عاشوراء دروس وعبر (3-3)
بقلم : أ.د. عبد الرحمن البر
(4) تميز الأمة عن سائر الأمم :
لعل الحديث ابتعد بنا عن يوم عاشوراء..
فأرجع ليوم عاشوراء مثلما بدأت مع يوم عاشوراء،..
وكلنا يعلم فضله طبعا، وقد كان النبي صلي الله عليه وسلم يقول كما في حديث أبي قتادة في صحيح مسلم : «...وصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ ». وفي رواية عند مسلم : وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: « يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ ». ، وقال ابن عباس: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلا هَذَاالْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَهَذَا الشَّهْرَ- يَعْنِي شَهْرَرَمَضَانَ. والحديث متفق عليه.
فكان النبي صلي الله عليه وسلم يتحراه ويصومه، حتى كان العام الأخير فقال كما في حديث ابن عباس عند مسلم: فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَاالْيَوْمَ التَّاسِعَ. قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم.
وفي هذا إشارة إلى الدرس الرابع في هذه الليلة الكريمة، وهو أن الأمة يجب أن تُدرك تميزها..
وليس معنى أن النبي صلي الله عليه وسلم تابع موسى عليه السلام، وتابع بني إسرائيل في صيامه، أن المسلمين مجرد تبع، إنما المسلم عاقل ينتقي ويأخذ الأصلح، وما هو أنفع؛ ولذلك كان حرص الإسلام دائما في كثير من الأشياء المشتركة على التميز.
هنا في يوم عاشوراء، أراد النبي صلي الله عليه وسلم التميز، فقال: فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَاالْيَوْمَ التَّاسِعَ.
وفي حديث آخر، أمر بالمخالفة وقال: صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَخَالِفُوا فِيهِالْيَهُودَ صُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا أَوْ بَعْدَهُ يَوْمًا.
والعلماء جعلوا المسألة ثلاث مراتب، أعلاها أن تصوم يوما قبله ويوما بعده، وأوسطها أن تصوم يوما قبله أو يوما بعده، وأدناها أن تصوم يوم عاشوراء، لكن هنا عملية تميز..
فلسنا بالأمة التي تتبع أي صوت، وليس المسلم بالغافل الذي يسمع لأي دعاء، كالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً، كلا.. بل المسلم أوعى وأعقل من أن يرد حقا ظهر في أي مكان، وعلى أي لسان.. وهو كذلك أوعى وأعقل من أن ينساق وراء دعوة أو نعق ينعقه إنسان بباطل يخالف دينه.. إنما يتبع دينه، ويلتمس الحق حيثما كان..
وهكذا عاشوراء جاء فأراد النبي صلي الله عليه وسلم أن يبين التميز فدعا الأمة أن تتميز بصيام يوم بعده أو يوما قبله، وهكذا الأمة دائما، عندما حتى تأخذ النظريات المختلفة التي فيها أي منفعة، يجب أن تضيف إليها ما يؤصل حقيقة دينها، وأن تحذف منها ما يناقض هذه الحقيقة.. وللأسف يخيرنا نفر من قومنا بين شيئين: بين ماضينا وتراثنا، وبين حضارة غيرنا، ونقول لهم هذا خيار فاشل، نأخذ من ماضينا خيره، ونتجنب شره، ونأخذ الحكمة من حيث خرجت، فلسنا مغلقين أمام الآراء والأفكار والإبداعات، ولا ديننا يمنعنا من أن نأخذ من الناس كل جميل.. وفي نفس الوقت، لسنا بالسذج الذين يُقال لهم: إما أن تأخذوا هذا بعجره وبجره أو تتركوه.. كلا!! بل نأخذه بعيدا عن عجره وبجره!! فنأخذ الخير الذي فيه ونصفيه.. نأخذ من ديمقراطيتهم ما فيها من معاني طيبة، ونضيف إليها من ديننا ما يؤصلها ويجعلها دينا لا عادة، ويجعلها عبادة لا منحة، ويجعلها خُلُقا أصيلا يعطي الناس سائر الحقوق، كما يلزمهم بسائر التكليفات من غير تمييز..
