الإيجابية في حياة الأفراد والمجتمعات (7)
بقلم : محمد فتحي النادي
12-تجعل المرء يتحمل مصاعب الحياة ويتغلب عليها
الحياة لا تسير دائمًا على وتيرة واحدة؛ فيوم حلو وآخر مر، وكما قال الشاعر أبو البقاء الرندي:
لِكُلِّ شَيءٍ إِذا ما تَمّ نُقصانُ
- فَلا يُغَرَّ بِطيبِ العَيشِ إِنسانُ
هِيَ الأُمُورُ كَما شاهَدتُها دُوَلٌ
- مَن سَرّهُ زَمَن ساءَتهُ أَزمانُ
والإنسان السلبي هو الذي تغلبه الأزمات، وتصرعه الملمات، وربنا سبحانه وتعالى يأمر المسلمين بقوله: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا}[آل عمران: 139]، تهنوا، أي: تضعفوا؛ فالوهن هو سبب تكالب الأعداء علينا؛ فالهزيمة داخلية قبل أن تكون خارجية، وهذا هو الواضح من قوله -صلى الله عليه وآله وسلم: "يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا". فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ" فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: "حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ"([1]).
فما قيمة العدد الكثير الذي لا يقوى على تحمّل المشاق، وينكص على عقبيه عند ملاقاة الأهوال، وكما يقال: العبرة بالكيف لا بالكم، وهذا معلوم من قوله تعالى: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}[البقرة: 249].
فبتوطين المرء نفسه على الجلَد والصبر والمثابرة يكون قد أخذ عدته التي بها يلاقي أصعب الظروف وأحلكها، ويخرج من تلك المعركة منتصرًا ظافرًا.
وَهَلِ الْفَتَى الْكَشَّافُ إِلاَّ مَنْ رَمَى
- مَرْمَىً وَلَمْ يَخْشَ اعْتَرِاضَ مَصَاعِب([2])
وَلاَ زِلْتَ تَجْنِي النَّصْرَ مِنْ شجَر الْقَنَا
- وَتُدْنِي الأَمَانِي وَهْيَ شُمسٌ مَصَاعِب([3])
فأَعياهُ ما لاقَى فَلَمْ يُثْنِ عَزْمَهُ
- مَصاعِبُ حالتْ دُونَ ما هُوَ راغِبُه([4])
وبالصبر الجميل حملت نفسي
- فنلت به المآرب والخلالا([5])
ومن أعظم الصور على تحمل المصاعب في سبيل الدعوة التي آمن بها أصحابها هؤلاء السحرة الذين ظهر لهم الحق فاتبعوه، وبان لهم الصدق فانتهجوه، رجال اختاروا ما عند الله، وصبروا وصابروا، وتحملوا الأذى في أبشع صوره، وذاقوا الموت في أفظع أشكاله وألوانه، لكن برد اليقين، وعظيم التوكل، ونعيم المأوى أفقدهم شدة العذاب الملقى عليهم، فأصبحوا حالمين بغد وردي دائم سرمدي، لا نصب فيه ولا وصب، فتحدوا الموت، وضحكوا في وجهه بقلوب راضية، وأنفاس مطمئنة، وأعضاء صابرة شاكرة تعلم أنها منقولة من دار المعاناة إلى دار المحاباة، منقولة من الفانية القذرة إلى الباقية العطرة، إلى نعيم الله المقيم، ورضوانه المستديم، لسان حالهم يقول:
اللهم لا عيش إلا عيشك، ولا رزق إلا رزقك.
حدثنا القرآن عنهم فاسمعه يقول: {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى}[طه:65-73].
13-تجعل المرء يُؤمِّن حصنه الداخلي (الأسرة) بحسن التربية والإعاشة
المرء اليقظ المتنبه الذي يعرف غايته في هذه الحياة الدنيا ويعمل لها يعرف أنه -إن فقد السيطرة على حصنه- لن يجد الملاذ الآمن الذي يفر إليه من مصاعب الحياة، ليعيد فيه حساباته وترتيباته، ويعاود الكرة في هذه الحياة ليبلغ رسالته المنوطة به.
