أحداث جمهورية إمبابة وعلاقة الجماعة الإسلامية بها
شهدت مصر خلال تسعينيات القرن العشرين عددًا من الأحداث التي أثارت اهتمام الرأي العام، وكان من أبرزها ما عُرف إعلاميًا باسم “أحداث جمهورية إمبابة”. وقد ارتبط هذا المصطلح بحالة من الجدل حول سيطرة بعض الأفكار الدينية المتشددة في أجزاء من منطقة إمبابة بمحافظة الجيزة، وادعاء وجود نفوذ خارج إطار سلطة الدولة. وأسهمت التغطية الإعلامية المكثفة في انتشار هذا الوصف، مما جعل الحدث يبدو وكأنه كيان مستقل، رغم أن الواقع كان أكثر تعقيدًا وأقل درامية مما صُوِّر في بعض الأحيان.
*لماذا إمبابة؟
رغم أن جمهورية مصر العربية بلد كبير ويحتل مساحة تقترب من المليون متر مربع وبه الكثير من المدن والقرى والنجوع إلا أن إمبابة وأحداثها احتلت مساحة كبيرة فى التاريخ الحديث حيث صارت في لحظة دولة داخل الدولة.
وفي حالة البحث عن الأسباب التي جعلتها كذلك، سيعود السبب إلى نظام الحكم الذي أهمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، وسلط سيف المعز على رقاب كل من ينتقد النظام، واهتم فقط بحماية نفسه ورجاله الذين استشرى فسادهم، فكانت أحداث إمبابة وغيرها.
باختصار تُعد منطقة امبابة في القاهرة واحدة من أكثر بؤر التوتر الطائفي في مصر، بالنظر إلى عوامل ديموغرافية واقتصادية متعددة، تجعلها، إلى جانب غيرها من المناطق الشعبية والعشوائية، برميل بارود قابلاً للاشتعال في أي لحظة، في ظل غياب خطة شاملة للتنمية الاقتصادية ـ الاجتماعية.
*جغرافية إمبابة
تقع امبابة في شمالي محافظة الجيزة على الضفة الغربية من نهر النيل، في الجزء الواقع بين كوبري الزمالك، وكوبري امبابة، وصوامع الغلال. وتضم ثلاثة أحياء رئيسية هي الكيت كات، وميت عقبة، والمنيرة. ويعود تاريخ امبابة إلى قرون طويلة، حين كانت مرسى لتجار الجمال القادمين إلى مصر من السودان. وقد عرفت تقسيمات إدارية متعددة، لكن تقسيمها الحديث يعود إلى بداية الأربعينيات من القرن الماضي. أما طابعها العمراني والديموغرافي فيجد جذوره في منتصف الخمسينيات حين أنشأت السلطات المصرية بعد الثورة مجمعات سكنية عدة للعمال وذوي الدخل المحدود، للتحول على مدار السنين نقطة استقطاب للنازحين من الأرياف.
*الظروف الاجتماعية والاقتصادية في إمبابة قبل أحداث جمهورية إمبابة
قبل ظهور ما عُرف إعلاميًا بأحداث جمهورية إمبابة، كانت منطقة إمبابة تعاني من مجموعة من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي أثرت بشكل كبير في حياة السكان.
فقد تميزت المنطقة بارتفاع الكثافة السكانية، نتيجة الهجرة من الريف إلى المدن بحثًا عن العمل، وهو ما أدى إلى ضغط كبير على المرافق والخدمات الأساسية.
حيث أثرت فيها العديد من العوامل ومنها:
- اقتصاديًا، انتشرت بين سكان إمبابة معدلات مرتفعة من البطالة والعمل غير المنتظم، خاصة بين الشباب، إلى جانب انخفاض مستوى الدخل لدى عدد كبير من الأسر.
كما عانت المنطقة من ضعف فرص التعليم الجيد وقلة الخدمات الصحية، مما ساهم في زيادة الشعور بالتهميش والإحباط الاجتماعي.
- اجتماعيًا، أدت هذه الظروف إلى انتشار بعض الظواهر السلبية مثل الفقر والأمية وضعف الوعي الثقافي، وهو ما جعل بعض الفئات أكثر قابلية للتأثر بالأفكار المتشددة أو الخطابات التي تعد بتقديم حلول بديلة للمشكلات اليومية.
