ركن الفهم بين نظريات الإمام البنا والترجمة العملية له من الإخوان

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

لقد حرص المحتل على طمس الهوية الإسلامية والعربية، ومحاولة تغيب الوعي الثقافي وقصره على الأفراد الذين يسيرون في فلك سياسته الاستعمارية ويقومون على خدمة مطامعة، ولذا –كما يذكر جرجس سلامة مخائيل: اتجه الاستعمار إلى تجفيف المنابع التي تعمل ضد هذا الخط الذي رسمه "كرومر"، وعلى رأسها الأزهر، وحتى الكتاتيب لم يأل جهدا في التضييق عليها وإن تظاهر بغير ذلك، وكان يسعى دائما لإخضاع ما أنشئ منها بجهود الأهالي لإشراف نظارة المعارف التي يسيطر عليها وعلى ميزانيتها ممثلو الاحتلال[١].

في ظل هذا الصراع بين الحفاظ على الهوية أو طمسها كان يعيش المجتمع وكانت تتشكل شخصيته، وكان لابد لهذا التمزق الفكري المكرس عبر مسالك عديدة على النحو السابق بيانه من أن يؤدي إلى تبديد قوى المجتمع وشل فاعليته، إذ لم تعد له ثقافة واحدة، وهذا ما دفع الإخوان المسلمين منذ نشأتها بالتركيز على التربية بالقدوة لا يجاد جيل رباني.

مما دفع الإمام حسن البنا بجعل الهدف الرئيسي له هدفا تربويا وهو: تكوين جيل مسلم، يبدأ بتكوين الفرد المسلم، الذي يكون الأسرة المسلمة، فالمجتمع المسلم، فالحكومة الإسلامية، فالأمة الإسلامية، فأستاذية العالم، ولذلك ابتكر أساليب كثيرة وبرامج مطورة لتكوين الوحدة الأساسية لهذا الجيل، وهي بناء الشخصية المسلمة.

وتأتي أدبيات الإمام الشهيد، حسن البنا - مؤسس جماعة الإخوان المسلمون - على رأس الأدبيات الحركية الإسلامية في العصر الحديث، ومن بين أهم هذه الأدبيات، مجموعة "الرسائل" التي وضعها الأستاذ البنا.

ومن بين أهم وأشهر هذه الرسائل، رسالة "التعاليم"، التي تشكل مع  غيرها المكون الفكري الأهم للإخوان المسلمين.

فقد حدد الإمام البنا الأهداف التي يفترض على كل مسلم أن يعمل من أجلها، وبين مضامينها وهي ليست أهدافا مخترعة ولكتها أهداف مستقرأة.

ولقد بدأ الأستاذ البنا رسالته رسالة التعاليم بالفهم حيث عمل جاهد على إنارة الرأي العام وتحقيق فهم شامل للإسلام،

ولقد ترجم الإخوان والأخوات في حياتهم الإسلام بمفهومه الشامل ترجمة عملية وواقعية تركت على أرض الواقع وفي نفوس الناس جميعا بصمات وأثر، واصبح الجميع يتذكر الخصال الطيبة والصفات الحميدة التي تفرد بها كل فرد في الجماعة، والتي توافقت كثيرا مع المفاهيم التربوية في رسالة التعاليم حيث استطاعوا أن يخرجوها من ثنايا الأسطر والكلمات والعبارات التي خطها الإمام حسن البنا إلى واقعية التطبيق العملي والمواقف المترجمة على الأرض.

الفهم والترجمة العملية الواقعية

يقول الإمام البنا في هذا الركن: إنما أريد بالفهم:

أن توقن بأن فكرتنا "إسلامية صميمة"، وأن تفهم الإسلام كما نفهمه، في حدود هذه الأصول العشرين الموجزة كل الإيجاز.

ثم ذكر عشرين أصلا شملت الإسلام فهما وعملا، فسار الإخوان على هذا الفهم الشامل حيث لم تكن فكرة أن الإسلام قادر على إدارة شؤون الحياة وتنظيمها فكره واردة في وقت كتابة هذا الأصل، فالإسلام حينها كان يقتصر على العبادة والصلاة في المساجد والصيام الذي هو بين العبد وربه.

بين فهم القائد والجندي

لم يرب الإخوان أنفسهم على الطاعة العمياء أو عدم الانضباط، لكنهم تعاملوا في إطار فهم واسع ورحب لتعاليم الإسلام، وهذا ما حاول الشيخ البنا غرسه في الأفراد الطاعة وتنفيذ الأعمال حتى لا تضيع الواجبات وسط الأهواء والتمني، مع الرفيق في إعطاء التكاليف والحث على نثر بذور الفهم في المواقف.

ومن المواقف التي يذكرها الأستاذ علي أبو شعيشع – وقت أن كان في البحيرة قبل انتقاله لكفر الشيخ - أنه تقرر إقامة حفل في مدينة كفر الدوار بمقر شركة مصر للغزل والنشيج والمدينة من توابع مكتب إداري دمنهور وأردنا أن نسهم في الدعاية لهذا الحفل وكلف الأخ محمود يونس بالتوجه بفريق الجوالة إلى كفر الدور في صبيحة يوم الاحتفال، ولما كان الأستاذ المرشد مخططا له أن يمر علينا في شعبة دمنهور قبل الظهر، فقد اجتهد الأخ محمود ورأي  أن يحضر إلى الشعبة ليسلم على الأستاذ، ثم يسافر بفريقه إلى كفر الدوار  وبينما نحن جلوس في الشعبة ومعنا الأستاذ  البنا إذ بالأخ  محمود يونس يقبل علينا وتلفقه الأخ محمود عبد الحليم وسأله عن سبب قدومه في حين يفترض وجوده الآن في مكان الحفل فأجابه بأنه يريد أن يجمع بين الخيرين وهنا ثار الأخ محمود وعنفه  تعنيفا شديدا وأصدر قرارا عقابيا له بأن يتحرك الآن بفريقه سيرا على الأقدام إلى مدينة كفر الدوار ( 40 كيلوا مترا) وبهت الأخ محمود يونس , والأستاذ المرشد يرقب عن كثب ما يدور.

ثم انتقل الأستاذ البنا من مكانه وجاء إلينا  يسأل الخبر وتحدث الطرفان وأصدر قراره بتخطئة الأخ محمود يونس وأحقية الأخ محمود عبد الحليم في فرض العقوبة ثم طلب من الأول التزام الطاعة في كل أمر وطلب من الثاني التنازل عن حقه في العقوبة وسمح للأخ محمود يونس بالانتقال بفريقه بالقطار إلى مدينة كفر الدوار[٢].

بذلك وفق الإمام البنا تربويا بين أوامر القائد التي حرص على عدم ضياع العمل وأمنية الجندي الذي أراد أن ينال الخير في العمل، وأعلى قيمة الفهم لدى الجميع.

رقي الفهم والتطبيق

عجيب أمر نساء الإخوان الذين تربوا في محاضن تربوية عملية، حيث ضربن أروع الأمثلة في هذا السياق، فيذكر الأستاذ محمود الجوهري عن الحاجة نعيمة خطاب زوجة المستشار حسن الهضيبي أنها ثبتت حين تصدت للظلم، وكانت بسلوكها دعوة وقدوة يحتذى بها، فقد جاءتها زوجة أحد الوزراء تطمئنها على لسان زوجها بأن صحة فضيلة المرشد جيدة، وتبلغها بأن جهودًا تُبذل لمنع محاكمته أمام محكمة الثورة وما وراءها من مصير، أدركت "أم أسامة" بذكائها ما تصبو إليه قائلة: "أتريدين تذكيري بأن الأحكام تصدر من قِبَل المحكمة، وبأن الحكم المتوقع هو الإعدام؟ اسمعي مشكورة، وبلغي زوجك السيد الوزير أن "حسن الهضيبي" ما تولى قيادة الإخوان المسلمين إلا وهو يعلم أن سلفه "حسن البنا" قد اغتيل، وأهدر دمه علنًا في أكبر شوارع العاصمة، وما رضي الهضيبي بخلافته إلا وهو ينتظر هذا المصير، وقد باع نفسه لله، وسنكون سعداء إذا احتسبنا عميدنا وعائلنا عند الله، وأوفر وأعظم سعادة أن نلحق به إذا همَّ القضاء، ثم التفتت إلى بناتها خالدة وسعاد وعلية وسألتهنَّ: هذا ما عندي، فماذا عندكنَّ؟ فقلن في نفَسٍ واحد: ليس عندنا إلا ما عندك يا أماه"[٣].

