أزمة الدولة.. بين العلمانيين والإسلاميين

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

لم يتشكل الوجود التاريخي والسياسي للعرب إلا بالإسلام ومن خلاله، إذ كان العرب قبل الإسلام مجرد شتات وقبائل، وما تجمَّع منها كان تابعًا لقوة أخرى كبرى، فكان يُطلق على (المناذرة) عرب فارس، وعلى الغساسنة (عرب الروم). وعندما قامت للعرب بالإسلام (دولة) مستقلة عن جوارها فارس والروم، إنبعثت فيهم حضارة أشرقت شمسها على العالم أجمع. فكان الإسلام أكبر من مجرد طقوس ونُسك، إذ كان منهج حياة ونظام متكامل، إنتمي إليه المسلم عقيدة، وغير المسلم حضارة.

وعندما غاب ظِلُّ الإسلام عن العرب بسقوط دولته، عاد العرب مرة أخرى إلى سيرتهم الأولى، (قبائل) شتى تعيش في تبعية غيرها من القوى الكبرى.. وكل (المحاولات والمشاريع السياسية المبنية على دعوات غير إسلامية، مثل القومية، أو العلمانية، أو الشيوعية.. وكلها على الإطلاق كُتب له الفشل المطلق، ولم نرَ حتى اليوم أي تجربة حضارية في العالم العربي.. فلا حضارة للعرب من غير الإسلام)

وقد أدرك المستعمر الغربي الغازي هذه الحقيقة، فحارب الإسلام دينًا ودولة، حين أوهن الأولى وحاصر الثانية، فاصطنع للعرب (دولة) منقوصة السيادة، وساعده على ذلك (نخبة) علمانية جاهلة بدينها وتاريخ أمتها، و(حكام) مستبدون حكموا شعوبهم بالحديد والنار.

ثم إنبثقت في الأمة صحوة إسلامية راشدة.. أعادت الحياة لمفهوم (الأمة) ومهدت لانبعاث الدولة، دفاعًا عن استقلال الأمة ودورها التاريخي والحضاري.

الدولة وأصالة المفهوم

ومفهوم الدولة مفهوم أصيل عند ابن خلدون عندما تحدث في مقدمته عن أحوال العرب، كيف كانوا وكيف أصبحوا، فأشار إلى ثلاثة أنواع من الحكم، (المُلْك الطبيعي والمُلْك السياسي والخلافة)، ولخص د. الشنقيطي ما ذهب إليه ابن خلدون فقال: (أعلى أنماط الحكم السياسي في الإسلام مَرْتبة هو دولة الشرع والعدالة الإلهية، وهي تتأسس على التعاقد والتراضي في بنائها، وتلتزم بالمرجعية الأخلاقية والتشريعية الإسلامية، فهي تجمع بين الشورية والمرجعية الإسلامية. وهذه هي الدولة الإسلامية المعيارية، المنسجمة مع القيم السياسية الإسلامية، لأنها ملتزمة بـ"مقتضى النظر الشرعي" وجامعة بين "المصالح الأخروية والدنيوية" حسب تعبير ابن خلدون.

وأوسط الأنظمة السياسية مَرْتبة من منظور إسلامي، هي دولة العقل والعدالة البشرية التي لا تهتدي بهداية سماوية، لكنها تَجْهد في تحقيق العدل والصالح العام طبقا لمقتضيات العقل والتجربة والإنصاف الإنساني. وينطبق هذا التعريف -في السياق المعاصر- على كل الدول الديمقراطية التي تتأسس على التراضي والتعاقد، لكنها لا تلتزم بالمرجعية الإسلامية، وهذا النمط من الدول منسجم مع قيم الإسلام السياسية في بنائه لا في مرجعيته.

