مهندس على الطريق

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مهندس على الطريق...


أمير الظِّل

بقلم : عبد الله غالب البرغوثي

المقدمة

تثور النار إن اختنقت بالحطب ... وتحرق كل من للحق اغتصب

ثرت مرةً بإذن ربي على المحتل الغاصب، وها أنا أثور اليوم أيضاً بعون ربي على السجن والسجّان لأكتب قصتي، قصة مقاوم قصد وجه ربه ورفع السلام بوجه الظلم، لعل رصاصات الحق تعيد طريق النصر والحرية.

عبر جوابي على رسالة ابنتي، وردي على تساؤلاتها، لعلي أكون قد أوضحت لها ما يدور بذهننا حول ذلك السؤال الذي تردد كثيراً ، من أنت ولمَ أنت، ولعلي أكون عبر تجربتي المتواضعة قد ساهمت ولو قليلاً من خلال صفحات هذا الكتاب ومن خلال مقاومتي للمحتل بأن أشعل شمعة على درب الحرية، فأنا أكره الظلام وأكره من يلعنون الظلام.

عبد الله غالب البرغوثي

"من زنزانة العزل الانفرادي التي ما زلت أمكث بها منذ عام 2003 حتى اليوم"


الإهداء

إلى والدي ووالدتي أطال الله بعمرهما، إلى زوجتي وأطفالي تالا وأسامة وصفاء، إلى كل من ساعد وساهم لكي يرى هذا الكتاب النور؛

لفلسطين والقدس والأقصى.

للقدوس والقدس والقسام

أهدي كتابي هذا لهم جميعاً ولكل من لعن الاحتلال.

عبد الله البرغوثي
أمير الظِّل


رسالة من تالا، أسامة وصفاء

" إلى أبينا الغالي على قلوبنا، نكتب لك هذه الرسالة بمناسبة ذكرى دخولك المعتقل، هذه الذكرى التي قد مر عليها عشرة أعوام، وأنت يا أبانا خلف القضبان، والأسوار خلف القضبان بداخل غرفة العزل الانفرادي لا ترى أحداً ولا تكلم أحداً.

أبانا، بل أبي فأنا ابنتك تالا التي تكتب هذه الرسالة نيابة عن أخوتي أسامة وصفاء، اكتب يا والدي معاتبةًً، حائرةَ ومتسائلةً، فأنا لا أدري إن كان يحق لي أصلاً أن أعاتبك وأسألك تلك الأسئلة التي تدور في ذهني، ولكن حيرتي؛ حيرتي هي التي دفعتني لهذا السؤال الذي لم أجد عليه إجابة من أولئك الذين حولي فكل واحد منهم يجيب إجابةً مختلفةً جداً عن إجابة الآخر، رغم أن السؤال هو، لم يتغير ولم يتبدل.

أبي الغالي، أبي الحبيب أعلم أن صدرك واسع وأنك تجيب على أسئلتي دائماً قبل أن أسألها أصلاً، فأنت الأب الذي لا يتضايق من أسئلة أبنائه الصغار، لكني اليوم قد أصبحت كبيرة وكبرت معي تلك الأسئلة التي ألخّصها لك بسؤال واحد، لعلي أجد عندك الجواب الشافي عليه؛ وهو من أنت، من أنت يا أبي، أأنت ذلك الطيب الحنون كما تقول جدتي؟ أم أنت ذلك القاسي منزوع القلب كما يقول جدي؟ هل أنت المحب العاشق الذي جاء على حصانه الأبيض ليأسر قلب أمي فتقع في حبك؟ أم أنتَ ذلك الذي جاء من المجهول وغادر أيضاً إلى المجهول فكسر قلب أمي وجعلها تبكي وتبكي ما إن يذكر اسمك أمامها؟ قالوا عنك جبار قوي لا ترحم، وقالوا أيضاً أنك تملك عقلين؛ لا عقلاً واحداً مثل باقي البشر، فيقال أنك استبدلت قلبك بعقلٍ آخر، ولكن ما يجري أيضاً يا والدي الحبيب أنهم أيضاً يقولون أنه لولا أن قلبك كبير وأنك حنون طيب لما وصلت إلى ما وصلت إليه، لما قاتلت ولما عني ابتعدت، لا أدري من أنت، من أنت؟ أنت تلك الصورة التي كتب عليها تلك الجملة التي لا أفهم لها معنى : " الأسير البطل".

أسير بطل، كيف يصبح الأسير بطلاً؟ أم أن السؤال هو كيف يصبح البطل أسيراً؟ هل أنت مقاوم بطل؟ أم أنك مجرد متهور، مندفع خاض حرباً لا ناقة له بها ولا جمل، قل لي بربك يا عبد الله الجمل من أنت؟ أليس هذا هو اسمك قبل أن يصبح عبد الله البرغوثي أو عبد الله القسام؟ من أنت؟ أنت ذلك الظل الذي لا أرى صاحبه ولكنه يمد لي يد المساعدة دون أن أطلب، هل تعلم يا والدي الحبيب أنك الأب الوحيد الذي لا ينسى ذكرى ميلاد أبنائه وذكرى ميلاد من يحب، كل الآباء ينسون إلا أنت فلا تنسى، ما دمت لا تنسى لماذا غبت عنا طول هذه الأعوام؟ ألم تكن تعلم أن من يقاتل يغيب ويبتعد عن من يحبهم؟