حتى وصل الحال بالبعض أن أطلق على إمبابة بجمهورية الصين الشعبية، بالنظر إلى كونها أكثر المناطق اكتظاظاً في السكان، ليس على مستوى محافظة الجيزة فحسب وإنما على مستوى الجمهورية، إذ تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن عدد سكانها يتجاوز المليون والمئة ألف نسمة، فيما يبلغ عدد الولادات فيها نحو 20 ألفاً في العام الواحد. أما آخرون فيفضلون أن يطلقوا عليها اسم «جمهورية امبابة»، ليس تيمناً بـ«جمهورية امبابة الإسلامية»، بل لأن المنطقة أقرب ما تكون إلى جمهورية قائمة بذاتها، سواء في أحيائها التي يتسم كل منها بطابعه الخاص، أو في التركيبة الديموغرافية لسكانها الموزعين بين نازحي الأرياف والعمال والموظفين والطلاب، أو في ظاهرة «الأمن الذاتي» الذي تشهده بعض أحيائها العشوائية منذ سنوات طويلة، أو في الحلول التي اعتمدها سكانها لمواجهة الإهمال الحكومي للمناطق الشعبية.
وتشير الإحصاءات إلى أن سكان امبابة من أرباب الأسر يتوزعون بين الموظفين (27 في المئة) ، والعمال (21 في المئة)، والحرفيين (20 في المئة)، وأصحاب المهن الحرة (16 في المئة)، وهم في غالبيتهم من محدودي الدخل. وتعاني المنطقة من مشاكل اجتماعية حادة أهمها التسرب المدرسي (واحد إلى ثلاثة تلاميذ)، والنقص في خدمات المرافق الصحية والمياه النقية والإنارة، فضلاً عن ظاهرة المساكن المشتركة. ونتيجة لذلك، تحوّلت امبابة إلى تربة خصبة لنمو الكثير من الجماعات الإسلامية المتــــطرفة وعصابات الإجرام (البلطجية).
حيث لاحظ الصحافي في جريدة «نيويورك تايمز» أنطوني شديد، في تقرير كتبه من امبابة بعد انتصار «ثورة 25 يناير»، أن أبناء المتحمّسين للإسلام السياسي يتبنون مطالب اجتماعية تتمثل في «الخبز والعدالة الاجتماعية والحرية».
كما ساهم غياب الدور الفعال للمؤسسات الرسمية في بعض الأحياء في ظهور أشكال غير رسمية من النفوذ الاجتماعي أو الديني.
وقد شكلت هذه الأوضاع بيئة مناسبة لانتشار أفكار تدعو إلى الانعزال أو رفض سلطة الدولة، الأمر الذي ساعد على تضخيم أحداث إمبابة لاحقًا وربطها بتيارات دينية معينة، رغم أن جذورها الأساسية كانت اجتماعية واقتصادية في المقام الأول.
*العلاقة بين المسلمين والمسيحيين مفتاح أحداث إمبابة
لتحليل العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في منطقة إمبابة، وفهم أسباب توتر هذه العلاقات في فترات سابقة، يتطلب النظر في عدة عوامل تاريخية واجتماعية ودينية قد أسهمت في تشكيل هذه العلاقات في مصر بشكل عام، وفي إمبابة على وجه الخصوص.
- التاريخ المشترك بين المسلمين والمسيحيين في مصر
التعايش التاريخي: على مر العصور، كانت مصر من البلدان التي شهدت نوعًا من التعايش بين المسلمين والمسيحيين، حيث يشكل الأقباط جزءًا كبيرًا من النسيج الاجتماعي المصري. حيث يعود تاريخ هذا التعايش إلى فترات تاريخية متقدمة منذ العصور الإسلامية المبكرة حيث كانت الأقليات المسيحية تتمتع بحرية دينية نسبية تحت حكم الدولة الإسلامية، وفقًا لنظام "الذمة" الذي يعترف بحقوقهم بشرط دفع الجزية.
وعلى الرغم من التعايش، كانت هناك فترات من التوترات الطائفية بسبب قضايا دينية أو اجتماعية، لكن بشكل عام، ظل التفاعل بين الأديان مختلفًا من منطقة لأخرى ومن فترة لأخرى. وفي إمبابة، كغيرها من المناطق الحضرية في مصر، كان هناك تداخل مستمر بين المسلمين والمسيحيين في الحياة اليومية، حيث يعملون سويًا في الأسواق، والمصانع، والجامعات.
