الصراع بين الجيش والرئاسة - عبد الناصر والرهان الخاسر !!
المقدمة
في أنظمة الاستبداد ، عندما يموت القادة سنكتشف ان مانجهله اكثر بكثير مما نعلمه ، وان اكثر مانعلمه كان كذبا صنعه اعلام النظام وسحرته! فمن ظنناه الزعيم القوى (جمال عبد الناصر) كان هو الرجل الضعيف ! ومن ظنناه الرجل الثانى (عبد الحكيم عامر) كان هو الرجل القوى ! وان الاول (ناصر) ظل اسيرا للثانى (عامر) اغلب فترة حكمه !
وكعادة الانقلابات العسكرية حدث صراع بين اجنحة الحكم داخل السلطة ، وكان عبد الناصر هو دائما الطرف الأضعف فيه لفترة طويلة ، حتى حدثت هزيمة 67 والتي حسمت الصراع لعبد الناصر ، لكن على جثة الجيش المصرى المذبوح في سيناء !!
فبمعاونة (صديقه) عامر تخلص من نجيب ، وبمعاونة (صديقه) عامر تخلص من رفقائه في مجلس قيادة الثورة بمعاونة صديقه عامر .. وعندما تخلص عبد الناصر من (غريمه) عامر كان في آخر ثلاث سنوات من حكمه ، حيث كان (زعيما) منهك القوى مفلسا مهزوما !!
فهل كان رهان عبد الناصر على قوة الجيش من خلال عامر القائد المحبوب وسط رجاله رهانا صحيحا؟ فلاجل الا تتكرر الخديعة ونتجرع ذات الهزائم بذات الطريقة ، كان هذا البحث .
أسباب الصراع بين الرئاسة والجيش
الصراع بين الفرقاء صفة ملازمة لاى سلطة انقلاب ، فمن جاء بالانقلاب يخشى ان يسلك رفاقه نفس مسلكه فينقلبون عليه كما انقلب هو على رئيسه . فيبدأ أولا في استبعاد اى منافسين له ، ثم تتكون داخل هذه السلطة مراكز قوى تتصارع على النفوذ ... هذا الصراع لايحسمه (الشعب) صاحب الأرض والدولة ، فهو مستبعد منذ البداية ، انما يحسمه السلاح او الاستعانة بدعم خارجى !!
وفى وسط هذا الصراع وبسببه ، تضيع المصلحة العليا للوطن فيتهدد امنها الداخلى والاقليمى .
وهذا ماحدث بالضبط خلال سنوات مابعد انقلاب 1952 وحتى وفاة عبد الناصر .. وبنفس الترتيب التالى:
- فتم أولا إحالة عدد كبير من كبار الضباط للتقاعد ، وتم القبض على كتير غيرهم .. هدف التعديلات حسم صراع الرئاسة والجيش القائم منذ عبد الناصر الدكتور خالد فهمى – علامات – 20/4/2019
- ثم قام عبد الناصر بتقريب اهل الولاء بصرف النظر عن كفاءتهم ، فتم ترقية عبد الحكيم عامر (الصديق المقرب من عبد الناصر) من رتبة رائد (صاغ) إلى رتبة لواء مرة واحدة !
- ثم تخلص عبد الناصر ممن ساعدوه على الانقلاب ، واحدا واحدا فالى تفصيل ماحدث داخل سلطة انقلاب 52 خلال فترة حكم عبد الناصر
صراع الديمقراطية (ناصر - نجيب)
كان هذا اول صراع نشأ بعد الانقلاب ، فسببان اثنان عجلا بالصدام بين محمد نجيب ومجموعة الضباط :
- دعوته للديمقراطية وعودة الجيش الى ثكناته والتفرغ لمهمته .
- شعبيته المتزايدة والتي هددت أطماع عبد الناصر في السلطة .