والدي أجب على سؤالي من أنت؟ ولماذا تركتني طفلة صغيرة لا يتجاوز عمري الثلاثة أعوام ملقاة بسيارة تحاصرها الكلاب من كل صوب؟ لماذا تركتني في البرد القارص بعد أن غبت ولم أعد أراك؟

بالله عليك يا أبي قل لي من أنت؟ قل وأجب على أسئلتي سواءً التي سألتها أم تلك التي لم أتجرأ على سؤالك إياها، من أنت يا أمير الظل؟ من أنت؟ "


ابنتك المحبه تالا

ابنتي الحبيبة على قلبي وعلى عقلي تالا، وأحبتي أسامة وصفاء وأبي وزوجتي الغالية، رسالتكِ قد وصلني قبلها وبعدها العديد من الرسائل التي تحتوي على هذا السؤال من أنت ؟ وسؤال آخر أكثر تعقيداً وهو ذلك السؤال الذي تكرر كثيراً لماذا أنت؟.

ابنتي الحبيبة وملاكي الحارس : هذه الأسئلة والتساؤلات تحتاج إلى شخص فيلسوف لكي يجيب عليها ويشرح الأسباب، ويوضح الأمور ليسهل عليكِ فهمها. أما أنا فمجرد شخصٍ عادي، وأقل من عادي، ويصعب عليّ أن أجيب على تلك الأسئلة، ولكني سوف أقص عليكِ قصتي وقصة حياتي، لعلك يا ملاكي الحارس تجدين أجوبة على أسئلتكِ.

لعلك تستطيعين أنت يا ابنتي أن تقولي لي من أنا، ولماذا أنا، حبيبتي الصغيرة قد بدأت قصتي من هناك، هناك بعيد عن فلسطين وعن التين والزيتون هناك في الصحراء، فلقد ولدت بالكويت، وأحببت الكويت وما زلت أحبّها، وأذكر النشيد الوطني لها وأردده.


وطني الكويت سلمت للمجد، وعلى جبينك طالع السعد

ذلك النشيد الذي ظللتُ أردده طوال أعوام طفولتي، حتى جاء اليوم الذي ما عدت فيه طفلاً صغيراً فلقد كبرت فجأة ودون مقدمات، وكان ذلك عندما اندلعت انتفاضة الحجارة في فلسطين ،عندما استشهد ابن عمي محمود، وعمي إسماعيل: استشهدا في فلسطين أقمنا لهما في الكويت عرساً، عرس الشهداء.

لم أكن اعلم أن هناك أعراساً تقام للموتى، للقتلى؛ ولكني علمت أن هناك أعراساً تقام للشهداء، من هم أولئك الشهداء وكيف أصبحوا مضمخين بدمائهم إلى مثواهم، إلى جنة الخلد، من هم؟ لم أرهم ولم أكلمهم وحتى لم أكن أعلم عنهم أي شيء. سألت وسألت، وجاءني الجواب. قالوا لي أن محمود هو ابن عمي الكبير، وقالوا أن إسماعيل هو أصغر أعمامي، ولقد كان الاثنان قريبين في العمر وقريبين في صداقتهما، ببساطة لقد ألقوا الحجارة على قوات الاحتلال الصهيوني التي كانت تعيث خراباً في قريتنا فألقت تلك القوات عليهم وابلاً من الرصاص فاستشهدا.

قالوا لي، أعلم أنك من هناك من فلسطين، من قرية اسمها بيت ريما، وقالوا أيضاً أنت فلسطيني، وهكذا يا ابتني لم أعد كويتيا كما كنت أظن وكما كنت أغنّي، بل فلسطيني، ومنذ ذلك الوقت أصبحت أردد أنشودة أخرى تتحدث عني وعن فلسطين، فلسطين الشهداء، فلسطين الأسيرة، كانت تلك الأنشودة تقول : " محمد جمجوم وفؤاد حجازي، جازي عليهم يا شعبي جازي" ، أنشودة تتحدث عن أبطال ثلاثة هم "عطا الزير "و"محمد جمجوم" و"فؤاد حجازي"، أُعدموا من قبل القوات البريطانية؛ تلك القوات التي نصبت لأبناء فلسطين المشانق، وأعطت الصهاينة وعداً مشؤوماً اسمه وعد بلفور، ذلك الحقير القذر الذي أعطى من لا يملك أصلاً إلى من لا يستحق، أعطى أطهر أرض، فلسطين إلى أقذر شعب، إلى الصهاينة المحتلين.

ومن هنا يا ملاكي الحارس كبرت ولم أعد طفلاً صغيراً، كبرت وكبرت معي فكرة المقاومة، وطرد الاحتلال، وعقاب المحتلين على جرائمهم بحق فلسطين: وحق محمود، وإسماعيل وبحق كل شهيد.

كنت يا ابنتي الحبيبة ويا ملاكي الحارس أشاهد على التلفاز كيف يقوم جنود الاحتلال بتكسير عظام أطفال فلسطين، أطفال الحجارة رجال الانتفاضة وصقورها، ولذلك قررت أن أصبح قوي، قوي جداً حتى لا يُكسر عظمي، وحتى أدافع عن من أحبهم، عن القدس والأقصى وعن فلسطين. في تلك الأثناء قدر الله أن أتعرض للضرب على يد عددٍ من التلاميذ في المدرسة، كانوا أكثر وأقوى وكنت وحيداً وأضعف. وعلى الفور انضممت لنادي الرياضة الجودو، عند مدرب اسمه "منير