الديمقراطية الرهان الخاسر بقلم *محمد الحبر يوسف
ظلت النخب الفكرية والسياسية -في عالم العروبة والإسلام- تراهن منذ عقود متطاولة على أفكار ومبادئ ونظريات ، تُعلََق عليها الآمال وتَحتفُّ بها الوعود وتوظف لها المنابر والأقلام ، حتى ترسخت القناعة بأنّ تلك المبادئ من اشتراكية وقومية وثورية وغير ذلك مما هتفت له الجماهير ، هي السبيل المفضي بالأمة إلى الخروج من حالة التخلف إلى التنمية ومن التراجع إلى النّهضة ومن الهيمنة الاستعمارية إلى التحرر الوطني. وما هي إلا سنوات معدودات حتى كشفت الأحداث والأيام أنّ تلك الشعارات المرفوعة والحلول المستوردة ما هي إلا رهانات خاسرة :
أين الشعارات أين المالئون بها الدنيا ** لكم زوروا التاريخ والكتبا
فى خيول بني حمدان راكضية ** زهوا ولا المتنبي ماليء حلبا
وبتصدع الاتحاد السوفيتي ونهاية الاشتراكية سطع نجم الديمقراطية مزهوا ببريقه الأخّاذ بعد أن توارت عن المشهد كواكب وشموس
خلت الديار فسُدتُ غير مسوَّد ** ومن البلاءِِ تفردي بالسُؤدَد
نعم خلت الديار وسقطت النظريات وغدت الديمقراطية عند كثير من المروجين لها والمتحمسين لنشرها هي الغاية التي ليس وراءها مطمح ، بل هي النّاموس الذي سيحكم الحياة، ولا تزال كتابات المبجلين للديمقراطية في عالم العروبة تخترع لها من محاسن الأوصاف ما يجعلها في مرتبة المقدس الذي لا يجوز أن ينتهك.
وقد عقد المفكر المصري القبطي د. رفيق حبيب في كتابه "تفكيك الديمقراطية" فصلا بعنوان (ديمقراطية التكفير) أشار فيه إلى أن المتعصبين للديمقراطية يمارسون اليوم تكفيرا لا يقل خطورة عن تكفير الجماعات المتشددة التي تُخرِج من يخالفها من الملّة ، وكذلك يفعل أنصار الديمقراطية فأنت تقبل أو ترفض بحسب إيمانك بها واستمساكك بقوانينها لأننا–كما قال أحدهم-(نعيش الزمن الديمقراطي الذي لا يخرج عن طوعه إلا من حكم على نفسه بالانقراض الحضاري ، والخروج من الحياة إلى متاهات الفناء).
هذا الإرهاب الفكري والتضليل الثقافي الذي يمارس اليوم وتجنّد له المنابر والأقلام، يُعرض على الناس في صورة ماكرة تجعلهم أمام خيارين لا ثالث لهما إما أن ينحازوا للديمقراطية وقيمها بلا تحفظ ، أو أنَّهم مستبدون أو راضون بالعبودية :
تَجهز فإما أن تزور ابن ضابئ ...عميرا وإما أن تزور المُهلبا
هما خطتا خسف نجاؤك منهما ....ركوبك حَوليا من الثلج أشهابا
والديمقراطية التي تَهش لها القلوب ويراهن كثير من المثقفين على أنها مخرج محقق للاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية مشروعٌ مبهم في مدلوله ومعناه ، لأننا وبمجموع التجارب التي خضناها -فضلا عن النقد النظري- نعلم أن الديمقراطية كلمة يمكن أن تفسّر اليوم على أي نحو تريد ، فهي عند وكلاءها من العلمانيين لا تعني حق الشعب في اختيار من يمثله ويرتضيه فهذه "ديمقراطية الشكل لا المضمون" ولذلك لا تعتبر عندهم مرجعيةً حاكمة بل ربما كانت بتعبيرهم " الديمقراطية في مواجهة الديمقراطية" أو هي " وهَم الديمقراطية لا حقيقتها".لأنَّ حقيقة الديمقراطية -عند الملأ الناطق باسمها- لها مدلول واحد هو انتصار قيم الحداثة الغربية على أي مشروع آخر يطرح نفسه بديلا ، وعليه فالكائن المتولد عن الديمقراطية يجب أن يكون مخلوقا لا يمت للأمة المسلمة ولا إلى تاريخها وتراثها بصلة ، وقد تساءل كاتب علماني مذهولا من نتائج الانتخابات والاستفتاءات في تونس ومصر بعد ثورات الربيع العربي "كيف تتحقق الديمقراطية - فهماً وتطبيقاً - في مجتمع لا زال المُكوِّن الأساسي للوعي فيه ينتمي إلى زمن تقليدي عتيق، إلى ثقافة تقليدية بامتياز ؟!. كيف تتحقق الديمقراطية بلا ديمقراطيين؟ بل كيف تتحقق الديمقراطية بواسطة ثقافة مضادة -وليست محايدة فحسب-، بل ومناقضة للأسس التي ينبني عليها التصور الديمقراطي".