- الظروف الاجتماعية والاقتصادية في إمبابة
إمبابة، وهي منطقة تقع في القاهرة الكبرى، تعد واحدة من أكثر المناطق تنوعًا دينيًا. ويختلف الحال في إمبابة عن بعض المناطق الأخرى في مصر التي يمكن أن يكون فيها مسلمون أو مسيحيون أكثرية. ففي إمبابة، كان التعايش بين الأديان أكثر تحديًا بسبب كثافة السكان والتحديات الاقتصادية.
غير أن قضية الفقر والتهميش والحرمان تعد جزء من الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى توتر العلاقات الطائفية في إمبابة، وربما في مناطق مشابهة.
فغالبية السكان في إمبابة كانوا من الطبقات المتوسطة والمنخفضة التي عاشت في ظروف اقتصادية صعبة. وهو ما أدى إلى الشعور بالفقر والظلم المتبادل بين مختلف الطوائف، ما يجعل الحساسيات الطائفية تتفاقم.
والقاعدة تقوق عندما تكون المجتمعات مهمشة اقتصاديًا، تكون التوترات الطائفية أسهل في الاحتداد.
- الدور التاريخي للمؤسسات الدينية
خلال فترات متعددة من التاريخ المصري، كان للمؤسسات الدينية دور بارز في تشكيل العلاقات بين المسلمين والمسيحيين. في بعض الأحيان، كان رجال الدين يساهمون في تقوية روابط الوحدة بين الطوائف، وفي أوقات أخرى كانوا يحرضون على التوترات أو يساهمون في تعزيز الانقسامات من كلا الطرفين.
وفي مصر خلال القرن العشرين، خاصة في فترة التسعينات (ذروة قوة الجماعة الإسلامية)، ازداد تأثير الدين في الحياة السياسية، وقد استغلته بعض الجماعات السياسية لدعم موقفها.
ففي تلك الفترة، كانت الجماعات الإسلامية مثل الجماعة الإسلامية أو الجهاد قد تبنت أيديولوجيات إسلامية أكثر تشددًا، وتسببت في تصعيد الصراعات الدينية.
بالإضافة للخطابات التحريضية التي كان كثير من القساوسة يبثونها في نفوس المسيحيين خاصة الشباب منهم. وزاد الأمر توترا غياب دور الدولة في القضاء على الطائفية التي انتشرت بين العائلات المسلمة والمسيحية في إمبابة.
والسؤال: ما هي أسباب توتر العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في فترات سابقة؟
تنوعت أسباب النزاعات بين المسلمين والمسيحيين خاصة في منطقة إمبابة ومنها بعض التوترات الطائفية نشأت بسبب النزاعات العقارية بين الأقباط والمسلمين.
ففي العديد من الحالات، تتصاعد الاشتباكات بسبب الخلافات حول ملكية الأراضي أو بناء الكنائس في المناطق التي تعتبر حساسة دينيًا.
ومع صعود التيارات الإسلامية المتشددة زاد الأمر وبدأت بعض الأحداث الطائفية في مناطق مثل إمبابة بسبب التأثير المتزايد لهذه الجماعات (الحركات الجهادية والجماعات الإسلامية الراديكالية) والتي كانت في صراع مع النظام السياسي، واستخدمت الدين كأداة لتحقيق أهدافها. وكان ذلك يشمل تحريض الناس على العنف الطائفي.
وليس ذلك فحسب بل الاستفزازات الإعلامية كان لها دور كبير في اشعال الفتنة حيث أن الإعلام في مصر في بعض الأحيان ساهم في تغذية المشاعر الطائفية، من خلال نشر القصص التي تركز على الخلافات بين المسلمين والمسيحيين. هذه القصص قد تُستخدم في بعض الأحيان لأغراض سياسية من قبل النظام أو لتوجيه الانتباه إلى قضايا معينة.
وزد على ذلك الظروف الاقتصادية (كما ذكرنا آنفا)، حيث كانت إمبابة تعاني من فقر وتهميش، وهو ما زاد من المنافسة بين الطوائف في الحصول على الموارد. هذه المنافسات في بعض الأحيان تطورت إلى صراعات طائفية عندما تتداخل العوامل الاقتصادية مع الدين.
أحداث إمبابة الطائفية 1991
كانت أحداث إمبابة التي وقعت في عام 1991م واحدة من أبرز الصراعات الطائفية التي نشأت نتيجة لاختلافات دينية. حيث بدأت الأحداث عندما زعم بعض المسلمين أن فتاة مسيحية قد أسلمت ثم اختُطفت، ما أدى إلى تصاعد التوترات بين المسلمين والأقباط. وانتشرت الشائعات في المنطقة، مما أدى إلى اشتباكات دامية بين الطرفين.