نجيب يخطف الأضواء
ذو شعبية كبيرة: كان للواء محمد نجيب شعبية كبيرة بين ضباط الجيش ، فهو اول ضابط في الجيش المصري يحصل على ليسانس الحقوق بالإضافة الى دبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد السياسي عام 1929 ، ودبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص عام 1931، وحصل على شهادة أركان حرب عام 1939 ، وقبلها أسس مجلة الجيش المصري عام 1937 .
كما أظهر شجاعة كبيرة خلال حرب فلسطين عام 1948 ، ليحصل بعدها على "نجمة فؤاد العسكرية الأولى" ورتبة "البكوية"، ويصبح مديرا لمدرسة الضباط بعد انتهاء الحرب . وكان مرشحا لمنصب وزير الحربية في وزارة نجيب الهلالي لكن شعبية اللواء نجيب وشخصيته المحبوبة لدى الضباط دفعتا القصر الملكي لمعارضة تعيينه وزيرا.
ويتصاعد الصدام بين القصر ونجيب بعد نجاحه في تولي رئاسة مجلس إدارة نادي الضباط في 1 يناير 1952 بأغلبية الأصوات رغم إرادة القصر ، ما دفع الملك فاروق إلى حل المجلس . كما لعبت شعبية نجيب وسمعته الطيبة دورا كبيرا في انضمام كثير من ضباط الجيش إلى تنظيم الضباط الأحرار ، ولاحقا في تأييد الانقلاب العسكري الذي وقع في 23 يوليو 1952 وأطاح بالملك فاروق .
شعور الضباط بالتهميش: لم يستطع عبد الناصر برتبته الصغيرة وشخصيته المجهولة لدى الكثيرين من أفراد الجيش والشعب أن يدخل في منافسة متكافئة مع محمد نجيب بشعبيته الضخمة بين الجماهير ومكانته المرموقة داخل مصر وخارجها خاصة إقليم مصر الجنوبى (السودان) .
فتولى نجيب بعد أقل من شهرين من قيام الانقلاب اهم ثلاثة مناصب في الدولة وهي : "رئاسة مجلس قيادة الثورة ، ورئاسة مجلس الوزراء ، والقيادة العامة للقوات المسلحة" .. فشعر الضباط امام نجيب انهم مهمشون وان اطماعهم في البقاء في السلطة مهددة ، وكان اكثر هؤلاء الحانقين على نجيب عبد الناصر الذى اعتبر نفسه منذ اليوم الأول زعيم الحركة والاجدر برئاسة الدولة !
تولى رئاسة الجمهورية: وعندما أصدر مجلس قيادة (الثورة) قرارا بإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية في ١٨ يونيو 1953 ، تم إسناد رئاسة الجمهورية إلى نجيب بجانب رئاسته للوزارة التي شغلها منذ ٧ (سبتمبر) 1952. وصار بعد ذلك عبد الناصر نائبا لرئيس الوزراء ووزير للداخلية .. فازداد قرب محمد نجيب من الشعب وعُرف بالزعيم المحبوب
الحل .. شراكة عامر
كان اكثر ما يقلق عبد الناصر ومجموعته هو انقلاب الجيش عليهم ان هم استمروا في السلطة وانقلبوا على نجيب .. فعرضوا على محمد نجيب - في مقابل رئاسة الجمهورية - ان يتخلى عن منصب القائد العام للقوات المسلحة لصالح عبد الحكيم عامر اقرب المقربين لعبد الناصر متخطياً الاقدمية وهو النظام المعمول به في الجيش ، وبذلك يضمن عبد الناصر ولاء الجيش له !
لم يستطع رئيس الجمهورية آنذاك محمد نجيب الوقوف امام تغول مجموعة عبد الناصر عندما ضُغط عليه من أجل ترقية عبد الحكيم عامر من رتبة رائد (صاغ) إلى رتبة لواء اركان حرب مرة واحدة وهو في الرابعة والثلاثين من العمر ! فكان أول قرار جمهورى وقعه محمد نجيب بوصفه رئيسًا للجمهورية هو تعيين عبد الحكيم عامر قائدًا عامًا للقوات المسلحة مع منحه رتبة اللواء ..