أفق واسع للسلطة

إذا أنار الله بصيرة أحد وهبه الفهم السديد، ومن المواقف التي ذكرها الأستاذ احمد البس أن الدعوة حينما دخلت إلى قريتهم القضابة اتخذ من بيته مقرا لها إلا أن عمدة القضابة رحمه الله " محمد زكى الدين حتاتة" كان شابا فقال إن الإخوان المسلمين جماعة عامة للناس جميعا فلا تحصرها فى بيتكم وخذ لها مكانا عاما يمكننا ويمكن لكل واحد أن يدخله من غير استئذان ودلنى على مدرسة للقرآن الكريم محطمة الأبواب والشبابيك والسور وهو نفسه يضع فيها كوما من الأتربة فقلت لله خذ أتربتك ودعنا ننظف المكان من الأتربة الأخرى ونصلح الأبواب والشبابيك ونقيم للمبنى سورا جديدا لها ففعل ما طلب منه  وبدأنا نجهز المكان لتحفيظ القرآن واجتماعات الإخوان. وقد كان المال فى أيدينا قليلا والمنضمون قليلون أيضا واحتجنا لعمل سور ولو من الطوب اللبن ولما جاءنا العمال الذين يصنعون هذا الطوب بالشكوى من كثرة الحصى الذى يجدونه فى " المونة" فخلعت جلبابى  وأخى عبد المجيد أيضا ونزلنا " المعجنة" بعد صلاة العشاء حيث الظلام الدامس فى القرية ولا يرانا أحد وانتهينا من هذا العمل وغسلنا أيدينا وأرجلنا من مياه الترعة ولبسنا ملابسنا, وفى الصباح بعد صلاة الصبح مررنا على العمال وهم يصنعون الطوب ونحن نلبس ملابسنا" الجاكت والبنطلون والطربوش" فقلنا لهم كيف الحال؟ فقالوا إن العمال الذين أحضرتموهم لتقليب المونة عندهم ضمير فقلنا لهم سوف نحضرهم كل ليلة وقد كان.

ولما تم بناء سور المدرسة أصبحت فى النهار صالحة لتقبل التلاميذ لحفظ القرآن الكريم, وأحضرنا لها معلما للقرآن يعلم الراغبين, وفى المساء يجتمع الإخوان فى الدار وفى فنائها الواسع الفسيح[٤].

دعهم لا يرون منا إلا البشاشة

بهذه الكلمات فهم المرشد الثاني للإخوان المستشار حسن الهضيبي معنى الجلد في الحق، وأن لا يعطي الدنية في دينه على الرغم من الآلام التي تعتري جسده الهزيل إلا أنه فهم دينه فلم يظهر الضعف أمام جلاديه.

يقول جابر رزق في كتابه:  أدرك زبانية الحكام أن الشيخ الذي حسبوه فانيا سريعا إلى الاستسلام، إن هو إلا معين أباء وجلد, تسري جواره شمما ومنعة في نفوس الإخوان فيثبت الواهن ويضاعف من عزيمة الثابت.

وتفتقت مكايد الطغيان عن حيلة جديدة نقلوا بها المرشد العام إلى زنزانة محلقة بمكاتب الإدارة تفصله قرابة ميل عن مجمع زنزانات الإخوان بحيث لا يرونه إلا في ساعة الفسحة من هذا البعد, فلا يكلمهم ولا يكلمونه!  ولفت أنظارنا أن مرشدنا المتداعي البنية يقضي ساعة فسحته في الحديقة المواجهة لمكتب المدير ناشطا في القيام بتمرينات رياضية وهو بملابس ناصعة الألوان لعله كان يتوقر عنها وهو في شرخ شبابه.

ولما كاشفته – في أول لقاء هي لي معه – بغرابة هذا الحركات الرياضية, وهذه الملابس الزاهية على مقامه وسنه ضرب في صدري بيده ضربة حنان وتنبيه وهو يقول :" دعهم لا يرون منا إلا البشاشة وارتفاع المعنوية حتي يتحققوا أن سهامهم طاشت, ولم يبلغوا منا ما يريدون! ألم يبلغك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " رحم الله امريء أراهم من نفسه القوة[٥].

النهي عن البكاء من خشية الله على مسمع الظالمين

واعتاد الإخوان أن يجدوا في السجون  أسعد الفرص للخلوة بالله سبحانه وتعالي , حيث تشغلهم أعباء العمل للدعوة  أوقات الحرية عن التفرغ لما يحبونه من مناجاته, وكان هناك أخ بين المعتقلين من أرقهم وأغزرهم دمعا وأعلاهم نشيجا في مناجاة الله إذا حلك الظلام وسكنت الحركة بين المعتقلين والحراس .

واستطاع الأستاذ الهضيبي أن يتبين من هذا النشيج شخصية صاحبه وما أن وقعت عليه عينه في ساحة الفسحة العامة, حتي أقبل  يقول له :" أنا أعلم أنك رقيق القلب تبكي من خشية الله, وتلك رتبة نغبطك عليها جميعا, ولكن جهلة الحراس إذا سمعوا بكاءك وأنت مرموق المكان في الدعوة , أسرعوا إلى سادتهم الطغاة فأفهموهم أن قادة الإخوان قد أصابهم الهلع من الاعتقال, حتي أنهم ليبكون بكاء الأطفال".

وراع المرشد والحاضرين من الإخوة أن يسمعوا جواب أخيهم :" يا فضيلة المرشد أنا أهون شأنا من أن يكون نشيجي بكاء من خشية الله, ولكني استعرض ذنوبي – إذا جن الليل – فيخيل لى من كثرتها أن الله تعالي قد أخذ الجماعة كلها بأن يكون فيها مذنب مثلي "! فيبارك المرشد هذا الشعور ويكرر التشديد على صاحبه أن يكبت أناته بحيث لا يسمعها إلا الله! [٦].

لو خرجنا بواحد لكفى

يقول الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله : ذهبت مع الإمام الشهيد مرة إلى مدينة طوخ بالقليوبية .

وكان الحفل حاشداً، والهتافات عالية ... وفي الطريق سألني فضيلته : ما رأيك في الحفل ؟

قلت : إن الصخب شديد، والأصوات العالية لا تطمئنني كالطبل الأجوف.

قال : اسمع، نحن على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم . كان يعرض نفسه على الناس في الأسواق، فلا يلقى إلا السخرية والإيذاء .

فهلا نصبر على بطء الاستجابة إننا لو خرجنا من هذه الآلاف بواحد فقط، فذلك خير من الدنيا وما فيها.

وفي حرب فلسطين تطوع أحد الإخوان في كتائب المجاهدين، فظن والده أن الإمام البنا هو الذي أثر عليه، فجاء إلى المركز العام ثائراً، وكلم الأستاذ بحدة بالغة، فقدر الأستاذ مشاعر الأبوة، وتلطف بالرجل ... فلما هم الرجل بالانصراف - وكان ضعيف البصر - وقد ترك حذاءه خارج الغرفة، إذا به يفاجأ بالإمام الشهيد يحمل حذاءه إليه ويضعه تحت قدميه، فقال الرجل : كأنما ألقى عليّ المرشد بعض الماء البارد (يعني أن كل ما في نفسه قد زال).[٧]

مع آل عبد العزيز باشا فهمي

لم يقتصر استيعاب الدعوة على رجالات الدعوة فحسب لكن الإمام البنا استطاع أن يحتوي الكثير من المشاكل بالحب.

