رسائل الإمام الشهيد حسن البنا

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
بسم الله الرحمن الرحيم
رسائل الإمام الشهيد حسن البنا

الإمام الشهيد/ حسن البنا (1906م-1949م)



دعوتنا

مصـــارحة

نحب أن نصارح الناس بغايتنا ، وأن نجلي أمامهم منهجنا ، وأن نوجه إليهم دعوتنا ، في غير لبس ولا غموض ، أضوأ من الشمس وأوضح من فلق الصبح وأبين من غرة النهار.

بـــراءة

ونحب مع هذا أن يعلم قومنا – و كل المسلمين قومنا – أن دعوة الإخوان المسلمين دعوة بريئة نزيهة ، قد تسامت في نزاهتها حتى جاوزت المطامع الشخصية ، واحتقرت المنافع المادية ، وخلفت وراءها الأهواء والأغراض ، ومضت قدما في الطريق التي رسمها الحق تبارك وتعالى للداعين إليه : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف:108) . فلسنا نسأل الناس شيئا ، و لا نقتضيهم مالا ولا نطالبهم بأجر ، ولا نستزيد بهم وجاهة ، ولا نريد منهم جزاء ولا شكورا ، إن أجرنا في ذلك إلا على الذي فطرنا.

عـاطــفة

و نحب أن يعلم قومنا أنهم احب إلينا من أنفسنا ، و أنه حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداء لعزتهم إن كان فيها الفداء ، و أن تزهق ثمنا لمجدهم و كرامتهم و دينهم و آمالهم إن كان فيها الغناء، و ما أوقفنا هذا الموقف منهم إلا هذه العاطفة التي استبدت بقلوبنا و ملكت علينا مشاعرنا ، فأقضت مضاجعنا ، و أسالت مدامعنا ، و إنه لعزيز علينا جد عزيز أن نرى ما يحيط بقومنا ثم نستسلم للذل أو نرضى بالهوان أو نستكين لليأس ، فنحن نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا، فنحن لكم لا لغيركم أيها الأحباب ، و لن نكون عليكم في يوم من الأيام.

لله الفضل و المنة

و لسنا نمتن بشيء ولا نرى لأنفسنا في ذلك فضلا ، و إنما نعتقد قول الله تعالى : ( بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (الحجرات:17) .

وكم نتمنى – لو تنفع المنى – أن تتفتح هذه القلوب على مرأى و مسمع من أمتنا ، فينظر إخواننا هل يرون فيها إلا حب الخير لهم و الإشفاق عليهم و التفاني في صالحهم ؟

وهل يجدون إلا ألما مضنيا من هذا الحال التي وصلنا إليها ؟ و لكن حسبنا أن الله يعلم ذلك كله ، و هو وحده الكفيل بالتأييد الموفق للتسديد، بيده أزمة القلوب و مفاتيحها ، من يهد الله فلا مضل له و من يضلل الله فلا هادي له و هو حسبنا و نعم الوكيل . أليس الله بكاف عبده؟

أصناف أربعة

و كل الذي نريده من الناس أن يكونوا أمامنا واحدا من أربعة :

مؤمـن :

إما شخص آمن بدعوتنا و صدق بقولنا و أعجب بمبادئنا ، و رأى فيها خيرا اطمأنت إليه نفسه ، و سكن له فؤاده ، فهذا ندعوه أن يبادر بالانضمام إلينا و العمل معنا حتى يكثر به عدد المجاهدين و يعلوا بصوته صوت الداعين ، و لا معنى لإيمان لا يتبعه عمل ، و لا فائدة في عقيدة لا تدفع صاحبها إلى تحقيقها و التضحية في سبيلها ، و كذلك كان السابقون الأولون ممن شرح الله صدورهم لهدايته فاتبعوا أنبيائه و آمنوا برسالاته و جاهدوا فيه حق جهاده ، و لهؤلاء من الله أجزل الأجر و أن يكون لهم مثل ثواب من اتبعوهم لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا.

متـردد  :

وإما شخص لم يستبين وجه الحق ، و لم يتعرف في قولنا معنى الإخلاص و الفائدة ، فهذا نتركه لتردده و نوصيه بأن يتصل بنا عن كثب ، و يقرأ عنا من قريب أو بعيد ، و يطالع كتاباتنا و يزور أنديتنا و يتعرف إلى إخواننا ، فسيطمئن بعد ذلك لنا إن شاء الله ، و كذلك كان شأن المترددين من أتباع الرسل من قبل .

نفـعي :

وإما شخص لا يريد أن يبذل معونته إلا إذا عرف ما يعود عليه من فائدة و ما يجره هذا البذل له من مغنم فنقول له : حنانيك ليس عندنا من جزاء إلا ثواب الله إن أخلصت ، و الجنة إن علم فيك خيرا ، أما نحن فمغمورون جاها فقراء مالا ، شأننا التضحية بما معنا و بذل ما في أيدينا ، و رجاؤنا رضوان الله سبحانه و تعالى و هو نعم المولى و نعم النصير ، فإن كشف الله الغشاوة عن قلبه و أزاح كابوس الطمع عن فؤاده فسيعلم أن ما عند الله خير و أبقى ، و سينضم إلى كتيبة الله ليجود بما معه من عرض الحياة الدنيا لينال ثواب الله في العقبى ، و ما عندكم ينفد و ما عند الله باق , و إن كانت الأخرى فالله عني عمن لا يرى لله الحق الأول في نفسه و ماله و دنياه و آخرته و موته و حياته , و كذلك كان شأن قوم من أشباهه حين أبوا مبايعة رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا أن يجعل لهم الأمر من بعده , فما كان جوابه صلى الله عليه و سلم إلا أن أعلمهم أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده , و العاقبة للمتقين

متحامـل :

و إما شخص أساء فينا ظنه و أحاطت بنا شكوكه ، فهو لا يرانا إلا بالمنظار الأسود القاتم ، و لا يتحدث عنا إلا بلسان المتحرج المتشكك ، و يأبى إلا أن يلج في غروره و يسدر في شكوكه و يظل مع أوهامه ، فهذا ندعو الله لنا و له أن يرينا الحق حقا و يرزقنا اتباعه و الباطل باطلا و يرزقنا اجتنابه ، و أن يلهمنا و إياه الرشد ، ندعوه إن قبل الدعاء و نناديه إن أجاب النداء و ندعو الله فيه و هو أهل الرجاء ، و لقد أنزل الله على نبيه الكريم في صنف من الناس :(إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (القصص:56) .

وهذا سنظل نحبه و نرجو فيئه إلينا و اقتناعه بدعوتنا ، و إنما شعارنا معه ما أرشدنا إليه المصطفى صلى الله عليه و سلم من قبل : (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).

نحب أن يكون الناس معنا واحدا من هؤلاء ، و قد حان الوقت الذي يجب فيه على المسلم أن يدرك غايته و يحدد وجهته ، و يعمل لهذه الوجهة حتى يصل إلى غايته المنشودة ، أما تلك الغفلة السادرة و الخطرات اللاهية و القلوب الساهية و الانصياع الأعمى و اتباع كل ناعق فما هو من سبيل المؤمنين في شيء .

فــنـاء

و نحب أن يعلم قومنا إلى جانب هذا أن هذه الدعوة لا يصلح لها إلا من حاطها من كل جوانبها و وهب لها ما تكلفه إياه من نفسه و ماله و وقته و صحته ، قال تعالى : (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة:24) .

فهي دعوة لا تقبل الشركة إذ أن طبيعتها الوحدة فمن استعد لذلك فقد عاش بها و عاشت به ، و من ضعف عن هذا العبء فسيحرم ثواب المجاهدين و يكون مع المخلفين و يقعد مع القاعدين ، و يستبدل الله لدعوته به قوما آخرين (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) (المائدة:54) .

وضــوح

نحن ندعو الناس إلي (مبدأ) .. مبدأ واضح محدود مسلم به منهم جميعاً ، هم جميعاً يعرفونه ويؤمنون به ويدينون بأحقيته ويعلمون أن فيه خلاصهم وإسعادهم وراحتهم ... مبدأ أثبتت التجربة وحكم التاريخ صلاحيته للخلود وأهليته لإصلاح الوجود .

إيمانان

والفرق بيننا وبين قومنا بعد اتفاقنا في الإيمان بهذا المبدأ أنه عندهم إيمان مخدر نائم في نفوسهم لا يريدون أن ينزلوا علي حكمه ولا أن يعملون بمقتضاه ، علي حين أنه إيمان ملتهب مشتعل قوي يقظ في نفوس الإخوان المسلمين . ظاهرة نفسية عجيبة نلمسها ويلمسها غيرنا في نفوسنا نحن الشرقيين أن نؤمن بالفكرة إيمانا يخيل للناس حين نتحدث إليهم عنا أنها ستحملنا علي نسف الجبال وبذل النفس والمال واحتمال المصاعب ومقارعة الخطوب حتى ننتصر بها أو تنتصر بنا ، حتى إذا هدأت ثائرة الكلام وانفض نظام الجمع نسي كل إيمانه وغفل عن فكرته ، فهو لا يفكر في العمل لها ولا بحدث نفسه بأن يجاهد أضعف الجهاد في سبيلها ، بل إنه قد يبالغ في هذه الغفلة وهذا النسيان حتى يعمل علي ضدها وهو يشعر أو لا يشعر ؟ أولست تضحك عجباً حين تري رجلاً من رجال الفكر والعمل والثقافة في ساعتين اثنتين متجاورتين من ساعات النهار ملحداً مع الملحدين وعابداً مع العابدين ! .

هذا الخور أو النسيان أو الغفلة أو النوم أو قل ما شئت هو الذي جعلنا نحاول أن نوقظ (مبدأنا) وهو هو المبدأ المسلم به من قومنا في نفوس هؤلاء القوم المحبوبين .

دعــــوات

وإذن سأعود إلي أول كلمتي فأقول إن دعوة الإخوان المسلمين دعوة مبدأ ، وفي الشرق والغرب اليوم دعوات ومبادئ وفكر ومذاهب وآراء ومنازع كلها تتقسم عقول الناس وتتنازع ألبابهم ، وكل منها يزينه أهله ويقوم بالدعاية له أبناؤه وأتباعه وعشاقه ومريدوه ، ويدعون له المزايا والمحاسن ويبالغون في هذا الادعاء ما يبرزه للناس جميلاً خلاباً رائعاً .

دعاة

والدعاة اليوم غيرهم بالأمس فهم مثقفون مجهزون مدربون أخصائيون - ولا سيما في البلاد الغربية - حيث تختص بكل فكرة كتيبة مدربة توضح غامضها وتكشف عن محاسنها وتبتكر لها وسائل النشر وطرائق الدعاية ، وتتلمس لها في نفوس الناس أيسر السبل وأهونها وأقربها إلي الاقتناع والاتباع .

وســـائـل

و وسائل الدعاية الآن غيرها بالأمس كذلك , فقد كانت دعاية الأمس كلمة تلقى في خطبة أو اجتماع أو كلمة تكتب في رسالة أو خطاب , أما الآن فنشرات و مجلات و جرائد و رسالات و مسارح و خيالات و حاك و مذياع , و قد ذلل ذلك كله سبل الوصول إلى قلوب الناس جميعهم , نساء و رجالا في بيوتهم و متاجرهم و مصانعهم و مزارعهم.

لهذا كان من واجب أهل الدعوة أن يحسنوا تلك الوسائل جميعا حتى يأتي عملهم بثمرته المطلوبة و مالي و لهذا الاستطراد ؟ سأعود مرة ثانية فأقول إن العالم الآن في حال تخمة بالدعوات ما بين سياسية و قومية و وطنية و اقتصادية و عسكرية و سلمية , فأين دعوة الإخوان المسلمين من هذا المزيج المركب كله ؟

سيدعوني ذلك أن أتكلم في أمرين : أولهما هيكل دعوتنا الإيجابي المجرد , ثم بعد ذلك موقفها من كل نوع من أنواع الدعوات .

لا تؤاخذني بهذا الاستطراد فقد أخذت على نفسي أن اكتب في كما أتحدث , و أن أتناول موضوعي بهذا اللون من ألوان الكتابة في غير تكلف ولا عناء , و إنما أريد أن يفهمني كما الناس أنا و يصل كلامي إلى نفوسهم خاليا من التزويق و التقسيم.

إســلامـنا

اسمع يا أخي : دعوتنا دعوة أجمع ما توصف به أنها ( إسلامية ) و لهذه الكلمة معنى واسع غير ذلك المعنى الضيق الذي يفهمه الناس، فإنا نعتقد أن الإسلام معنى شامل ينتظم شؤون الحياة جميعا، و يفتي في كل شأن منها و يضع له نظاما محكما دقيقا، و لا يقف مكتوفا أمام المشكلات الحيوية و النظم التي لا بد منها لإصلاح الناس. فهم بعض الناس خطأ أن الإسلام مقصور على ضروب من العبادات أو أوضاع من الروحانية، و حصروا أنفسهم و أفهامهم في هذه الدوائر الضيقة من دوائر الفهم المحصور.

