شروق محمد تكتب: إن الله اصطفاكِ وطهركِ
شروق محمد تكتب: إن الله اصطفاكِ وطهركِ..
من قال أنك الحزينة المبتلاة - من قال أنك البائسة اليائسة - من قال إنك المكسورة المكلومة.
أنت الصابرة المجتابة ، أنت المؤمنة المنتقاة ، أنتِ الطاهرة المصطفاة.
توقفي معي يا أختاه نتجول في صفحات التاريخ ، "إنها في محرابها تركع وتسجد.. تناجي وتتضرع ، تسبح وتتبتل ، حتى كانت تتورم قدماها وتتجمد الدماء في أطرافها من كثرة القيام بين يدي الله - فلم يشأ الله إلا أن يصطفيها ويطهرها - هل لترفل في نعيم الدنيا؟
هل لترتع في مراتع السعادة ؟
هل لتغترف من مناهل العطاء؟
بل كانت علامة الاصطفاء هي المحنة ، هي الألم ، هي الابتلاء الكبير حين تحققت معجزة الله الكبرى لتلد عيسى نبي الله دون أب ، وتتحمل السيدة مريم مشقة الحمل وحدها ، وتتحمل ألم المخاض وحدها ، وتتحمل من بعده التهم والافتراءات والكلمات الحارقة التي نالت من عرضها وهي سليلة بين النبوة وأم نبي الله عيسى.
إنه الاجتباء يا أختاه:
- اجتباء المحنة قبل أن تنال المنحة.
- اجتباء الألم قبل أن يسطع الأمل .
- اجتباء الشدة قبل أن يأذن الله بالفرج.
وها هي امرأة أخرى ومحطة ثانية تخبرنا حقائق التاريخ عنها.
عن زوجة فرعون التي آمنت بما كفر به قومها ، وجهرت بإيمانها على ما كان لزوجها من جبروت وقوة ، وصدعت بالحق في وجه الباطل.
فما كان لها إلا أن خاضت تجربة من العذاب والألم وتحملت ما لا يطيقه البشر ، حتى رُبِطت الخيول في أطرافها الأربعة ، وجرت الخيول بأمر جنود فرعون في اتجاهات مختلفة ليتمزق جسدها الطاهر على نحو رهيب.
ولتنقل صفحات التاريخ أصداء ألمها وتؤكد أن الاصطفاء ، كان اصطفاء المحنة قبل أن تنال المنحة وأن الاجتباء هو اجتباء الألم قبل أن ينبلج الأمل اجتباء الشدة قبل أن يأذن الله بالفرج .
إنه الطريق الصعب أخيتي التي كتبه الله عليك بعد أن اصطفاكِ وطهركِ .
الطريق الصعب يا ابنتي حين اجتباكِ فاختطفك زبانية الانقلاب في ساحة كليتك وضربوكِ وسحلوكِ على مرأى ومسمع من الجميع ثم أودعوكِ السجون المظلمة والزنانزين الرطبة التي لا تصلح حتى لمعيشة الحيوانات فما بالك بالبشر.
اصطفاكِ أيتها الزوجة الصابرة حين جعل كل لحظة ألم أو معاناة تعيشينها في ظل فراق زوجك هي جهادٌ كتب عليك ، ومثقالٌ لميزان حسناتك بكل لحظة ألم وكل لوعة فراق وكل ساعة ضيق تجثم على صدرك ، وأنت هنا وهو خلف القضبان.
اصطفاكِ بكل لحظة تقضينها في هذا الطابور الطويل على بوابات السجن لساعات وساعات انتظاراً للقاء لا يمتد أكثر من بضع دقائق لا يغني ولا يسمن من جوع - بعد رحلة من الإهانة والتفتيش ومحاولة الإذلال - .
اصطفاكِ بكل حبة أرز وكل كسرة خبز وكل ثمرة فاكهة تقضين الساعات الطوال في إعدادها أملا في أن تصل لزوجك ، ثم لا يخجل السجان من إفسادها أمامك بيده أو سكبها على الأرض إمعاناً في إشعال الحسرة بقلبك.
اصطفاكِ أيتها الأم الصابرة المحتسبة وأنت تقضين الليالي الطوال في سهر ووجد تفكرين في فلذة كبدك وقرة عينك وهو بين يدي الزبانية في سجون الانقلاب.
وكل أملك أن يمضي ليلته نائماً على فراش لا على الأرض الرطبة ، فإن نام على الأرض تمنيت ألا يناله أذاهم هذه الليلة ويمنحوه أجازة من الضرب والتعذيب ، فإن عُذب يكون منتهى أملك ألا يتم تعليقه ويكون الضرب وهو على الأرض .
فإن علق تمنيت ألا تتكرر الضربات على جرح قديم فتفتحه أو إصابة سابقة فتنكأها فيقضي الحبيب الغالي ليلته في تضميد جراحه النازفة ومسح دمائه المراقة - كما اعتاد على ذلك كل ليلة - لتنقل السماء أصداء كلماته وكلماتك المزلزلة في جوف الليل "حسبنا الله ونعم الوكيل".
إن الله اصطفاكِ وأنت لا تطلبين من الله إلا أن يمد في عمرك حتى يعود إليكِ ولو لليلة واحدة تضمدين جراحة وتقبلين جبينه وتدثرينه بأحضانك وتمسحين آلامه بدموع فرحك. إن الله اصطفاكِ وأنت تخرجين بعد كل ذلك ثابتة صامدة في المظاهرات والمسيرات والسلاسل البشرية تواجهين الحر وتقاومين لفحات البرد وتتقدمين الصفوف في مواجهة الغاز والخرطوش والرصاص الحي وانتهاكات متعمدة من زبانية الانقلاب.
إن الله اصطفاكِ أيتها البنت وأيتها الزوجة وأيتها الأم ، فألمك هو جوهر الاصطفاء ومحنتك هي مدار الاجتباء وصبرك هو علامة على قرب رفع البلاء.
ليكتب التاريخ اسمك بحروف من نور في صفحة المرأة الخالدة التي اصطفاها وطهرها واصطفاها على نساء العالمين.
المصدر
- مقال:شروق محمد تكتب: إن الله اصطفاكِ وطهركِ موقع: إخوان الدقهلية