وهكذا أصبح عبد الحكيم عامر في عام 1953 القائد العام للقوات المسلحة المصرية !! الأمر الذي أثار استياء قائد سلاح الطيران – وقتذاك - اللواء حسن محمود فتقدم باستقالته فورا كما نجح عبد الناصر بالاشتراك مع عبد الحكيم عامر في تكوين مجموعات في مختلف أسلحة الجيش ، التي كان تكونت من الضباط الأحرار من الصف الثاني.
وقد كان لهذه المجموعات ولعبد الحكيم عامر شخصيا الدور الأهم في انهاء الصراع مع نجيب لصالح عبد الناصر ..
الإخوان يفسدون المؤامرة
شعر محمد نجيب بتهميش الضباط له في الاجتماعات ، اذ كانوا يجتمعون يوم الجمعة في بيت عبد الناصر ويتفقوا على القرارات ، ثم يأتونه يوم الاحد متفقين في الرأي !! كما رأى إصرارهم على تأميم الحياة السياسية بمساعدة من رجال قانون لم يجدوا حرجا في تكييف القوانين على هوى ضباط المجلس ! كما رأى رغبتهم المحمومة في السلطة وعدم العودة الى الثكنات ..
قرر حينذاك محمد نجيب الاستقالة في فبراير 1954 .. فاعلن مجلس قيادة (الثورة) قبول الاستقالة ، بل وشرع في تشويه صورته فاشاع – في الصحف - بان محمد نجيب لم يلتحق بالحركة الا اخر شهرين قبل الانقلاب !! تحقيرا لشأنه لدى الشعب !
لكن الشعب كان له رأى اخر وفى مقدمتهم جماعة الإخوان المسلمين التي ادركت مبكرا حقيقة أطماع عبد الناصر في السلطة وسعيه للانفراد بها . فتحرك الإخوان المسلمون واستجاب لهم الشعب نصرة للديمقراطية ومحبة لنجيب .. وفشلت بذلك خطة عبد الناصر ورجاله .. بعدما رأى محبة الشعب الكبيرة لنجيب والتفافهم حوله ..
كما احتج عدد من أسلحة الجيش وعلى رأسها سلاح الفرسان .. فاضطر عبد الناصر ومجلسه القبول بعودة نجيب لرئاسة الجمهورية (البرلمانية) مكرها ، كما اعلن عودة الحياة النيابية والأحزاب .. كان في امكان محمد نجيب في ذلك الوقت وبذلك التأييد الشعبى الجارف ان يطيح بهم جميعا ، الا انه لم يفعل وآثر فتح صفحة جديدة معهم (جمال حماد)
نهاية الجولة .. خلع نجيب
فاصدر عبد الناصر قرارات بعودة الأحزاب والحياة الديمقراطية ، تحييدا للاخوان (جمال حماد) ، كما افرج عن الإخوان واعتذر لهم عن سابق اتهاماته لهم بالاتصال بالانجليز ..