و لكنا نفهم الإسلام على غير هذا الوجه فهما فسيحا واسعا ينتظم شؤون الدنيا و الآخرة ، و لسنا ندعي هذا ادعاء أو نتوسع فيه من أنفسنا ، و إنما هو ما فهمناه من كتاب الله و سيرة المسلمين الأولين، فإن شاء القارئ أن يفهم دعوة الإخوان بشيء أوسع من كلمة إسلامية فليمسك بمصحفه و ليجرد نفسه من الهوى و الغاية ثم يتفهم ما عليه القرآن فسيرى في ذلك دعوة الإخوان.

أجل : دعوتنا إسلامية ، بكل ما تحتمل الكلمة من معان ، فافهم فيها ما شئت بعد ذلك و أنت في فهمك هذا مقيد بكتاب الله و سنة رسوله و سيرة السلف الصالحين من المسلمين ، فأما كتاب الله فهو أساس الإسلام و دعامته و أما سنة نبيه فهي مبينة الكتاب و شارحته و أما سيرة السلف الصالح فهم رضوان الله عليهم منفذو أوامره و الآخذون بتعاليمه و هم المثل العملية و الصورة الماثلة لهذه الأوامر و التعاليم. موقفنا من الدعوات المختلفة.

و موقفنا من الدعوات المختلفة التي طغت في هذا العصر ففرقت القلوب و بلبلت الأفكار أن نزنها بميزان دعوتنا فما وافقها فمرحبا به و ما خالفها فنحن براء منه و نحن مؤمنون بأن دعوتنا عامة محيطة لا تغادر جزءا صالحا من أية دعوة إلا ألمت به و أشارت إليه.

الوطنية

افتتن كثير من الناس بدعوة الوطنية تارة و القومية تارة أخرى و بخاصة في الشرق حيث تشعر الشعوب الشرقية بإساءة الغرب إليها إساءة نالت من عزتها و كرامتها و استقلالها و أخذت من مالها و من دمها و حيث تتألم هذه الشعوب من هذا النير الغربي الذي فرض عليها فرضا , فهي تحاول الخلاص منه بكل ما في و سعها من قوة و منعة و جهاد و جلاد , فانطلقت ألسن الزعماء و سالت انهار الصحف , و كتب الكاتبون و خطب الخطباء و هتف الهاتفون باسم الوطنية و جلال القومية.

حسن ذلك و جميل و لكن من غير الحسن وغير الجميل أنك تحاول إفهام الشعوب الشرقية و هي مسلمة أن ذلك في الإسلام بأوفى وأزكى و أسمى و أنبل مما هو في أفواه الغربيين و كتابات الأوروبيين أبوا ذلك عليك و لجوا في تقليدهم يعمهون , و زعموا لك أن الإسلام من ناحية و هذه الفكرة من ناحية أخرى ، و ظن بعضهم أن ذلك مما يفرق وحدة الأمة و يضعف رابطة الشباب

هذا الوهم الخاطئ كان خطرا على الشعوب الشرقية من كل الوجهات و بهذا الوهم أحببت أن أعرض هنا إلى موقف الإخوان المسلمين و دعوتهم من فكرة الوطنية و ذلك الموقف الذي ارتضوه لأنفسهم و الذي يريدون و يحاولون أن يرضاه الناس معهم .

وطنية الحنين

إن كان دعاة الوطنية يريدون بها حب هذه الأرض، وألفتها والحنين إليها والانعطاف حولها، فذلك أمر مركوز في فطر النفوس من جهة، مأمور به في الإسلام من جهة أخرى، وإن بلالا الذي ضحى بكل شيء في سبيل عقيدته، ودينه هو بلال الذي كان يهتف في دار الهجرة بالحنين إلى مكة في أبيات تسيل رقة وتقطر حلاوة: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذ خر وجليـل وهل أردن يوما مياه مجـنة وهل يبدون لي شامة وطفيل

ولقد سمع رسول ص وصف مكة من أصيل فجرى دمعه حنينا إليها وقال: (يا أصيل دع القلوب تقر).

وطنية الحرية والعزة

وإن كانوا يريدون أن من الواجب العمل بكل جهد في تحرير الوطن من الغاصبين وتوفير استقلاله، وغرس مبادئ العزة والحرية في نفوس أبنائه، فنحن معهم في ذلك أيضا وقد شدد الإسلام في ذلك أبلغ التشديد، فقال تبارك وتعالى: (وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) (المنافقون:8) ، ويقول: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (النساء:141) .

وطنية المجتمع

وإن كانوا يريدون بالوطنية تقوية الرابطة بين أفراد القطر الواحد، وإرشادهم إلى طريق استخدام هذه التقوية في مصالحهم، فذلك نوافقهم فيه أيضا ويراه الإسلام فريضة لازمة، فيقول نبيه صلى الله عليه وسلم : (وكونوا عباد الله إخوانا) , ويقول القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (آل عمران:118) .

وطنية الفتح

وإن كانوا يريدون بالوطنية فتح البلاد وسيادة الأرض فقد فرض ذلك الإسلام ووجه الفاتحين إلى أفضل استعمار وأبرك فتح، فذلك قوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ) (البقرة:193).

وطنية الحزبية

و إن كانوا يريدون بالوطنية تقسيم الأمة إلى طوائف تتناحر و تتضاغن و تتراشق بالسباب و تترامى بالتهم و يكيد بعضها لبعض , و تتشيع لمناهج وضعية أملتها الأهواء و شكلتها الغايات و الأعراض و فسرتها الأفهام و فق المصالح الشخصية , و العدو يستغل كل ذلك لمصلحته و يزيد وقود هذه النار اشتعالا يفرقهم في الحق و يجمعهم على الباطل , و يحرم عليهم اتصال بعضهم ببعض و تعاون بعضهم مع بعض و يحل لهم هذه الصلة به و الالتفات حوله فلا يقصدون إلا داره و لا يجتمعون إلا زواره , فتلك وطنية زائفة لا خير فيها لدعاتها و لا للناس

فها أنت ذا قد رأيت أننا مع دعاة الوطنية , بل مع غلاتهم في كل معانيها الصالحة التي تعود بالخير على البلاد و العباد , و قد رأيت مع هذا أن تلك الدعوى الوطنية الطويلة العريضة لم تخرج عن أنها جزء من تعاليم الإسلام

حدود وطنيتنا

أما وجه الخلاف بيننا وبينهم فهو أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية , فكل بقعة فيها مسلم يقول ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) وطن عندنا له حرمته و قداسته و حبه و الإخلاص له و الجهاد في سبيل خيره , و كل المسلمين في هذه الأقطار الجغرافية أهلنا و إخواننا نهتم لهم و نشعر بشعورهم و نحس بإحساسهم .

ودعاة الوطنية فقط ليسوا كذلك فلا يعنيهم إلا أمر تلك البقعة المحدودة الضيقة من رقعة الأرض ، ويظهر ذلك الفارق العملي فيما إذا أرادت أمة من الأمم أن تقوى نفسها على حساب غيرها فنحن لا نرضى ذلك على حساب أي قطر إسلامي ، وإنما نطلب القوة لنا جميعا ، ودعاة الوطنية المجردة لا يرون في ذلك بأسا، ومن هنا تتفكك الروابط وتضعف القوى ويضرب العدو بعضهم ببعض .

غاية وطنيتنا

هذه واحدة . والثانية أن الوطنيين فقط ، جل ما يقصدون إليه تخليص بلادهم فإذا ما عملوا لتقويتها بعد ذلك اهتموا بالنواحي المادية كما تفعل أوربا الآن ، أما نحن فنعتقد أن المسلم في عنقه أمانة عليه أن يبذل نفسه ودمه وماله في سبيل أدائها تلك هداية البشر بنور الإسلام , و رفع علمه خفاقا في كل ربوع الأرض , لا يبغي بذلك مالا و لا جاها و سلطاننا على أحد و لا استعبادا لشعب , و إنما يبغي وجه الله وحده و إسعاد العالم بدينه و إعلاء كلمته , و ذلك ما حدا بالسلف الصالحين رضوان الله عليهم إلى هذه الفتوح القدسية التي أدهشت الدنيا و أربت على كل ما عرف التاريخ من سرعة و عدل ونبل و فضل .

وحدة :

وأحب أن أنبهك إلى سقوط ذلك الزعم القائل إن الجري عن هذا المبدأ يمزق وحدة الأمة التي تتألف من عناصر دينية مختلفة , فإن الإسلام و هو دين الوحدة و المساواة كفل هذه الروابط بين الجميع ما داموا متعاونين على الخير , (لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8) , فمن أين يأتي التفريق إذاً؟

أفرأيت بعد كيف أننا متفقون مع أشد الناس غلوا في الوطنية في حب الخير للبلاد و الجهاد في سبيل في سبيل تخليصها و خيرها و ارتقائها , و نعمل و نؤيد كل من يسعى في ذلك بإخلاص , بل أحب أن تعلم أن مهمتهم إن كانت تنتهي بتحرير الوطن و استرداد مجده فإن ذلك عند الإخوان المسلمين بعض الطريق فقط أو مرحلة منه واحدة و يبقى بعد ذلك أن يعملوا لترفع راية الوطن الإسلامي على كل بقاع الأرض و يخفق لواء المصحف في كل مكان .

القـومـية

و الآن سأتحدث إليك عن موقفنا من مبدأ القومية :

قومية المجد

إن كان الذين يعتزون بمبدأ "القومية" يقصدون به أن الأخلاف يجب أن ينهجوا نهج الأسلاف في مراقي المجد والعظمة ومدارك النبوغ والهمة وأن تكون لهم بهم في ذلك قدوة حسنة، وأن عظمة الأب مما يعتز به الابن ويجد لها الحماس والأريحية بدافع الصلة والوراثة، فهو مقصد حسن جميل نشجعه ونأخذ به، وهل عدتنا في إيقاظ همة الحاضرين إلا أن نحدوهم بأمجاد الماضين؟ ولعل الإشارة إلى هذا في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) , فها أنت ذا ترى أن الإسلام لا يمنع من القومية بهذا المعنى الفاضل النبيل.

قومية الأمة

وإذا قصد بالقومية أن عشيرة الرجل وأمته أولى الناس بخيره وبره وأحقهم بإحسانه وجهاده فهو حق كذلك، ومن ذا الذي لا يرى أولى الناس بجهوده قومه الذين نشأ فيهم ونما بينهم؟ لعمري لرهط المرء خير بقية عليه وإن عالوا به كل مركب

وإذا قصد بالقومية أننا جميعا مبتلون مطالبون بالعمل والجهاد، فعلى كل جماعة أن تحقق الغاية من جهتها حتى تلتقي إن شاء الله في ساحة النصر فنعم التقسيم هذا، ومن لنا بمن يحدو الأمم الشرقية كتائب كل في ميدانها حتى نلتقي جميعا في بحبوحة الحرية والخلاص؟

كل هذا وأشباهه في معنى القومية جميل معجب لا يأباه الإسلام، وهو مقياسنا، بل ينفسح صدرنا له ونحض عليه.

القومية الجاهلية

أما أن يراد بالقومية إحياء عادات جاهلية درست، وإقامة ذكريات بائدة خلت وتعفية حضارة نافعة استقرت، والتحلل من عقدة الإسلام ورباطه بدعوى القومية والاعتزاز بالجنس، كما فعلت بعض الدول في المغالاة بتحطيم مظاهر الإسلام والعروبة، حتى الأسماء وحروف الكتابة وألفاظ اللغة، وإحياء ما اندرس من عادات جاهلية، فذلك في القومية معنى ذميم وخيم العاقبة وسيئ المغبة، يؤدي بالشرق إلى خسارة فادحة يضيع معها تراثه وتنحط بها منزلته ويفقد أخص مميزاته وأقدس مظاهر شرقه ونبله، ولا يضر ذلك دين الله شيئا : (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) (محمد:38) .

قومية العدوان

وأما أن يراد بالقومية الاعتزاز بالجنس إلى درجة تؤدي إلى انتقاص الأجناس الأخرى والعدوان عليها والتضحية بها في سبيل عزة أمة وبقائها، كما تنادي بذلك ألمانيا وإيطاليا مثلا، بل كما تدعي كل أمة تنادي بأنها فوق الجميع.فهذا معنى ذميم كذلك ليس من الإنسانية في شيء، ومعناه أن يتناحر الجنس البشري في سبيل وهم من الأوهام لا حقيقة له ولا خير فيه.