يقول عباس السيسي: في كفر المصيلحة بلدة عبد العزيز باشا فهمي حدثت مشادة بين الإخوان وبين أفراد عائلة الباشا، وكان من عادة الأستاذ البنا ومن أخلاقه الإسلامية أنه إذا نزل بلدا فإنه يبدأ بزيارة عمدتها أو كبيرها، ومن وراء هذا المعني مدلولات لا حصر لها .

وعلي أثر هذه المشادة توجه بعض الإخوان من كفر المصيلحة إلي القاهرة وقدموا شكواهم إلي فضيلة المرشد وقالوا فيما قالوا أنه بعد ذلك لا يستحب لفضيلتكم أن تقوم بزيارة عبد العزيز باشا فهمي عند حضورك للبلدة، وصرفهم الأستاذ المرشد ونصحهم أن يلتزموا الحكمة والصبر، ومضت الأيام واعتزم زيارة كفر المصيلحة – واستقبل الإخوان مرشدهم هذه المرة بصورة شعبية حماسية، وسار الموكب متجها ناحية شعبة الإخوان المسلمين – غير أن الأستاذ البنا طلب من السائق التوجه إلي دار عبد العزيز باشا فهمي كالعادة – ولم يستطع السائق إلا تنفيذ طلب الأستاذ أمام تعجب الإخوان ودهشتهم وسار الموكب حتى وصل إلي منزل الباشا الذي كان هو وعائلته يتشككون في هذه الزيارة بعد الذي حدث واستقبله الباشا وعائلته استقبالا كريما وودعوه وفي المساء ازدحم السرادق بالإخوان وبعض الناس الذين جاءوا ليزيدوا النار اشتعالا ويصطادوا في الماء العكر .

ووقف حسن البنا وخطب فيهم ورطب القلوب ثم قال أنه جاءه منذ مدة وفد من الشعبة وحدثوه عن المشادة التي حدثت بين الإخوان وبين عائلة عبد العزيز باشا فهمي وقالوا له أنه لا يستحسن بعد ذلك أن تبدأ بزيارته كالمعتاد ووعدتهم خيرا ولكن الإخوان كما تعلمون يصدرون في كل تصرفاتهم عن عقيدة وشريعة لا يحتكمون إلي هوي ولا يقادون إلي شهوة ( ولا يجرمنكم شنآن قوم علي أن لا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى )، لهذا حين جئت إلي هذا البلد الطيب كان لابد أن أدخل البلد من الباب ولا يمكن أن أدخله من الشباك، والباب الوحيد لهذا البلد هو منزل عبد العزيز باشا فهمي، حتى إذا أنهي الأستاذ المرشد هذه الكلمات الحكيمة المؤمنة تعالت الهتافات ( الله أكبر ولله الحمد ) وتصافحت الأيدي وربط الله بين القلوب بين إخوان الكفر وعائلة فهمي باشا[٨].

شقائق الرجال

لقد ضربت الأخوات المسلمات نموذجا في الفهم يحتذي به حيث أعدن سيرة الصحابيات في تصرفهن، ومن المواقف التي توضح ذلك الفهم وفق ما جاء في ثنايا رسالة التعاليم ، ما جاء في كتاب عمالقة في زمن النسيان قول الحاجة أم معاذ –زوجة الأستاذ عباس السيسي-  لابنها الأكبر عبد المنعم بعد اعتقال زوجها عام 1965م: "استمع إليّ جيدًا، إن أباك غائب ولابد له من عودة في يوم ما، فعندما يعود يجب أن يراكم رجالاً يفخر بكم، أريده أن يرى فيكم المستقبل، أريد أن تكون أنت من الآن رجل البيت، وتكون أبًا لإخوتك، وتكون رجلي في غيبة أبيك، وأخًا لأبيك في غربته، وأريد أن تتابع أخبار أبيك وهو داخل السجن ولا ننقطع نحن عن زيارته ما حيينا حتى يأتي الله بالفرج ويخرج أبوك من السجن، وأن تهتموا بدراستكم. لقد حكم على أبيكم بخمسة عشر عامًا، فإن كان في العمر بقية وخرج أبوكم فيجب أن يراكم كما يراكم في أحسن حال، فهذه أمنيتي وأمنية والدكم.

فقال لها: اطمئني يا ماما سوف أكون عند حسن ظنك".

وقالت أيضًا لابنتها عندما كانت في إحدى الزيارات ووجدت الضباط يتهكمون على والدها: "اسمعي يا غالية إن أباك من خيرة الرجال والآباء، وأنت تعلمين جيدًا أنه دائمًا نموذج للمجاهد الحر الأصيل، والإرادة الصلبة، فمثله يكره التزلف والنفاق الذي يورث الذل والمهانة؛ لذا تجدينه يلوذ بالصمت أحيانًا أمام من يهاجمه من أمثال الذين سمعتيهم بأذنيك الآن، لا عجزًا منه ولكن لأنه دائمًا يكره الجدل، إن أباك يؤثر العمل على الجدال والثرثرة، وهذه شيمة العقلاء".

لقد صدق أحمد شوقي حينما قال:

الأم مدرسه إذا أعددتها            أعدت شعب طيب الأعراق[٩].

التربية العملية

زبيدة مشهور –زوجة الأستاذ مصطفي مشهور – والتي عاشت معه فكانت حياتها تربية، تجلت هذه التربية حينما سيق بالزوج إلى آتون المعتقلات، حيث تم القبض عليه من محل عمله في مطروح، ودفع به إلى السجن الحربي، فاعتنت بأبنائها طيلة فترة غيابة.

تقول سلوى ابنتها: ومع مرور الوقت والتحاق الأبناء بالمدارس الثانوية بدأت تظهر حنكتها في التعامل مع الظروف؛ فقد كانت ابنتها سلوى يضايقها أحد مدرسي المدرسة بسبب حبس أبيها، وكانت الابنة تعود حزينة، فكانت الأم تواسيها وتغرس فيها الثقة بأبيها، وتشرح لها مدى صدق الإخوان وحبهم للوطن، كما كانت في نفس الوقت تواسي زوجها بالرسائل التي تطمئنه على أحوالهم والأولاد، وتشد من أزره، وتحثه على الثبات على دعوة الله، فهو أحب إلى قلوبهم من أي شيء آخر في الدنيا، ومما جاء في رسالة زوجها إليها: "بسم الله الرحمن الرحيم... زوجتي الفاضلة.. أحييك تحية طيبة مباركة.. فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وصلني خطابكم الذي فيه عنوانكم الجديد، وسررت لما به، ودعوت الله لكم بالحياة الطيبة، والحفظ والتوفيق، وإن قدرك عندي ومنزلتك في قلبي تزداد مع الأيام كلما لمست منك هذا الحرص على مصلحة الأولاد على ما يرضيني، ويرضي الله وحده الذي يعلم ما في القلب من حب وتقدير".

ومن المواقف التي تنم على فهمها الواسع عام 1967م أن ابنتيها وفاء وسمية كانتا ترتديان الحجاب، غير أن هذا الوضع لم يرق لمدرسة العربي ومدرسة الإنجليزي فأمرتهما بخلعه، كما كانت مديرة المدرسة تنتظرهما على الباب الرئيسي للمدرسة لتجبرهم على خلع الحجاب، وكانتا تذهبان وتشكوان لأمهما ما يحدث لهما، فكانت تحثهم على الصبر وتحمل المسئولية، ثم ذهبت إلى مديرة المدرسة وقالت لها: "إنني مصرة على أن ترتدي ابنتيّ الحجاب، وإلا فأنا استغني عن المدرسة، وتكملة تعليمهما، فاستجابت المديرة على أن يكون الحجاب طرحة بيضاء، وكانت هذه الزيارة فتحًا مبينًا حيث طالبت الطالبة يسرية الشناوي بمساواتها في ارتداء الحجاب مثل وفاء وسمية فوافقت المديرة[١٠].

