عمائمنا التي لا تعلو .. !!

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
عمائمنا التي لا تعلو .. !!


بقلم : محمود الحساني

مشهد الرهبان البوذيين في بورما وهم يتظاهرون في شوارع ميانمار ضد الطغيان العسكري الحاكم أهاج في نفسي كثيرا من الخواطر والأفكار ..

فهؤلاء الرهبان الذين يمثلون الثقل الديني والروحي في بورما , تجاوبوا مع هموم الناس البسطاء وخرجوا إلى الشوارع , معلنين العصيان ضد القوة الحاكمة ولم يخشوا بطشها وتنكيلها .. فرسموا لوحة رائعة تشكلت من أجمل ألوان النضال بتلاحمهم مع شعبهم ..

مع أن الديانة البوذية تحض على الاستكانة والهدوء وعدم الغضب نهائيا , وخاصة فيما يتعلق بالرهبان .. لكن يبدو أن الرهبان عرفوا حقيقة الوضع القائم , وأن لَطْمَ الخد الأيمن لابد أن يعقبه غضب يصفع المعتدي على خده أيضا فيكيل له صاعا بصاع.

كل ذلك ذكّرني بالأزهر الشريف وتاريخه العظيم .. فهو تاريخ مفعم بالرجال الأبطال والمشايخ أصحاب المواقف .. لأن شيوخ الأزهر لم يكونوا مجرد دراويش مُعَمَّمِين , يجلسون على رأس حلقات العلم يعلمون الناس أمور الطهارة والبيوع وأحكام الرضاع تحت عمود من أعمدة الجامع العتيق, بل كانوا قادة أمم وشعوب , وأساتذة مواقف صعبة .. وعندما يقع على الناس ظلم أو تجبر من قبل المسؤولين وأولي السلطة تنفجر كل براكين الغضب ويندلع لهيبها من فوق منبر الأزهر وبين أروقته وعلى ذروة مآذنه , لتنتفض في وجه هؤلاء المسؤولين, مهما علت رتبتهم - من أصغر جندي في ديوان الدّرَك إلى الخليفة العثماني نفسه – ولم يكونوا يسكتون عن الظلم أبدا .. لذلك كانت عمائمهم كأنها منارات شامخة تنافس الجوزاء في علو المكان ورفعة المكانة..

ولا يمكن أبدا أن أنسى موقف شيخ الإسلام أحمد الدردير فقيه المالكية في زمانه مع الوالي العثماني .. فالوالي الجديد عندما عينه السلطان العثماني أراد أن يكون الأزهر هو أول مكان يزوره حتى يستميل المشايخ , لعلمه بقدرتهم على تحريك ثورة الجماهير في أي وقت شاءوا وعند حدوث أول مظلمة .. فلما دخل ورأى الدردير جالسا مادًّا قدميه في المسجد غضب لأنه لم يقم لاستقباله والترحيب به, وقام أحد حاشيته بتهدئة خاطره بأن قال له إنه مسكين ضعيف العقل ولا يفهم إلا في كتبه يا مولانا الوالي .. فأرسل إليه الوالي صرة نقود مع أحد الأرقاء , فرفض الدردير قبولها وقال للرقيق "قل لسيدك من مدّ رجليه ليس له أن يمد يديه" .. إنه موقف سريع خاطف لكنه موقف يدل على عزة العالم وشموخ الشيخ الأزهري .

فلماذا تهاوت كرامة علماء الأزهر الآن إلى هذا الحد , فأصبحوا - إلا من رحم الله - مجرد متملقين للسلطان وخداما في بلاطه ..

فلم يكتفوا بالسكوت عن المظالم وإغضاء الطرف عنها , ولم يكتفوا بالتعامي عن السلخانات التي يتم فيها تعذيب الناس وانتهاك أعراضهم .. بل أضحوا من المؤيدين والمهللين لها , وفي كثير من الأحيان يسبقون أُمْنِيَة الحاكم ويبتكرون وسائل تكرِّس المظالم وتثبّت أركان الظلم والقهر الواقعين على الناس .. فمِن مؤيد لسياسته دائما , لِمُتَمَنٍّ عليه أن يذبح المعارضة ذبحا , لمُسبح بحمده وشاكر لأفضاله... وهلم جرا..

ما الذي أوصل العلماء إلى هذا الحال وهم الذين كانت حناجرهم تهز أركان الظلم وتزلزل كيانه؟

إنها ببساطة .. عملية استرقاق الأزهر وتدجينه , تلك الخطة التي بدأ وضع أول تصور لها محمد علي باشا بإشراف من فرنسا وانجلترا , ولا زالت فصولها تتكامل الآن تحت إشراف المستعمر الجديد أمريكا ..