دعامتان

الإخوان المسلمون لا يؤمنون بالقومية بهذه المعاني ولا بأشباهها ولا يقولون فرعونية وعربية وفينيقية وسورية ولا شيئا من هذه الألقاب والأسماء التي يتنابز بها الناس، ولكنهم يؤمنون بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الإنسان الكامل بل أكمل معلم علم الإنسان الخير: (إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى). ما أروع هذا وأجمله وأعدله، الناس لآدم فهم في ذلك أكفاء، والناس يتفاضلون بالأعمال فواجبهم التنافس في الخير، دعامتان قويمتان لو بنيت عليهما الإنسانية لارتفعت بالبشر إلى علياء السموات، الناس لآدم فهم إخوان فعليهم أن يتعاونوا وأن يسالم بعضهم بعضا، ويرحم بعضهم بعضا، ويدل بعضهم بعضا على الخير، والتفاضل بالأعمال. فعليهم أن يجتهدوا كل من ناحيته حتى ترقى الإنسانية، فهل رأيت سموا بالإنسانية أعلى من هذا السمو أو تربية أفضل من هذه التربية؟

خواص العروبة:

ولسنا مع هذا ننكر خواص الأمم ومميزاتها الخلقية، فنحن نعلم أن لكل شعب مميزاته وقسطه من الفضيلة والخلق، ونعلم أن الشعوب في هذا تتفاوت وتتفاضل، ونعتقد أن العروبة لها من ذلك النصيب الأوفى والأوفر، ولكن ليس معنى هذا أن تتخذ الشعوب هذه المزايا ذريعة إلى العدوان، بل عليها أن تتخذ ذلك وسيلة إلى تحقيق المهمة السابقة التي كلفها كل شعب، تلك هي النهوض بالإنسانية، ولعلك لست واجدا في التاريخ من أدرك هذا المعنى من شعوب الأرض كما أدركته تلك الكتيبة العربية من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

هذا استطراد اقتضاه السير في البحث و لا أحب أن أتابعه حتى لا يشط بنا القول و لكن أعود إلى ما نحن بسبيله.

رباط العقيدة

أما إذ عرفت هذا فاعلم – أيدك الله – أن الإخوان المسلمين بالنسبة إليهم قسمين : قسم اعتقد ما اعتقدوه من دين الله و كتابه و آمن ببعثه و رسوله و ما جاء به ، و هؤلاء تربطنا بهم أقدس الروابط ، رابطة العقيدة و هي عندنا أقدس من رابطة الدم و رابطة الأرض , فهؤلاء هم قومنا الأقربون الذين نحنّ إليهم ونعمل في سبيلهم و نذود عن حماهم و نفتديهم بالنفس و المال , في أي أرض كانوا و من أية سلالة انحدروا .

و قوم ليسوا كذلك و لم نرتبط معهم بعد بهذا الرباط فهؤلاء نسالمهم ما سالمونا و نحب لهم الخير ما كفوا عدوانهم عنا , و نعتقد أن بيننا و بينهم رابطة هي رابطة الدعوة , علينا أن ندعوهم إلى ما نحن عليه لنه خير الإنسانية كلها , و أن نسلك إلى نجاح هذه الدعوة ما حدد لها الدين نفسه من سبل و وسائل , فمن اعتدى علينا منهم رددنا عدوانه بأفضل ما يرد به عنوان المعتدين .

أما إذا أردت ذلك من كتاب الله فاسمع :

1 – (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات:10).

2 – (لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ , إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ) (الممتحنة:8-9) .

و لعلي أكون بذلك قد كشفت لك عن هذه الناحية من دعوتنا بما لا يدعها في نفسك ملتبسة أو غامضة , لعلك بعد ذلك عرفت إلى أي قبيل ينتسب الإخوان المسلمون

أمام الخـلافات الدينية

أتحدث إليك الآن عن دعوتنا أمام الخلافات الدينية و الآراء المذهبية.

نجمع ولا نفرق

اعلم ـ فقهك الله ـ أولا: أن دعوة الإخوان المسلمين دعوة عامة لا تنتسب إلى طائفة خاصة، ولا تنحاز إلى رأي عرف عند الناس بلون خاص ومستلزمات وتوابع خاصة، وهي تتوجه إلى صميم الدين ولبه، وتود أن تتوحد وجهة الأنظار والهمم حتى يكون العمل أجدى والإنتاج أعظم وأكبر، فدعوة الإخوان دعوة بيضاء نقية غير ملونة بلون، وهي مع الحق أينما كان، تحب الإجماع، وتكره الشذوذ وإن أعظم ما مني به المسلمون الفرقة والخلاف، وأساس ما انتصروا به الحب والوحدة. ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، هذه قاعدة أساسية وهدف معلوم لكل أخ مسلم، وعقيدة راسخة في نفوسنا، نصدر عنها وندعو إليها.

الخلاف ضروري

ونحن مع هذا نعتقد أن الخلاف في فروع الدين أمر لا بد منه ضرورة، ولا يمكن أن نتحد في هذه الفروع والآراء والمذاهب لأسباب عدة: منها اختلاف العقول في قوة الاستنباط أو ضعفه، وإدراك الدلائل والجهل بها والغوص على أعماق المعاني، وارتباط الحقائق بعضها ببعض، والدين آيات وأحاديث ونصوص يفسرها العقل والرأي في حدود اللغة وقوانينها، والناس في ذلك جد متفاوتين فلا بد من خلاف. ومنها سعة العلم وضيقه، وإن هذا بلغه ما لم يبلغ ذاك والآخر شأنه كذلك، وقد قال مالك لأبي جعفر: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار وعند كل قوم علم، فإذا حملتهم على رأي واحد تكون فتنة.

ومنها اختلاف البيئات حتى أن التطبيق ليختلف باختلاف كل بيئة، وإنك لترى الإمام الشافعي رضي الله عنه يفتي بالقديم في العراق ويفتي بالجديد في مصر، وهو في كليهما آخذ بما استبان له وما اتضح عنده لا يعدو أن يتحرى الحق في كليهما.

ومنها اختلاف الاطمئنان القلبي إلى الرواية عند التلقين لها، فبينما نجد هذا الراوي ثقة عند هذا الإمام تطمئن إليه نفسه وتطيب بالأخذ به، تراه مجروحا عند غيره لما علم عن حاله. ومنها اختلاف تقدير الدلالات فهذا يعتبر عمل الناس مقدما على حبر الآحاد مثلا، وذاك لا يقول معه به، وهكذا..

الإجماع على أمر فرعي متعذر

كل هذه أسباب جعلتنا نعتقد أن الإجماع على أمر واحد في فروع الدين مطلب مستحيل، بل هو يتنافى مع طبيعة الدين، وإنما يريد الله لهذا الدين أن يبقى ويخلد ويساير العصور، ويماشي الأزمان، وهو لهذا سهل مرن هين، لين، لا جمود فيه ولا تشديد.

نعتذر لمخالفينا:

نعتقد هذا فنلتمس العذر لمن يخالفوننا في بعض الفرعيات، ونرى أن هذا الخلاف لا يكون أبدا حائلا دون ارتباط القلوب وتبادل الحب والتعاون على الخير، وأن يشملنا وإياهم معنى الإسلام السابغ بأفضل حدوده، وأوسع مشتملاته، ألسنا مسلمين وهم كذلك؟ وألسنا نحب أن ننزل على حكم اطمئنان نفوسنا وهم يحبون ذلك؟ وألسنا مطالبين بأن نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا؟ ففيم الخلاف إذن؟ ولماذا لا يكون رأينا مجالا للنظر عندهم كرأيهم عندنا؟ ولماذا لا نتفاهم في جو الصفاء والحب إذا كان هناك ما يدعو إلى التفاهم؟ هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخالف بعضهم بعضا في الإفتاء فهل أوقع ذلك اختلافا بينهم في القلوب؟ وهل فرق وحدتهم أو فرق رابطتهم؟ اللهم لا وما حديث صلاة العصر في قريظة ببعيد.

وإذا كان هؤلاء قد اختلفوا وهم أقرب الناس عهدا بالنبوة وأعرفهم بقرائن الأحكام، فما بالنا نتناحر في خلافات تافهة لا خطر لها؟ وإذا كان الأئمة وهم أعلم الناس بكتاب الله وسنة رسوله قد اختلف بعضهم مع بعض وناظر بعضهم بعضا، فلم لا يسعنا ما وسعهم؟ وإذا كان الخلاف قد وقع في أشهر المسائل الفرعية وأوضحها كالأذان الذي ينادى به خمس مرات في اليوم الواحد، ووردت به النصوص والآثار، فما بالك في دقائق المسائل التي مرجعها إلى الرأي والاستنباط؟

وثم أمر آخر جدير بالنظر، إن الناس كانوا إذا اختلفوا رجعوا إلى (الخليفة) وشرطه الإمامة، فيقضي بينهم ويرفع حكمه الخلاف، أما الآن فأين الخليفة؟ وإذا كان الأمر كذلك فأولى بالمسلمين أن يبحثوا عن القاضي، ثم يعرضوا قضيتهم عليه، فإن اختلافهم من غير مرجع لا يردهم إلا إلى خلاف آخر.

يعلم الإخوان المسلمون كل هذه الحيثيات، فهم لهذا أوسع الناس صدرا مع مخالفيهم، ويرون أن مع كل قوم علما، وفي كل دعوة حقا وباطلا، فهم يتحرون الحق ويأخذون به، ويحاولون في هوادة ورفق إقناع المخالفين بوجهة نظرهم. فإن اقتنعوا فذاك، وإن لم يقتنعوا فإخوان في الدين، نسأل الله لنا ولهم الهداية.

ذلك منهاج الإخوان المسلمين أمام مخالفيهم في المسائل الفرعية في دين الله يمكن أن أجمله لك في أن الإخوان يجيزون الخلاف، ويكرهون التعصب للرأي، ويحاولون الوصول إلى الحق، ويحملون الناس على ذلك بألطف وسائل اللين والحب.

إلـى العـلاج

يا أخي : اعلم و تعلم أن مثل الأمم في قوتها و ضعفها و شبابها و شيخوختها و صحتها و سقمها مثل الأفراد سواء بسواء , فالفرد بينما تراه قويا معافى صحيحا سليما , فإذا بك تراه قد انتابته العلل و أحاطت به السقام و هدّت بنيته القوية الأمراض و الآلام , و لا يزال يشكو و يئن حتى تتداركه رحمة الله تبارك و تعالى بطبيب ماهر و نطاسي بارع يعلم موطن العلة و يحسن تشخيصها حتى و يتعرف موضع الداء و يخلص في علاجه , فإذا بك بعد حين ترى هذا المريض و قد عادت إليه قوته و رجعت إليه صحته , ربما كان بعد هذا العلاج خيرا من قبله .

قل مثل هذا في الأمم تماما , تعترضها حوادث الزمن بما يهدد كيانها و يصدع بنيانها و يسري في مظاهر قوتها سريان الداء , و لا يزال يلح عليها و يتشبث بها حتى ينال منها فتبدو هزيلة ضعيفة يطمع فيها الطامعون و ينال منها الغاصبون فلا تقوى على رد غاصب و لا تمنع من مطامح طامح , و علاجها إنما يكون بأمور ثلاثة : معرفة موطن الداء ,و الصبر على آلام العلاج , و النطاسي الذي يتولى ذلك حتى يحقق اله على يديه الغاية و يتمم الشفاء و الظفر .

الأعــراض

و قد علمتنا التجارب و عرفتنا الحوادث أن داء هذه الأمم الشرقية متشعب المناحي كثير الأعراض قد نال من كل مظاهر حياتها , فهي مصابه في ناحيتها السياسية بالاستعمار من جانب أعدائها , و الحزبية و الخصومة و الفرقة و الشتات من جانب أبنائها , و في ناحيتها الاقتصادية بانتشار الربا بين كل طبقاتها و استيلاء الشركات الأجنبية على مواردها و خيراتها , و هي مصابة من الناحية الفكرية بالفوضى و المروق و الإلحاد يهدم عقائدها و يحطم المثل العليا في نفوس أبنائها , و في ناحيتها الاجتماعية بالإباحية في عاداتها و أخلاقها و التحلل من عقدة الفضائل ورثتها عن الغر الميامين من أسلافها و بالتقليد الغربي يسري في مناحي حياتها سريان لعاب الأفاعي فيسمم دمائها و يعكر صفو هنائها و بالقوانين الوضعية التي لا تزجر مجرما و لا تؤدب معتديا و لا ترد ظالما , و لا تغني يوما من الأيام غناء القوانين السماوية التي وضعها خالق الخلق و مالك الملك و رب النفوس و بارئها , و بفوضى في سياسة التعليم و التربية تحول دون التوجيه الصحيح لنشئها و رجال مستقبلها و حملة أمانة النهوض بها , و في ناحيتها النفسية بيأس قاتل و خمول مميت و جبن فاضح و ذلة حقيرة و خنوثة فاشية و شح و أنانية تكف الأيدي عن البذل و تقف حجابا دون التضحية و تخرج الأمة من صفوف المجاهدين إلى اللاهين اللاعبين .