وقد ردت الحكومة على هذه الأحداث بالتصدي بالقوة الأمنية، واعتقال المتورطين، وهو ما تسبب في مزيد من الاحتقان في العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في المنطقة. كما أنَّ هناك محاولات للتوسط بين الطوائف، ولكن كان هناك شعور متزايد بعدم الثقة بين الطرفين.
وأدت التوترات الطائفية المستمرة إلى تأثير سلبي على الأمن الاجتماعي في المنطقة. رغم التعايش الطويل بين المسلمين والمسيحيين في إمبابة، إلا أن هذه الأحداث ساهمت في تعزيز الحواجز النفسية والاجتماعية بين الطائفتين.
كما ساعدت هذه الأحداث على صعود التيارات الإسلامية المتشددة التي اعتبرت نفسها حامية للدين ضد "التهديدات" القادمة من الطوائف الأخرى. كما استخدمت هذه الحركات الدين كوسيلة للضغط على الحكومة أو على الطوائف الأخرى.
غير أن الحكومة استعملت الجانب الأمني فقط في حل هذه الصراعات وغفلت الجوانب الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة بل في مصر كلها. بل الغريب أن الحكومة كانت تستغل مثل هذا الملف في إثارة الفتن وتدعيم أركانها بين الحين والأخر.
جمهورية إمبابة
أفرخت البيئة الشعبية والمتأزمة إقتصاديا واجتماعيا في إمبابة بيئة قابلة للاشتعال وتحولها إلى منطقة تتحدى الدولة بكامل أجهزتها.
ففي عام 1992، تحولت منطقة إمبابة إلى ساحة معركة بعد سلسلة من الصراعات العائلية التي تطورت إلى مواجهات مسلحة بين مختلف العائلات في المنطقة.
كانت إمبابة في تلك الفترة تشهد الكثير من التوترات الاجتماعية، حيث كانت المنطقة تفتقر إلى الخدمات الأساسية، وكان العديد من السكان يعانون من الفقر والبطالة، ما ساعد على تفشي الأسلحة غير القانونية والعصابات المحلية.
أمير إمبابة جابر ريان
جابر أحمد محمد، (الذي عرف بجابر ريان) ولد لعائلة تنتمي لاحدى قرى محافظة أسيوط في جنوب مصر، وعمل فنّي الكهرباء بمحل الخواجة رزق في شارع شمبليون على أطراف ميدان التحرير، عام 1972.
أصبح حديث العالم بعد عقدين من ذلك التاريخ؛ فقد ولد لأسرة فقيرة بحيّ بولاق أبو العلا بمحافظة القاهرة، بعد أن هجرت عائلته ريف الجنوب المصري، ضمن هجرات عديدة قام بها سكان الريف قاصدين العاصمة، وهم يحملون آمال النجاة المنتظرة، من نير الفقر والمرض المنتشر في قرى الصعيد.
انتمى إلى جماعة التبليغ والدعوة بين عامي 1982 و1984، مثل غالبية أقرانه، بعد سيطرة جماعات الإسلام السياسي على المشهد فى مصر، بدعم من النظام الحاكم، لتحجيم نفوذ اليسار المصري، والقوى المنتمية لنظام الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، غير أنّ عبارة ردّدها أتباع التبليغ والدعوة بدلت مسار فنيّ الكهرباء وهي("الجماعة ملهاش دعوة بالسياسة ولا بأمراض الأمة"، عبارة ردّدها أتباع جماعة التبليغ والدعوة دفعت جابر الطبّال للبحث عن مراده عند جماعة أخرى).
وفي حوار صحفي لجريدة "الوفد" المصرية، عام 2011، قال الشيخ جابر عن ذلك التحوّل: "لقد كان والدي ناصرياً، وكان يعشق الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وعندما أبلغتني قيادات التبليغ والدعوة أنّهم لن يمارسوا العمل السياسي، قلت لهم: فكيف ستتحرّر فلسطين؟ وكيف سنطبق الشريعة الإسلامية؟ ولذلك جئت إلى إمبابة والتقيت بالشيخ علي عبد الظاهر، أحد قيادات الجماعة الإسلامية، فأقنعني بالانضمام إليهم".
