الحديث الذى أدلى به الشيخ حسن البنا بعد حل الجمعية ومقتل النقراشى باشا

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الحديث الذى أدلى به الشيخ حسن البنا بعد حل الجمعية ومقتل النقراشي باشا


الإخوان المسلمون لم يتصلوا بأية دولة أجنبية


صادف قيام حرب فلسطين سلسلة من الانفجارات الداخلية والحوادث أدت إلى توتر الحالة فى مصر، وانتهت بأن أصدر المغفور له دولة محمود باشا النقراشي باشا أمرًا عسكريًّا بحل جمعية الإخوان المسلمين. وزاد الأمر العسكرى الحالة توترًا، وباتت البلاد ونذر الشر تخيم عليها، وإذا بحادث أليم يقع فيهز أركان الوادى وهو حادث اغتيال المغفور له دولة النقراشي باشا.

وجاء هذا الحادث ليزيد الأمور تعقيدًا، وأشيع فى هذه الآونة أن الأستاذ الشيخ حسن البنا مهددًا بالاغتيال، ولذلك رأى المصرى أن يستوضح فضيلته رأيه فى موقفه وموقف جمعية الإخوان المسلمين بعد حلها، وما تبع الحل من حوادث جسام. فأدلى البنا رحمه الله بالحديث الخطير مكتوبًا بخطه، ووقع فضيلته على كل إجابة، وقد امتنعنا عن نشره فى حينه لظروف لعلها لا تغيب عن ذهن كل قارئ.