فطنة قاضي

لقد تعرضت الجماعة لمحنا عدة وفتننا داخلية، ومن هذه الفتن أول فتنة حدثت للإخوان في الإسماعيلية حينما انتقل إلى القاهرة فاختار الشيخ علي الجداوي ليكون مسئولا للإخوان فيها فاعترض بعض الإخوة الذين يرون أنهم أحق بهذا المنصب من الشيخ علي، مما دفع الإمام البنا لجمع الجمعية العمومية وإجراء انتخابات والتي أسفرت عن فوز الشيخ الجداوي بها، لكن هؤلاء لم يرضوا واخذوا يثيرون القلاقل.

فلم يكتف هؤلاء بما قاموا بذلك بل قام أحدهم بتقديم بلاغ إلى النيابة؛ يتهمون فيه الإمام الشهيد ببعثرة أموال جماعة الإخوان في الإسماعيلية ويبعث بها إلى أخيه في القاهرة الذي يقول عنه: إنه رئيس شعبة القاهرة وأيضا إلى بورسعيد وإلى "أبو صوير" مع أن هذه الأموال جمعت من الإسماعيلية، ويجب أن تصرف في الإسماعيلية وهذا حق النيابة العمومية في حماية أموال الناس وأعراضهم، ودمائهم، ولذلك فهو يطلب أن تتدخل النيابة وتمنع إنفاق هذه الأموال على هذه الأوجه.

وكان وكيل النيابة الأستاذ محمود مجاهد رجلاً حصيفًا فسأله: هل أنت عضو في مجلس الإدارة؟ فقال له: كنت عضوًا وأقوم بأعمال الخزانة فاستقلت وقبلت استقالتي، فقال له: هل يقر المجلس هذه التصرفات؟ قال: نعم، ثم سأله: هل أنت عضو في الجمعية العمومية؟ قال: كنت عضوًا في كل شيء لكن الآن لا أعتبر نفسي عضوًا في أي عمل لهم، فقال: هل تظن أنه إذا عرض الأمر على الجمعية العمومية فهل تقبل ذلك وتقر تلك التصرفات؟ فقال: له إنها تقر جميع تصرفاته، ولو قال إنه أخذ هذه الأموال لنفسه لوافقوا على ذلك وكانوا مسرورين بذلك، فقال له وكيل النيابة: إن كان مجلس الإدارة يوافق والجمعية العمومية توافق وأنت لست عضوًا في هذا ولا ذاك، وأنهم أناس تبرعوا بأموالهم وأوكلوا بعضهم لصرفها في وجوه معينة ووافقوا على طريقة الإنفاق، فما شأن النيابة بهم، وبأي وجه تتدخل، ثم نصحه وكيل النيابة بأن يعود إلى جماعته، أو يقعد في بيته ويتصرف في عمله ويدع الناس يعملون[١١].

شيخ برتبة جنرال

ومن المواقف التي تنم عن الفهم الشامل للإسلام موقف الشيخ محمد فرغلي والذي انتدبه الإخوان ليكون إماما لشركة جباسات البلاح بالإسماعيلية بعدما طلبت الشركة من الإخوان إيفاد إمام للمسجد.

فيذكر الأستاذ البنا في مذكراته الدعوة والداعية قوله:

طلب عمال شركة جباسات البلاح بالإسماعيلية أن تبني لهم مسجدًا، إذ كان عددهم أكثر من ثلاثمائة عامل، وفعلاً استجابت الشركة لمطلبهم وبني المسجد، وطلبت الشركة من الجماعة بالإسماعيلية انتداب أخ من العلماء يقوم بالإمامة والتدريس، فانتدب لهذه المهمة فضيلة الأستاذ الشيخ محمد فرغلي المدرس بمعهد حراء حينذاك.

وصل الأستاذ فرغلي إلى البلاح وتسلم المسجد وأعد له سكنًا خاصًا بجواره، ووصل روحه القوي المؤثر بأرواح هؤلاء العمال الطيبين، فلم تمض عدة أسابيع وجيزة حتى ارتفع مستواهم الفكري والنفسي والاجتماعي ارتفاعًا عجيبًا، لقد أدركوا قيمة أنفسهم وعرفوا سمو وظيفتهم في الحياة وقدروا فضل إنسانيتهم، فنزع من قلوبهم الخوف والذل والضعف والوهن، واعتزوا بالإيمان بالله وبإدراك وظيفتهم الإنسانية في هذه الحياة – خلافة الله في أرضه – فجدوا في عملهم اقتداء بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" ثم عفُّوا عما ليس لهم، فلم تأسرهم المطامع التافهة ولم تقيدهم الشهوات الحقيرة، وصار أحدهم يقف أمام رئيسه عالي الرأس في أدب، شامخ الأنف في وقار، يحدثه في حجة ومنطق.

أحس الأجانب المسئولون في هذه الشركة بعد فترة أن عمال الشركة قد تغيروا تغيرًا ملحوظًا، فهم وإن زادوا في عملهم حتى ظهر ذلك في إنتاجهم إلا إنهم صاروا يعتزون بكرامتهم، ولا يقبلون إهانة من أي مسئول مهما علت مرتبته، ومهما كان وراء ذلك من ربح مادي لهم، وعلم الرؤساء في الشركة أن سبب ذلك هو هذا الإمام الذي ينشر بين العمال أفكارًا صحيحة، ونبيلة ومثالية، لكنها ستحد من سلطتهم على العمال، فخشوا على أنفسهم من هذا التغير الذي طرأ عليهم، وقرروا إقصاء الشيخ.

أرسل إليه رئيسه المباشر – المسيو فرانسوا – وأخبره أن الشركة قد استغنت عن خدماته، ومنحته مكافأة فوق راتبه المستحق، فكان جواب الشيخ: لو كنت أعلم أنني موظف بشركة جباسات البلاح ما قبلت العمل بها، ولكني موفد من قبل الإخوان المسلمين بالإسماعيلية، وأتقاضى مرتبي منهم محولاً عليكم وأنا متعاقد معهم على ذلك، ولن أترك عملي بالمسجد ولا بالقوة، إلا إذا أمرني بذلك رئيس الجمعية التي انتدبتني هنا، وهو في الإسماعيلية فاتفقوا معه.

واتصل الشيخ فرغلي بالإمام الشهيد، وأخبره الخبر، فأثنى على تصرفه وأقره على ألا يترك مكانه بأية حال من الأحوال، فحجته معقولة، ولا شيء لهم عنده.

وقد لجأت الشركة إلى الإدارة فاتصل مديرها بمحافظ القنال الذي اتصل بدوره بمأمور الإسماعيلية، وأوصاه أن يقوم على رأس قوة لعلاج الموقف وحضر المأمور بقوته، وجلس في مكتب المدير، وأرسل في طلب الشيخ الذي اعتصم بالمسجد، وأجاب الرسول: لا حاجة لي عند المأمور، ولا عند المدير، وعملي بالمسجد، فإذا كان لأحدهما حاجة فليحضر لي، وحضر المأمور إلى الشيخ، وألح عليه أن يستجيب لطلب المدير ويترك العمل، فأجاب بمثل ما تقدم وقال له: تستطيع أن تأتيني من الإسماعيلية بكلمة واحدة في خطاب، فأنصرف، ولكنك إذا أردت استخدام القوة فلك أن تفعل ما تشاء، ولكني لن أخرج من هنا إلا جثة هامدة لا حراك فيها، ووصل خبر الفصل إلى العمال فتركوا العمل وأقبلوا متجمهرين صاخبين، وخشي المأمور العاقبة، فترك الموقف وعاد إلى الإسماعيلية.