وماذا يرجى من أمة اجتمعت على غزوها كل هذه العوامل بأقوى مظاهرها و أشد أعراضها: الاستعمار و الحزبية , و الربا و الشركات الأجنبية , و الإلحاد و الإباحية و فوضى التعليم و التشريع , و اليأس و الشح , و الخنوثة و الجبن , و الإعجاب بالخصم إعجابا يدعو إلى تقليده في كل ما صدر عنه و بخاصة في سيئات أعماله .

إن داء واحدا من هذه الأدواء يكفي لقتل أمم متظاهرة , فكيف و قد تفشت جميعا في كل أمة على حدة ؟ لولا مناعة و حصانة و جلادة و شدة في هذه الأمم الشرقية التي جاذبها خصومها حبل العداء من بعيد , و دأبوا على تلقيحها بجراثيم هذه الأمراض زمنا طويلا حتى باضت و أفرخت , لولا ذلك لعفت آثارها و لبادت من الوجود , و لكن يأبى الله ذلك و المؤمنون .

يا أخي : هذا هو التشخيص الذي يلمسه الإخوان في أمراض هذه الأمة , و هذا هو الذي يعملون في سبيل أن يبرئها منه و يعيد إليها ما فقدت من صحة و شباب .

أمل و شعور

أحب أن تعلم يا أخي أننا لسنا يائسين من أنفسنا و أننا نأمل خيرا كثيرا و نعتقد أنه لا يحول بيننا و بين النجاح إلا هذا اليأس ، فإذا قوي الأمل في نفوسنا فسنصل إلى خير كثير إن شاء الله تعالى، لهذا نحن لسنا يائسين و لا يتطرق إلى قلوبنا و الحمد لله.

و كل ما حولنا يبشر بالأمل رغم تشاؤم المتشائمين، إنك إذا دخلت على مريض فوجدته تدرج من كلام إلى صمت ومن حركة إلى سكون شعرت بقرب نهايته و عسر شفائه و استفحال دائه ، فإذا انعكس الأمر وأخذ يتدرج من صمت إلى كلام و من همود إلى حركة شعرت بقرب شفائه و تقدمه في طريق الصحة والعافية. و لقد أتى على هذه الأمم الشرقية حين من الدهر جمدت فيه حتى ملها الجمود وسكنت حتى أعياها السكون و لكنها الآن تغلي غليانا بيقظة شاملة في كل مناحي الحياة، وتضطرم اضطراما بالمشاعر الحية القوية و الأحاسيس العنيفة. و لولا ثقل القيود من جهة والفوضى في التوجيه من جهة أخرى لكان لهذه اليقظة أروع الآثار، و لن تظل هذه القيود قيودا أبد الدهر فإنما الدهر قلب، و ما بين طرفة عين و انتباهتها يغير الله من حال إلى حال، و لن يظل الحائر حائرا فإنما بعد الحيرة هدى و بعد الفوضى استقرار ، ولله الأمر من قبل ومن بعد .

لهذا لسنا يائسين أبدا , و آيات الله تبارك و تعالى و أحاديث رسوله صلى اله عليه و سلم وسنته تعالى في تربية الأمم وإنهاض الشعوب بعد أن تشرف على الفناء , و ما قصه علينا في كتابه , كل ذلك ينادينا بالأمل الواسع , و يرشدنا إلى طريق النهوض و لقد علم المسلون – لو يتعلمون - .

و إنك لتقرأ الآية الكريمة في أول سورة القصص: (طسم , تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ , نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ , إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ , وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ , وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص:1-6) .

تقرأ هذه الآية الكريمة فترى كيف يطغى الباطل في صولته و يعتز بقوته، و يطمئن إلى جبروته و يغفل عن عين الحق التي ترقبه، حتى إذا فرح بما أوتي أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، و أبت إرادة الله إلا أن تنتصر للمظلومين و تأخذ بناصر المهضومين المستضعفين فإذا الباطل منهار من أساسه و إذا الحق قائم البنيان متين الأركان وإذا أهله هم الغالبون ، وليس بعد هذه الآية الكريمة وأمثالها من آيات كتاب الله عذر في اليأس والقنوط لأمة من أمم الإسلام تؤمن بالله ورسوله وكتابه. فمتى يتفقه المسلمون في كتاب الله ؟

لمثل هذا يا أخي وهو كثير في دين الله لم ييأس الإخوان المسلمون من أن ينزل نصر الله على هذه الأمم رغم ما يبدوا أمامها من عقبات ، وعلى ضوء هذا الأمل يعملون عمل الآمل المجد و الله المستعان.

أما الوسيلة التي وعدتك الكلام عليها فهي أركان ثلاثة تدور عليها فكرة الإخوان:

أولها_ المنهاج الصحيح: وقد وجده الإخوان في كتاب الله و سنة رسوله و أحكام الإسلام حين يفهمها المسلمون على وجهها غضة نقية بعيدة عن الدخائل و المفتريات فعكفوا على دراسة الإسلام على هذا الأساس دراسة سهلة واسعة مستوعبة.

و ثانيها_ العاملون المؤمنون: و لهذا أخذ الإخوان أنفسهم بتطبيق ما فهموه من دين الله تطبيقا لا هوادة فيه و لا لين، و هم بحمد الله مؤمنون بفكرتهم مطمئنون لغايتهم واثقون بتأييد الله إياهم ما داموا له يعملون و على هدي رسوله يسيرون.

و ثالثها_ القيادة الحازمة الموثوق بها: و قد وجدها الإخوان المسلمون كذلك، فهم لها مطيعون و تحت لوائها يعملون.

هذا ما أردت أن أتحدث به إليك عن دعوتنا و هو تعبير له تعبير، و أنت يوسف هذه الأحلام، فإن راقك ما نحن عليه فيدك مع أيدينا لنعمل سويا في هذا السبيل و الله و لي توفيقنا و هو حسبنا و نعم الوكيل فنعم المولى و نعم النصير.

إلى أي شيء ندعو الناس؟

تمـهـيد

قد تتحدث إلى كثير من الناس في موضوعات مختلفة فتعتقد أنك قد أوضحت كل الإيضاح و أبنت كل الإبانة , و أنك لم تدع سبيلا للكشف عما في نفسك إلا سلكتها , حتى تركت من تحدثهم على المحجة البيضاء و جعلت لهم ما تريد بحديثك من الحقائق كفلق الصبح أو كالشمس في رابعة النهار كما يقولون , و ما أشد دهشتك بعد قيل حين ينكشف لك أن القوم لم يفهموا عنك و لم يدركوا قولك .

رأيت ذلك مرات و لمسته من عدة مواقف , و اعتقد أن السر فيه لا يعدوا أحد أمرين : إما أن الذي يقيس به كل منا و ما يسمع عنه مختلف , فيختلف تبعا لذلك الفهم و الإدراك , و إما أن يكون القول في ذاته ملتبسا غامضا و إن اعتقد قائله أنه واضح مكشوف .

المقياس

و أنا أريد في هذه الكلمة أن أكشف للناس عن دعوة الإخوان المسلمين و غايتها و مقاصدها و أساليبها و وسائلها في صراحة و وضوح و في بيان و جلاء , و أحب أولا أن أحدد المقياس الذي نقيس به هذا التوضيح , و سأجتهد في أن يكون القول سهلا ميسورا لا يتعذر فهمه على قارئ يحب أن يستفيد , و أظن أن أحدا من الأمة الإسلامية جميعا لا يخالفني في أن يكون هذا المقياس هو كتاب الله نستقي من فيضه و نستمد من بحره و نرجع إلى حكمه .

يا قومنا

..

إن القرآن الكريم كتاب جامع جمع الله فيه أصول العقائد و أسس المصالح الاجتماعية , و كليات الشرائع الدنيوية , فيه أوامر وفيه نواه , فهل عمل المسلمون بما في القرآن فاعتقدوا و أيقنوا بما ذكر الله من المعتقدات , و فهموا ما أوضح لهم من الغايات ؟ و هل طبقوا شرائعه الاجتماعية و الحيوية على تصرفاتهم في شؤون حياتهم ؟ إن انتهينا من بحثنا أنهم كذلك فقد وصلنا معا إلى الغاية , و إن تكشف البحث عن بعدهم عن طريق القرآن و إهمالهم لتعاليمه و أوامره فاعلم أن مهمتنا أن نعود بأنفسنا و بمن تبعنا إلى هذا السبيل.

غاية الحياة في القرآن

إن القرآن حدد غايات الحياة و مقاصد الناس فيها فبين أن قوما غايتهم من الحياة الكل و المتعة فقال تبارك و تعالى : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ) (محمد:12) .

و بين أن قوما مهمتهم في الحياة الزينة و العرض الزائل فقال تبارك و تعالى : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران:14) وبين أن قوما آخرين شأنهم في الحياة إيقاد الفتن و إحياء الشرور , أولئك الذين قال الله فيهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ , وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَالله ُلاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة:204-205)

تلك مقاصد من مقاصد الناس في الحياة نزه الله المؤمنين عنها و برأهم منها و كلفهم مهمة أرقى , و ألقى على عاتقهم واجبا أسمى ذلك الواجب هو: هداية الناس إلى الحق , و إرشاد الناس جميعا إلى الخير , و إنارة العالم كله بشمس الإسلام فذلك قوله تبارك و تعالى :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ , وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ و َتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحج:77-78). ‏ و معنى هذا أن القرآن الكريم يقيم المسلمين أوصياء على البشرية القاصرة , و يعطيهم حق الهيمنة و السيادة على الدنيا لخدمة هذه الوصاية النبيلة و إذا فذلك من شأننا لا من شأن الغرب و لمدنية الإسلام لا لمدنية المادة .

وصاية المسلم تضحية لا استفادة

ثم بين الله تبارك و تعالى أن المؤمن في سبيل هذه الغاية قد باع لله نفسه و ماله فليس له فيها شيء و إنما هي وقف على نجاح هذه الدعوة وإيصالها إلى قلوب الناس و ذلك قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ) (التوبة:111).

و ومن ذلك نرى المسلم يجعل دنياه وقفا على دعونه ليكسب آخرته جزاء تضحيته و من هنا كان الفاتح المسلم أستاذا يتصف بكل ما يجب أن يتحلى به الأستاذ من نور و هداية و رحمة و رأفة , وكان الفتح الإسلامي فتح تمدين و تحضير و إرشاد و تعليم , و أين هذا ما يقوم به الاستعمار الغربي الآن ؟

أين المسلمون من هذه الغاية؟

فبربك عزيزي : هل فهم المسلمون من كتاب ربهم هذا المعنى فسمت نفوسهم و رقت أرواحهم , و تحرروا من رق المادة و تطهروا من لذة الشهوات و الأهواء , و ترفعوا عن سفاسف الأمور و دنايا المقاصد , و وجهوا وجوههم للذي فطر السموات و الأرض حنفاء يعلون كلمة الله و يجاهدون في سبيله , و ينشرون دينه و يذودون عن حياض شريعته , أم هؤلاء أسرى الشهوات و عبيد الأهواء و المطامع , كل همهم لقمة لينة و مركب فاره و حلة جميلة و نومة مريحة و امرأة وضيئة و مظهر كاذب و لقب أجوف رضوا بالأماني و ابتلوا بحظوظهم و خاضوا بحار الجد دعوى فما ابتلوا و صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم : (تعس عبد الدينار , تعس عبد الدرهم , تعس عبد القطيفة)

الغاية أصل الأعمال

و بما أن الغاية هي التي تدفع إلى الطريق , و لما كانت الغاية في أمتنا غامضة مضطربة كان لابد من أن نوضح و نحدد , و أظننا وصلنا إلى كثير من التوضيح و اتفقنا على أن مهمتنا سيادة الدنيا و إرشاد الإنسانية كلها إلى نظم الإسلام الصالحة و تعاليمه التي بغيرها أن يسعد الإنسان .

مصادر غايتنا

تلك هي الرسالة التي يريد الإخوان المسلمون أن يبلغوها للناس و أن تفهمها الأمة الإسلامية حق الفهم , و تهب لإنفاذها في عزم و في مضاء , لم يبتعها الإخوان ابتداعا , و لم يختلقوها من أنفسهم , و إنما هي الرسالة التي تتجلى في كل آية من آيات القرآن الكريم , و تبدوا في غاية الوضوح في كل حديث من أحاديث الرسول العظيم صلى الله عليه و سلم و تظهر في كل عمل من أعمال الصدر الأول الذين هم المثل الأعلى لفهم الإسلام و إنفاذ تعاليم الإسلام , فإن شاء المسلمون في أن يقبلوا هذه الرسالة كان ذلك دليل الإيمان و الإسلام الصحيح , و إن رأوا فيها حرجا أو غضاضة فبيننا و بينهم كتاب الله تبارك و تعالى , حكم عدل و قول فصل يحكم بيننا و بين إخواننا و يظهر الحق لنا أو علينا (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين) (الأعراف:89).

