يوسف القرش مفتاح قضية 1965
عطية المتولي محمد القرش (الشهير بيوسف القرش) اسم لا يجهله أحد على الرغم أنه عاش دون أن يعرفه أحد حتى كانت أحداث 1965م في مصر كونه كان بداية الخيط في فك شفرة تنظيم 1965م.
ففي قرية سنفا بمركز ميت غمر محافظة الدقهلية بمصر ولد الأستاذ يوسف القرش في 5 مارس 1928 (وهو نفس الشهر والعام الذي نشأة فيه دعوة الإخوان المسلمين).
نشأ يتيما بعدما فقد والده مبكرا، وعلى إثر ذلك انتقل مع والدته وشقيقه الذي يصغره بعامين إلى بيت جده لوالدته ليتربى فيه، ولم يكمل تعليمه ومن ثم اتجه إلى التجارة.
بين الإخوان
تعرف على دعوة الإخوان المسلمين عام 1947م وهو نفس العام الذي تزوج فيه من شريكة حياته التي تحملت معه المحن والاعتقال.
بعدما تعرف يوسف القرش على الدعوة ترجمها عمليا حينما نادى منادى الجهاد للدفاع عن فلسطين فسجل اسمه ضمن المتطوعين لولا تدخل جده، ومع ذلك قام برحلة فيها مغامرة للسفر غير أن بطش الحكومة النقراشية منع سفر دفعة جديدة من المتطوعين.
تعرض للمحنة عام 1948م غير أن القدر حفظه من الاعتقال، كما حفظه أيضا من اعتقال عام 1954م لكونه ليس من الإخوان المشهورين في مكانه.
مفتاح تنظيم 1965م
رغم حياته في ميت غمر إلا أنه أصبح حديث العالم بعدما جرت وقائع القبض على أفراد تنظيم عام 1965م.
كان يوسف القرش على موعد مع احداث محنة 1965م والتي كانت بداية الخيط من عنده، حيث تبدأ القصة في قرية سنفا حين قام الحاج يوسف القرش والذي كان بقال القرية بإعطاء بعض الزبائن وهو سالم شاهين شاهين بعض البضائع بالآجل وحين كثرت عليه الديون عرض عليه أن يرهن عنده قنبلتين جاء بهم اخوه من حرب اليمن، لكن كان ابن العمده بالمرصاد ليوسف لنشاطه التجاري فأبلغ البوليس الحربي حينما علم بقصة رهن القنبلتين وكانت البداية حيث تعرض يوسف القرش للاعتقال والتعذيب الذي لم يقو عليه بشر فأخبرهم عن أسرته الإخونية ومنها حبيب عثمان أحد الإخوان وتحت التعذيب بدأ العقد ينفرط حتى جاءوا بعلي عشماوي والذي اعترف بما كان وما لم يكن.
يقول أحمد عبد المجيد:
"اكتشف تنظيم 1965م عن طريق القدر فقد كان ضمن المقبوض عليهم في قضية حسين توفيق شخص يدعي سامي عيد القادر ويعرف الأخ يوسف القرش من الإخوان، وأثناء تعذيبه اعترف علي يوسف القرش وقال إن عنده قنبلتين يدويتين، وعند ذهابهم للقبض علي يوسف القرش في قريته سنفا بمحافظة الدقهلية لم يجدوه وقيل لهم إنه عند صديقه بالقاهرة حبيب عثمان، وتم القبض علي حبيب عثمان ويوسف القرش في بالقاهرة.
وتحت التعذيب الشديد لحبيب عثمان ولمدة 15 يومًا اعترف علي أعضاء أسرته، واختفي النقيب ولم يتم القبض عليه، وانقطع الخيط، وكان هذا النقيب هو الأخ مصطفي الخضيرى ، يرحمه الله. عذب يوسف القرش عذابا شديدا، وعندما أبى أن يعترف جاءوا بزوجته وألهبوا جسدها بالسياط والكرابيج حتى اعترف زوجها.