ويستكمل الشيخ جابر تذكّر ما حدث: "بدأت دعوة الجماعة الإسلامية في إمبابة منتصف الثمانينيات، في مسجد الرحمن في شارع 14 بشارع الاعتماد، وكان هو المسجد الأم، وهو كبير في أفعاله، لكنّه كان صغيراً فى حجمه، وتمّ إغلاقه من قِبَل قوات الأمن أكثر من مرة، ثم حوَّلوه بعد ذلك إلى بقالة، ثم إلى محلات حتى هذه اللحظة".
ويضيف: من أبرز الأمور التي أدّت إلى ظهور الجماعة على الساحة داخل إمبابة، الأعمال الاجتماعية والمجالس العرفية التي كانت الجماعة تقوم فيها بفضّ المنازعات، خاصّة أنّ أهل إمبابة الأغلبية العظمى منهم، هم امتداد لعائلات عريقة بالصعيد، تعرف الأصول، واحترام المجالس العرفية".
كتب حمدي البطران: في 2 سبتمبر 1990 اغتيل زعيم منطقة إمبابة، الأمير العام للمنطقة، الدكتور علاء محيي الدين عاشور، في شارع الهرم، وإثر ذلك خرجت المظاهرات في إمبابة وأحرقت المباني والمحلات، وأشعلت النيران في عدد من الكنائس والمحلات المملوكة للمسيحيين.
وفي أول أكتوبر 1990 تم تنصيب الأمير عماد متولي أميرًا على منطقة إمبابة بدلًا من الأمير الراحل الدكتور علاء محيي الدين عاشور.
وسار الأمير الجديد على نهج الأمير السابق، وأصدر أوامره لأتباعه بحسن معاملة الناس، ومساعدة بسطاء الناس في حياتهم، وتقديم العون والخدمات للجميع، وفي عهد الأمير عماد استكملت الجماعات الإسلامية إخضاع إمبابة كلها، واستكمال مظاهر الحكم الإسلامي فيها على النحو التالي:
- تم تعيين الشيخ أحمد عبدالحليم أميرا على منطقة شارع زكي مطر.
- تم تعيين الشيخ جابر محمد علي ريان أميرا على منطقة شارع الاعتماد.
- كما تولى الشيخ نبيل سالم إدارة الانضباط، وقام بإصدار بطاقات شخصية لأعضاء الجماعات.
- كما تولى الشيخ جابر محمد علي ريان قيادة الجناح العسكري، بالإضافة إلى عمله الأصلي أميرا على منطقة شارع الاعتماد.
- تشكل مجلس شورى للإمارة من أمراء المناطق وبعض أعضاء الجماعة للنظر في الشئون العليا للإمارة.
وفي نهاية عام 1991 قام مجلس شورى الجماعة بخلع أمير المنطقة عماد متولي، بعد أن اتهمته امرأة بأنه راودها عن نفسها، وعندما رفضت طلب أن يتزوجها بالرغم من علمه بأنها متزوجة من عضو في الجماعة، وقدمت المرأة شكواها إلى مجلس شورى الجماعة، وقام مجلس الشورى بخلعه من الإمارة لعدم صلاحيته للحكم ومطاوعة شهواته، وتم تعيين الشيخ جابر محمد علي ريان أميرا عاما لمنطقة إمبابة.
وبمناسبة تعيين الشيخ جابر أقيم حفل تنصيب غير مسبوق، أظهر هيبة الحكم الجديد، حيث تجمع أكثر من ثلاثة آلاف عضو من أعضاء الجماعات الإسلامية، ووصلت إلى منطقة إمبابة وفود برئاسة أمراء من الزاوية الحمراء والهرم والجيزة والفيوم وبني سويف والمنيا وأسيوط وسوهاج.
كان هذا الحفل استعراضيا لإثبات تواجدهم الرسمي، ولتأكيد سيطرتهم وإحكام قبضتهم على الإمارات التي أعلنوا فيها الحكم الإسلامي.
وقد كتبت إحدى المجلات وصفا تفصيليا لوقائع حفل التنصيب، وقالت إنه في بداية الحفل امتطى الأمير الشيخ جابر محمد علي ريان صهوة جواد أبيض مطعم بسرج أحمر، وأمسك اللجام بيده، وخلفه كوكبة من الأمراء التابعين، واخترق الركب شوارع إمبابة وسط تهليلات وتكبيرات أعضاء الجماعة الإسلامية وزغاريد النساء وقرع الطبول، وفي نهاية الموكب تم ذبح الذبائح على بركة الأمير الجديد.
