سُحقًا للوساطة والوسيط!!

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
سُحقًا للوساطة والوسيط!!


بقلم : السيد إسلام عبد التواب

المتأمل لأحوال الأمم المتخلفة، أو التي في طريقها للانهيار الحضاري يجد انها تتميز بالعديد من الصفات الذميمة كالكسل، وتفشي الأدواء الأخلاقية، والتبعية للعدو... إلخ

ولكن من أهم تلك الأدواء المخربة والمدمرة للأمم أنها دائمًا ما لا تتعامل مع الغاية والهدف إلا من خلال وسيط؛ فهي لا تتعامل مباشرة أبدًا..

لا تحاول الوصول للنتائج المطلوبة بالوسائل المباشرة التي بأيديها، بل دائمًا ما تضع بينها وبين ذلك الهدف وسيط، وهذا الوسيط – بالطبع – لا يتوسط لوجه الله، بل مقابل ما يناله من تلك الأمة المتخلفة من مال وأرض ومكاسب ونفوذ..

والمصيبة في الأمر أن تلك الظاهرة نراها في حياة الأفراد كما نراها في سياسات الدول؛ فهي ممتدة على المستويين: الأفقي والرأسي، وأعني بالأفقي أنها ممتدة في حياة الأفراد والمجتمعات والدول على حد سواء، أما الرأسي فمعناه أنها ظاهرة موجودة في كافة حقول حياة الفرد أو المجتمع أو الدولة..

فعلى مستوى الفرد والمجتمع تتمثل تلك الظاهرة في مجال العقيدة؛ حيث نرى كثيرًا من الناس بدلا من أن يلجأوا إلى الله تعالى بالدعاء مباشرة كما قال عز وجل "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" [غافر : 60]، ويقيموا علاقة من الود والمحبة معه سبحانه وتعالى، نراهم يلجأون إلى الأضرحة والأولياء، ومن ليسوا بأولياء أيضًا ليجعلوهم واسطة بينهم وبين الله تعالى؛ فلا يدعون الله إلا حينما يكونون عند الضريح (الذي حرَّم الرسول صلّى الله عليه وسلَّم إقامته، وأمر بهدمه)..

كان هذا شأن مشركي الجزيرة في عهود انحطاطهم قبل الإسلام؛ يقيمون واسطة من الأصنام، ويقولون: "مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى" [الزمر : 3]، ويصبحون بمرور الوقت عبيدًا لتلك الصنام يتحكم فيهم سدنتها، ويحددون لهم ما يفعلون وما يتركون، ويفقد الناس بالتالي حريتهم وكرامتهم لصالح الواسطة التي أقاموها بأنفسهم..

وكذلك نرى مثال الأمة المتخلفة في كل زمان تفعل نفس الشيء..

وعلى مستوى الفرد في مجال الدراسة نجد الطالب في الأمة المتخلفة ذات الحضارة المنهارة بدلا من الاجتهاد في دراسة منهجه يترك منهجه الدراسي؛ ويبحث عن ملخص يعطيه ما يكفيه للعبور من الامتحان، وبذلك لا يترك العلم أثرًا في عقله وتفكيره بسبب تلك الواسطة التي أقامها..

والموظف الذي يريد ان يترقى في عمله يترك الوسيلة المباشرة، وعي الاجتهاد في العلم، والنبوغ فيه؛ باحثًا عن واسطة من المديرين لينافقهم، ويتملقهم بغير حق؛ ليمنحوه مراده من الترقية التي لا يستحقها..

والشاب الذي يريد أن يصير غنيًّا – وذلك ليس حرامًا ولا معيبًا ما دام سيؤدي شكر النعمة وحق الله والفقراء – لا يسعى للوسيلة المباشرة من العمل أو التجارة الحلال، بل تراه يبحث عن واسطة كالمسابقات الهاتفية التافهة؛ فينفق أمواله على الاتصالات ليربح منظمو المسابقة وشركة الهاتف، ويخرج هو خالي الوفاض بسبب تلك الواسطة..

وعلى مستوى الدولة تجد الدولة المتخلفة تبتعد عن علاج مشكلاتها مع جيرانها الذين قد يكونون مسلمين أشقاء ومن العرب، وخصوماتها السياسية بالطرق المباشرة ومع الأطراف المعنية، بل تجدها تبحث عن وسيط من الشرق أو الغرب ليتدخل بينهما، وينال مكاسبه منهما، ويعمل – في الحقيقة – على تأجيج الخلاف، وبمرور الوقت تصير تلك الدولة أسيرة لرؤى ذلك الوسيط الذي يعمل لمصلحته هو لا مصلحة الدولة التي يتوسط لها..

في المجال الاقتصادي ترى ذلك النموذج من الدول قد منحه الله نعمًا كثيرة من المواد الخام من النفط والمعادن كالذهب والماس والحديد؛ فلا تراها تعمل على استخراجه والاستفادة به، بل – كالعادة – تبحث عن وسيط (شركة من دولة غربية) لتستخرج النفط والمعادن لحسابها، وتبيعه بأعلى الأثمان، ولا تترك للدولة صاحبة الثروة الأصلية إلا الفتات، فلماذا؟

لأنها دائمًا تريد وسيطًا؛ لأنها دولة فاشلة ومتخلفة، بينما بنظرة واحدة لدول الغرب تجد أن شركاتهم هي التي تنهض بالصناعة في الدولة، وتستخرج خيراتها..

في المجال العسكري تجد الكارثة: دول لا تستطيع أن تحمي نفسها وحدودها وأعراض نسائها؛ فتلجأ للدول العظمى (التي لا ترقب فيها إلاًّ ولا ذمة، والتي لها أطماع تاريخية اقتصادية وسياسية في الدلو ةالضعيفة، والتي تعاديها في العقيدة والسياسة ونظام الأسرة والاقتصاد)، تلجأ إليها لتحميها، وتتخذها واسطة للدفاع عنها ضد أعدائها، بينما تلك الدولة هي ألد أعدائها، فلماذا؟

أنها دولة متخلفة لا تتعامل إلا بالواسطة...

إنه نظام متكامل: إما الاعتماد على النفس، والتوجه نحو الغاية والهدف مباشرة، أو اتخاذ سبيل الواسطة الذي يدمر كل شيء في حياة الأفراد والأمم، ويجعلهم عبيدًا لغيرهم..

إن الأمة الإسلامية لن تتقدم إلا يوم أن تعتمد على نفسها وتترك سبيل الوساطة، وتقول: سُحقًا للوساطة والوسطاء...

المصدر