وتأمين هذا الحصن يأتي عن طريق التربية الإسلامية السليمة القائمة على أسس ربانية، وكذلك الإنفاق على الأهل، وتوفير احتياجاتهم حتى لا يكونوا عالة يتكففون الناس.
يقول الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ... وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ..."([6])، ويقول كذلك: "كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ"([7])، ففي هذين الحديثين النبويين الشريفين بيان شامل من النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على أن الإنسان المسلم مسئول أمام الله عن أبنائه وأهله، وعندما يعلم الإنسان أنه مسئول لاشك أنه لن يدخر وسعًا في السعي الدءوب، والعمل المستمر الجاد من أجل إيجاد وإتاحة حياة كريمة لأهله تليق ببني الإنسان، وتشعره بعظم المسئولية الملقاة على عاتقه، فهو حينئذ سيسعى السعي كله من أجل النهوض بالمسئولية التي فرضت عليه.
فالأبناء ثمرة فؤاد آبائهم، ومصدر فرحتهم وسعادتهم؛ فالآباء يفرحون بفرح أبنائهم، ويحزنون لحزنهم، ومن هنا يستسهلون الصعاب، ويستحلون المر من أجل سعادتهم، والإبقاء على فرحتهم؛ حيث يقول الشاعر:
وإنما أولدنا بيننا
- أكبادنا تمشي على الأرض([8])
لقد زاد الحياة إليّ حبًّا
- بناتي إنهن من الضعاف([9])
فمن هنا، الإيجابية تشعر المرء أنه مسئول، وتبين له مكانته المنوطة به مما يدفعه ويحثه على العمل الدءوب المتواصل، والصبر على الصعاب، حتى يؤدي ما عليه من واجبات، فأنعم بها صفة، وأكرم بها دافعًا وحافزًا، وأجمل بها تبعة، تلك هي الإيجابية.
14-تمنع المرء من الوقوع في اليأس والقنوط
من ذاق طعم الفشل عرف لذة النجاح، والنجاح كوميض البرق ما يلبث أن يظهر حتى يختفي؛ فالمحافظة على النجاح تحتاج إلى صبر ومثابرة وعزم أكيد، وكما قيل: الوصول إلى القمة سهل، ولكن الحفاظ عليه هو الصعب.
والمرء إذا أخطأ طريق النجاح مرة لابد أنه سيصيبها في مرة أخرى قادمة، فالمهم ألا نيأس، وألا يدب القنوط في نفوسنا؛ فاليأس والقنوط عقبة كئود في طرق نجاح الدعوات، ولو أن كل صاحب دعوة ربانية، أو غاية نبيلة، أو هدف سامٍ قابلته مشكلة يترك ما يريد أو ما أُريد له من شدة الإحباط لما بُلّغت الرسالات ولا عرفت الشرائع، ولنا الأسوة والقدوة في أصحاب الدعوات الربانيين من الأنبياء والرسل الذين واجهوا مجتمعاتهم المنحرفة عن النهج السليم وحدهم، فمنهم من فتح الله له القلوب بعد انغلاقها، ومنهم من لم يزدهم دعاؤه إلا فرارًا، ولكنه لم ييأس ولم يفتر حتى جاءه الفرج من الله سبحانه وتعالى.
ولقد قال الله I على لسان يعقوب u في خطابه لأبنائه في معرض توصيتهم، وحثهم على الصبر، وعدم اليأس في رحلة البحث الشاقة عن أخويهم: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}[يوسف: 87].
ففي هذه الدعوة الحانية التي خرجت من فم أب حانٍ دافع مكين، وحافز متين، وناصر مبين لأبناء مساكين غرباء مستضعفين، تركوا أوطانهم وغادروا ديارهم، وقد كثر واترهم، وقلّ ناصرهم، وصعبت مسالكهم، وتاه دليلهم، وطال طريقهم، فبدلهم أبوهم بخوفهم أمنا، وبضلالتهم هدى، وبيأسهم رجاء عندما ذكرهم بمن يطمئن الخائفون في رحابه، ولا يرد السائلين عن بابه، ولا يُسلم المتحصنون بجنابه، الذي جعل أهل القرآن أهله وأحبابه، الله رب العالمين.