استطراد

يتساءل كثير من إخواننا الذين أحببناهم من كل قلوبنا و وقفنا لخيرهم و العمل لمصلحتهم الدنيوية و الأخروية جهودنا و أموالنا و أرواحنا، و فنينا في هذه الغاية، غاية إسعاد أمتنا و إخواننا ، عن أموالنا و أنفسنا.

و كم أتمنى أن يطلع هؤلاء الإخوان المتسائلون على شباب الإخوان المسلمين و قد سهرت عيونهم و الناس نيام، و شغلت نفوسهم و الخليون هجع، و أكب أحدهم على مكتبه من العصر إلى منتصف الليل عاملا مجتهدا و مفكرا مجدا، و لا يزال كذلك طول شهره، حتى إذا ما انتهى الشهر جعل مورده موردا لجماعته، و نفقته نفقة لدعوته، و ماله خادما لغايته، و لسان حاله يقول: لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الله. و معاذ الله أن نمن على أمتنا فنحن منها و لها و إنما نتوسل إليها بهذه التضحية أن تفقه دعوتنا و تستجيب لندائنا.

من أين المال ؟

يتساءل هؤلاء الإخوان المحبوبون الذين يرمقون الإخوان المسلمين عن بعد و يرقبونهم عن كثب قائلين: من أين ينفقون؟ و أنى لهم المال اللازم لدعوة نجحت و ازدهرت كدعوتهم و الوقت عصيب و النفوس شحيحة؟ و إني أجيب هؤلاء بأن الدعوات الدينية عمادها الإيمان قبل المال ، و العقيدة قبل الأعراض الزائلة ، و إذا وجد المؤمن الصحيح و جدت معه وسائل النجاح جميعا، و إن في مال الإخوان المسلمين القليل الذي يقتطعونه من نفقاتهم و يقتصدونه من ضرورياتهم و مطالب بيوتهم و أولادهم، و يجودون به طيبة نفوسهم سخية به قلوبهم، يود أحدهم لو كان له أضعاف أضعاف فينفقه في سبيل الله ، فإذا لم يجد بعضهم شيئا تولوا و أعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون. في هذا المال القليل و الإيمان الكبير و لله الحمد و العزة بلاغ لقوم عابدين و نجاح للعاملين الصادقين , و إن الله الذي بيده كل شيء ليبارك في القرش الواحد من قروش الإخوان , و (يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) (البقرة:276). (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) (الروم:39) .

نحن و السياسة

و يقول قوم آخرون إن الإخوان المسلمين قوم سياسيون و دعوتهم سياسية و لهم من وراء ذلك مآرب أخرى . و لا ندري إلى متى تتقارض أمتنا التهم و تتبادل الظنون و تتنابز بالألقاب، و تترك يقينا يؤيده الواقع في سبيل ظن توحيه الشكوك.

يا قومنا: إننا نناديكم و القرآن في يميننا و السنة في شمالنا، و عمل السلف الصالحين من أبناء هذه الأمة قدوتنا، و ندعوكم إلى الإسلام و تعاليم الإسلام و أحكام الإسلام ، فإن كان هذا من السياسة عندكم فهذه سياستنا، و إن كان من يدعوكم إلى هذه المبادئ سياسيا فنحن أعرق الناس و الحمد لله في السياسة، و إن شئتم أن تسموا ذلك سياسة فقولوا ما شئتم فلن تضرنا الأسماء متى وضحت المسميات و انكشفت الغايات.

يا قومنا: لا تحجبكم الألفاظ عن الحقائق و الأسماء عن الغايات، و لا الأعراض عن الجوهر، و إن للإسلام لسياسة في طيها سعادة الدنيا و صلاح الآخرة، و تلك هي سياستنا لا نبغي بها بديلا فسوسوا بها أنفسكم، و احملوا عليها غيركم تظفروا بالعزة الأخروية، و لتعلمن نبأه بعد حين.

قوميتنا وعلى أي أساس ترتكز؟

أيها الأخ تعال نصغ معا إلى صوت العزة الإلهية يدوي في أجواء الآفاق , ويملأ الأرض و السبع الطباق , و يوحي في نفس كل مؤمن أسمى معاني العزة و الفخار , حين يسمع هذا النداء الذي تستمع له السموات و الأرض و من فيهن منذ أن بلغه المبين إلى هذا الوجود , إلى حيث لا نهاية إذا كتب له الخلود : أجل أجل يا أخي : هذا نداء ربك إليك , فلبيك اللهم لبيك , و حمدا و شكرا لك لانحصي ثناء عليك , أنت ولي المؤمنين و نصير العاملين و المدافع عن المظلومين الذين حوربوا في بيوتهم و أخرجوا من ديارهم , عز من لجأ إليك و انتصر من احتمى بحماك.

أجل أجل يا أخي : تعال نستمع معا إلى صوت القرآن الكريم , و نطرب بتلاوة الآيات البينات , و نسجل جمال هذه العزة في صحائف ذلك الكتاب المطهر . إلي إلي يا أخي واسمع قول الله تبارك وتعالى :

1 – (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) (البقرة:257)

2 – (بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) (آل عمران:150) .

3 – (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)(المائدة:55).

4 – (إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) (لأعراف:196).

5 – (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة:51).

6 – (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ , الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (يونس:62-63).

7 – (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ) (محمد:11).

ألست ترى في هذه الآيات البينات أن الله تبارك و تعالى ينسبك إلى نفسه و تمنحك فضل ولايته و يفيض عليك من فيض عزته ؟

و في الحديث الشريف الذي يرويه المختار صلى الله عليه و سلم عن ربه فيما معناه : (يقول الله تبارك وتعالى يوم القيامة : يا بني آدم جعلت نسبا وجعلتم نسبا فقلتم فلان ابن فلان وقلت : " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " فاليوم أرفع نسبى وأوضع نسبكم)

لهذا أيها الأخ الكريم فضل السلف الصالح أن يرفعوا نسبتهم إلى الله تبارك و تعالى , ويجعلوا أساس صلاتهم ومحور أعمالهم تحقيق هذه النسبة الشريفة فينادي أحدهم صاحبه قائلا: لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي في حين يجيب الآخر من سأله عن أبيه أتميمي هو أم قيسي : أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم

ليس بعد ذلك عزة

أيها الأخ العزيز : إن الناس إنما يفخرون بأنسابهم لما يأنسون من المجد والشرف في أعمال جدودهم ، ولما يقصدون من نفخ روح العزة و الكرامة في نفوس أبنائهم وراء هذين المقصدين شئ، أفلا ترى نسبتك إلى الله تبارك وتعالى أسمى ما يطمح إليه الطامحون من معاني العزة والمجد : (فَإِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعاً) (النساء:139) , وأولى ما يرفع نفسك إلى عليين وينفخ فيها روح النهوض مع العاملين ، و أي شرف أكبر و أي رافع إلى فضيلة أعظم من أن ترى نفسك ربانيا ، بالله صلتك وإليه نسبتك ، ولأمر ما قال الله تبارك وتعالى : (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) (آل عمران:79)

أعظم مصادر القوة

و في النسبة إلى الحق تبارك و تعالى معنى آخر يدركه من التحق بهذه النسبة , ذلك هو الفيض الأعم من الإيمان , و الثقة بالنجاح الذي يغمر قلبك فلا تخشى الناس جميعا و لا ترهب العالم كله إن وقف أمامك يحاول ان ينال عقيدتك أو ينتقص من مبدأك : (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران:173) .

و لأمر ما كان الواحد من أولئك القلائل المؤمنين بالله و ثقته و تأييده يقف أمام الجحفل اللجب و الجيش اللهام , فلا يرهب صولته و لا يخشى أذاه لأنه لا يخشى أحدا إلا الله , و أي شيء أعظم من تلك القوة التي تنسكب من قلب الرجل المؤمن حين يجيش صدره بقول الله : (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ) (آل عمران:160) .

قوميتنا عالية النسبة

و هناك معنى آخر من معاني السمو الاجتماعي في انتساب الناس إلى الله تبارك و تعالى , ذلك هو تآخي الشعوب و تآزر الجماعات و القضاء على تلك المطامع التي توحي بها العصبية و يؤرث نيرانها بين الأمم التقاطع و التخاصم , فمن للعالم بان يجتمع بقوة حول راية الله .. ؟

أحلام الأمس و حقائق اليوم

هذا كلام طال عهد المسلمين باستماعه فقد يكون غامضا عليهم غير مفهوم لديهم , و قد يقول قائل : ما لهؤلاء الجماعة يكتبون في هذه المعاني التي لا يمكن أن تتحقق , وما بالهم يسبحون في جو الخيال و الأحلام ؟

على رسلكم أيها الإخوان في الإسلام و الملة فغن ما ترونه اليوم غامضا بعيدا كان عند بدهيا قريبا , و لن يثمر جهادكم حتى يكون كذلك عندكم , و صدقوني إن المسلمين الأولين فهموا من القرآن لأول ما قرأوه و نزل فيهم , ما ندلي به اليوم و نقصه عليكم .

وأصارحكم بان عقيدة الإخوان المسلمين يحيون بها يأملون الخير فيها و يموتون عليها , و يرون فيها كل ما تصبوا إليه نفوسهم من متعة و جمال و إسعاد و حق : (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد:16) .

أيها الإخوان : إذا اتفقتم معنا على هذا الأساس فاعلموا أن انتسابكم إلى الله تبارك و تعالى يفرض عليكم أن تقدروا المهمة التي ألقاها على عاتقكم ,و تنشطوا للعمل لها و التضحية في سبيلها فهل أنتم فاعلون ؟

مهمة المسلم

إن مهمة المسلم الحق لخصها الله تبارك و تعالى في آية واحدة من كتابه , و رددها القرآن الكريم بعد ذلك في عدة آيات , فأما تلك الآية التي اشتملت على مهمة السلمين في الحياة فهي قول الله تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ , وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ و َتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحج:77-78).

هذا كلام لا لبس فيه و لا غموض , و والله إن له لحلاوة و إن عليه لطلاوة , و إنه لواضح كالصبح ظاهر كالنور , يملأ الآذان و يدخل على القلوب بغير استئذان , أفلم يسمعه المسلمون قبل الآن ؟ أم سمعوه و لكن على قلوبهم أقفالا فلا تعي و لا تتدبر ؟

يأمر الله المسلمين أن يركعوا و يسجدوا و أن يقيموا الصلاة التي هي لب العبادة و عمود الإسلام و أظهر مظاهره , و أن يعبدوا الله و لا يشركوا به شيئا , و أن يفعلوا الخير ما استطاعوا , و هو حين يأمرهم بفعل الخير ينهاهم بذلك عن الشر و إن من أول الخير أن تترك الشر , فما أوجز و ما أبلغ ! و رتب لهم على ذلك النجاح و الفلاح و الفوز و تلك هي المهمة الفردية لكل مسلم التي يجب عليه أن يقوم بها بنفسه في خلوة أو جماعة .

حق الإنسانية

ثم أمرهم بعد ذلك أن يجاهدوا في الله حق جهاده بنشر هذه الدعوة و تعميمها بين الناس بالحجة و البرهان , فإن أبوا إلا العسف و الجور و التمرد فبالسيف والسنان : والناس إذ ظلموا البرهان و اعتسفوا فالحرب أجدى على الدنيا من السلم

حراسة الحق بالقوة

و ما أحكم القائل : ( القوة اضمن طريق لإحقاق الحق , و ما اجمل أن تسير القوة و الحق جنبا إلى جنب ) فهذا الجهاد في سبيل نشر الدعوة الإسلامية فضلا عن الاحتفاظ بمقدسات الإسلام فريضة الله على المسلمين كما فرض عليهم الصوم و الصلاة و الحج و الزكاة و فعل الخير و ترك الشر , و ألزمهم إياها و ندبهم إليها , و لم يعذر في ذلك أحد فيه قوة و استطاعة , و إنها لآية زاجرة رادعة و موعظة بالغة زاجرة : (انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ) (التوبة:41)

و قد كشف الله سر هذا التكليف و حكمة هذه الفريضة التي افترضها على المسلمين بعد هذا الأمر , فبين لهم أنه اجتباهم و اختارهم و اصطفاهم دون الناس ليكونوا سواس خلقه و أمناءه على شريعته و خلفاءه في أرضه , و ورثة رسوله في دعوته , و مهد لهم الدين و أحكم التشريع و سهل الأحكام و جعلها من الصلاحية لكل زمان و مكان بحيث يتقبلها العالم , و ترى فيها الإنسانية أمنيتها المرجوة و أملها المنتظر : (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ و َتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ) (الحج:78)

و تلك هي المهمة الاجتماعية التي ندب الله إليها المسلمين جميعا , و أن يكونوا صفا واحدا و كتلة و قوة , و أن يكونوا هم جيش الخلاص الذي ينقذ الإنسانية و يهديها سواء السبيل .