وهكذا الأفكار والآراء والمذاهب والإبداعات والاختراعات، وكل ما يأتي به الناس من أي ملة كانوا، ومن أي جنس كانوا.. لا نغلق أمام الناس أبوابنا..
وكذلك لا نأخذ ما جاء به الناس على عواهنه، إنما نُحسن الاختيار، فنضيف إليه ما نراه يحقق ذاتنا، وما نراه يحقق ديننا، ونحذف منه ما يُخالف ثوابتنا ومنهاج نبينا صلي الله عليه وسلم.
(5) البدع في عاشوراء:
أختم بكلمة عن البدعة في المحرم أو في عاشوراء بالذات..
ومن أكبر البدع التي راجت وشاعت –والآن للأسف في ظل الإعلام المفتوح- فصارت تنقل ويسمع بها ما لم يكن يسمع، ما يسمى بإقامة المآتم واللطم بسبب استشهاد سيد شباب أهل الجنة (الإمام الحسين رضي الله عنه)..
هذا أمر لا أصل له شرعًا، ولا معنى له عقلًا، ولا شيء يُرجى من ورائه.. بل مخالف مخالفة قطعية لنصوص الشريعة الواضحة.. فقد قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ»..
فالرسول تذكر اليوم الذي نصر الله فيه الحق ليرفع من همم الناس في نصرة الحق، لا ليجلس يلطم الخد.. كلا.. فهذا كله كلام غير وارد..
وفي نفس الوقت، لا ينكر أحد أن يُذكر التاريخ، وأن يُستخلص منه العبر، ولكن يجب ألا يكون ذلك على حساب الإساءة للأمة، والإساءة لرجالات الأمة؛ لأن الأمة في حاجة إلى أن تتوحد لا إلى أن تتفرق.. في حاجة إلى ذكر ما يجمعها ، لا إلى ذكر ما يفرقها، في حاجة إلى أن تتذكر لحظات النور ، ولحظات الانتصار، ولحظات الخير في التاريخ، ففي الحديث: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْعَدُوِّهِمْ.
أما أن تُحكى القصة، ويُذكر فلان باللعن، ويُذكر فلان بالسب، وتثور النفوس من هنا ومن هناك، فما أشد حاجة الأمة إلى ترك مثل هذه الأمور.. هذا من البدع المنكرة، والأمة في حاجة إلى أن تتوحد وأن تتذكر أن بينها كثيرا يجمع أكثر مما يفرق.
من البدع المحدثة أن بعض الناس، يتخذون عاشوراء مجرد عيد، لا هو مناسبة دينية يتقربون فيها إلى الله، ولا هو مناسبة للتذكر ومراجعة الدروس، إنما هو مجرد عيد فقط، ومجرد عادة يعتادون فيها تقديم هدايا معينة بشكل معين.. فتحول المعنى الذي من أجله أراد الله صيام اليوم إلى صورة هزلية..
وأشد ما ينبغي أن تعيد الأمة النصاب لمواسمها، الأوقات التي تحتاج فيها إلى ما يرفع همتها..
من الهزل أن تعيش الأمة كل المآسي التي ترونها، ثم نقلب المواسم إلى مواسم أكل وشرب واحتفالات تافهة غير هادفة، وننسى الدروس الأساسية..
هذه فرصة الأمة.. فالأمم التي ليست لديها أعياد، أو ليست لديها مناسبات لتذكير الناس، تخلق المناسبات.
والأمم التي ليس لها تاريخ تذكره، تنشئ تاريخ وتدور حوله كالأصنام..
أين نحن من ذكريات عظيمة تبعث في الأمة معاني الرجولة والإباء والشرف والنزاهة والقوة والإيمان بالرسالة، ومنها هذا اليوم العظيم؟!!