لكنه في ذات الوقت حرّك مظاهرات (مدفوعة الاجر) ضد تلك القرارات برشوة دفعها عبد الناصر للصاوى احمد الصاوى رئيس نقابات العمال بمبلغ 4000 جنيه (باعتراف طعيمة وخالد محي الدين في مذكراتهما) وكانت تلك المظاهرات تهتف ضد الحرية والديمقراطية وتندد بقرارات عودة الاحزاب ورجوع الجيش الى ثكناته .. فمال ميزان القوة مرة اخرى الى جمال عبد الناصر ! (خالد محي الدين)
وعندما اعترض ضباط الفرسان على تلك القرارات ، وقرروا الترتيب لتغيير مجلس قيادة الثورة وإعادة الحياة الديمقراطية ، قام عبد الناصر باعتقالهم ! وبعد انهاء ازمة سلاح الفرسان ، التفت عبد الناصر لجماعة الإخوان المسلمين ، فرتب تمثيلية المنشية لابعاد الإخوان المسلمين من المشهد بزعم انهم حاولوا اغتياله ! وتم ابعادهم فعلا لمدة عشرين عام في السجون
وهكذا تمكن عبد الناصر من السيطرة على المجلس وتنحية معارضيه ووجه ضربة قاضية لنجيب والديمقراطية معا في 14 نوفمبر 1954 ، حيث صدر قرار بعزل نجيب ووضعه تحت الإقامة الجبرية في قصر زينب الوكيل بحي المرج بالقاهرة ، حتى أصدر الرئيس أنور السادات قرارا بإنهاء إقامته الجبرية عام 1971 .
صراع الرفقاء (مجلس قيادة الثورة)
وفي شهادته على العصر قال جمال حمّاد أحد الضباط الأحرار وكاتب البيان الأول لانقلاب يوليو لمحاوره :
- "إذا عملنا إحصائية لقائمة الضباط الأحرار، وهي موجودة في المتحف الحربي وغيره وعددهم بالعشرات ، ستجد أن معظمهم سجنه عبد الناصر أو طرده أو شرّده ، وأن من وصلوا إلى المناصب العليا بجوار عبد الناصر كانوا من الذين نافقوا أو المنتفعين أو من لم يكن لهم دور في ليلة 23 يوليو وجاءوا من الهامش"، وضرب أمثلة عديدة على ذلك منها مجموعة كمال الدين حسين وكانوا 6 رجال تم تعيينهم في أعلى المناصب وكانوا من الهاربين في ليلة الانقلاب العسكري
- خرافة باسم الشعب.. الوجه الآخر للزعيم جمال عبد الناصر ميدان – الجزيرة – 12/10/2018
شراكة عامر .. دوما هي الحل
كان هَمّ عبد الناصر هو السيطرة على الجيش ، وقد حقق له ذلك صديقه عبد الحكيم عامر ومجموعاته التي كونها داخل أسلحة الجيش . لم يكن عامر هو صاحب الاقدمية بين زملاءه في مجلس قيادة (الثورة) فقد كان تالياً من حيث البروتوكول لكثير منهم ، كان من بينهم زكريا محيي الدين وعبداللطيف البغدادي وجمال سالم ، بل وأنور السادات نفسه .
أدرك عبد اللطيف البغدادي - وهو التالي في البروتوكول لـعبد الناصر - أن (اللعبة) غير بريئة ، فاعترض على ترقية عامر وتعيينه قائداً عاماً ، إذ وجد أن الجيش انتقل منذ تعيين عامر قائداً له من سيطرة مجلس قيادة الثورة إلى سيطرة جمال عبد الناصر وحده ، وبذلك فقد المجلس قوته ونفوذه .
وقد أثبتت الأيام أن البغدادي كان على حق في استرابته من اختيار عبد الناصر لصديقه الحميم لهذا المنصب الرفيع الذى لم يكن مؤهلاً له ..
خطوات اقصاء الرفقاء
سرعان ما طلب عامر من أعضاء مجلس قيادة الثورة الآخرون بألا يترددوا على وحداتهم العسكرية وألا يشجعوا أصدقاءهم أو أتباعهم من الضباط على التردد عليهم حرصا على وحدة الجيش وضماناً لتأمينه !