  • كان لما حدث للإخوان المسلمين أخيرًا صداه فى مختلف الدوائر السياسية التى كانت ترقب باهتمام حركات الجماعة، وآثارها فى مختلف الشئون الإسلامية والعالمية، لذلك رأينا أن نستوضح فضيلتكم فى الأسباب التى دفعت بالمسئولين فى مصر إلى اتخاذ تلك الإجراءات.
لا يمكن بالتحديد أن أحصر الأسباب التى دعت الذين أصدروا هذا القرار إلى إصداره، ولكن يقال: إن من هذه الأسباب التحول الذى طرأ أو فى النية أن يطرأ على اتجاهات السياسة البريطانية فى الشرق، ومن المعلوم أن بريطانيا تعتبر الإخوان المسلمين قوة وطنية متطرفة تعزو إلى دعايتهم تعطيل مشروعات الاتفاق بينها وبين مصر.
كما يقال: إن من هذه الأسباب العوامل الحزبية التى تصاحب قرب موعد الانتخابات النيابية، إذ إنه من المعروف أن الحزب السعدى يريد أن يظفر بأغلبية برلمانية تمكنه من الاستمرار فى الحكم، ومن المعروف أن الإخوان المسلمين هم قوة شعبية ينتظر منها الصعود فى هذا الموقف، فمن التكتيك الحزبى أن يسوء موقفهم بمثل هذا العمل قبل حلول موعد الانتخابات الذى سيكون فى أكتوبر 1949 ما لم تطرأ عوامل أخرى على الموقف.
ويقال كذلك: إن رغبة الحكومات العربية فى إنهاء قضية فلسطين ولو على غير ما يريد الفلسطينيون كان من العوامل التى أوحت إلى لحكومة المصرية بهذا الموقف.
ويقال أيضًا: إنه كان هناك من الضغوط الأجنبية ما لم تستطع الحكومة المصرية إلا أن تتخذ هذا الإجراء.وعلى أى حال فهو موقف يؤسف له، وقد أدى إلى عكس المقصود منه، وما لم يعدل فى وقت قريب، فإن الأمور فى الداخل والخارج لا يمكن أن تستقر على هذا الأساس من الضغط والظلم والتحدى والإرهاق.
  • هل تنتظرون فضيلتكم أن تقتدى الحكومات الإسلامية الأخرى بمصر فى اتخاذ إجراءات مماثلة مع فروع الجماعة ومنظماتها فى شعوبها، أم إنما هى إجراءات محلية لا تمتد إلى الإخوان المسلمين بصفتها هيئة عالمية؟
لا أنتظر ذلك؛ فإن الإخوان المسلمين يقومون فى كل حكومة من هذه الحكومات ولكل شعب من هذه الشعوب بأجل الخدمات، ولولا أن لطبيعة دولة النقراشي باشا رحمه الله ولبعض العوامل النفسية والتصورات الخاصة التى استولت عليه أكبر الأثر فى هذا العمل لما حدث فى مصر نفسها، ولهذا أعتقد أنها إجراءات محلية بحتة، وسوف لا تلبث أن تزول بإذن الله.
  • هل ترون أن الإجراءات التى اتخذت كانت من وحى تفكير مصرى خالص، أو هنالك يد أجنبية كان لها فى ذلك تأثير، وإذن فلمن تكون هذه اليد؟
يقال: إن هناك ضغوطًا أجنبية دفعت الحكومة المصرية، وإنه كان للسفير البريطانى والسفير الفرنسى والقائم بأعمال السفارة الأمريكية أثر فى ذلك، وإن كانت الحقيقة أن الإخوان المسلمين لا يضمرون لدولة من الدول، ولا لشعب من الشعوب، ولا لطائفة من الطوائف عدا الصهيونيين المحاربين إلا الخير.
  • ما هو مصير قوات الإخوان المسلمين المجاهدة فى فلسطين فيما لو قررت الحكومات العربية الانسحاب منها ومهادنة اليهود أو مصالحتهم؟ وهل تحارب هذه القوات تحت إشراف قوة من قوى الدول العربية أم تعمل مستقلة؟
لا تزال هذه القوات تجاهد فى مراكزها ببسالة وشجاعة وإيمان، وهى تحارب الآن تحت إشراف الجامعة العربية، ولا يمكن الآن تحديد موقفها فى المستقبل، وإن كانت القاعدة العامة أن الإخوان المسلمين جميعًا قد عاهدوا الله أن يظلوا مجاهدين فى سبيله حتى تتحرر فلسطين من عصابات الصهيونية المعتدية، وتعود إلى أهلها العرب.
  • يشيع خصومكم فى الأوساط السياسية أن للإخوان علاقة بالشيوعيين، ويستدلون على ذلك بالتشابه الموجود بين بعض التشكيلات والاتجاهات فى كلتا الهيئتين، فما هو نصيب ذلك من الصحة؟ وفيما يزعم البعض من أن دولة أجنبية تساعد الإخوان ماديًّا؟
لقد قيل مثل هذا كثيًرا واتهم الإخوان بأنهم على صلة بالنازية من قبل، وأن شبابهم ينظم على نسق شباب هتلر، وأن بعض تشكيلاتهم تشبه هذه التشكيلات... إلخ، ولكنى أؤكد كل التأكيد أن الإخوان لم يتصلوا بأحد، ولم تساعدهم أية دولة أجنبية بشىء مادى أو أدبى، وأنهم يسيرون على نمط إسلامى عربى مبين، ويعتمدون على إيمانهم ومواردهم الخاصة، وهذا هو فى الحقيقة هو سر نجاحهم وثبات دعوتهم وجماعتهم للعواصف والأعاصير.