اتصل المأمور بالإمام البنا للتفاهم على الحل، فاعتذر له البنا بأنه مضطر إلى عقد مجلس إدارة الجمعية للنظر والتفكير ثم يجيبه بعد ذلك، وحاول الإمام البنا في هذه الأثناء أن يقابل العضو المصري الوحيد في مجلس إدارة الشركة، فوجد منه إعراضًا عن مصالح العمال وكل انحياز إلى آراء الشركة ومديرها وكل تجرد من أية عاطفة فيها معنى الغيرة الوطنية.

وقد قابل الإمام البنا بعد ذلك مدير الشركة، وسأله عما ينقمه من فضيلة الشيخ، فقال له: يا أستاذ حسن أنت لم ترسل لنا إمامًا للمسجد، وإنما أرسلت جنرالاً ينفذ علينا هنا أحكامًا عسكرية، فناقشه الإمام البنا في هذا الكلام وأفهمه أنه مخطئ، وأن الشركات هي التي تقسو على العمال وتنقص من حقوقهم وتستصغر إنسانيتهم، وتبخل عليهم وتقتر في أجورهم، في الوقت الذي يتضاعف ربحها ويتكدس، وإن من الواجب علاج هذه الحال بعلاج نظم هذه الشركات ووجوب قناعتها باليسير من الربح، واتفق معه أخيرًا على أن يبقى الشيخ فرغلي شهرين حيث هو، وأن تقوم الشركة بتكريمه عند انتهاء هذه المدة، وأن تطلب رسميًا من الإخوان من يحل محله من المشايخ، وأن تضاعف للشيخ الجديد راتبه وتعنى بمسكنه ومطالبه، وفي نهاية المدة عاد فضيلة الشيخ فرغلي وتسلم مكانه فضيلة الأستاذ شافعي أحمد، واستمرت الدعوة تشق طريقها في هذه الصحراء[١٢].

الدعوة العملية

يقول الأستاذ أحمد أبو شادي في كتابه رحلتي مع الجماعة الصامدة:

خرج الأستاذ البنا في الأربعينيات في جولة دعوية إلى مدينة المنصورة وما حولها من المراكز والقرى, فمر بكفر بداوي وقدم الإخوان هناك الأستاذ محمد وادي إلى الأستاذ البنا للتعارف, وبعد حديث ودى بينهما دعاه الأستاذ الإمام لزيارته في القاهرة في أول فرصة مواتية, وفوجئ الأستاذ ذات يوم بزيارة الأستاذ وادي له في المركز العام , وأثناء الحديث معه, فهم منه أنه قادم لزيارة شقيقه المريض بمستشفي قصر العيني غدا, وانتهى اللقاء مع تمنيات الأستاذ للمريض بالشفاء .

يقول الأستاذ محمد وادي : وفي صباح اليوم التالي بينما أنا متوجه لزيارة شقيقي إذ فوجئت بما لم يكن في الحسبان .. وجدت الأستاذ البنا قد سبقني ومعه مجموعة من الإخوان لزيارة أخي, فأدركت أن الرجل صاحب فكرة ورسالة, وآليت على نفسي ألا أغادرة القاهرة إلا وفي عنقي بيعة وعهد على الانخراط في سلك الدعوة والعمل تحت لوائها.

فلننظر إلى فهم الداعية الصحيح لمعنى دعوته العملية وكيف استطاع أن يؤلف القلوب بموقف عملي[١٣].

رجل المواقف

لابد للداعية أن ينزل الناس منازلهم ويخاطبهم بما يحبونه دون نفاق، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خير داعية لذلك حينما قال: من دخل دار أبي سفيان فهو أمن، وبذلك أنزل الناس أماكنهم.

وحول هذا المعنى التربوي يسوق الأستاذ محمد عبدالحميد أحمد موقفا تربويا يوضح هذا الفهم الجليل للأستاذ البنا فيقول: ومن الذكريات التي تكشف عن عبقرية الإمام الشهيد في حل المشكلات وإنقاذ المواقف، ما بلغني من الأخ السيد - عبد الحى الخولى - نائب شعبة سوهاج بالصعيد -  فقد حدثني أن الشيخ " عبد الله المازني" عضو الهيئة التأسيسية، رغب في تأسيس شعبة للإخوان في قرية" نجوع مازن" ولم ير داعيا في الاستئذان من عمدة بلدته ورأى أن الإخوان أسمى من أن يستأذنوا أحدا في هذا الشأن، فاتصل رأسا بالمركز العام وطلب من فضيلة المرشد أن يفتتح بنفسه هذه الشعبة ومعه من يشاء من كبار الإخوان  وأعد سرادقا كبيرا يسع لمئات من الناس وحدد اليوم الذى  يحضر فيه ووافق الأستاذ المرشد ووعد بالحضور في الموعد المحدد وبعد إعداد السرادق الكبير وفي اليوم الذى قدم فيه المرشد بلغ العمدة" عمدة القرية" هذا الاحتفال وذلك الاستقبال فعز على نفسه أن يتم كل هذا دون علمه وبغير استئذانه وهو عمدة البلدة فثار ثورة مضريه، وغضب غضبه صعيدية، وعزم على أن يتقلد سلاحه على رؤوس أصحابه ويقتل من يتعرض له من الإخوان... وفي اللحظة الأخيرة بلغ المرشد هذه الثورة العارمة وذلك العزم الرهيب فما كان منه إلا أن سارع في خطوات سريعة إلى بيت العمدة فالتقى به في منصف الطريق ومعه مجموعة من الناس بأيديهم الأسلحة والمعاول والحجارة، فما كان من المرشد إلا أن اندفع إلى العمدة يحييه ويعرفه بنفسه قائلا" أنا حسن البنا" جئت أعتذر إليكم عما فعله الشيخ" عبد الله المازنى" معكم فقد اقام هذا الحفل الكبير دون استئذانكم وقد جئت أطلب إليكم فرض عقوبة شديدة عليه لمخالفته آداب الإسلام في موقفه هذا، فما كان من العمدة إزاء كلمة المرشد إلا أن قال: لقد سامحته يا شيخنا من أجل خاطركم، فأجاب الاستاذ ولكنى لا أسامحه وأصر على عقوبته.. فقال العمدة: عفا الله عما سلف وطلب العمدة من رجاله أن يعودوا من حيث أتوا فقال الأستاذ لا داعى للعودة ويسرني أن أدعوكم ومن معكم إلى حضور هذا الحفل ليزداد بكم سرورا وشرفا كبيرا.. فلبى العمدة ومن معه طلب الأستاذ المرشد راضيا مغتبطا واندمج العمدة ومن معه في هذا الحفل يكبر مع المكبرين ويهلل مع المهللين[١٤].

الداعية القدوة

لقد ابتليت الأمة بشر مستطر تمثل في طمس الهوية الإسلامية في التعليم حتى خرجت أجيال لا تعرف دينها ولا فرائض ربها، فوقع على علمائها عبء الأخذ على يدي هؤلاء بيدا حانية وفهم واسع لأوضاع هؤلاء، ومن هذه الأمثلة التي ضربها الأستاذ محمد محمود الصواف – المراقب العام للإخوان بالعراق – حيث حكى موقفا بدى فيه الفهم الواسع للإسلام وكيفية التعامل معه دون إحراج احد فيقول: لا زلت أذكر أنى كنت صباح اليوم الخامس من رمضان المبارك عام 1370هـ الموافق 1950م سائرا في شارع الرشيد في باب المعظم قرب وزارة الدفاع.. وبينما أنا سائر اسمع صوتا من ورائي ينطلق من سيارة تقترب منى وصاحبها ينادى: أبا مجاهد.. أبا مجاهد.. وقفت حيث وقفت السيارة إلى جانبي.. وإذا سائقها رجل صديق عزيز.. مثقف ثقافة عالية وقد نال أعلى شهادة في دراسته بالولايات المتحدة الأمريكية, وذو مركز رفيع ومنصب مرموق في الدولة .. أراد  أن يكلمني وهو حذر ومخجول، على وجهه سيما الأسف والخجل.. ولكنه جزاه الله خيرا كان صريحا معي فقال: أخي أبا مجاهد.. إنني والله صائم.. وزوجتي صائمة.. وأولادي صائمون.. ولكنا نريد أن نصلى فلا نعرف الصلاة.. فأرجوك.. إما أن تعطيني كتابا نتعلم منه الصلاة أو نأتي إليك في دارك.. أو تأتى إلينا في دارنا  لنتعلم منك الصلاة.. فشكرت الرجل وقلت له: جزاك الله كل خير على صراحتك وحبك لدينك, وشجاعتك للحق. وما هذا إلا دليل إيمانك العميق برسالة الإسلام ومعرفة حق الله تبارك وتعالى عليك وعلى أهلك.. أبشر... فسأقوم لك بتحقيق ذلك بإذن الله تعالى..