رهبان بالليل فرسان بالنهار

ثم أوضح الحق تبارك و تعالى للناس بعد ذلك الرابطة بين التكاليف من صلاة وصوم بالتكاليف الاجتماعية و أن الأولى وسيلة للثانية , و أن العقيدة الصحيحة أساسهما معا , حتى لا يكون لأناس مندوحة من القعود عن فرائضهم الفردية بحجة انهم يعملون للمجموع , و حتى لا يكون لآخرين مندوحة من القعود عن العمل للمجموع بحجة أنهم مشغولين بعباداتهم مستغرقون في صلتهم لربهم , فما أدق و احكم , و من أحسن من الله حديثا ؟

أيها المسلمون : عبادة ربكم و الجهاد في سبيل التمكين لدينكم و إعزاز شريعتكم هي مهمتكم في الحياة , فإن أديتموها حق الأداء فانتم الفائزون , و إن أديتم بعضها أو أهملتموها جميعا فإليكم أسوق قول الله تبارك و تعالى : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ , فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) (المؤمنون:115-116) .

لهذا المعنى جاء أوصاف أصحاب محمد و هم صفوة الله من خلقه و السلف الصالح من عباده : ( رهبان بالليل فرسان بالنهار ) ترى أحدهم في ليله ماثلا في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم و يبكي بكاء الحزين و يقول : ( يا دنيا غري غيري ) فإذا انفلق الصباح و دوى النفير يدعو المجاهدين , رايته رئبالا على صهوة جواده , يزار الزارة فتدوي لها جنبات الميدان .

بالله عليك ما هذا التناسق العجيب و التزاوج بين الغريب و المزيج الفريد بين عمل الدنيا و مهامها و شؤون الآخرة و روحانيتها ؟ و لكنه الإسلام الذي جمع من كل شيء أحسنه .

استعمار الأستاذية و الإصلاح

و لهذا المعنى أيها المسلمون نفر المسلمون , بعد أن اختار نبيه – صلى الله عليه و سلم – الرفيق الأعلى في أقطار الأرض , قرآنه في صدورهم و مساكنهم على سروجهم و سيوفهم بأيديهم , حجتهم واضحة على ألسنتهم يدعون الناس إلى إحدى ثلاث : الإسلام أو الجزية أو القتال , فمن أسلم فهو أخوهم له ما لهم و عليه ما عليهم , و من أدى الجزية فهو في ذمتهم و عهدهم يقومون بحقه و يرعون عهده و يوفون له بشرطه , و من أبى جالدوه حتى يظهرهم الله عليه , (وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) (التوبة:32) .

ما فعلوا ذلك لسلطان , فزهادتهم في الجاه و الشهرة معروفة عند الخاص و العام , و لقد قضى دينهم على تلك المظاهر الزائفة التي يستمتع بها أقوام على حساب آخرين , فكان خليفتهم كأحدهم , يفرض له من المال و العطاء ما لرجل منهم ليس بأفضلهم و لا أدركهم , و لا يميزه إلا بما أفاض الله عليه من جلال الإيمان و هيبة اليقين , و لم ذلك لمال , فحسب أحدهم كسرة يرد بها جوعته و جرعة يطفئ بها ظمأته , و الصوم لديهم قربة , و الجوع أحب عندهم من الشبع , و حظ أحدهم من الملبس ما يستر به عورته , و كتابهم يناديهم بقول الله تعالى : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) (محمد:12) و نبيهم يقول لهم : (تعس عبد الدينار , تعس عبد الدرهم , تعس عبد القطيفة)

إذا لم يكن مخرجهم من ديارهم لجاه أو مال أو سلطة أو استعمار أو استبداد , و إنما كان لأداء رسالة خاصة هي رسالة نبيهم التي تركها أمانة بين أيديهم , و أمرهم أن يجاهدوا في سبيلها , حتى لا تكون فتنة و يكون الدين كله لله .

آن لنا أن نفهم

كان المسلمون يفهمون هذا قديما و يعملون له و يحملهم إيمانهم على التضحية في سبيله , أما في هذه الأيام فقد تفرق المسلمون في فهم مهمتهم و اتخذوا من التأويل و التعطيل سندا للقعود و الكسل , فمن قائل يقول لك : مضى وقت الجهاد و العمل , و آخر يثبط همتك يقول لك بان الوسائل معدومة و الأمم الإسلامية مقيدة , و ثالث رضي من دينه كلمات يلوكها لسانه صباح مساء , و قنع من عبادته بركعات يؤديها و قلبه هواء

لا لا أيها الإخوان , القرآن يناديكم بوضوح و جلاء : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات:15) .

و أما في السنة فيقول لكم الرسول : (إذا ضن الناس بالدينار و الدرهم و تبايعوا بالعينة و تبعوا أذناب البقر و تركوا الجهاد في سبيل الله , أدخل الله تعالى عليهم ذلا لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم) رواه الأمام أحمد في مسنده , و الطبراني في الكبير , و البيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمر . و أنتم تقرأون في كتب الفقه ما ألف منها قديما أو حديثا متى يكون الجهاد فرض كفاية و متى يكون فرض عين , و تعلمون حقائق ذلك و معناه حق العلم , فما هذا الخمول الذي ضرب بجدرانه ؟ و ما هذا اليأس الذي قبض على القلوب فلا تعي ولا تفيق ؟ هذا أيها المسلمون عصر التكوين فكونوا أنفسكم و بذلك تتكون أمتكم .

إن هذه الفريضة تحتاج إلى منكم نفوسا مؤمنة و قلوبا سليمة , فاعملوا على تقوية إيمانكم و سلامة صدوركم , و تحتاج منكم تضحية بالمال و الجهود فاستعدوا لذلك فإن ما عندكم ينفد و ما عند الله باق , و إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم جنة عرضها السموات و الأرض .

من أين نبدأ؟

إن تكوين الأمم، وتربية الشعوب، وتحقيق الآمال، ومناصرة المبادئ: تحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو الفئة التي تدعو إليه على الأقل، إلى "قوة نفسية عظيمة" تتمثل في عدة أمور: إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه، والخديعة بغيره. على هذه الأركان الأولية التي هي من خصوص النفوس وحدها، وعلى هذه القوة الروحية الهائلة، تبنى المبادئ وتتربى الأمم الناهضة، وتتكون الشعوب الفتية، وتتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة زمناً طويلاً.

وكل شعب فقد هذه الصفات الأربعة، أو على الأقل فقدها قواده ودعاة الإصلاح فيه، فهو شعب عابث مسكين، لا يصل إلى خير، ولا يحقق أملاً، وحسبه أن يعيش في جو من الأحلام والظنون والأوهام: (إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) (يونس:36) .

هذا هو قانون الله تبارك وتعالى وسنته في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلاً: (إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11) . و هو أيضا القانون الذي عبر عنه النبي في الحديث الشريف الذي رواه أبو داود : (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل: ومن قِلّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، ولينزعنَّ اللّه من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفنَّ اللّه في قلوبكم الوهن , فقال قائل: يا رسول اللّه وما الوهن ؟ قال: حبُّ الدنيا وكراهية الموت) أولست تراه قد بين أن سبب ضعف الأمم و ذلة الشعوب وهن نفوسها و ضعف قلوبها و خلاء أفئدتها من الأخلاق الفاضلة و صفات الرجولة الصحيحة , و إن كثر عددها و زادت خيراتها و ثمراتها.

و إن الأمة إذا رتعت في النعيم و أنست بالترف و غرقت في أعراض المادة و افتتنت بزهرة الحياة الدنيا , و نسيت احتمال الشدائد و مقارعة الخطوب و المجاهدة في سبيل الحق , فقل على عزتها و آمالها العفاء .

بين القوتين

يظن كثير من الناس أن الشرق تعوزه القوة المادية من المال و العتاد و آلات الحرب و الكفاح لينهض و يسابق الأمم التي سلبت حقه و هضمت أهله , ذلك صحيح و مهم , و لكن أهم منه و ألزم : القوة الروحية من الخلق الفاضل و النفس النبيلة و الإيمان و معرفتها و الإرادة الماضية , و التضحية في سبيل الواجب و الوفاء الذي تنبني عليه الثقة و الوحدة , و عنهما تكون القوة .

لو آمن الشرق بحقه و غير من نفسه و اعتنى بقوة الروح و عني بتقويم الأخلاق , لأتته وسائل القوة المادية من كل جانب و عند صحائف التاريخ الخبر اليقين.

يعتقد الإخوان المسلمون هذا تمام الاعتقاد , و هم لهذا دائبون في تطهير أرواحهم و تقوية نفوسهم و تقوية أخلاقهم , و هم لهذا يجاهدون بدعوتهم و يريدون الناس على مبادئهم و يطالبون الأمة بإصلاح النفوس و تقويم الأخلاق .

و هم لم يبتدعوا ذلك ابتداعا شأنهم في كل ما يقولون و لكنهم يستمدونه من القاموس الأعظم و البحر الخضم و الدستور المحكم و المرجع الأعلى , ذلك هو كتاب الله تبارك و تعالى , و قد سمعت من قبل تلك المادة الخالدة من ذلكم القانون : (إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11) .

و لقد كشف القرآن عن هذا المعنى في كثير من آياته , بل إنه ضرب مثلا تطبيقيا خالدا واضحا كل الوضوح صادقا كل الصدق في قصة بني إسرائيل , تلك القصة الرائعة التي ترسم لكل أمة يائسة طريق التكوين .

المنهاج واضح

يعتقد الإخوان المسلمون أن الله تبارك و تعالى حين أنزل القرآن و أمر عباده أن يتبعوا محمدا و رضي لهم الإسلام دينا , و وضع في هذا الدين القويم كل الأصول اللازمة لحياة الأمم و نهضتها و إسعادها , و ذلك مصداق قول الله تبارك و تعالى : (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) (الأعراف:157).

و مصداق قول الرسول في الحديث الشريف ما معناه (والله ما تركت من شر إلا و نهيتكم عنه) و أنت إذا أمعنت النظر في تعاليم الإسلام وجدته قد وضع أصح القواعد و أنسب النظم و أدق القوانين لحياة الفرد رجلا و امرأة , و حياة الأسرة في تكوينها و انحلالها , و حياة الأمم في نشوئها و قوتها و انحلالها , و حلل الفكر التي وقف أمامها المصلحون .

فالعالمية و القومية و الاشتراكية و الرأسمالية و البلشفية و الحرب و توزيع الثروة , و الصلة بين المنتج و المستهلك و ما يمت بصلة قريبة أو بعيدة إلى هذه البحوث التي تشغل بال ساسة الأمم و فلاسفة الاجتماع , كل هذه نعتقد أن الإسلام خاض في لبها , و وضع للعالم النظم التي تكفل له الانتفاع بما فيها من محاسن , و تجنب ما تستتبعه من خطر و ويلات , و ليس ذلك مقام تفصيل في هذا المقال , فإنما نقول ما نعتقد و نبين للناس ما ندعوهم إليه , ولنا بعد ذلك جولات نفصل فيها ما نقول .

لا بد من أن نتبع

وإذا كان الإخوان المسلمون يعتقدون ذلك فهم يطالبون الناس بان يعملوا على أن تكون قواعد الإسلام الأصول التي تبنى عليها نهضة الشرق الحديث في كل شان من شؤون الحياة , ويعتقدون أن كل مظهر من مظاهر النهضة يتنافى مع قواعد الإسلام و يصطدم بأحكام القرآن فهو تجربة فاسدة فاشلة , ستخرج منها الأمم بتضحيات كبيرة في غير فائدة , فخير للأمم التي تريد النهوض أن تسلك إليه أخصر الطريق باتباعها أحكام الإسلام .

والإخوان المسلمون لا يختصون بهذه الدعوة قطرا دون قطر من الأقطار الإسلامية , ولكنهم يرسلونها صيحة يرجون أن تصل إلى آذان القادة و الزعماء في كل قطر يدين أبناؤه بدين الإسلام , و إنهم لينتهزون لذلك هذه الفرصة التي تتحد فيها الأقطار الإسلامية و تحاول بناء مستقبلها على دعائم ثابتة من أصول الرقي و التقدم و العمران .

احذروا الانحراف

و إن أكبر ما يخشاه الإخوان المسلمون أن تندفع الشعوب الشرقية الإسلامية في تيار التقليد , فترقع نهضاتها بتلك النظم البالية التي انتقضت على نفسها و أثبتت التجربة فسادها وعدم صلاحيتها , إن لكل أمة من أمم الإسلام دستورا عاما فيجب أن تستمد مواد دستورها العام من أحكام القرآن الكريم , و إن الأمم التي تقول في أول مادة من مواد دستورها : إن دينها الرسمي الإسلام , يجب أن تضع بقية المواد على أساس هذه القاعدة , و كل مادة لا يسيغها الإسلام و لا تجيزها أحكامه يجب أن تحذف من حتى لا يظهر التناقض في القانون الأساسي للدولة .

