أبناؤنا بين الموهبة الحقيقية والموهبة المزيفة .. !!
بقلم : محمود الحساني
أحاول على فترات متباعدة - بسبب الانشغال - أن أنظر في أحوال بيوت المسلمين، لكي أتحسس اقتراب جيل النصر المنشود، وهل وُلِدَ هذا الجيل فعلا، أم أن جيلي لن يراه أبدا ؟.
واخترت البيوت دون غيرها من مجالات التجمع الإنساني ؛ لأنها مرآة المجتمع .. ومن أراد أن يعرف صفات مجتمع ما، فليسلط الأضواء على شريحة من الأُسَر التي تنتمي إليه وسيصل إلى نتائج قريبة جدا من الحقيقة، هذا إذا لم يصب الحقيقة نفسها .. فالمجتمع ما هو إلا تجمّع العديد من الأسر التي تتصل فيما بينها بروابط ثقافية وجغرافية واحدة .
ومن خلال القراءات السابقة عن كيفية إعداد الجيل المنشود، وجدت أنه لا بد من غرس صفات معينة يحتاجها الناجحون الذين تقوم على أكتافهم النهضات .. وليس بالضرورة أن يَنتُج هذا الجيل مع أول غرس، بل أظن ذلك خطأً نظريا وعمليا فاحشا، فينبغي أن يكون هناك جيل وسيط بين الأجيال المنهزمة وبين أجيال النهضة، لكي يأخذ التحول دورته المرحلية الصحيحة .. ربما تكون المرحلة الوسيطة جيلا أو أكثر، وربما يكون معيار التوسط فيها بين المرحلتين هو تجربة فكرية أو تربوية متزامنة مع فترة زمنية يُستبدَل فيها جيل قائم بجيل قادم ..
وكما سبق وقلت .. يحتاج هذا الجيل المنتظر لكي يظهر إلى غرس صفاتٍ يستطيع أصحابها أن ينهضوا من خلالها بمجتمعاتهم، كتحمل المسؤولية وإخلاص النوايا والتضحية والشجاعة والصبر والفكر العميق والخلفية العلمية والثقافية والتعلّم من التجارب السابقة .. كما يحتاج إلى عين دقيقة من الآباء والأمهات، ترصد بوادر التميز والنبوغ في هذه الصفات لدي أبنائهم، أو استيعابهم وفهمهم للمكتسبات العلمية والثقافية التي حصّلوها في مراحل تعليمهم .. وهذه النقطة تحديدا هي ما سوف أسلط عليها مزيدا من الضوء ؛ حتى أستجلي الحقيقة وأضع يدي على مصدر الخلل فيها إن شاء الله .
وينبغي أيضا أن نربط بين ما نعتبره مواهب في الأبناء وبين أهداف الأبناء والآباء في الحياة ..
فالابن الذي يحب أن يكون طبيبا يستشعر أن امتلاكه خاصية المعرفة في مجالات الطب هي الموهبة الكبرى لديه، والأب صاحب الأموال والتجارات الكثيرة المتعددة يحب أن يرى ابنه مديرا ناجحا ويعتبر أن امتلاكه لحاسة الإدارة هي قمة التميز .. إذن .. فالموهبة من حيث الشعور بوجودها تخضع لأماني الأشخاص، وهذه الأماني بدوها تخضع لظروف محيطة بهم، سواء كانت ظروفا ثقافية أو مادية أو اجتماعية ..
وربما يكون الوالد يتمنى لولده أن يكون طبيبا ناجحا أو إداريا بارعا، لكنه يكتشف في الابن مواهب أخرى بعيدة كل البعد عن المجال الذي يحب أن يسخر فيه طاقاته.
ومن الملاحظ أن الأُسَرة المصرية على وجه التحديد تفهم ما يخص موهبة أبنائها وتَمَيُّزَهم بشكل مغلوط نوعا ما .. وأخُص الأسرة المصرية حتى أكون دقيقا في تحليلي ولا أتجاوز إلى بلاد أخرى ربما يختلف فيها المعيار عند الأسرة فيما يتعلق بمواهب الأبناء ..
فالموهبة في مفهوم الأسرة المصرية، هي كل ما يسمى اليوم فَنّاً، أي فنًّ شئت، إذا لاحظ الأب والأم أن ابنهما يميل إلى الرسم، ثم انتقل هذا الشعور إلى الأقارب والأصدقاء، سارع أولئك بنصيحتهم أن ينمّوا موهبة الطفل النابغة حتى لا تضيع سدى!! .. وإذا شعر الوالد من ابنه مهارة في تحريك الكرة برجليه سارع باصطحابه إلى أحد النوادي، ربما يكون ذا شأن ويستفيد بموهبته!! .. وكذلك إذا كان الولد ميالا إلى الموسيقى أو الغناء، فيا سعد أبويه بتلك الموهبة الأخّاذة!!
وعلى هذا: تكاد الموهبة إذا ذُكِرَتْ تنحصر في هذه الأطُر .. الغناء، واللعب، والرسم، والموسيقى .. فهل هذه الأمور تستحق العناية البالغة التي تحظى بها في مجتمعنا الآن؟ .. وهل بالغناء والموسيقى والرسم ولعب الكرة سنعدّ جيل النصر والتمكين؟ ..
لا أتصور دور هؤلاء في المعارك والمواقع المصيرية يكون مثل دور من زرع وحصد وتشققت يداه من الإمساك بفأسه تحت شمسٍ حامية الوطيس، أو حتى مثل طفل ينام تحت سيارة لا تبخل عليه بخرير زيوتها وشحومها وهو يمسك بأجزائها ليصلح ما بها من العطب.
نعم قد يعبّر الرسام عن مأساة قومه وأهله، والمغني قد يحرك الشجون ويحمّس النفوس .. لكن الحق، أن هذين وغيرهما يوجد من يقوم بدورهما من أهل العزم والعزيمة، فالكاميرا التي يحملها مصور تنقل الواقع أفضل من تخيلات الرسام، والشاعر الذي يعايش المرحلة ويدرك حجم المسؤولية يستطيع أن يلهب المشاعر، والكاتب المخلص سوف تستجيب له العقول والقلوب وتتحرك بعد أن يكشف الحق ويجلّي الحقائق ..
أما المواهب الحقيقية التي ينبغي أن ينميها الأبوان في أبنائهما، هي تلك التي تغرس فيهم القدرة على تحمل المسؤوليات، وإحسان التخطيط للمستقبل، وبُعْدِ النظر، والمهارات الفكرية والعقلية والاجتماعية ..
كثيرا ما أرى طفلا صغيرا تبدو عليه مخايل الحكمة وسعة العقل، ويسبق سنه بمراحل عديدة، لكنه في النهاية يضيّعه قومه ويقضي أبواه على موهبته النادرة، ظنًّا منهما أنه لا بد أن يعيش سنّه ومرحلته، ولا يدركان أن قمة اللذة عند الصغير هي احترام الكبار لعقله وتفكيره !!
إن الفتي الموهوب هو الفتي الذي تستطيع الاعتماد عليه، وهو الذي يخرج مما يتعرض له من الأزمات بطرق صحيحة تمليها عليه موهبته الناشئة ..
يا أيها الآباء .. دققوا النظر جيدا في أبنائكم، واعرفوا العقلاء منهم، حتى لا تخسروا جيلا آخر ولا تقر أعينكم بنصرة هذا الدين ورفعة هذه الأمة.
المصدر
- مقال:أبناؤنا بين الموهبة الحقيقية والموهبة المزيفة .. !!موقع:الشبكة الدعوية