وأدنى الأنظمة السياسية مَرْتبة من المنظور الإسلامي هو مرتبة دولة الهوى، أو "الغرض والشهوة" بلغة ابن خلدون. فهي دولة تتأسس على القهر والجبْر في بنائها، ولا تلتزم بمرجعية قانونية، لا إسلامية ولا غير إسلامية. ويدخل تحت هذا الصنف كل دول الطغيان والاستبداد. ودولة الهوى تناقض قيم الإسلامية السياسية -بناء وأداء- في كل شيء، حتى وإن كانت غالبية سكانها مسلمين) [١]

والدولة في الإسلام، غيرها في الأنساق الثقافية والمرجعيات الأخرى، فمن الجلي (أن الدولة في التاريخ الإسلامي لم يتوجه اهتمامها فقط إلى شؤون المساجد والعبادة والتعليم الديني وتحفيظ القرآن، بل توجه اهتمامها -بالإضافة إلى ما سبق- إلى شؤون الدنيا بمختلف صنوفها من زراعة وتجارة واقتصاد وإدارة وأسرة وتعليم ..، ومما يؤكد اهتمام الدولة الإسلامية بالدنيا أن القرآن الكريم أمر بأن تصرف أموال الزكاة إلى الفقراء والمساكين، وفي إعتاق العبيد، وفي تأليف القلوب، ولم يصرف منها شيء لدور العبادة أو للعلماء والمشايخ القائمين على المساجد.. وعدّ الإسلام إعمار الأرض هدفا من أهداف خلق الإنسان فقال تعالى "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب" (سورة هود، 61) [٢]

ولم تعرف المجتمعات الإسلامية طوال تاريخها، منذ نشأتها في المدينة وحتى سقوطها في النصف الأول من القرن العشرين، ما يُعرف بـ (الدولة الدينية) التي يدعي فيها الحاكم أنه يحكم بتفويض من الله! وهى المشكلة التي نشأت في التجربة الغربية، فإثارة (الدولة الدينية) في المجتمعات الإسلامية أمر مشكوك في نوايا من يثيرها، يقول الاستاذ فهمي هويدي في ذلك: (إن استحالة إقامة الدولة الدينية مع استمرار هجائها والتنفير منها، وكيل المدائح للدولة المدنية، لا يمكن تفسيره إلا بأن المراد به التنفير والتخويف مما هو منسوب إلى الدين)، وأضاف (إن الذين دأبوا على هجاء الدولة الدينية تحدثوا عن الإسلام بلغة المستشرقين. فقد انطلقوا من أنه ينفي الآخر ويقمعه، رغم سجله المشهود في احتواء الجميع باختلاف مللهم ونحلهم. كما أنهم تجاهلوا تماما الخبرة المدنية العريضة في التجربة الإسلامية، التي حققت نجاحات كبيرة على مدار التاريخ ممثلة في الأوقاف التي ظلت تؤدي دور الرافعة للمجتمع الإسلامي، ولا تزال تؤدي دورها الحيوي حتى الآن في المجتمع التركي.. إن الإلحاح على إقصاء الإسلام بحجة مدنية الدولة لا يعيد إنتاج خطاب النظام الإقصائي السابق فحسب، ولكنه يشكل تحديا بل عدوانا صارخا على إرادة الأغلبية الساحقة من المصريين)

وعلى الرغم من استقلال مصر ظاهريًا في عام 1922، إلا أن الهيمنة الغربية إستمرت بشكل ضمني عليها، وقد ظهر أثر الهيمنة الثقافية في ظهور نخب مثقفه جديدة، درس أغلب أفرادها في المدارس الغربيه منذ نهايه القرن التاسع عشر، واستلمت لاحقًا زمام القياده في أغلب الدول العربيه التي نالت استقلالها فيما بعد..

الدولة.. والنخبة العلمانية

مثلت العلمانية الوافدة في مصر والعالم العربي بوابة المستعمر في السيطرة على الأمة وهدم مقومات وجودها وحضارتها، إذ يفضل المستعمر التعامل مع شعوب تحتقر تاريخها وتتبرأ من هويتها الحضارية، وهذا ما وفره التيار العلماني بدرجات متفاوتة بينهم، كما قاموا في كثير من الأحوال بإسناد الحاكم المستبد الذي يقمع الشعوب إذا ما اختارت يومًا إسلاميًا يمثلها ويعبر عنها! وبالجملة.. فقد خاصمت الدين، وطعنت في هوية الأمة وتاريخها، ومارست النفى والإقصاء مع قطاع واسع من مثقفي الأمة وأهل الرأى فيها..