ثم في خطوة تالية تقرر تدبير مناصب مدنية لأعضاء تنظيم الضباط الأحرار ليغادروا الجيش بعد أن تورطوا في العمل بالسياسة ، وهكذا ما كادت السنوات الثلاث المحددة لفترة الانتقال تنتهى حتى اكتشف أعضاء مجلس قيادة الثورة أنهم بلا حول ولا قوة ، وأن الجيش قد نقل ولاءه من مجلس القيادة إلى عبدالناصر وعامر، وبهذا أصبح طبيعياً أن تنتقل السلطة دستورياً إلى عبد الناصر وأن يختار من يشاء من زملائه القدماء لمعاونته في مهمته الجديدة !
- سلاح الديمقراطية في معركة الصراع بين "ناصر" و"عامر" صلاح عيسى – (24 الخبر بين لحظة وضحاها)
فخالد محي الدين استقال 1954 بسبب عدم ابتعاد العسكر عن السياسة وزكريا محيى الدين اعتزل السياسة فى 3/1968 وجمال سالم توفى بالسرطان 1968 وكان رئيسا لمحكمة الثورة ... قام عبد الناصر بتنحيته عن المسؤولية بسبب اشتباكاته اللفظية الدائمة معه وصلاح سالم توفى بالسرطان 1962 ، وكان عبد الناصر قد حمله انفصال السودان عن مصر !
وحسن ابراهيم اعتزل السياسة 1966 والبغدادى اعتزل السياسة 1964 وكمال الدين حسين استقال من المجلس الرئاسى 1964 ... فتم تحديد اقامته 1965 وعندما مات عبد الناصر لم يكن قد تبقى معه سوى اثنان فقط من مجلس قيادة الثورة السادات وحسين الشافعى
صراع بعد شراكة .. (ناصر - عامر)
بعد ان انتهى عبد الناصر من نجيب ثم من رفقائه في مجلس قيادة (الثورة) بقى أمامه شريكه (الأقوى) عبد الحكيم عامر .. العلاقة الأهم بين عبد الناصر وبين عبد الحكيم عامر لم تكن فقط الصداقة ، انما كانت (الشراكة) ، شراكة التخلص من الجميع ..
فلولا تعاون عبد الحكيم عامر مع عبد الناصر لما استطاع عبد الناصر التخلص من نجيب . ولولا تعاون عبد الحكيم عامر مع عبد الناصر لما استطاع عبد الناصر التخلص من رفقائه في مجلس قيادة الثورة .
فقد كان عبد الحكيم عامر هو رجل عبد الناصر الأمين في الجيش . لكن هذه الشراكة – بعد التخلص من نجيب ورفقاء عبد الناصر – تحولت الى نزاع ثم الى عداء بين الصديقين .. وتلك هي بعض التفاصيل ..
عبد الحكيم عامر .. الرجل الأقوى في الدولة
صار لعبد الحكيم في الجيش قاعدة شعبية كبيرة ، فكان "دولة داخل الدولة" بل وصلت قوته الى حد منع عبد الناصر نفسه من التحكم في الجيش . فكان لعبد الناصر الشارع ، ولعبد الحكيم الجيش !
عبد الناصر رئيس الجمهورية ، وعبد الحكيم رئيس الجمهورية بشَرطة. وطلعت النكتة الشهيرة إن ج. ع. م. اللي هو الاسم المختصر للجمهورية العربية المتحدة، هو في الحقيقة اختصار لـ "جمال وعبد الحكيم مناصفة"
وصار لكل منهما أجهزة أمنية واستخباراتية خاصة به ، فالمخابرات الحربية بتاعت عبد الحكيم تتجسس على عبد الناصر، فيقوم عبد الناصر بتأسيس مكتب الرئيس للمعلومات والتنظيم الطليعي في الاتحاد الاشتراكي علشان يتجسس على عبد الحكيم !!