يقول المهندس محمد الصروي:
كان بها شاب اسمه عبد اللطيف شاهين يعمل في الجيش برتبة (صول) في سلاح الصاعقة.. ذهب مع الجيش إلى اليمن عام 1962م وظل بها ثلاث سنوات حتى قُبض عليه في عام 1965م.. وابتسمت الدنيا لعبد اللطيف شاهين وكثرت أمواله، وعم الخير أهله وأقاربه، وبدأ يستعد للزواج.. وهداه تفكيره إلى الحصول على قنبلة صوتية وأخرى ضوئية لضربهما في فرحه، ولكن أخاه – مدرس الابتدائي- سالم شاهين كان كثير النفقات.. محدود الدخل.. يشرب السجائر بكثرة، واحتاج سالم شاهين إلى مزيد من النقود.. وهو يشتري سجائره وبقالته من عند أحد الإخوان، صاحب محل البقالة المجاور لهم في السكن.. واستدان منه كثيراً، ولما لم يُوف دينه عرض بيع القنابل على "يوسف القرش" لسداد ديونه.. ومن عجب أن يوسف القرش قبل الصفقة واشترى القنابل في الشارع على مرأى ومسمع من الناس.. ويستطرد صاحب البوابة السوداء في شرح هذه الواقعة تفصيلاً فيقول :
وأسرع سالم شاهين إلى محل يوسف القرش ودار بينهما الحديث التالي:
- هل تريد أن أبيعك شيئاً بدل الدين الذي عليّ ؟
- وما هو ؟
- قنبلتين.
- وتوتر يوسف القرش وانتبه:
- ماذا تقول: قنبلتان ؟
- نعم. قد أتى بهما أخي عبد اللطيف من اليمن، ويقول إنهما تحدثان صوتاً عظيماً ولا تقتلان أحداً ولا تجرحانه، هه ماذا قلت ؟
- أراهما أولاً.
- أعطني إذا سيجارة حتى أعود.
- لو أعجبتني القنابل أعطيتك السجائر.
وأسرع سالم شاهين إلى منزله وجاء بالقنبلتين، وفي طريق العودة إلى محل يوسف صار يشرح لكل من يقابله مزايا القنبلتين، وماذا تصنعان عندما يفجرهما، وأنه ذاهب ليوسف القرش ليعطيهما له بدلاً من الدين، ويعلق ساخراً لمن يتفرج على القنابل:
- أهبل وعبيط، ماذا سيفعل بهما ؟
وقبل أن يصل إلى محل يوسف القرش كانت القرية كلها قد علمت بالقصة. وكان نجل العمدة في القرية على خلاف مع يوسف القرش، ورغم هذا فهو لا يقدر على مقاطعته لأنه البقال الواحيد في القرية، وأرسل خادمه ليشتري له أربع ورقات "معسل"، وتأخر الخادم.. ولما عاد عنفه سيده، فاعتذر له بأن سبب التأخير أنه وقف يتفرج على القنابل عند الدكان، وحكى له أن يوسف أخذهما بدلاً من السبعة والتسعين قرشاً ونصف وزاد عليهما سيجارة واحدة، ووجد نجل العمدة الفرصة قد سنحت للانتقام من يوسف القرش، فأسرع إلى كاتب عمومي متخصص ليكتب البلاغ وصل إلى رئيس المدينة نكاية في يوسف القرش، ومن عجيب الصدف أن هذا البلاغ وصل إلى رئيس المدينة في اللحظة التي كان يزوره فيها واحد من أساطين المباحث الجنائية العسكرية – وكانا صديقين – فكل رؤساء المدن في تلك الأيام كانوا من حرس الثورة، إما اشتركوا فيها، أو يقومون على أمنها.
وقرأ رئيس المدينة البلاغ وضحك عالياً، وقال له صديقه من المباحث الجنائية العسكرية:
- ماذا يضحكك ؟
رد عليه رئيس المدينة وهو ما يزال يضحك:
- واحد كاتب بلاغ يقول فيه: إن فيه بقال بقرية سنفا بيتاجر في قنابل، تصور، زي ما تكون قوطه (طماطم).