أصلحوا القانون

وإن لكل أمة قانونا يتحاكم إليه أبنائها , و هذا القانون يجب أن يكون مستمدا من أحكام الشريعة الإسلامية مأخوذا عن القرآن الكريم متفقا مع أصول الفقه الإسلامي , و إن الشريعة الإسلامية و فيما وضعه المشترعون المسلمون ما يسد الثغرة و يفي بالحاجة و ينقع الغلة , و يؤدي إلى أفضل النتائج و أبرك الثمرات , و إن في حدود الله لو نفذت لزاجرا يردع المجرم و إن اعتاد الإجرام , و يكف العادي و إن تأصل في نفسه العدوان و يريح الحكومات من عناء التجارب الفاشلة , و التجربة تثبت ذلك و تؤيده , و أصول التشريع الحديث تنادي به و تدعمه , و الله تبارك و تعالى يفرضه و يوجبه : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة:44) .

أصلحوا مظهر الاجتماع

وإن في كل أمة مظاهر من الحياة الاجتماعية تشرف عليها الحكومات و ينظمها القانون و تحميها السلطات , فعلى كل أمة شرقية إسلامية أن تعمل على أن تكون كل هذه المظاهر مما يتفق و آداب الدين و يساير و يساير تشريع الإسلام و أوامره , إن البغاء الرسمي لطخة عار في جبين كل أمة تقدر هذه الفضيلة , فما بالك بالأمم الإسلامية التي التي يفرض عليها دينها محاربة البغاء و الضرب على يد الزناة بشدة : (وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) (النور:2).

إن حانات الخمر في أظهر شوارع المدن و أبرز أحيائها , و تلك اللوحات الطويلة العريضة عن المشروبات الروحية , و هذه الإعلانات الظاهرة الواضحة عن أم الخبائث مظاهر يأباها الدين , و يجرمها القرآن الكريم أشد التحريم .

حاربوا الإباحية

و إن هذه الإباحية المغرية و المتعة الفاتنة و اللهو العابث في الشوارع و المجامع و المصايف والمرابع يناقض ما أوصى به الإسلام باتباعه من عفة و شهامة و إباء و انصراف إلى الجد و ابتعاد عن الإسفاف (إن الله تعالى يحب معالي الأمور و يكره سفاسفها) .

فكل هذه المظاهر و أشباهها , على الأمم الإسلامية أن تبذل في محاربتها و مناهضتها كل ما في وسع سلطانها و قوانينها من طاقة و مجهود لا تني عن ذلك و لا تتواكل .

نظموا التعليم

وإن لكل أمة و شعب إسلامي سياسة في التعليم و تخريج الناشئة و بناء رجال المستقبل , الذين تتوقف عليهم حياة الأمة الجديدة , فيجب أن تبنى هذه السياسة على أصول حكيمة تضمن للناشئين مناعة دينية و حصانة خلقية , و معرفة بأحكام دينهم , و اعتدادا بمجده الغابر وحضارته الواسعة .

هذا قليل من كثير من الأصول التي يريد الإخوان المسلمون أن ترعاها الأمم الإسلامية في بناء النهضة الحديثة , و هم يوجهون دعوتهم هذه إلى كل المسلمين شعوبا و حكومات , و وسيلتهم في الوصول إلى تحقيق هذه الغايات الإسلامية السامية وسيلة واحدة : أن يبنوا ما فيها من مزية و أحكام , حتى إذا ذكر الناس ذلك و اقتنعوا بفائدته أنتج ذلك عملهم له و نزولهم على حكمه : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف:108) .

انتفعوا بإخاء إخوانكم

ينادي الإسلام أبناءه و متبعيه فيقول لهم : (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) (آل عمران:103).

و يقول القرآن الكريم في آية أخرى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات:10) و في آية أخرى : (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (التوبة:71) .

و يقول النبي الكريم صلى الله عليه و سلم : (و كونوا عباد الله إخوانا) و كذلك فهم المسلمون الأولون – رضوان الله عليهم – من الإسلام هذا المعنى الأخوي و أملت عليهم عقيدتهم في دين الله أخلد عواطف الحب و التآلف , و أنبل مظاهر الأخوة و التعارف , فكانوا رجلا واحدا و قلبا واحدا و يدا واحدة , حتى امتن الله بذلك في كتابه فقال تبارك و تعالى : (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) (لأنفال:63).

تطبيق

وإن ذلك المهاجر الذي كان يترك أهله , و يفارق أرضه في مكة و يفر بدينه , كان يجد أمامه أبناء الإسلام من فتيان يثرب ينتظرون و كلهم شوق إليه و حب له و سرور بمقدمه , و ما كان لهم سابق معرفة و لا قديم صلة , و ما ربطهم به وشيجة من صهر أو عمومة , و ما دفعتهم إليه غاية أو منفعة , و إنما هي عقيدة الإسلام جعلتهم يحنون إليه و يتصلون به , و يعدونه جزءا من أنفسهم و شقيقا لأرواحهم , و ما هو إلا أن يصل المسجد حتى يلتف حوله الغر الميامين من الأوس و الخزرج , كلهم يدعوه إلى بيته و يؤثره على نفسه و يفديه بروحه وعياله , ويتشبث بمطلبه هذا حتى يؤول الأمر إلى الاقتراع , حتى روى الإمام البخاري ما معناه : (ما نزل مهاجري على أنصاري إلا بقرعة) .

وحتى خلد القرآن للأنصار ذلك الفضل أبد الدهر , فما زال يبدو غرة مشرقة في جبين السنين في قول الله تبارك و تعالى : (وَالَّذِينَ تَبَوَّءوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر:9) . و على هذا درج أبناء الإسلام و خص الرعيل الأول ممن وجدت بين نفوسهم الأخوة الإيمانية , لا فرق بين مهاجرهم و أنصارهم , و لا بين مكيّهم و يمنيّهم , حتى أثنى الرسول على الأشاعرة من أهل اليمن بقوله صلى الله عليه و سلم ما معناه (نعم القوم الأشعريون إذا جهدوا في سفر أو حضر جمعوا ما عندهم فوضعوه في مزادتهم ثم قسموه بينهم بالسوية).

وأنت إذا قرأت القرآن الكريم , و أحاديث النبي العظيم صلى الله عليه و سلم , و طالعت سير الغر الميامين من أبناء هذا الدين , رأيت من ذلك ما يقر عينك و يملأ سمعك و قلبك .

أخوة تعلن الإنسانية

و لقد أثمرت هذه العقيدة ثمرتين لابد لنا من أن نجنيهما و نتحدث إليك عما فيهما من حلاوة لذة و خير و فائدة .

فأما الأولى منها : فقد أنتجت هذه العقيدة أن الاستعمار الإسلامي لم يشبهه أي استعمار في التاريخ أبدا , لا في غايته و لا في مسالكه و إدارته و لا في نتائجه و فائدته , فإن المستعمر المسلم إنما كان يفتح الأرض حين يفتحها ليعلي فيها كلمة الحق , و ينير أفقها بسنة القرآن الكريم , فإذا أشرقت على نفوس أهلها شمس الهداية المحمدية فقد زالت الفوارق و محيت المظالم , و شملها العدل و الإنصاف و الحب و الإخاء , و لم يكن هناك فاتح غالب و خصم مغلوب , و لكن إخوان متحابون متآلفون , و من هنا تذوب فكرة القومية , و تنجاب كما ينجاب الثلج سقطت عليه أشعه الشمس قوية مشرقة أمام فكرة الأخوة الإسلامية التي يبثها القرآن في نفوس من يتبعونه جميعا .

إن ذلك الفاتح المسلم قبل أن يغزوا من غزا و يغلب من غلب , قد باع أهله , و تجرد من عصبيته و قوميته في سبيل الله , فهو لا يغزو لعصبية و لا يغلب لقومية و لا ينتصر لجنسية , و لكنه حين يعمل لله و لله وحده لا شريك له , و إن أروع ما أثر من الإخلاص في الغاية , و تجريد النفس من الهوى ما جاء في الحديث الشريف ما معناه أن رجلا جاء إلى النبي فقال له يا رسول الله , إني أحب أن أجاهد في سبيل الله , و أحب أن يرى موقفي فسكت النبي و لم يجبه , فنزلت الآية الكريمة :

(فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف:110). 

أرأيت كيف اعتبر الإسلام تطلع هذا الشخص إلى الثناء و المدح و هما من طبائع النفوس شركا خفيا يجب أن يتنزه عنه و يسمو بشرف الغاية النبيلة عنه ؟ و هل هناك أخلص من أن ينسى الإنسان نفسه في سبيل غايته ؟ و هل تظن أن رجلا يشترط عليه دينه أن يتجرد من نفسه و يكبت عواطفها و ميولها و أهواءها حتى يكون جهاده خالصا لله وحده , يفكر بعد هذا في أن يجاهد لعصبية أو يغزو لجنس أو قومية ؟ .. اللهم لا . إن ذلك المغلوب الذي شاء له القدر أن يسعد بالإسلام و يهتدي به , ما ترك بلده و أرضه لأجنبي عنه يتحكم فيها و يسخره تسخير العبد الذليل , و يستأثر دونه بخيراتها , و لكنه ترك ما ترك لأنه يخلطه بنفسه و يمزجه بروحه و يناديه بإخلاص : لك ما لنا و عليك ما علينا , وكتاب الله تبارك و تعالى يفصل بيننا , فكلاهما فني في غايته و ضحّى في سبيل مبدئه , و ترك ما ترك ليعم الإنسانية نور الله , و تسطع عليها شمس القرآن الكريم , و في ذلك تمام إسعادها و كمال رقيها لو كانوا يعلمون .

أفق الوطن الإسلامي

أما الثمرة الثانية : فإن الأخوة الإسلامية جعلت كل مسلم يعتقد أن كل شبر من الأرض , فيه أخ يدين بدين القرآن الكريم ، قطعة من الأرض الإسلامية العامة التي يفرض الإسلام علي كل أبنائه أن يعملوا لحمايتها وإسعادها فكان من ذلك أن أتسع أفق الوطن الإسلامي وسما عن حدود الوطنية الجغرافية والوطنية الدموية إلى وطنية المبادئ السامية والعقائد الخالصة الصحيحة ، والحقائق التي جعلها الله للعالم هدى ونوراً , والإسلام حين يشعر أبناءه بهذا المعنى ويقرره في نفوسهم يفرض عليهم فريضة لازمة لحماية أرض الإسلام من عدوان المعتدين , وتخليصها من غصب الغاصبين ، وتحصينها من مطامع المتعدين .

طريق طويلة

أرجو أن تكون هذه الكلمات المتتاليات في بيان دعوة الإخوان المسلمين قد كشفت للقراء عن غايتهم , و أبانت لهم و لو إلى حد ما عن مناهجهم في السير إلى هذه الغاية , و قد تحدثت من قبل إلى إخواننا الغيورين على الإسلام و مجده حديثا طويلا هو أشبه بهذه الكلمات التي رآها القراء تحت عنوان : ( إلى أي شيء ندعو الناس )

و لقد أصغى إلى من حدثتهم إصغاء مشكورا , و كنا نتفهم القول تباعا أولا فأول , حتى خرجنا من المحادثة مقتنعين تماما بشرف الغاية و نجاح الوسيلة , و كم كانت دهشتي عظيمة حين رأيت منهم شبه إجماع على أن هذه السبيل مع التسليم بنجاحها طويلة , و أن التيارات الجارفة الهدامة في البلد قوية , مما يجعل اليأس يدب إلى القلوب و القنوط يستولي على النفوس , و حتى لا يجد القراء الكرام هذا الشعور الذي وجده أولئك المتحدثون من قبل , أحببت أن تكون هذه الكلمات مفعمة بالأمل , فياضة باليقين في النجاح إن شاء الله , و لله الأمر من قبل و من بعد , و سأحصر الموضوع في نظرتين إيجابيتين :

نظرة اجتماعية

يقول علماء الاجتماع إن حقائق اليوم هي أحلام الأمس , و أحلام اليوم هي حقائق الغد , و تلك نظرة يؤيدها الواقع و يعززها الدليل و البرهان , بل هي محور تقدم الإنسانية و تدرجها مدارج الكمال , فمن ذا الذي كان يصدق أن يصل العلماء إلى ما وصلوا إليه من المكتشفات و المخترعات قبل حدوثها ببضع سنين , بل إن أساطين العلم أنفسهم أنكروها لأول عهدهم بها , حتى أثبتها الواقع و أيدها البرهان , و المثل على ذلك كثيرة , و هي من البداهة بحيث يكفينا ذلك عن الإطالة بذكرها .