- هدف التعديلات حسم صراع الرئاسة والجيش القائم منذ عبد الناصر خالد فهمى – علامات اون لاين – 20/4/2019
حصار بيت عبد الناصر
بعد انفصال سوريا اراد عبد الناصر انتهازها فرصة لتقليم نفوذ عامر فى الجيش وخاصة فى تعيين كبار الضباط يكون من صلاحيات القائد الاعلى وليس القائد العام في عام 1962 .. فحاصر على شفيق (مدير مكتب عبد الحكيم عامر) بيت عبد الناصر بالمدفعية عندما تردد ان ولاء الطيران لعبد الناصر ، وقال : اذا أقلعت طائرة واحدة من المطارات سنضرب بيت عبد الناصر !!
- مراد غالب – سفير مصر في موسكو 1956 برنامج شهادة على العصر – احمد منصور – الجزيرة
عجز عبد الناصر عن تعيين القادة العسكريين
عقب هزيمة خرب 56 ، عندما اراد عبد الناصر تعيين فؤاد مرسى وعزل قائد البحرية وقائد الطيران فرفض عامر (محمد فوزى) ، وعندما أراد عبد الناصر تعيين الفريق محمد فوزى رئيس للاركان فيكون هو فى الجيش وعلى صبرى فى التنظيم من اجل تقوية جناح عبد الناصر فى الدولة ، لكن عبد الناصر لم يستطع ان يقابله لمدة ثلاث سنوات ! بل وقام عامر بنقل اختصاصات فوزى الى مرتجى (شهادة محمد فوزى)
بل تم تعيين عبد الحكيم عامر بعد هزيمة 1956 بعامين نائبا لرئيس الجمهورية في 6 مارس 1958 !!
وضع خاص في الدستور
فدستور 1964 انفرد بإضافة مهمة للقوات المسلحة لم تكن موجودة من قبل وهى "حماية مكاسب النضال الشعبي الاشتراكية" ، وقد ترتب عن هذا النص الجديد تعزيز النفوذ السياسي لعبد الحكيم عامر
- المؤسسة العسكرية المصرية نحو صراع سياسي جديد بهى الدين حسن – صدى – كارنييجى
محاولة إزاحة عامر
المحاولة الأولى:
في ديسمبر 1962 حدثت أول مواجهة بين ناصر وعامر عقب الانفصال عن سوريا ، وقام ناصر باقتراح تشكيل مجلس رئاسي فى محاولة لتحجيم عبد الحكيم عامر ونفوذه المتنامي داخل الجيش باستصدار قانون مضمونه يتمثل في أن ترقية القيادات العليا في الجيش لا تخضع لرغبة عبد الحكيم عامر وحده وإنما لمجلس الرئاسة الذي كوّنه عبد الناصر في تلك السنة ، الأمر الذي رفضه عامر وانسحب من مناقشات ذلك القانون واعتصم في بيته أياما ، وتضامن معه عدد من كبار قادة الجيش ، مما اجبر عبد الناصر إلى التراجع عن رغبته في مواجهة عامر !
(حسين الشافعى نائب رئيس الجمهورية في شهادته على العصر مع أحمد منصور)
سبب تراجع عبد الناصر
كان عبد الناصر يدرك ان أى خلل مفاجىء فى القوات المسلحة سيكون له أوخم العواقب على مستوى الأمن الداخلى والأمن القومى ويزعزع هيبة جمال عبد الناصر أمام أعداءه فى الخارج – وهم كثيرون – ويهدد زعامته وكان عامر دائم التهديد لعبد الناصر بأنه سوف يقدم اسقالته .. وبالتأكيد لم يكن جمال عبد الناصر مستعدا لمزيد من المشاكل تضاف لاخفاقاته في الميدان العسكرى ..