وضحك الاثنان، بينما أخذ ضابط المباحث الجنائية العسكرية القصة مأخذاً جاداً، وفي هذه الليلة السوداء كان يوسف القرش معلقاً والسياط تلوشه من كل جانب، يسألونه عن الإخوان المسلمين والتمويل والتنظيم، وجاءوا بسالم شاهين، ومن اليمن طيروا عبد اللطيف شاهين، ودارت رحا العذاب هائلة قاسية مروعة، وكان ذلك في قصر عابدين، حيث مبنى المباحث الجنائية العسكرية، وأشرف يوسف القرش على الموت من الضرب بالسياط.
"وفي هذه الليلة السوداء كان يوسف القرش معلقاً والسياط تلوشه من كل جانب، يسألونه عن الإخوان المسلمين والتمويل والتنظيم، وجاءوا بسالم شاهين، ومن اليمن طيروا عبد اللطيف شاهين، ودارت رحا العذاب هائلة قاسية مروعة، وكان ذلك في قصر عابدين، حيث مبنى المباحث الجنائية العسكرية، وأشرف يوسف القرش على الموت من الضرب بالسياط.
وقد قدر لي أن أراه بعد ذلك بشهور فكأنه قد ضرب منذ ساعة فقط، كانت جروحه رطبة طازجة مازالت على حالها الأول. وفي الحقيقة بدأت مأساة الإخوان بضرب يوسف القرش في قصر عابدين حيث كان يقيم الخديوي إسماعيل وعندما يجتاز المضروب حاجز الألم فهو يقول ما يفهم وما لا يفهم، كانوا يسألونه عن الإخوان وصلته بهم، ومن
يعرفه منهم، والرجل لا يعرف كيف يجيب ولا يدرك الطريقة التي يخرج بها سالماً من هذا الجحيم
وأثناء الضرب ذكر اسماً كان الخيط لكل شيء... حبيب عثمان صاحب ورشة ميكانيكية بالقاهرة.. وما كان يوسف القرش يعلم شيئاً عن حبيب عثمان ووضعه في التنظيم الجديد، وما كان يعرف أن هناك تنظيماً جديداً، ولكنها الأقدار تجري على الناس ما تشاء.
يقول الصروي: تم وضع الحراسة على أموال وممتلكات يوسف القرش .. التي هي عبارة عن محل "بقالة" متواضع في قرية بسيطة، وبضعة قراريط من الأرض الزراعية.. و "حمار" . .وبهذا دخل " حمار " القرش التاريخ.. وعينت الحكومة حارساً قضائياً على "حمار" القرش.. وصارت له ميزانية في الدولة.
لم يقتصر الاعتقال على يوسف بل اعتقلوا زوجته هي أيضا وعذبوها عذابا شديدا داخل السجن، وظلت فترة حتى افرج عنها ومات عبد الناصر فخرج يوسف القرش.
حكم على الحاج عطية متولي محمد القرش (الشهير بيوسف القرش) (بطل مسرحية قرية سنفا) بالسجن 10 سنوات، كما حكم على عبد اللطيف شاهين - مستورد القنابل المزعومة من اليمن (صول مساعد بالجيش) بالسجن 3 سنوات.
خرج يوسف القرش بعد وفاة عبدالناصر فتعاون مع إخوانه في عودة الجماعة وظل على ثباته يجوب البلاد ليعرف الشباب بتاريخ الجماعة، وحضر كثير من احتفالات الاخوان بعد ثورة يناير حتى أنهكه المرض فأقعده عن الحركة.
وفاته
رحل الحاج يوسف القرش يوم 3 فبراير 2026م الموافق 15 شعبان 1447هـ عن عمر ناهز ال 98 عاماً بعد عقود قضاها في نصرة دعوته ودينه وأمته.
رحم الله الحاج يوسف القرش وجمعنا به على خير هو وكل أعلام دعوتنا المباركة