثوق فيه بأن انقلاب مشابهًا لذلك الذي وقع في سوريا يجري الإعداد له في مصر -تابع الموقف عن قرب ووافنا بتقرير عنه».


ثامن عشر: الإنجليز يرصدون عودة الإخوان من جديد بعد إلغاء حكومة الوفد لمعاهدة عام 1936 تمهيدًا لتكرار الوقيعة بينهم: (العدد 67 من جريدة المسلمون).

توجه السفير البريطاني الجديد السير رالف ستيفنسون إلى فؤاد سراج الدين وزير الداخلية يسأله عن الجماعة، ثم بعث السفير إلى لندن في 23 أبريل سنة 1951 يقول: «في حديث مع وزير الداخلية أمس أثرت مسألة الإخوان المسلمين، قال سراج الدين أنه لا يشعر بالقلق على الإطلاق إزاء مستقبل نشاط هذه الجماعة، ولم ينكر أنها كانت خطرة في الماضي ولكنه يرى أن ذلك يرجع إلى تشجيع القصر لها كسلاح ضد الوفد، وإلى شخصية الشيخ البنا، ولا يوجد الآن زعماء يتمتعون بسمات القيادة والمبادرة».

لكن عودة الإخوان لم تتحقق رغم صدور حكم قضائي بتأييد الجماعة وبطلان أمر بيع المركز العام وبإعادة ممتلكات الجماعة وأرصدتها المالية بعد إلغاء حكومة الوفد لمعاهدة عام 1936 مع بريطانيا وضياع كل نفوذ للسفارة البريطانية على قرارات الحكومة، فصدر القرار بالإفراج عن ممتلكات الإخوان المصادرة بما في ذلك الصحف والمنشآت جميعها في 17 ديسمبر سنة 1951، وتسلم قيادتها فضيلة الأستاذ حسن الهضيبي مكتملة القوة والقدرة والنشاط، وكان نصر الله للمؤمنين عظيمًا.


خاتمة لازمة لهذا الفصل

لا بد لي قبل أن أنتقل إلى خاتمة هذا الجزء من الكتاب أن أكرر تحذيري للقارئ من كثير من النصوص التي وردت في هذه الوثائق بأقلام محرريها، والتي قصد منها إلقاء الظلال والشبهات على طهارة جماعة الإخوان المسلمين وبراءتها من كل غرض أو هوى وهي تسير حثيثًا لتحقيق رسالتها الخالدة التي تتلخص في تطبيق رسالة الله إلى البشرية جمعاء لتسعد وتهنأ ويعيش الناس إخوانًا تظلهم الآية الكريمة: ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾ [الجن: 16] وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 66].

وإما قصدت من نقل هذه الوثائق بنصها ودون التعليق عليها إلا بالقدر الضروري، أن أبين للقارئ مدى حرص الأعداء على مراقبة كل نشاط خير لصالح البلد الذي يطعمون في خيراته منذ ولادته حتى يقضوا عليه قبل أن يشتد عوده فيحول بينهم وبين تحقيق ما يطمعون.

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].

تم بحمد الله في يوم الخميس 24/ 3/ 1409هـ

الموافق: 3/11/ 1988م



المراجع

1- رسالة الجهاد للإمام الشهيد الأستاذ حسن البنا.

2- رسالة المأثورات للإمام الشهيد الأستاذ حسن البنا.

3- حيثيات الحكم في قضية السيارة الجيب (قضية النيابة العمومية رقم 3394 الوايلي سنة 1950 ورقم 227 سنة 1950 كلي سيارة الجيب المتهم فيها عبد الرحمن السندي وآخرين).

4- الصامتون يتكلمون سامي جوهر.

5- أعداد مجلة المسلمون المحددة داخل الموضوع.

6- قضايا الإخوان- قضية السيارة الجيب- أقوال كبار الشهود وحوادث التعذيب (مطبوع دار الفكر الإسلامي مطبعا أحمد مخيمر بشارع فاروق).

7- مصر وقضايا الاغتيالات السياسية د. محمود متولي.

8- صفحات من التاريخ (حصاد العمر) صلاح شادي.

9- الإخوان المسلمون بين إرهاب فاروق وعبد الناصر- علي صديق.

10- المقاومة السرية في قناة السويس- كامل الشريف.

11- في قافلة الإخوان المسلمين- عباس السيسي.

12- حسن البنا (مواقف في الدعوة والتربية)- عباس السيسي.

13- يوميات يحيى عبد الحليم (تحت الطبع).

14- عسلوج- يحيى عبد الحليم (من مطبوعات دار الأنصار- سلسلة الله أكبر- بطولات إسلامية معاصرة).

15- التبة 86 محمد علي قطب (من مطبوعات دار الأنصار - سلسلة الله أكبر- بطولات إسلامية معاصرة).

16- الإخوان المسلمون في حرب فلسطين - كامل الشريف.

17- القتال في الإسلام- أحمد نار.

18- الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ (رؤية من الداخل) محمود عبد الحليم (ثلاثة أجزاء).

19- النقط فوق الحروف- الإخوان المسلمون والنظام الخاص- أحمد عادل كمال.