ومنذ تلك الليلة مباشرة بدأت بوضع كتابي الصغير " تعليم الصلاة" وما انتهى شهر رمضان المبارك إلا وقد تم  الكتاب وطبع بفضل الله عز وجل.. وجعل الله تعالى فيه البركة حتى طبع وترجم في أكثر من سبع لغات عالمية حتى الآن منها الإنجليزية والفرنسية والهولندية والإسكندناقية الأربع والأردية[١٥].

دعوة المظلوم

لقد فهم الإخوان دينهم قبل أن يفهموا حقيقة دنياهم، فعمدوا أن يعبدوا هذه الدنيا بتعاليم دينهم التي سطرها كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، بل وترجموها ترجمة عملية واقعية، ومن هذه المواقف التي تدل على ذلك ما ذكره الأستاذ محمد حامد أبو النصر في كتابه: أن الشاويش النوبتجي في سجن الواحات في أحد الأيام ذهب إلى الأخ المسئول عن الترزيه، وقال له: أصلح لي هذه البدلة، فقال له الأخ: سأصلحها بعد أربعة أيام، وتأخذ دورها في الترتيب، فما كان من الشاويش إلا أن اشتكى لمأمور السجن، فأمر المأمور بوضع الأخ في فلكه، وانهال عليه العساكر بالضرب المبرح، وظل الإخوان بعد أن سمعوا بهذه القصة يبتهلون إلى الله أن يرفع عنهم هذه الغمة، وأن يدفع هذا البلاء، وفي منتصف الليل طرق أحد السجانة باب زنزانة الأخ الكريم الدكتور علي شهوان - قضى سبعة عشر عاماً في السجن - طبيب الإخوان، ورجاه أن يذهب معه إلى البيه المأمور، لحالة مرضية مستعجلة، ولما ذهب الأخ الطبيب إلى سكن المأمور، وجد ابنه في حالة إعياء، وقد أشرف على الموت، ولاحظ الأخ الطبيب أن المريض قد شرب دواء والدته خطأ، فأجرى له الأخ الطبيب العلاج المطلوب، وشُفي المريض بإذن الله، وفي صباح اليوم التالي، قص المأمور على وكيل السجن حادث ابنه المريض، وقيام الأخ الطبيب بعلاجه، فرد عليه وكيل السجن: إن الأخ الترزي الذي وضعته بالأمس في الفلكة، وانهال عليه السجانة بالضرب، ربما كان يحفظ من القرآن قصار السور، فما بالك لو كنت أمرت بضرب أحد الإخوان الحافظين للقرآن جميعه، فانزعج المأمور وقال لوكيل السجن: هيا بنا نزور الإخوان في العنبر، وبالفعل تمت الزيارة بالاعتذار، ثم أحسنت إدارة السجن معاملتنا بعد هذه الزيارة، وهكذا كانت رحمة الله تتوالى علينا من حيث لا ندري، ويسخر لنا الجبابرة الطغاة من غير سؤال منا، ولا رجاء، ولله الفضل والمنة، ولولا حنكة الأخ الترزي وفهمه ما كان تحقق لنا ما تحقق لكنه صبر واحتسب ودعى ربه[١٦].

بصيرة مؤمن

يعطي الله لبعض عباده البصير والرؤية النافذة للأحداث ومجرياتها، والفهم السديد في التخطيط للاستفادة منها وهذا ما ينطبق على الموقف الذي يذكره الأستاذ بدر محمد بدر: أذكر عندما كنت عضوًا في مجلس تحرير " مجلة الدعوة" عقب تخرُّجي في الجامعة مباشرةً أن استشعر رئيس التحرير الشيخ صالح عشماوي الأجواء المتوترة المقبلة قُبَيْل اعتقالات سبتمبر, فقال لنا إنه ربما تُغلق مجلة الدعوة بهدف منع الإخوان من أن يقولوا قولة حق, فإذا أغلقت مجلة الدعوة فكل منا هو مجلة دعوة حتى يقضيَ الله أمرًا كان مفعولاً.

وبالفعل أصدر النظام قانونا يقضى بإلغاء ترخيص أية مجلة يتوفي عنها صاحبها، وبعدها دخل الإخوان في محنة سبتمبر 1981م، وبعد أن أفرج عنهم وتوفي الشيخ صالح عشماوي توقفت الدعوة[١٧]

حصافة أم .. وروعة زوجة

لم يكن غريبا يكون هذا هو حسن البنا بشخصية القوية وأسلوبه الجذاب، حيث اكتسب معظم صفات والدته حيث يقول جمال البنا: وكانت الأم ذكية ومدبرة وواعية، كما كانت على جانب كبير من العناد، فإذا انتهت إلى قرار فمن الصعب أن تتنازل عنه، وهي صفة ورثها – الإمام الشهيد- ابنها الأكبر كما ورث منها ملامح الوجه، ولكن العناد تحول إلى صورة سوية أصبح معها "قوة إرادة" ولم يشاركه في هذه الوراثة من إخوته سوى شقيقه عبد الباسط رحمه الله، وحينما انتقل الإمام البنا للعمل في الإسماعيلية كان تزوره أمه بين الحين والأخر وتمكث معه بعض الوقت، وكان لحسن علاقته بالعائلات كانت أمه كذلك على علاقة بهذه العائلات أمثال عائلة الصولي وغيرها، وتذكر الأستاذ مريم السيد هنداوي كيف اختارت الأم زوجة للبنا بعد فهمها لطبيعة حياة ابناها وما هو مقدم عليه، فتقول:

عندما حان وقت الزواج، طلب حسن البنا الزواج.. لكن من هي تلك الفتاة التي تقترن برجل مثله؟ رجل شغف بدعوته حبًّا فهام بها، وطرق أبواب الغافلين ليعرفهم بدعوته، رجل حياته كلها أسفار ومحن وابتلاءات.. فمن هي تلك العروس التي تناسبه؟

فالفتاة التي يطلبها حسن البنا لابد أن تعرف كيف تضحي وتجاهد وتبذل في سبيل الدعوة ليس من أجل زينة الدنيا لكن من أجل وجه الله ذي الجلال والإكرام.

ورزق حسن البنا العروس المناسبة.. كيف؟

كان الإمام البنا بارًّا بأبويه، ويستبشر خيرًا بكل ما يأتيه عن طريقهما، فهو المحب لهما، الواثق في صلاحهما.. حدث أن كانت أمه في زيارة بالإسماعيلية، وكان من عادتها زيارة بيوت الإخوان هناك، وفي إحدى زيارتها لبيت الحاج حسين الصولي، سمعت صوتًا نديًّا يقرأ القرآن في خشوع ترق له القلوب، فانجذبت نفسها إليه، وسألت عن صاحب الصوت، فأجابتها حرم الشيخ الصولي: إنها ابنتنا "لطيفة" تصلي، فأحبتها أم الإمام، وتأثرت بنبتة هذا البيت الطيب، وبعد أن فرغت من الصلاة قدمت ترحب بالضيوف، وكانت أم الإمام تنظر في وجه الفتاة فتجده مشرقًا بالإيمان فداخلها شعور بصلاح الفتاة.