كما بثت هيئة الإذاعة البريطانية B.B.C، يوم 18 أكتوبر 1992، نص الحديث الذي أجراه مراسلها في القاهرة مع الشيخ جابر محمد علي ريان، أمير منطقة إمبابة، وأعلن فيه الأمير أنه لا الشرطة المصرية، ولا أي جهاز من أجهزة الدولة يمكنه دخول إمبابة، كما أنه لن يسمح لها لو حاولت الدخول.. كما أعلن الشيخ جابر في نفس الحديث عن أنه قد أقام ولأول مرة حكومة إسلامية، ولتأكيد كلامه دعا وكالات الأنباء الأجنبية لزيارة إمبابة لكي تشهد عملية تحويل المنطقة إلى إمارة إسلامية خالصة.. وطلب من المراسل أن يتحدث مع أمراء المناطق، وقام بتقديمهم إليه ليتحدثوا عن أسلوب الحكم الجديد، ومزاياه التي من أهمها المساواة بين الناس، وإقامة العدل، والحكم بما أنزل الله، وتطبيق الحدود الشرعية على السارق والزاني.
وأعلن الشيخ جابر في نفس الحديث أنه سيكلف الجناح العسكري ببعض العمليات العسكرية ضد رجال الأمن، من أجل التخفيف عن الأخوة المقاتلين من أعضاء الجماعة الإسلامية في الصعيد، كما قرر أنه سيسهم في الحملة الدولية لإنقاذ مسلمي البوسنة والهرسك الذين يتعرضون للإبادة الجماعية من قبل الصرب، وأنه سيقوم بإرسال متطوعين من أبناء إمارة إمبابة الإسلامية إلى هناك.
بعد أن استضاف مراسل هيئة الإذاعة البريطانية أركان حكومة جمهورية إمبابة، استضاف بعض الأهالي من سكان امبابة الذين رحبوا بالحكم الجديد، وكان من بينهم بعض المسيحيين.
وفي الأسابيع التالية صدرت بعض صحف القاهرة وفيها بعض التعليقات على الحديث الذي أجراه مراسل هيئة الإذاعة البريطانية.
وفي نوفمبر 1992 أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية أنه لا توجد منطقة في جمهورية مصر العربية يصعب على قوات الشرطة الوصول إليها.
وإثر هذا التصريح الحكومي ظهرت في إمبابة خلايا جديدة تدعو لحمل السلاح لمواجهة هجمات الشرطة المرتقبة، خصوصا في مناطق المنيرة الغربية، وشارع الأقصر والبصراوي والاعتماد والبوهي، متخذة من الزوايا المشيدة تحت المنازل مأوى خاصًا بها، ولا يدخلها إلا أعضاء الجماعة، بالبطاقات التي أعدها لهم الشيخ نبيل سالم، أمير الانضباط.
وكان يوم الثلاثاء من كل أسبوع، بمثابة عيد أسبوعي للجماعة في إمبابة، حيث يصطف الآلاف من أفراد الجماعة في شارع الأقصر على مرأى ومسمع من الجميع، حيث تقوم الإمارة بإغلاق الشوارع الأخرى، وإلقاء المواعظ والدروس الدينية وتكفير السلطة والحكومة بكل رموزها في الميكروفونات التي وضعوها على قمة المآذن.
وبدأ توافد مندوبي الوكالات الأجنبية على منطقة إمبابة من أجل مقابلة أول حاكم يعلن استقلاله عن الحكومة المركزية.
وهكذا تدخلت الظروف من أجل إجبار الحكومة على التدخل العلني لتكذيب المزاعم التي روجتها وكالات الأنباء عن جمهورية إمبابة.
لأجل ذلك تشكلت لجنة برئاسة اللواء عبدالحليم موسي، وزير الداخلية، وتحدد يوم 8 ديسمبر 1992 موعدا لتنفيذ خطة اقتحام إمبابة.
حيث شنت الأجهزة الأمنية حملات مداهمة واسعة لمناطق نفوذ الجماعة، من أبرزها الحملة على إمبابة في 9 ديسمبر 1992 والتي شارك فيها 12000جندي و500 ضابط، وأسفرت عن اعتقال 1780 شخص وفقا لما أعلنه وزير الداخلية في مؤتمر صحفي في 25 ديسمبر.