المحاولة الثانية :
- بعد هزيمة 1967 حدث انهيار تام وعام للقوات المسلحة الحصن الحصين لعبد الحكيم عامر ، فسنحت لعبد الناصر الفرصة للتخلص من غريمه الذى نازعه الحكم طوال السنوات الماضية ، وكذلك احتاج عبد الناصر لكبش فداء للهزيمة التي حدثت .. وهى المحاولة التي فلحت أخيرا .. لكن بعد فوات الأوان !! نهاية الجولة بالهزيمة وقتل عامر
قذارات عبد الناصر .. التجسس على غرف النوم
حرص عبد الناصر على إحكام قبضته الأمنية والمراقبة الدائمة لعبد الحكيم ورجاله ، حتى وصل الأمر إلى مراقبته غرف نومهم الشخصية ، وتعترف برلنتي عبد الحميد زوجة عبد الحكيم بهذا الأمر، وحين ذهب عامر إلى عبد الناصر معترضا على وصول شريط فيديو مع زوجته برلنتي في غرفة نومهم صُوّر دون علمه وسُلم إلى يدي عبد الناصر واحتفاظه به في خزانته الشخصية ، اعترف له عبد الناصر دون أن يرده إلى عامر !
- خرافة باسم الشعب.. الوجه الآخر للزعيم جمال عبد الناصر ميدان – الجزيرة – 12/10/2018
خدعة التنحى – المحاولة الاخيرة
كانت الخطة ان يتنحى كل من عبد الناصر وعبد الحكيم عامر عن منصبيهما .. فتنحى (عبد الحكيم عامر) باستقالة كتبها لعبد الناصر ، وتنحى عبد الناصر في خطاب امام الشعب .. وهنا كانت المؤامرة كما خطط لها محمد حسنين هيكل !
فما ان نطق عبد الناصر بعبارة (التنحى) الا وتحركت سيارات اللورى التي تقل الالاف من عمال المصانع ممن حشدهم الاتحاد الاشتراكى بقيادة على صبرى ، واتجهت الى منشية البكرى حيث منزل الرئيس والى مناطق التجمعات بالقاهرة وهم يهتفون (لا تتنحى)
وهذا فعله ايضا الاتحاد الاشتراكى بالإسكندرية ، وبسرعة اشتغلت الالة الاعلامية الثورية ونزلت منشتات الصحف (لا تتنحى) وغنت أم كلثوم (أبق فأنت الأمل الباقى) حيث الفت الكلمات ووضعت الالحان فى غاية السرعة .. ولعل الكلمات والالحان قد وضعت قبل اعلان التنحى من الاصل .. !
فى اليوم التالى كان أنور السادات رئيس مجلس الأمة يعلن على أعضاء المجلس بأن جمال عبد الناصر قرر تأجيل قراره بالتنحى ، ثم قال وهو يقرأ خطاب عبد الناصر : " ان صوت جماهير الشعب بالنسبة لى هو أمر لا يُرَد " ! فوجىء عبد الحكيم عامر كما فوجىء رجاله أن جمال عبد الناصر عاد الى السلطة سريعا بعد مسرحية .. (لا تتنحى) !
ولم يضيع عبد الناصر الفرصة فكان اول قرار له بعد عودته كرئيس للجمهورية هو قبول استقالة المشير عبد الحكيم عامر وكل رجاله
وأصدر الرئيس جمال عبد الناصر القرارات الجمهورية بالتعيينات الآتيه:
- الفريق محمد فوزى: قائدا عاما للقوات المسلحة
- الفريق عبد المنعم رياض: رئيسا لهيئة أركان حرب القوات المسلحة
- الفريق طيار مدكور أبو العز: قائدا للقوات الجوية
- الفريق صلاح الدين محسن: مساعد للقائد العام للقوات المسلحة
- اللواء بحرى فؤاد محمد زكى: قائدا للقوات البحرية
فاعتصم عبد الحكيم عامر في بيته ومعه رجاله المسلحين واصر على العودة الى منصبه كما عاد عبد الناصر الى منصبه وحين قال له عبد الناصر ان الجماهير هى التى طالبت بعودته رد عبد الحكيم (وانا الجيش بيطالب بعودتى) !!