وعادت ونقلت إلى ابنها أن هذه الفتاة جديرة بأن تكون زوجة له، ولم تكن الآنسة لطيفة تدرك أن صوتها الخاشع سيكون رسولها إلى قلب الإمام أيضًا بعد أن فهمت أمه ماذا يريد ابنها من مواصفات في رفيقة الدرب والحياة.

وما أن سمع مشورة والدته في الزواج حتى توجه على الفور إلى بيت الحاج حسين الصولي يطلب يد الفتاة، وكان حادثًا سعيدًا تلقاه الجميع بالقبول مبتهجين مستبشرين.

وفي ذلك يقول الإمام البنا عن هذا الزواج المبارك: ".. كأنما أراد الله عز وجل أن يخفف عن نفسي وقع هذه الفتن فأتاح لي فرصة الزواج، وتم الأمر بسهولة وبساطة، فكانت الخطبة في غرة رمضان 1350ه الموافق يناير 1932م، فعقد في المسجد في ليلة السابع والعشرين منه.. فزفاف في العاشر من ذي القعدة، وقضي الأمر والحمد لله رب العالمين".

ويذكر شقيق الإمام البنا الأستاذ عبد الرحمن الساعاتي في إحدى خطاباته عن هذا الزواج: "وكان حفل القران قد جرى بالمسجد، وجاء الإخوة بأجولة التمر التي وزعت على الحاضرين، وكان الاجتماع حافلاً بالعاطفة الدافئة والمشاعر المتأججة".

وهكذا كان موقف الأم الفاهم لدينها، فكانت لطيفة عند حسن الظن، وأيقنت منذ أول وهلة أن الزواج وسيلة تتقرب بها إلى الله -تعالى، وأن حسن طاعتها لزوجها يدخلها الجنة، وكان من أهدافها إقامة بيت مسلم يكون نموذجًا طيبًا، وتكون هي قدوة لبنات جنسها.... وكانت تدرك أنها زوجة رجل دعوة، كما أنها أدركت أن حسن تبعلها لزوجها نوع من الجهاد.

وتمضى محنة العهد الملكي ويستشهد زوجها وتجيء محنة عبدالناصر، حيث صدرت أحكام بالإعدام على قيادات الإخوان، فيرسل الأستاذ عبد القادر عودة أخاه الدكتور عبد الملك عودة إلى زوجة الإمام البنا ليسلمها وصيته والتي كتب فيها: "إن عبد القادر سينفذ فيه حكم الإعدام غدًا الخميس، ويتمنى لو يدفن في قبر الإمام الشهيد حسن البنا"، فرحبت الزوجة الكريمة بذلك مما عرضها وأولادها فيما بعد لضرر كبير، فكانت نعم المجاهدة الثابتة.

وعندما تم اعتقال ابنها أحمد سيف الإسلام في القضية التي لفقتها إليه مباحث عبد الناصر بسبب كثرة أسفاره للخارج واعتقل معه الأستاذ أحمد أنس الحجاجي وغيره، ظلت شامخة كالجبال الرواسي فلم يلن لها جانب حتى أفرج عنه بعدها بقليل مع تحديد إقامته في منزله عامًا، ثم اعتقاله ومحاكمته عسكريًا عام 1969، لكن ذلك كان بعد وفاتها عليها رحمة الله، وحكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات قضى منها 4 سنوات لخروجه أول أكتوبر 1973م[١٨].فكانت نعم الأم ونعم الزوجة.

زوجة مجاهد

حسن الجمل واحد من الذين أتقنوا العمل الخيري مع الجميع، فكان مضرب الأمثال في دائرته بمصر القديمة، وكان من اوائل الإخوان الذين اجتازوا حصن البرلمان وتربع على الكرسي فترات طويلة لصلته القوية مع أبناء دائرته، كما كان احد مجاهدي الإخوان في فلسطين الذين وصلوا إلى مشارف المسجد الأقصى، وكان له سهامه في حرب القنال عام 1951م.

وعقب خروج حسن الجمل من السجن، شرع في العمل الخيري في أوساط الناس، وبخاصة الفقراء والأرامل واليتامى، فساهم مع إخوانه في إنشاء العديد من الجمعيات الخيرية، ودور الحضانة، والمدارس، والمشاغل، ودور الأيتام، والمساجد، ومراكز تحفيظ القرآن الكريم، والمستشفيات، وتيسير الزواج للشباب، وتقديم العون للمرضى، حتى وصفته جريدة الجمهورية القاهرية بالرجل الذي لا ينام إلا أربع ساعات، ويقضي باقي أوقاته بين الناس.

وقد رزقه الله بزوجة فهمت طبيعة الطريق، فحملت معه هم الناس وحب العمل لله سبحانه، فلم يكد عقد السبعينيات ينقضي حتى كان ينتظر الحاجة فريدة بدران زوجة حسن الجمل عمل ضخم, وحادث هام؛ ففي عام 1979م تقدم زوجها بترشيح نفسه في انتخابات مجلس الشعب عن دائرة مصر القديمة، ولم يتقدم سواه من الإخوان، وتحول بيتها إلى خلية من النحل كانت هي ملكته, حيث ظلت تستقبل الإخوة والأهالي، وظل بيتها مفتوحًا على مدار 24 ساعة لفرز وتوزيع الأصوات وأماكن اللجان، ويوم الانتخابات كانت إحدى الفوارس؛ حيث كانت مندوبة في لجنة مدرسة عمرو بن العاص، وأثناء ذلك دخل أحد رجال الأمن وقال: إن حسن الجمل ذبح عند كوبري الملك الصالح، فما تحركت من مكانها لثقتها في نصر الله، ولأنها كانت على ثغرة لا تريد أن تؤتى من قبلها، وعندما حاولوا تزوير الانتخابات أبت ذلك، واحتضنت الصندوق وقالت: اذبحوني قبل أن يحدث ذلك، وبعد إغلاق الصناديق ذهبت لبيتها مسرعة لتجهيز الطعام للمرابطين في أماكن الفرز، وحاولت الحكومة تزوير النتيجة لكنها لم تستطع، وكان قاضي اللجنة العامة مسيحيًّا، وعندما رأى ما يحدث قال: "الرجل ده على حق – يقصد حسن الجمل- وأنا سأقف معه حتى آخر لحظة"، وظلت النتيجة محتجبة لمدة ثلاثة أيام حتى عجزت الحكومة عن فعل شيء، فأعلنت فوز حسن الجمل، وتحول شارع المنيل لمهرجان للاحتفال بفوز الجمل.

وعندما دخل البرلمان وحتى خروجه لم يزد في بيتها شيء، بل لم تغلق بابها في وجه سائل أو زائر، وكانت بمثابة سكرتيرة خاصة لزوجها تنظم شئونه، وظل زوجها في البرلمان من عام 1979م حتى عام 1990م، فما أصابها غرور أو كبر، بل كانت مثالاً للمرأة الصالحة, وفرغت نفسها لرعاية زوجها وتربية أخواتها في الشعبة[١٩].

الزوج المعلم

حسن الهضيبي شخصية أثرت في كثير من الناس، لصبره وفهمه لطبيعة دينه وتضحيته وأهله من اجل ذلك، فقد كانت تربيته منذ الصغر على هذه المعاني والتي يصفها الأستاذ أسعد سيد أحمد في إحدى مواقفه فيقول: « تخرجتُ في مدرسة الحقوق عام 1915م، والتحقتُ بمكتب الأستاذ حافظ رمضان، وقد كنت في ذلك الوقت أسكن بمنزل رجل عالم فاضل وكان له ابن اتخذتُ منه صديقي الوحيد في القاهرة، وكم تمنيت أن تكون لهذا العالم الفاضل ابنة اتخذها شريكة لحياتي، ولم يخيب الله أملي فرأيتها مصادفةً ذات يوم، وفي اليوم التالي لحصولي على ليسانس الحقوق ذهبت إلى والدها أطلب يدها.