وفي حوار صحفي لجريدة "المصريون"، عام 2012م تذكّر الشيخ جابر لحظة اقتحام قوات الأمن للحيّ: "عندما حدث زلزال تشرين الأول (أكتوبر) 1992، قمنا بعمل اجتماعي لمساعدة الأهالي، فقامت إحدى الوكالات بعمل حوارات معنا، وأظهرت من داخل هذا الحوار أنّ الجماعة الإسلامية ما هي إلّا دولة داخل الدولة، وتسيطر على الناس، وهيَّجت الرأي العام بذلك. حينما تهيَّأت الأجواء من خلال الإعلام قام رجال الأمن بطريقة كان مبيّتاً لها، وهي أنّه قام، وللمرّة الأولى، ولم يفعلها بعد ذلك، برصف الطرق، وكان أوّلها شارع الاعتماد الذي أعيش فيه، وكذلك شارع الأقصر، وتمّ حصار إمبابة بالكامل، ووضْع نقط تفتيش على كلّ شارع، والذي أؤكّده من خلال المصادر الرسمية في ذلك الوقت، أنّه تم إنزال 22 ألف مجند من قوات الأمن المركزي والقوات الخاصة، وتحوّلت منطقة إمبابة إلى ثكنة عسكرية! ناهيك عن المدرعات التي كانت تكفي لتحرير بيت المقدس! وتم تفتيش كلّ منزل من منازل إمبابة للبحث عن أي إسلامي، ولم يتركوا منزلاً واحداً، وتمّ القبض عليّ بعد الاقتحام بثلاثة أيام".
كانت أحداث إمبابة بمثابة تحدٍّ كبير للدولة من حيث قدرتها على فرض القانون والنظام في بعض المناطق الشعبية. فقد أظهرت الأحداث قدرة العصابات المحلية على التمرد على السلطات وفرض قوانين خاصة بهم.
هل للجماعة الإسلامية دور في الأحداث؟
شهدت مصر في أوائل تسعينات القرن العشرين تصاعدًا ملحوظًا في نشاط الجماعة الإسلامية، خاصة في بعض المناطق الشعبية ذات الكثافة السكانية العالية، مثل إمبابة بمحافظة الجيزة. وجاء ذلك في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، وضعف الخدمات، وانتشار البطالة، ما خلق بيئة خصبة لتمدد التيارات المتشددة التي قدمت نفسها كبديل عن الدولة في بعض الجوانب.
تمكنت الجماعة الإسلامية من ترسيخ نفوذها في إمبابة قبل عام 1992 عبر:
- السيطرة الفكرية والدعوية من خلال المساجد والزوايا.
- فرض قواعد سلوكية صارمة على السكان، مثل إغلاق محلات الفيديو، ومنع بعض المظاهر التي اعتبروها “مخالفة للشريعة”.
- إنشاء نوع من السلطة الموازية تمارس الأمر والنهي بدلًا من مؤسسات الدولة.
هذا النفوذ جعل إمبابة تُوصف إعلاميًا بأنها منطقة خرجت جزئيًا عن سيطرة الدولة، حيث ازدياد عمليات العنف ضد المخالفين لأفكار الجماعة، وحوادث اعتداء على المواطنين ورجال الأمن، واستخدام السلاح في مواجهة الدولة.
موقف جماعة الإخوان المسلمين والأحزاب السياسية من أحداث إمبابة 1992
الإخوان المسلمون
- إدانة العنف: جماعة الإخوان المسلمين كانت ترفض العنف وتعتبره غير مبرر. على الرغم من أن هناك بعض الأفراد من جماعات إسلامية أخرى متطرفة، مثل الجماعة الإسلامية، كانوا متورطين في العنف، إلا أن الإخوان المسلمين كانوا يحاولون الابتعاد عن تلك الأفعال.
- تنديد بالتحريض ضد المسلمين: من جهة أخرى، كان الإخوان يتبنون وجهة نظر مفادها أنَّ التوترات التي اندلعت في إمبابة كانت نتيجة لاستفزازات وتحريض ضد المجتمع المسلم من قبل بعض القوى السياسية والإعلامية. فهم كانوا يرون أن ذلك كان جزءًا من حملة لتشويه صورة الإسلام السياسي.
- التحفظ على التدخل الأمني: الإخوان غالبًا ما كانوا يعارضون القمع الأمني العنيف الذي كانت تمارسه الحكومة ضد جماعات الإسلام السياسي. في حالة إمبابة، كانوا يدعون إلى ضرورة معالجة المشاكل الاجتماعية والسياسية التي تؤدي إلى مثل هذه الأحداث، بدلاً من اللجوء إلى القوة المفرطة.