استدراج عامر بعيدا عن حصنه
بعد ظهر 26 أغسطس 1967 اتصل جمال عبد الناصر بعبد الحكيم عامر ودعاه الى مقابلته فى بيته فى لقاء ودى فذهب عامر الى بيت عبد الناصر ومعه أربعة من ضباط الصاعقة السابقين يتولون حراسته .
وفى نفس الوقت ذهب الى بيت عبد الحكيم عامر الفريق اول محمد فوزى والفريق عبد المنعم رياض ومعهما عدد من السيارات المصفحة والدبابات والمدرعات الحربية وتم القبض على كل من في البيت ومن بينهم شمس بدران وصلاح نصر
وفى 15 سبتمبر 1967 مات الرجل الثانى المشير عبد الحكيم عامر وماتت معه أسرار كثيرة أراد لها عبد الناصر ان تموت معه .. وصدرت الاوامر بوضع الحراسة حول قبره لمدة ثلاث شهور ، حتى يتحلل الجثمان وهى احدى وسائل تأمين الجريمة التى برع فيها جمال عبد الناصر .. وصدرت الصحف تحمل المنشيط العريضة (انتحر المشير عامر) .
- القناع يسقط عن الذئاب فى قفص الهزيمة مدحت عبد الرازق – 2/4/2010
لم يكن أسلوب القتل في حل المشاكل بغريب عن عبد الناصر ، فقد بدأ هو ورفاقه حكمهم بقتل مصطفى خميس ومحمد البقري وجريمتهما الوحيدة هي قيادة إضراب عمالي في كفر الدوار !
مات عبد الحكيم عامر ولم يتحقق ماطلبه ، لقد طلب عبد الحكيم عامر بمحاكمة علنية لتحديد المسئولية عن الهزيمة
- سامر سليمان – وفاة المشير ونحن اهرام اون لاين – 26/9/2012
وأخيرا تمكن عبد الناصر من التخلص من عامر ورجاله ، وعين رجال هو في الرتب العليا في الجيش ، وأصبح الجيش (لأول مرة) تابع للرئاسة ! وبدأ النظام من وقتها في الاعتماد على الداخلية لحمايته من الشعب ، فاسس عبد الناصر قوات الأمن المركزي اللي هي جزء من الشرطة سنة 1968 لما نزلت المظاهرات تهتف ضده بعد الأحكام المخففة بتاعت محكمة الطيران ..
- هدف التعديلات حسم صراع الرئاسة والجيش القائم منذ عبد الناصر خالد فهمى – علامات اون لاين – 20/4/2019
نتائج هذا الصراع
وهكذا تحققت مخاوف نجيب التي أوردها في مذكراته ليصبح حكم العسكريين نقطة (الضعف) التى لم تستطع مصر بعدها أن تعود للحكم المدني الطبيعي مرة أخرى ! فبعد ان ساعد عامر عبد الناصر على التخلص من نجيب ، انقلب عامر على عبد الناصر وبقى هو المسيطر الفعلى على الجيش حتى هزيمة 67 فدبر عبد الناصر قتل عامر !
لكن عبد الناصر لم يهنأ بالزعامة منفردا الا ثلاث سنوات قضاها مكسورا مقهورا ، قامت خلالها مظاهرات (68) التي ارعبت عبد الناصر .. ثم غيبه الموت بعد ذلك في سبتمبر 1970 ..
ودفعت مصر وشعبها وجيشها جرّاء هذه الصراعات ثمنا فادحا :
- فانفصلت السودان عن مصر ، واهم أسبابها انقلاب عبد الناصر وعامر على نجيب .. ثم تورطت مصر بحرب 56 ولم تكن مستعدة لها ، كما تورطت في حرب اليمن ! ثم كانت هزيمة 67 امام (إسرائيل) ، والتي قصمت ظهر عبد الناصر والجيش ومصر والوطن العربى كله !! والتي تحوم حولها شبهات كثيرة باستعمال الجيش من قبل عبد الناصر وكذلك عامر في تصفية الحسابات بينهما !!