فبرغم أن العلمانيين يقدمون (أنفسهم قاطبة على أنهم أصحاب فكر تقدمي مستنير وعقلاني، بل وحقوقي وإنساني، يقبل الآخر ويتعايش معه، لكن من الناحية العملية نرى أن أفعالهم تتناغم مع أقوالهم إذا تعلق بالآخر الغرب المستعمر قديما والمستبد والمسيطر حديثا. وأما إذا تعلق بالإسلامي ابن البلد والوطن واللغة والدين والهم المشترك فيغلب أسلوب الإقصاء والتهميش والتحقير والإدانة: رجعي متخلف طوبوي ظلامي، بل عنيف عنصري متعطش للدماء وإرهابي)[٣]

وكتابات العلمانيين المصريين طافحة بكم من الكراهية والإقصاء تجاه الجميع، إذ (لا يفرق العلمانيون في خطابهم بين الدين الرسمي والإسلاميين، فالكل في سلة واحدة، الدين الرسمي ممثلا بوزارة الأوقاف وجهاز الفتوى والمجالس العلمية وغيرها من المؤسسات الدينية التابعة للدولة، والإسلاميون بشتى أطيافهم، كلهم في نظر العلمانيين مؤسسات رجعية تغذي التطرف والظلامية.. وقد افتتح نصر أبو زيد كتابه - نقد الخطاب الديني - بالتأكيد على هذه الحقائق، وصب جام غضبه على من يوصفون إعلاميا بالمعتدلين الرسميين أمثال محمد متولي شعراوي والأزهر، أو من هم خارج الدائرة الرسمية كالغزالي، وأكد أنه لا فرق بين الجميع إلا حول مجال تطبيق المبدأ لا حول المبدأ نفسه، بل أكد على أنه من الظلم الفادح فضلا عن عدم الدقة العلمية التفريق بين التيار الإسلامي الممثل في الصحوة الإسلامية وبين الخطاب الرسمي.. وكذا أكد هاشم صالح في - الإسلام والانغلاق اللاهوتي - على أنه لا فرق بين الإسلام الرسمي والإسلام المتطرف، ولا بين المتشدد والمعتدل.. وصرح خليل عبد الكريم أنه لا يرى بين الإسلاميين معتدلين ومتشددين، بل جميعهم سواء حسب تعبيره.. ووصل الأمر ببعضهم إلا الطعن في الصحابة! ومنهم سيد القمني) [٤]

ورصد الشنقيطي نتائج حكم العلمانيين، فقال: (ولم تؤد العلمانية القهرية في العالم العربي والإسلامي إلى انشطار الذات الثقافية فحسب، لكنها كانت أيضا البوابة الواسعة التي دخلت منها التبعية السياسية والاستراتيجية. وقد لاحظ صمويل هنتنغتون ارتباط العلمانية والتبعية في الحالة التركية. وأوضح أن أهم حاجز بين تركيا والتحول إلى "دولة المركز" التي تقود العالم الإسلامي هو الشطط الأديولوجي العلماني الذي فُرض على شعبها، وما ترتب عليه من التبعية للغرب، بينما تدعوها مكانتها وتاريخها وثقافتها إلى أن تكون رأسا في العالم الإسلامي، لا ذنَباً في الغرب) [٥]

وهكذا تعاملت العلمانية في الوطن العربي والإسلامي مع الدين بمنطق الخصومة والإقصاء والإستبعاد، رغم أن الغرب لم يستبعد الدين من حياته السياسية والتشريعية، وله حضور لافت في سياسات وقرارات العديد من الدول الغربية وأمريكا[٦]

فتسبب ذلك في إستمرار حالة التردي في العالم الإسلامي، وعجزت النخب العلمانية عن إنقاذ الوضع، مما أدى إلى ظهور حركة شابة فتية على يد حسن البنا، تدعو إلى العودة إلى الإسلام عقيدة وشريعة دينًا ودولة..

الدولة.. والإسلاميون

فمع سقوط دولة (الخلافة) العثمانية، وازدياد الهجمة الغربية الإستعمارية على العالم الإسلامي، إنفكت عرى (الأمة) الواحدة، وعاد العرب مرة أخرى إلى دولة (القبيلة)، فتنعزل كل (قبيلة) عما سواها، في تدبير أمورها والدفاع عن نفسها والتخطيط لمستقبلها.. وفي هذا تفريط أى تفريط.

وحينذاك ظهر حسن البنا وجماعته التي أسسها باسم (الإخوان المسلمين) عام 1928، في محاولة جادة وعملية لوقف مسلسل الهزائم التي لحقت بالأمة.. فكان خطاب (الدولة) حاضرًا بقوة، كجزء من المشروع الحضاري الإسلامي.