حزب الوفد
حزب الوفد كان في تلك الفترة من الأحزاب الليبرالية الرئيسية في مصر. موقفه من أحداث إمبابة كان إدانة شديدة للعنف الطائفي، حيث اعتبر الحزب أن هذه الأحداث تهدد الوحدة الوطنية. وطالب الحزب السلطات بالتدخل الفوري للحد من التصعيد الطائفي، لكنه في الوقت ذاته شدد على ضرورة معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تؤدي إلى مثل هذه الأزمات. وكان الحزب يروج لمفاهيم الدولة المدنية والتعايش بين مختلف فئات المجتمع.
حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي
حزب التجمع كان من الأحزاب اليسارية التي رفضت العنف الطائفي ودعت إلى مزيد من التضامن الوطني بين المسلمين والأقباط. الحزب كان يرى أن ما حدث في إمبابة ليس مجرد صراع ديني بل هو انعكاس لمشاكل اجتماعية واقتصادية أعمق. كما دعا الحزب إلى ضرورة تعزيز حقوق الأقليات في مصر والعمل على تجنب أي نوع من الانقسامات الطائفية في المستقبل.
حزب العمل
حزب العمل، الذي كان يمثل التيار الإسلامي المعتدل في ذلك الوقت، كان يشدد على رفض العنف الطائفي. لكن في ذات الوقت، كان هناك بعض الأصوات داخل الحزب ترى أن التوترات الطائفية تحدث بسبب عدم وجود عدالة اجتماعية. الحزب كان يعتقد أن بعض السياسات الحكومية في التعامل مع الأقليات وخاصة الأقباط كانت السبب في إشعال فتيل هذه التوترات. لكنه في النهاية كان يدعو للحوار والتسامح بين جميع أطياف المجتمع.
الحزب الوطني الديمقراطي (حزب الرئيس حسني مبارك):
حزب الحزب الوطني الحاكم كان في تلك الفترة يواجه تحديات كبيرة في التعامل مع الأحداث الطائفية. موقفه كان التهدئة عبر استخدام القوة الأمنية لمنع تصعيد الأوضاع، حيث كانت الحكومة تعمل على احتواء الأزمة بسرعة. ورغم محاولات الحزب تهدئة الوضع، إلا أن التعامل الأمني كان يغلب على الحلول السياسية والاجتماعية. كما لم يكن هناك تركيز على معالجة الأسباب الجذرية للتوترات الطائفية في البلاد. الحزب في موقفه كان يحاول أن يظهر نفسه كقوة حفظ النظام والأمن في المجتمع.
الحزب الناصري
الحزب الناصري كان يرفض بشدة أي شكل من أشكال العنف الطائفي، واعتبر أن التوترات التي أدت إلى أحداث إمبابة كانت نتيجة للتمييز الاجتماعي والفقر. وكان الحزب يطالب بالحفاظ على وحدة الشعب المصري، سواء كان مسلمًا أو مسيحيًا، ويرى أن الحل يكمن في تعزيز العدالة الاجتماعية والعمل على حل المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها جزء كبير من الشعب المصري.
خاتمة
رئيس جمهورية إمبابة جابر أحمد والذي سخر منه مبارك بقوله:ولا هما بيعرفوا في الدين، ما انتم عارفين أمير إمبابة كان بيشتغل ايه؟ طبال.سمعتم عنه، ما انتم عارفينه.
لم يكن ليعلن هذه الإعلان إلا في ظل غياب كامل لمؤسسات الدولة التي عجزت عن حل مشاكل الناس الاقتصادية والاجتماعية والفتن الطائفية وانشغلت فقط بأمن النظام والمحافظة على كبار رجال الحزب الوطني.
للمزيد:
- إمبابة: بؤرة توتر ... أُعلنت يوماً «جمهورية إسلامية»: صحيفة السفير، العدد:11882، بتاريخ 10/5/2011م.
- مجلة روزاليوسف: العداد (4248- 4251) سنة 2009- صـ62.
- حمدي البطران: تاريخ لن ننساه «13».. جابر الطبال وولاية إمبابة، موقع الدستور، 15 أغسطس 2021م.
- خالد محمد علي: زعيم «جمهورية إمبابة» جابر ريان (نظام مبارك وراء الفتـن الطائفيـة في «مصر الثورة») الإمارات اليوم، 23 مايو2011م.
- أحمد فريد مولانا: الجماعة الإسلامية: استراتيجيات متعارضة، المعهد المصري للدراسات، 23 فبراير 2018م.