ومن هنا فإنّ مشكلة الديمقراطية في عالمنا الإسلامي والعربي ليست في أدواتها وآلياتها التي تمكننا من إزاحة الحكومات بلا دماء فهذه وسائل يمكن التعامل معها بلا حرج، وإنّما مشكلتها في خضوعها لمرجعيات ومصالح خارجية تُقبل نتائج الديمقراطية على أساسها أو ترفض ، فهناك شروط معدة يجب الوفاء بها إن أردنا لمجتمعاتنا أن تحكم حكما ديمقراطيا حراً! ، ومن هذه الشروط المعلنة -بلا مداهنة- ضرورة إجراء تعديلات جوهرية في النظم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في المنطقة ، وضرورة إجراء (إصلاحات) في مناهج التعليم الدارسي حتى تكون مواكبة لقيم الحداثة ومفاهيمها المعاصرة ، ووجوب القيام بمراجعات نقدية للخطاب الإسلامي عبر القرون ليكون خطابا عصريا متصالحا مع ثقافة العصر، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعدى إلى القول بوجوب تفكيك المنظومة الاجتهادية في الفقه الإسلامي ذاته ليتمكن من التعايش مع الفضاء الحداثي الذي فرض نفسه على عالم اليوم.
وكل هذه المطلوبات مقصودها الوصول إلى جوهر الشخصية المسلمة التي يجب أن تتغير في توجهاتها الثقافية والفكرية حتى تكون مؤهلةً لممارسة حقها في الاختيار بعيدا عن مشاعرها الدينية وتراثها القديم !، وحينما تصل جماهير الأمة إلى هذه المرحلة الفاصلة يمكن للعملية الديمقراطية أن تنجح، لأن الناخبين وقتها سيذهبون إلى صناديق الاقتراع بأفكار ديمقراطية غربية، وبسلوك (ليبرالي) متفتح - على طريقة ناخبي الأحزاب في بريطانيا أو فرنسا! هكذا يتوهمون.
وهذا المشروع التغييري يراد له أن ينتهي بنا إلى غاية تضمن للرجل الأوربي تحقيق مصالحه وتكريس التبعية له ، كما تضمن لربيبته إسرائيل أن تنام ملء جفونها لا يقض مضجعها مقاوم أو مطالب بحق، أمّا مناصرة المبادئ الخيرة وحرية الشعوب والقضاء على الفساد والاستبداد فهذه (كروت) بيد الغرب يغض عنها الطرف إن شاء ويشنُّ باسمها الحروب والغارات إن شاء ، وقد آن الأوان لأمتنا وهي تمر بهذه المنعطفات الحادة أن تصارح نفسها بهذه الحقائق بعيداً عن الوهم الذي ضللها عقودا من الزمان.
وأول هذه الحقائق أنَّ التدخلات الأجنبية التي تنشب أظفارها في جسدنا المثخن بالجراح، تتخذ من الديمقراطية وملفات حقوق الإنسان وحماية الأقليات وحماية الأسرة والطفل وتمكين المرأة وسائر الملفات الأخرى التي تغزو العالم كلّه عبر مشاريع الأمم المتحدة وبرامجها واتفاقياتها الدولية ، تتخذ منها ذرائع لإحكام هيمنتها وبسط سلطانها وتأمين مصالحها ، منتهزة ما توفره أوضاعنا الداخيلة المزرية من مبررات وفرص توظفها الإمبرالية الجديدة خير توظيف.
والمخرج الذي يجب أن نتداعى إليه -ولو بتدرج مرحلي- هو انحياز الكتلة التاريخية المؤسِسة أو قل التيارات الأساسية في الأمة إلى خيارٍ ثالث يدرأ عنها آفات التيه والتقليد ويمنحها الحقَّ الكامل في أن تختار لنفسها من النُّظم والأفكار والمشاريع الجادة ما يحقق لها مصالحها وينسجم في الوقت ذاته مع دينها وهويتها فلا تستجلب ما يكون ضارا بها أو مقطوع الصلة بمنهجها ومرجعيتها ، ومن هنا كان التوافق على مشروع وطني نحرر به الإرادة من التبعية ونحقق به النظر المستقل لمشكلاتنا بعيدا عن المثاليات التي نمنحها للديمقراطية فنتوهم أنها قادرة على حل مشكلات الفقر والتنمية والاحتراب والتنازع وغير ذلك مما نجد أونحاذر، أقول إن هذا التوافق يمثل قمة الهرم في أولوياتنا التي ينبغي أن نرتبها بإرادة حرة، وبعقل ناقد يتجاوز النّظر القاصر لظواهر الأشياء وينفذ إلى التأمّل في حقائقها ومالآتها.
المصدر
- مقال:الديمقراطية الرهان الخاسر بقلم *محمد الحبر يوسفموقع:الإخوان المسلمون السودان