  • بعد الحوادث الأخيرة هل جرت اتصالات من جانبكم أو من جانب خصومكم لتسوية الموقف، وهل أنتم مستعدون للاستجابة لشىء من ذلك؟ وما هى الأسس التى ترونها لازمة لتسوية الموقف؟
نعم: جرت اتصالات بيننا وبين الحكومة المصرية - ولا أقول خصومنا- فإننا لم نفكر فى يوم من الأيام بعقلية تستسيغ إشعال العداوة بين الوطنيين، وكل الذى نطلبه هو رفع هذه المظالم عن الإخوان والسماح لهم بمزاولة نشاطهم المشروع بالأسلوب الذى يستفيد منه الوطن ويخدم به الإسلام، وأظن أن الاستعداد من جانب الحكومة المصرية لا بأس به، إذ إن فى هذا الطريق وحده استقرار الأمور وبعث الطمأنينة فى نفوس الأجانب والوطنيين على السواء.
وأحب أن أنتهز الفرصة فأوجه لنزلاء مصر من الأجانب المدنيين والسياسيين منهم هذه الكلمة: إنهم يخطئون أشد الخطأ حين يعتقدون أن الإخوان خصوم لهم، أو يتعصبون عليهم، أو يريدون بهم شرًا أو سوءًا، وكل هذه دعايات سخيفة باطلة؛ لأن دعوة الإسلام تتنافى مع التعصب والاعتداء، ودعوة الإسلام هى دعوة الإخوان وكل ما هناك أن نشوب الحرب بين مصر وبين الصهيونيين وموقف الكثير من اليهود المصريين أو الأجانب المقيمين فى مصر من هذه الحرب
وما تميز به من برود وشماتة، ووقوف عن المساعدة قد أحدث حالة من التوتر بين الإخوان المتحمسين للجهاد وبين هؤلاء اليهود الذين يصرون على مساعدة الصهيونية، ويطعنون مصر فى ظهرها وهى تحارب، أما من عاداهم من الأجانب أو الوطنيين غير المسلمين مهما كانت عقيدتهم فلم يفكر أحد فى أن يمد إليهم يده أو لسانه بسوء. وعلى هذا فمن الخير لهؤلاء الأجانب أنفسهم أن يكونوا عوامل وفاق لا عوامل خصومة وخلاف بين الحكومة والإخوان، وفى هذا الخير للجميع.
  • ماذا تنوون عمله فى المستقبل، وهل تعتقدون أنه من الممكن أن يرجع الإخوان إلى صبغتهم الشرعية ونشاطهم العلنى السابق؟
من الممكن جدًّا والميسور جدًّا كذلك أن يعود الإخوان إلى صبغتهم الشرعية ونشاطهم العلنى بإذن الله، وسيكونون حينئذ من أقوى العوامل فى تربية الشعب المصرى تربية فاضلة ناضجة تقوم على أساس الإيمان الصافى، وتقدير الواجب، ومعرفة الحقوق، والتمسك بالفضيلة والمثل الإنسانية العليا المستمدة من الإسلام الحنيف، وهو خلاصة ما جاء به الأنبياء والمرسلون والكتب من شرائع وتعاليم.
  • ماذا تنتظرون من آثار فى قضية فلسطين لما انكشف للحلفاء الغربيين أخيًرا وكان له تأثير على الرأى العام فى الشعوب الديمقراطية من مساعدة الروسيين ومن يدور فى فلكهم لليهود بالمال والسلاح؟
ننتظر أن تعدل حكومات الغرب عن خطتها فى معاونة الصهيونيين ولو أن هذا التنبيه جاء بعد فوات الفرصة. وهذا إذا كان المنطق والمصلحة الحقيقية لا الدعايات الصهيونية والإغراءات اليهودية العالمية المختلفة هما اللذين يؤثران فى هذه الحكومات.
  • حدثت تغييرات فى الحكومات العربية أخيرًا فى وقت كان المنتظر فيه استقرار الحكم فى البلاد العربية فما رأيكم فى ذلك؟ وعلام يدل؟
أظن أن ذلك من الأمور الطبيعية فى مثل هذه الظروف فان تطورات قضية فلسطين ومفاجآتها وشدة حساسية الشعوب بكل ما يطرأ من هذه التطورات مع مفاجآت السياسة البريطانية الدائبة، كل ذلك يجعل مثل هذه التغييرات أمورًا عادية، وهو لا يدل على شىء -فيما نعتقد- إلا على أن سياسة الحكومات العربية ما زالت إلى حد بعيد مرتجلة، وخاضعة للتأثير البريطانى، وبعيدة عن مطالب الشعوب ومشاعرها الحقيقية، وهو ما يؤسف له، ولا بد من النظر فى علاجه بوضع سياسات ثابتة مستقرة تستمد من روح الشعب وحسن توجيهه والاعتماد عليه. 9 - 1 - 1949

المرجع

  • صحيفة المصرى، العدد (4270)، السنة الثالثة عشرة، 10 ذو الحجة 1368ه- 2 أكتوبر 1949، ص(1).