أين نحن من هذه الذكرى، التي لا بد أن نذكرها باستمرار.. مسألة الصراع.. مسألة اليقين بنصر الله.. الانفتاح على الناس وأخذ الخير والفوائد ورد الشر..
هذا ما أحببت أن أذكر به نفسي وأذكر به إخواني في هذه الليلة المباركة الكريمة، والتي أسأل الله تبارك وتعالى فيها أن يحفظ دماء أهل الإسلام، وأن ينصر الحق..
اللهم إنا نسألك في هذه الليلة الكريمة أن تحقن دماء إخواننا في فلسطين..
اللهم لا ترنا فيهم سيفين مختلفين.. اللهم لا تفجعنا بفرقتهم.. اللهم اشرح صدورنا بوحدتهم.. اللهم اشف صدورنا باجتماع كلمتهم.. اللهم لا تمكن منهم عدوهم.. اللهم لا تمكن منهم نزغات الشياطين.. اللهم لا تسلط عليهم الصهاينة الملاعين.. اللهم احفظهم من كيد أنفسهم وكيد عدوهم يا رب العالمين.. اللهم نجهم من كيد الكائدين، ومكر الماكرين.. اللهم احفظهم بحفظك، اللهم اكلأهم بكلاءتك.. اللهم احفظهم بعنايتك.. اللهم اقطع يد الشر التي تريد المكر بهم.. اللهم اقطع يد الغدر التي تريد إيقاع الفتنة بينهم.. اللهم احفظهم من كل فتنة ونجهم من كل محنة.. اللهم أخرجهم من المحنة التي هم فيها أصلب عودا وأوحد كلمة، اللهم فرح باجتماعهم ونصرهم قلوب المؤمنين، واشف بقوتهم ونصرهم صدور المؤمنين.. اللهم إنا نسألك أن تشفي غيظ قلوبنا باجتماع كلمة المؤمنين ونصر عبادك المجاهدين، وهزيمة أعدائك أعداء الملة والدين.. اللهم احقن دماء إخواننا المجاهدين في العراق وفي كل مكان.. اللهم احقن دماءهم، واستر عوراتهم، وآمن روعاتهم.. اللهم احفظهم من الشر، وأبعد عنهم سبيل المكر.. اللهم لا تجعلهم لقمة في فم أعدائهم، ولا تجعلهم طعمة سائغة لعدوهم.. اللهم احفظهم من شر من أرادهم بشر.. اللهم احفظهم من كيد من أرادهم بكيد، اللهم أحسن خلاص كل المظلومين من سجون الاحتلال وسجون الظالمين .. اللهم انصر كل حق.. اللهم انصر كل خير.. اللهم اهزم كل باطل.. اللهم اهزم كل شر.. اللهم اهزم كل مكر.. اللهم نسألك بعزك أن تنصر الحق وأهله، وأن تخذل الباطل وجنده.. اللهم أحسن خلاص المظلومين، وخذ بثأرهم ممن ظلمهم يا قوي يا متين، وانتقم لهم ممن أرادهم بالمكر.. اللهم امكر لدينك وأوليائك الصالحين، ولا تمكر بهم يا علي يا عظيم.. اللهم خذِّل عن عبادك المؤمنين، ولا تخذلهم يا قوي يا متين.. اللهم مكن لهم من قلوب العباد، ومكن لدعوتك في أقطار البلاد، ومكن لدينك أن يسود، ومكن لشرعك أن يملأ الدنيا خيرا، وأن يملأ الحياة بهجة ونورا..
اللهم نسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تمكن لدينك في الأرض حتى يشيع الخير والفضل، وحتى تشيع الفضيلة، وحتى ينمحي الشر وتنمحي الرذيلة.. اللهم انشر الحق وانصره.. اللهم انصر الحق وانشره.. اللهم اخذل الباطل وأزهقه، بحولك وقوتك يا رب العالمين.. اللهم استجب وتقبل يا كريم.
وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..
المصدر
- مقال:عاشوراء دروس وعبر (3-3)موقع:الشبكة الدعوية