عبدالفتاح نافع يكتب: قرحة الفراش
الإنسان الصحيح قد يصيبه المرض، وقد تفلح معه الأدوية، وقد يظل مريضًا يتقلب بين الأطباء وبين أسماء الأدوية، وقد يستغرق ذلك المرض أيامًا أو شهورًا، وقد يتعدي حيز الشهور ويقفز المرض إلي السنة أو أكثر، وقد يتعايش الإنسان مع هذا المرض ويألف آلامه أملًا في أنه يومًا ما سيُشفي، وبالفعل بعد الألم والوجع ، يقابل المريض طبيبًا متميزًا، يصف له الدواء الصحيح الذي يُذهب هذا الوجع وهذه الآلام.
ويتعافي الإنسان ويعود قويًا شديدًا وينسي أيام مرضه التي أذلته أو كادت تذله.. ويسير في طريقه بانينًا لآماله محققًا لأحلامه وقد سرت الدماء مجددة جميع ما تهالك من خلاياه، وتبعث النضارة التي أفقدتها آلام المرض من جديد في وجهه وتشرق من محياه شموس الأمل.
هذا المريض يستحق الشفاء ؟
نعم يستحقه، فما استسلم للأمراض والأوجاع، وما استعبدته وساوس الموت وهلاوس السكون، وما لجأ للفراش مستسلمًا للموت منتظرًا له.
بل حاول وتقلب بين أسماء الأطباء والأدوية مرة تلو المرة وكلما فشلت محاولة ؛ بدأ مشمرًا في محاولة أخري، وكان كلما بدأ محاولة يُمني نفسه أن الشفاء فيها، فتمر المحاولة بلا شفاء، فلا ينكسر ولا يجلد نفسه، ولا يبكي بكاء الثكلى، بل محاولة فمحاولة ويمر يوم ويمر شهر ويمر عام ويمر أكثر وقد تزداد مضاعفات المرض وهو يحاول لكن الأمل الذي يحذوه أكبر من أي ألم.
هذا المريض القوي العفي الذي قاوم كل أنواع الآلام وكل صنوف الوجع فقام وتعثر وقام وتعثر حتى اشتد عوده نراه في تركيا وماليزيا وسنغافورة.
وكنا نسير علي خطاهم لولا البلاء الذي أصابنا.
وهناك مريضٌ يكثر من حوله ثكالي المجد والشهرة، وأرامل الأحزاب التي تشكلت علي حين غفلة من أهل الشهامة والمروءة، فغدت أحزابًا لا وزن لها ولا قيمة ولا تملك من العمل السياسي غير بضع حروف ذنبوها علي ألواح من الخشب، وأضاءوا من حولها المصابيح ليشعروها أنها شيء ولكن هذه الحروف أذكي ممن ذنبها وتعرف أنها لا قيمة لها ها هنا، وأنهم عطلوها، فغدت تنظر للفكاك من لافتات أحزاب هزيلة.
هذه الأحزاب لها أرامل وكلنا نعرفهم.
يجتمعون علي جسد المريض ويرغمونه إرغامًا علي ملازمة الفراش، وأن خلاصه ليس إلا في الرقاد وفي السكون، ويستجيب لهم الوطن المريض، وكلما أراد أن ينتفض أخمدوه وأخبروه أنه لا خير له إلا في هذا الفراش، وينصبوا من أنفسهم أطباء ليصفوا له الدواء، فيضيق ذرعًا بهم صاحب البيت، وتبدأ في جسد المريض قرحة الفراش، فلا يعبأ بها أحد، وتزامنًا مع قرحة الفراش، يحدث في المجتمع اضطهادا لمن يظنون أنه سبب العدوى وباعث المرض، فيهلل ثكالي المجد وأرامل الأحزاب، فهم يأمنون جانب صاحب البيت.
وتتسع قرحة الفراش في المريض الراقد، ويزداد معها القهر والاستبداد في صفوف الأحرار، ويزداد تهليل الأرامل والثكالى بما يحدث لهؤلاء الحمقى الذين يريدون للمريض الشفاء ويبحثون عن علاج لقرحة الفراش التي بدأت تنتشر في جسد المريض الراقد في حراسة صاحب البيت.
وتتفشي قرحة الفراش فتلتهم الثكالي، وأرامل الأحزاب وسقْط الإعلام، الذين كانوا يظنون أنهم آمنون... قرحة الفراش إن أصابت جسد الوطن واستوطنت فيه ولم تُعالج فستلتهم كل الجسد.
لا يظن عضوًا أنه بعيد طالما أهملنا العلاج واستمرئنا رقاد الوطن فالقرحة تسير وتنتشر وما أصاب منها جزءًا للأحرار، فسوف يصاب كل من سكت....
إن التعدي علي الحريات ومصادرتها لفصيل معين وسكوت كل أبناء الوطن يجعل الكل مستهدف.
كقرحة الفراش إن سكتنا عنها أفقدتنا حياة المريض..
ثورتنا مريضة..
ومجتمعنا مصاب بقرحة الفراش...
المصدر
- مقال: عبدالفتاح نافع يكتب: قرحة الفراش موقع الشرقية أون لاين