وقال لي العالم الفاضل: أليس من الأفضل أن يتقدَّم والدك بهذا الطلب؟

قلت له في بساطة: لقد تقدَّم والدي يومًا عندما أراد أن يتزوَّج من والدتي، أما أنا فأتقدَّم لأني أنا الزوج لا والدي.

واقتنع الرجل الطيب، ودعوتُ أبي ليشهدَ عقد قراني، والتقيت به، وكنت الوحيد الذي أعلم أن هذا التصرف سيعجب أبي لأنه كما قلت كان لا يعيش في عصره، بل سقط من حسابه الكثير من التقاليد التي كانت تسجن هذا العصر وراء أسوارها الجامدة، وقال لي أبي وهو يصافحني: لقد تمنيتُ على الله دائمًا أن يحدث هذا منك فتريحني من أثقل مهمة على أب، وهي اختياره لابنه ورقة يانصيب رابحة.

وهكذا تزوجتُ، وبدأت أعمل في المحاماة، ولكن الأبواب كانت أضيق من أن تتسع للناشئين، وضاق بي الحال، وعزَّ العمل والأمل في القاهرة، وبيني وبين نفسي قررت الهجرة وراء الرزق»[٢٠].

أنا المرشد العام

لقد كان المستشار حسن الهضيبي يتعامل في كل المواقف بالحكمة والفهم العالي حتى في أشد المواقف العصيبة كان يتفنن في اظهار العزة والكرامة أمام الخصوم حتى لا يشعروا بهوان الإخوان، فكما جاء عن أسعد سيد أحمد قوله عن المستشار الهضيبي:

ذات يوم غضب شمس بدران عندما جاءت رسالة من بلاد المغرب مكتوب عليها: فضيلة الأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين، فسأله: أليست الإخوان محلولة؟! فأجابه: "إنها محلولة داخل مصر غير أني مرشد الإخوان في العالم"[٢١].

إدارة الأزمات

لقد كان المستشار حسن الهضيبي مثال راقي لمن يتعامل مع الأزمات ويسخرها لمصلحة الدعوة، فعندما ظهر فكر التكفير داخل السجون وقف ضد هذا الفكر، وأخرج كتاب: "دعاة لا قضاة" يبين للناس بأن الإخوان لا يكفرون مسلمًا أقر بالشهادتين، وأن من يسير على منهج التكفير فليبحث عن لافتة أخرى غير الإخوان.

ولقد حوت حياته الكثير من المواقف التي تنم عن فهم راق لطبيعة الوقائع، ومنها:

جئت لزيارة هشام لا رئيس الديوان

لقد كان حسن الهضيبي يؤمن بأن العزة لله ونيل رضاه خير من نيل رضى كل البشر، كما كان لا يخاف لومة لائم يقول عبد الحكيم عابدين:

في ربيع أحد الأعوام كان طفلي هشام يُعالَج بمستشفي الدكتور عبد الوهاب مورو (باشا) وقدم المرشد العام مشكورًا لزيارته، ولما همَّ بالانصرافِ بعد جلسةٍ طويلةٍ غمر فيها هذا الطفل ببره وعطفه، أشرتُ عليه بزيارة رئيس الديوان الملكي، وكان يعالج بنفس المستشفي، فلمَّا فُوجئت بإعراضه عن الفكرةِ وشرعت أعدد له محاسنها ومحاذير تركها، ولا سيما انه رؤى في نفس المستشفي، لأنه لا تكاد تمر لحظة دون أن يغص صالون رئيس الديوان بمجموعات من الأمراء ورؤساء الوزارات والشيوخ والنواب وكبار العلماء والوزراء ورجال الصحافة والأعمال، ورحتُ أقنعه بأن زيارة الرجل مجاملةً للملك، وهي عيادة مريض على كلَّ حال، إذا به يُصافحني مودعًا وهو يقول: "لقد قصدتُ اللَّهَ تعالى بعيادةِ ولدنا هشام، ولم أقصد الملك بزيارةِ رئيس الديوان"!![٢٢].

أخيرا

ترجم الإخوان التعاليم التي تربوا عليها إلى مواقف عملية خالدة كان لها أعظم التأثير من الناس بمختلف أطيافهم والذين أحبوا الإخوان ودعوتهم وفتحوا لها قلوبهم، ورغم المحن التي تعرضت لها الجماعة في كل عصر إلا أنها ما زالت الحاضنة التربوية للكثيرين والتي يخشاها الأعداء رغم ضعفها.

المصادر :

  1. جرجس سلامة ميخائيل: أثر الاحتلال البريطاني في التعليم القومي في مصر 1882 – 1922م، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، الطبعة الأولى، سنة 1966م، صـ179.
  2. علي أبو شعيشع: يوميات بين الصفوف المؤمنة، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 1421هـ، 2000م، صـ40.
  3. محمود محمد الجوهري، محمد عبد الحكيم خيال: الاخوات المسلمات وبناء الاسرة القرآنية، دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع, الإسكندرية، 1980م.
  4. أحمد البس: الإخوان في ريف مصر، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 1987م، صـ18.
  5. جابر رزق: حسن الهضيبي الإمام الممتحن، دار اللواء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة, 1991م، صـ150.
  6. جابر رزق: المرجع السابق.
  7. عمر التلمساني: حسن البنا الملهم الموهوب، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2000م.
  8. عباس السيسي: حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية، دار الدعوة، الإسكندرية، 1978م.
  9. عبده مصطفى دسوقي، مريم السيد هنداوي: عمالقة في زمن النسيان، الجزء الأول، الطبعة الأولى، دار منارات للنشر والتوزيع، 2009م، صـ237
  10. حوار أجراه الأستاذ عبده مصطفى دسوقي مع الحاجة سلوى مشهور يوم 6/9/2007م.
  11. جمعة أمين عبدالعزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، الجزء الثاني، الطبعة الأولى، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2003م، صـ44.
  12. حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2001م،  صـ120 – 122.
  13. أحمد أبو شادي: رحلتي مع الجماعة الصامدة، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 1998م.
  14. محمد عبدالحميد أحمد: ذكرياتي، دار البشير، 2000، صـ50.
  15. محمد محمود الصواف: صفحات من تاريخ الدعوة الإسلامية في العراق، طـ 1، دار الاعتصام، للطباعة والنشر والتوزيع, القاهرة، 1984م، صـ 25.
  16. محمد حامد أبو النصر: حقيقة الخلاف بين الاخوان المسلمون و جمال عبدالناصر، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2002
  17. بدر محمد بدر: في ذكرى وفاة رائد الصحافة الإسلامية، http://www.odabasham.net/%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%ac%d9%85/3778-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%ae-%d8%b5%d8%a7%d9%84%d8%ad-%d9%85%d8%b5%d8%b7%d9%81%d9%89-%d8%b9%d8%b4%d9%85%d8%a7%d9%88%d9%8a
  18. عبده مصطفى دسوقي، مريم السيد هنداوي: عمالقة في زمن النسيان، الجزء الأول، منارات للنشر والتوزيع والترجمة، 2009م.
  19. حوار مع الحاجة فريدة بدران: موقع إخوان ويكي.
  20. أسعد سيد أحمد: الإسلام والداعية الإمام المرشد حسن الهضيبي، ج1، دار الأنصار، 1977م.
  21. عباس السيسي. حكايات عن الإخوان، ج1، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 1998م
  22. جابر رزق: حسن الهضيبي، الإمام الممتحن، دار اللواء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة, 1991.