نظرة تاريخية

وإن نهضات الأمم جميعاً، إنما بدأت على حال من الضعف يخيَّل للناظر إليها، أن وصولها إلى ما تبتغي ضرب من المحال.

ومع هذا الخيال، فقد حدثنا التاريخ أن الصبر والثبات والحكمة والأناة وصلت بهذه النهضات الضعيفة النشأة، القليلة الوسائل، إلى ذروة ما يرجوه القائمون بها، من توفيق ونجاح، ومن ذا الذي كان يصدِّق أن الجزيرة العربية وهي تلك الصحراء الجافة المجدبة تنبت النور والعرفان، وتسيطر بنفوذ أبنائها الروحي والسياسي على أعظم دول العالم؟ ومن ذا الذي كان يظن أن أبا بكر صاحب القلب الرقيق الليِّن، وقد انتقض الناس عليه، وحار أنصاره في أمرهم، يستطيع أن يخرج في يوم واحد أحد عشر جيشاً، تقمع العصاة وتقوِّم المعوج ، وتؤدب الطاغي وتنتقم من المرتدين، وتستخلص حق الله في الزكاة من المانعين؟. ومن ذا الذي كان يصدق أن هذه الشيعة الضئيلة المستترة من بني علي و العباس تستطيع أن تقلب ذلك الملك القوي الواسع الأكناف ما بين عشية وضحاها , و هي ما كانت في يوم من الأيام إلا عرضة للقتل و التشريد و النفي و التهديد ؟. ومن ذا الذي كان يظن أن صلاح الدين الأيوبي يقف الأعوام الطوال ، فيردّ ملوك أوروبا على أعقابهم مدحورين ، مع توافر عددهم وتظاهر جيوشهم، حتى اجتمع عليه خمسة وعشرون ملكاً من ملوكهم الأكابر؟

ذلك في التاريخ القديم، وفي التاريخ الحديث أروع المثل على ذلك، فمن كان يظن أن الملك عبد العزيز آل سعود ، وقد نفيت أسرته وشرِّد أهله وسُلب ملكه، يسترد هذا الملك ببضعة وعشرين رجلاً، ثم يكون بعد ذلك أملاً من آمال العالم الإسلامي في إعادة مجده وإحياء وحدته؟ ومن كان يصدق أن ذلك العامل الألماني( هتلر ) يصل إلى ما وصل إليه من قوة النفوذ و نجاح الغاية ؟


هل هناك طريق أخرى؟

و ثم نظرتان سلبيتان تحدثان النتيجة بعينها و توجهان قلب الغيور إلى العمل توجيها صحيحا .

أولاهما : أن هذه الطريق مهما طالت فليس هناك غيرها في بناء النهضات بناء صحيحا و قد أثبتت التجربة صحة هذه النظرية .

الواجب أولا

و ثانيتهما : أن العامل يعمل لأداء الواجب أولا , ثم للأجر الأخروي ثانيا , ثم للإفادة ثالثا , و هو إن عمل فقد أدى الواجب , و فاز بثواب الله ما في ذلك من شك , متى توفرت شروطه , و بقيت الإفادة و أمرها إلى الله , فقد تأتي فرصة لم تكن في حسابه تجعل عمله يأتي بأبرك الثمرات , على حين إنه إذا قعد عن العمل فقد لزمه إثم التقصير , و ضاع منه أجر الجهاد و حرم الإفادة قطعا , فأي الفريقين خير مقاما و أحسن نديا ؟ و قد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في صراحة و وضوح في الآية الكريمة : (وَ إِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ , فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) (الأعراف:164-165).

قصة أمة تتكون

ضعف

نحن الآن أمام جبار متكبر يستعبد عباد الله و يستضعفهم و يتخذهم خدما و حشما و عبيدا و خولا , و بين شعب من الشعوب الكريمة المجيدة استعبده ذلك الطاغية الجبار , ثم أراد الله تبارك تعالى أن يعيد لهذا الشعب المجيد حريته المسلوبة و كرامته المغصوبة و مجده الضائع و عزه البائد , فكان أول شعاع من فجر حرية هذا الشعب إشراق شمس زعيمه العظيم (موسى ) على الوجود طفلا رضيعا :

(نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ , إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ , وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ) (القصص:3-5). 
 

زعامة

و نحن بعد هذا أمام هذا الزعيم و قد بلغ أشده و استوى , و تولته العناية الإلهية , بعد أن أنفت نفسه الظلم و عافت الضيم , ففر بنفسه و هرب بحريته , حيث اصطنعه الله لنفسه و حمله عبء رسالته , و أسند إليه خلاص شعبه , فآب مملوءا بالإيمان مؤيدا باليقين , يواجه ذلك الجبار فيطلب إليه أن يعيد إلى شعبه حريته و يترك له كرامته و يؤمن به و يتبعه . و ما أروع ذلك التهكم المر اللاذع حين يحكي القرآن الكريم قول الرسول العظيم (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (الشعراء:22).

أيها الجبار المتحكم في عباد الله لا عبادك , هل من النعمة التي تذكرنا بها و الجميل الذي تسديه إلي أن تستعبد شعبي و تحقر أمتي و تمتهن قومي ؟ إنها صيحة الحق دوت من فم النبي الكريم فزلزلت عرش الجبار و هزت ملكه : (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ , أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ , قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ , وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ , فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (الشعراء:16-21).

صراع

و نحن الآن نشهد غضبة القوة على الحق كيف تثور عليه و تنتقم منه و تعذب أهله و تقهر مناصريه , ثم كيف يصبر أهل الحق على كل ذلك , و كيف يعللهم رؤساؤهم بالآمال الحلوة و الأماني العزبة حتى لا يجد الخور إلى نفوسهم سبيلا : (وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ , قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف:127-128) .

إيمان

و ما أروع أن نشهد ذلك النموذج الخالد من الثبات و الصبر , و الاستمساك بعروة الحق , و الاستهانة بكل شيء حتى الحياة في سبيل الإيمان و العقيدة من أتباع هذا الزعيم الذين آمنوا بدعوته , و قد تحدوا هذا الجبار في استهانة و استماتة : (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا , إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه:72-73) .

انتصار

فإذا رأينا كل ذلك رأينا عاقبته في القسم الخامس و ما أدراك ما هي ؟ فوز و فلاح و انتصار و نجاح و بشرى تزف إلى المهضومين , و أمل يتحقق للحالمين , و صيحة الحق المبين تدوي في آفاق الأرض : (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ) (طه:80) .

هل نحن قوم عمليون؟

بِـسْـــمِ اللهِ الرَّحْمَــنِ الرَّحِيـمِ

قد أجبنا في الرسالة السابقة (إلى أي شئ ندعو الناس)عن سؤال يتردد كثيرا علي أفواه كثير من الناس , فهم كانوا يسألون دائما كلما دعاهم داع إلى تشجيع (جماعة الإخوان المسلمون) والي أي شيء تدعو جماعة الإخوان المسلمون؟ وأحسبني أوضحت مبادئ هذه الدعوة بما يجعل الجواب علي هذا السؤال واضحا لا لبس فيه ولا غموض , وأظنني أجملت لهؤلاء السائلين مبادئ هذه الدعوة في الكلمة الأولى ثم فصلتها في الكلمات التي تلتها فلم يبق عذر للذي يريد أن يتعرف حقيقة دعوة الإخوان إجمالا وتفصيلا .

سؤال مهم .. وأصناف سائليه

وبقي سؤال آخر يتردد كثيرا علي أفواه الناس كذلك كلما دعاهم داع إلى تشجيع هذه الجماعة , التي تدأب علي العمل ليل نهار لا تبتغي من أحد جزاء ولا شكورا , ولا تعمل إلا لله وحده ولا تعتمد في خطواتها إلا علي تأييده ونصره وما النصر إلا من عند الله , وشعار كل عامل من العاملين : إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب . هذا السؤال الآخر أن يقول لك ذلك الذي تدعوه في استهانة وإعراض غالبا :

وهل هذه الجماعة جماعة عملية ؟وهل أعضاؤها قوم عمليون ؟

وهذا السائل أحد أصناف من الناس ...

إما شخص متهكم مستهتر لا يعنيه إلا أمر نفسه , ولا يقصد من إلقاء هذا السؤال إلا أن يهزأ بالجماعات والدعوات والمبادئ والمصلحين , لأنه لا يدين بغير مصلحته الشخصية , ولا يهمه من أمر الناس إلا الناحية التي يستغلهم منها لفائدتهم فقط ..

أو هو شخص غافل عن نفسه وعن الناس جميعا فلا غاية ولا وسيلة ولا فكر ولا عقيدة ..

وإما شخص مغرم بتشقيق الكلام وتنميق الجمل والعبارات وإرسال الألفاظ فخمة ضخمة ليقول السامعون إنه عالم , وليظن الناس أنه علي شئ وليس هو علي شئ وليلقي في روعك أنه يود العمل ولا يقعده عن مزاولته إلا أنه لا يجد الطريق العملي إليه , وهو يعلم كذب نفسه في هذه الدعوى وإنما يتخذها ستارا يغطي به قصوره وخوره وأنانيته وأثرته ..

وإما شخص يحاول تعجيز من يدعوه ليتخذ من عجزه عن الإجابة عذراً للقعود بالعلة للخمول والمكسلة ، وسبباً للانصراف عن العمل للمجموع .

وآية ذلك عند هؤلاء جميعاً أنك إذا فاجأتهم بالطريق العمليّ , وأوضحت لهم مناهج العمل المثمر , وأخذت بأبصارهم وأسماعهم وعقولهم وأيديهم إلى الطريق المستقيم لوّوا رؤوسهم وحاروا في أمرهم وأسقط في أيديهم , وظهر الاضطراب والتردد في ألفاظهم وحركاتهم وسكناتهم وأخذوا ينتحلون المعاذير ويرجئونك إلى وقت الفراغ ويتخلصون منك بمختلف الوسائل ، ذلك بعد آن يكونوا أمضوك اعتراضاً وأجهدوك نقاشاً ومحاوره ، ورأيتهم بعد ذلك يصدون وهم مستكبرون .

وإنما مثلهم في ذلك كالذي حدثوا أن رجلاً أعد سيفا قاطعاً ورمحاً نافذاً وعدةً وسلاحاً ، وأخذ كل ليلة ينظر إليها ويتحرق أسفا ً لأنه لا يرى خصما أمامه يُظهر في نزاله براعته ويؤيد بحربه شجاعته ، فأرادت امرأة أن تختبر صدق قوله ، فأيقظته ذات ليلة مع السحر ونادته بلهجة المستغيث : قم أبا فلان فقد طرقتنا الخيل ، فاستيقظ فزعا تعلوه صفرة الجبن وتهز أوصاله رعدة الخوف ، وأخذ يردد في ذهول واضطراب : الخيل.. الخيل.. لا يزيد على ذلك ولا يحاول أن يدفع عن نفسه ، وأصبح الصبح وقد ذهب عقله خوفاً وإشفاقا ، وطار لبه وجلا ورعبا ، وما نازل خصما ولا رأى عدوا ، وذلك كما قال القائل :

وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا

بل كما قال الله تبارك وتعالى  : (قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا قَلِيلاً , أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً) (الأحزاب:18-19) .

وليس لنا مع هذا الألوان من الناس قول وليس لهم عندنا جواب إلا أن نقول لهم : سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين . وما لهؤلاء كتبنا ولا إياهم خطبنا . فلقد أملنا فيهم الخير طويلا ، انخدعنا بمعسول دعاويهم وعذب ألفاظهم حينا .. ثم تكشف أمرهم عن وقت أضيع ، ومجهود عقيم ، وتعويق عن الطريق , ورأينا منهم ضروبا وألوانا وأصنافا وأشكالا جعلت النفس لا تركن إليهم ولا تعتمد في شأن من الشؤون مهما كان صغيرا عليهم .

وهناك صنف آخر من الناس قليل بعدده كثير بجهده , نادر ولكنه مبارك ميمون ، يسألك هذا السؤال إذا دعوته المشاركة والتشجيع بغيرة وإخلاص، إنه غيور تملأ الغيرة قلبه ، عامل يود لو علم طريق العمل المثمر ليندفع فيها ، مجاهدا ولكنه لا يرى الميدان الذي تظهر فيه بطولته ، خبر الناس ودرس الهيئات وتقلب في الجماعات فلم يرى ما يملأ نفسه ويشبع نهمته ويسكن فؤاده ويقر ثأر شعوره ويرضي يقظة ضميره ، ولو رآه لكان أول الصف ولعد في الميدان بألف ، ولكان في حلبة العاملين سابقا مجليا سائل الغرة ممسوح الجبين .