سمات المجتمع الفاضل 2/5
بقلم : خميس النقيب
بقي الاسلام كدين يعلو في الآفاق لأنه لا يرتبط بشخص بعينه ، فطالما أنك مسلم تقول لا الاه الا الله محمد رسول الله فأنت تحمل هذه الفكرة وتدافع عنها وتقاتل في سبيلها وتتعبد لله بها حتي يأتيك اليقين ..!! إن كنت قويا أو ضعيفا ، حاكما أو محكوما ، غنيا أو فقيرا ...!!
كان رسول الله - نبي الأمة - يربط علي بطنه الشريف حجرين من الجوع وكان صلي الله عليه وسلم يمر عليه هلالين ولم يوقد في بيته نار للطبخ ومع ذلك كان يبلغ الفكرة ويخدمها علي أكمل وجه ، وكان مصعب بن عمير الفتي المدلل عند قومه ، يتنعم في طعامه وشرابه وملبسه وطيبه ، ولكنه ترك كل ذلك من أجل أن يخدم الفكرة و لما مات لم يجدوا ما يكفنونه به ..!! يقوا خبّاب بن الأرت:هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل اله،نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله.. فمنا من مضى، ولم يأكل من أجره في دنياهشيئا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد.. فلم يوجد له شيء يكفن فيه الا نمرة.. فكنااذا وضعناها على رأسه تعرّت رجلاه، واذا وضعناها على رجليه برزت رأسه، فقال لنارسول الله صلى الله عليه وسلم:" اجعلوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه من نباتالاذخر" أجل.. وقف الرسول صلى الله عليه وسلم عند مصعب بن عمير وقال وعيناهتلفانه بضيائهما وحنانهما ووفائهما " : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا اللهعليه فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ( الأحزاب )
ثم ألقى في أسى نظرة على بردته التي كفن بها وقال لقد رأيتك بمكة، وما بهاأرق حلة، ولا أحسن لمّة منك. "ثم هأنتذا شعث الرأس في بردة"..؟! وهتف الرسولعليه الصلاة والسلام وقد وسعت نظراته الحانية أرض المعركة بكل من عليها من رفاقمصعب وقال:
"ان رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة...ثم أقبلعلى أصحابه الأحياء حوله وقال: أيها الناس زوروهم، وأتوهم، وسلموا عليهم، فوالذينفسي بيده، لا يسلم عليهم مسلم الى يوم القيامة الا ردوا عليه السلام..
وكان عبد الرحمن بن عوف ملياردير الصحابة ، لكنه صام يوما ولما حل موعد الإفطار وقدم إليه الطعام ليفطر بكي ..سئل لماذا تبكي ؟ قال: تذكرت مصعب ابن عمير رضي الله عنه .. كان أفضل مني ولما قتل يوم أحد.. فلم يوجد له شيء يكفن فيه الا نمرة.. فكنااذا وضعناها على رأسه تعرّت رجلاه، واذا وضعناها على رجليه برزت رأسه ، فذكر ماكان فيه مصعب من زينة الدنيا ولما اسلم ماذا صار في حاله فبكى وتأثر وقال أخشي أن تكون قد عجلت طيباتنا في الدنيا .. وكان طعام عبد الرحمن بن عوف في ذلك الوقت خبز وزيت وخل ....
هذا هو المجتمع الذي يخدم بكل أطيافه علي فكرة الاسلام .. لا يرتبط بأشخاص وإنما بالفكرة لذلك ملك الشرق والغرب وفتح حدود الصين وأنطاكيا وغيرها ، دانت له العرب والعجم ، أضاء الدنيا بنور القرآن ، وفرح الكون بهدي الإسلام ، وكان رحمة الله للأولين واللاحقين " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ "(الأنبياء:107)
والإنسان عموماً يتدرّج في دخول هذه العوالم منذ الصغر، فيدخل أوّل ما يدخل إلى عالم الأشياء عند الولادة يتحسس ما يحيط به ابتداء من أمّه و صولاً إلى ما تصل إليه يديه ثمّ ينطلق ليكتشف الأشياء من حوله.
وتبدأ بعد ذلك مادة الإحساس في النمو، فيدخل الإنسان عالم الأشخاص عندما يرتبط الطفل بأمّه و أبيه وإخوته فتقوى عاطفة البنوّة والأخوّة والأبوّة والصداقة.. ثمّ يدخل الإنسان عالم الأفكار حين يتوغّل في مراحل تحصيل المعرفة ويديم القراءة ويوغل في تلقي العلم، وهذا التدرّج في الانتقال من عالم إلى آخر ليس آليا وإنّما يكتسبه الإنسان بالتمرّس والتعلّم و التربية.. وعالم الأفكار دائم ديمومة الإنسان عكس الأشياء والأشخاص الذين يلاحقهما تاريخ النهاية والأشياء تفنى وتتلاشى ، والأشخاص يموتون ، أمّا الأفكار فتتطور وتتوارثها العقول والأفهام ، المسلم الصادق يدور مع الحق حيث دار ولعل ذلك ما كان يقصده سيدنا علي رضى الله عنه بقوله: "لا تعرفوا الحق بالرجال أعرفوا الحق تعرفوا أهله". ولكننا كما يقول مالك بن نبي إننا عندما نربط الأفكار بالأشخاص نحرم من الفكرة الجيدة إن جاءت من عدو، ونتورط في فكرة سخيفة طالما جاءت من صديق. وما لم نسلخ الفكرة عن الشخص فلن نستفيد من الأفكار ولن نعرف قدر الناس. وقراءة التاريخ بهذه الروح النقدية هي التي تقربنا من الحقيقة ، إن شعار الإسلام هو: أعرف الحق تعرف أهله، ولا يغرنك كثرة السالكين ولا كثرة الهالكين، "وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله" والجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك ، إن تقديس الأشخاص ورفعهم عن درجة البشرية والعبودية مهما علت مكانتهم ومهما سمت منزلتهم هو نوع من الوثنية البدائية التي علّقت الناس بالأشياء. وكثير من المستبدين سواء أكانوا حكامًا أم زعماء فكر أم قادة رأي يشخصنون كل شيء في ذواتهم، ويصبحوا هم علمًا على الحق ومعياره، وبعد أن تُشخصن الأفكار حتماً تأتي مرحلة تشيء الأشخاص.
إن العالم الأرحب الذي يمكن أن يدخله الإنسان ويرفع مستواه الحضاري والإنساني هو عالم الأفكار، هذا عالم يترفع عن المحسوسات والملموسات والماديات والشهوات ويتعامل مع الأفكار والقيم والآداب والأخلاق قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : إنما بعثت لاتمم مكارم الأخلاق ... وهذا ما كان عليه المجتمع الاسلامي ...
اللهم فقهنا في ديننا ، وفهمنا شرعة ربنا، اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل ،ولا تجعل الدنيا اكبر همنا ولا مبلغ علمنا ،وصلي اللهم علي سيدنا محمد وعلي أهله وصحبه وسلم،والحمد لله رب العالمين .
المصدر
- مقال:سمات المجتمع الفاضل 2/5موقع:الشبكة الدعوية