وضع الإمام البنا على رأس أهداف دعوة الإخوان المسلمين هدفين رئيسيين؛ أولهما: تحرير العالم الإسلامي من الاستعمار الأجنبي، والثاني "أن تقوم في هذا الوطن الحُرِّ دولةٌ إسلاميةٌ حُرَّةٌ تعمل بأحكام الإسلام وتُطَبِّق نظامَه الاجتماعي، وتُعْلن مبادئه القويمة وتبلِّغ دعوته الحكيمة الناس.

وقال: "يفترض الإسلام الحنيف الحكومة قاعدةً من قواعد النظام الاجتماعي الذي جاء به للناس، فهو لا يُقِرُّ الفوضى، ولا يدع الجماعة المسلمة بغير إمام، ولقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه: "إذا نزلت ببلد وليس فيه سلطان فارحل عنه"، كما قال في حديث آخر لبعض أصحابه كذلك: "إذا كنتم ثلاثة فأمِّروا عليكم رجلاً"

لم ينظر حسن البنا إلى الدولة الإسلامية نظرةً بسيطةً سطحيةً تعتمد على التعريف الموجز للدولة كـ"أرض وشعب وحدود وسيادة" فقط، بل تعدَّاها إلى مناحٍ أكثر عمقًا وفهمًا للدولة بمكوناتها ووظائفها، ومنها مفهوم "الوطنية" الذي هو أساس الدولة القومية الحديثة.

حدد الإمام البنا حدود وطنية المسلم بـ"العقيدة الجامعة والشاملة" وليس بالحدود الجغرافية الضيقة، وقال في هذا المُقام: "إنَّنا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة، وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية، فكلِ بقعةٍ فيها مسلمٌ يقول (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وطنٌ عندنا له حرمته وقداسته وحبه والإخلاص له والجهاد في سبيل خيره، وكلُ المسلمين في هذه الأقطار الجغرافية أهلنُا وإخوانُنَا، نهتم لهم ونشعر بشعورهم ونحس بإحساسهم"

بدأ حسن البنا في تحديد القواعد الرئيسة لنظام الحكم الإسلامي، في رسالة "مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي"، فقال بأن نظام الحكم في الإسلام يعتمد على القواعد الثلاث الآتية: مسئولية الحاكم، واحترام إرادة الأمة، والمحافظة على وحدة هذه الأمة، على أنْ يكون نظام الحكم الإسلامي نظامًا نيابيًّا يقوم على الشورى والانتخاب والتداول السلمي للسلطة، والحفاظ على المصلحة العام للأمة

ولهذه الدولة سماتها، ومنها أنها دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية كما سبق القول تقوم على أساس العقد الاجتماعي بين المحكومين والحاكم، وعلى أساس ذلك يكون لكل فرد فيها الحق في المواطنة، فهي إذن دولة مواطنة ذات طابع تمثيلي، أي الشورى نيابة الأمة من جانب أهل الحل والعقد، كذلك هي دولة تعددية تقوم على أساس مبدأ تداول السلطة، وتكون السيادة فيها للمؤسسات لا الأفراد، وكذلك للقانون وليس للأحكام العرفية، أو ما يُعرف في الأدبيات الحديثة باسم قوانين الطوارئ[٧] لقد كانت (الدولة) الإسلامية ضرورة وجود وحماية للأمة العربية والإسلامية، كما كانت ضرورة نفوذ وتأثير وحضارة في العالم أجمع، التفريط فيها أو العبث بخصائصها، إيذان بالسقوط والإنحدار والضياع.

المصادر:

  1. محمد مختار الشنقيطي – الدولة العلمانية المستحيلة
  2. غازي التوبة – ما هى الدولة المدنية؟
  3. موقف العلمانيين من علماء الأمة https://www.alhesn.net/PLAY/14489%0A%0A
  4. المصدر السابق
  5. محمد مختار الشنقيطي – الدولة العلمانية المستحيلة https://antiphishing.biz/Check_Shortest.Link/wVJ6?l=en
  6. حقيقة موقف العلمانية الغربية من الدّين والموقف الإسلامي https://antiphishing.biz/Check_Shortest.Link/wVJ6?l=en
  7. الدولة الإسلامية في فكر الإمام الشهيد حسن البنا (2- 2) https://www.ikhwanonline.com/ARTICLE/22725