وأول خطوات الاسترقاق , كانت تجريد الأزهر من الإشراف على الأوقاف التي تكفل لشيوخه وطلابه العيش الكريم وعدم الاحتياج لدعم من أحد , فتم انتزاعها جميعا وأصبح شيوخ الأزهر موظفين في الدولة ينتظرون رواتبهم آخر كل شهر.

ومن المعروف أن الاستقلال المادي والاقتصادي يوفر معيشة كريمة ويجعل صاحب الحق عالي الصوت في مواجهة الخصوم , لأنه لا يخاف انقطاع راتب أو جوع عيال .. فكم أذل بكاء الأطفال من الجوع رقاب آبائهم.

وبذلك الاستقلال تحقق لهم نوع من الحكمة والحرية في اتخاذ القرار , كما جعلهم ملاذا لكل فقير محتاج , ولعمري هذه هي الزعامة الحقة , إنجاد الناس والسعي في مصالحهم.

وثاني خطوات الاسترقاق والتدجين هي قيام الحاكم بتعيين شيخ الأزهر ومفتي الجمهورية , وهي واحدة من أكبر الأثافي التي أصابت الأزهر وعلمائه في مقتل ..

فالذي عاصر أو قرأ عن تاريخ حكوماتنا منذ صدور قرار التعيين هذا يعرف تماما أن التعيين هدفه الوحيد هو تطويع صاحب المنصب لمن نصّبه فيه وتهديده بالعزل السياسي إن لم يواكب موجة العصر وصاحبها.

ولقد كان شيخ الزهر فيما مضى يتولى بالانتخاب من المشايخ , وبذلك يأمن على نفسه في مكانه أن لن يعزله احد منه إلا في حلة ارتكابه حماقة أو إثما لا تقرهما الشريعة , لأن الجهة المعنية باتخاذ إجراءات العزل هي المشايخ الذين يمثلون الشعب في قرارهم تمثيلا حقيقيا.

والآن سمعناه من فضيلته بآذاننا وهو يقول: "أنا رجل موظف" ..... أي أن الرجل يعترف بأنه تحت سيف الوظيفة وتوجيهات السلطة العليا التي وظفته .

وثالث خطوات الاسترقاق والتدجين هو إحكام القبضة الأمنية على ألسنة وأفواه المشايخ في مساجدهم وبيوتهم وعلاقاتهم .. ففي الوقت الذي يسمح فيه للراقصة ويُتغاضى عنها في أن تستقبل آلاف طلاب المتعة الحرام في بيتها بدعوى إقامة الحفلات ومجاملة الناس , يوضع الشيوخ تحت المجهر عندما يتردد عليهم شخصان أو أكثر بصورة متكررة!!

وعندما يتجرأ احدهم ليصدح بالحق يجد مخبرا من وزارة الداخلية المبجلة ينتظره على بابه – هذا إذا انتظر ولم يكسر عليه باب غرفة نومه وينتزعه من أحضان زوجته – فيهان وتشتكي كرامته قسوة البلاط بعد مسحه بها على يد ذلك المخبر الذي لا يساوي في دنيا الرجال شيئا .. مما جهل الشيخ يحسب لكل كلمة ألف حساب قبل ان يقولها فيعاني "المرمطة" بكل ما تحمله الكلمة من معاني.

ورابع خطوات الاسترقاق كانت من المشايخ أنفسهم وليست من محتل ولا من حاكم ظالم مغتصب.. فقد رضوا لنفسهم الخنوع والخضوع وركنوا إلى الراتب الكبير والكرسي والوثير , فلا تكاد تجد رجلا من رجالاته أصحاب المناصب إلا وعليه علامات استفهام عديدة , فقد كان صاحب موقف قبل المنصب ثم تحول ما بين عشية وضحاها إلى النقيض, وليس تفسير القرآن لشيخ الأزهر أو رسالته للدكتوراه ببعيدة عنا.

إن الحل يكمن في تحرير مؤسسة الأزهر من القبضة الأمنية والتسلط الحكومي عليها وعودة الانتخاب في تنصيب شيخ الأزهر ودمج دار الإفتاء فيها ..

فبتحريرها ستعود عمائم مشايخنا لمزاحمة الشمس في علوها مرة أخرى .. أما إذا استمر الحال على ما هو عليه فسوف تهوي العمائم من فوق الرؤوس ومعها كرامة أصحابها.

المصدر