فالإنسان الإيجابي يعلم أن الأمور تجري بمقاديرها، وأن بعد العسر يسرًا، وهو بذلك محصن ضد اليأس، لا يعرف اليأس إلى قلبه سبيلاً؛ لأنه وضع نصب عينيه قول القائل:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى
- ذرعًا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
- فرجت وكنت أظنها لا تفرج
والإيجابية تجعل المرء يكرر محاولاته كلما باءت إحداها بالفشل، ولا تقعد به الهموم.
وكما قال الشاعر:
لا تَيأسن وَإِن تَصعبت المُنى
- فالصَعبُ قَد يَرتاضُ بَعدَ نِفار([10])
وقال غيره:
مالِ العزائمِ والهِمَّات خامدةٌ
- والجورُ والظلمُ في الدنيا قد اتَّسقَا
لكنْ عسَى الله أن يأتِي بنُصْرَتِهِ
- لا تَيْأَسَنَّ وكُنْ بالله مستبقًا
واسمعْ مقالَيَ لا تبغِي به بدلاً
- سَلِّ الهمومَ وخَلِّ الغيظَ والحَنَقَا([11])
وقال أبو العتاهية:
يا صاحب الهمّ إنّ الهمّ منقطعٌ
- أبشر بذاك فإنّ الكافي اللّه
اليأس يقطع أحيانًا بصاحبه
- لا تيأسنّ كأن قد فرّج اللّه
اللّه حسبك ممّا عذت منه به
- وأين أمنع ممّن حسبه اللّه
هنّ البلايا ولكن حسبنا اللّه
- واللّه حسبك، في كلٍّ لك اللّه
هوّن عليك فإنّ الصانع اللّه
- والخير أجمع فيما يصنع اللّه
يا نفس صبرًا على ما قدّر اللّه
- وسلّمي تسلمي فالحاكم اللّه
يا ربّ مستصعب قد سهّل اللّه
- وربّ شرّ كثير قد وقى اللّه
إذا بكيت فثق باللّه وارض به
- إنّ الذي يكشف البلوى هو اللّه
الحمد للّه شكرًا لا شريك له
- ما أسرع الخير جدًّا إن يشا اللّه ([12])
وقال آخر:
ومن لا يحبُّ صُعودَ الجبالِ
- يَعِشْ أبَدَ الدَّهرِ بَيْنَ الحُفَرْ([13])
([1]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ح(21363)، وأبو داود في "الملاحم"، باب: "في تداعي الأمم على الإسلام"، ح(3745)، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود"، ح(4297).
([2]) البيت لخليل مطران.
([3]) البيت للسان الدين الخطيب.
([4]) البيت لمصطفى الغلاييني.
([5]) البيت لصاحب الكتاب الأستاذ محمد فتحي.
([6]) أخرجه البخاري في "الجمعة"، باب: "الجمعة في القرى والمدن"، ح(844) ومواضع أخرى، ومسلم في "الإمارة"، باب: "فضيلة الإمام العادل..."، ح(3408).
([7]) أخرجه أحمد، ح(6207)، وأبو داود في "الزكاة"، باب: "في صلة الرحم"، ح(1442)، وقد حسنه الألباني في "صحيح سنن أبي داود"، ح(1692).
([8]) البيت لحطان بن المعلى.
([9]) البيت لعيسى بن فاتك.
([10]) البيت للجزار السرقسطي.
([11]) الأبيات للغشري.
([12]) القاضي التنوخي: الفرج بعد الشدة.
([13]) البيت لأبي القاسم الشابي.
المصدر
- مقال:الإيجابية في حياة الأفراد والمجتمعات (7)موقع:الشبكة الدعوية