قرار تجميد الاستيطان: صياغة تلفيقية ومناورة سياسية

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
قرار تجميد الاستيطان: صياغة تلفيقية ومناورة سياسية

2009-12-06

بقلم : ماجد الشّيخ

أخيرا فكّك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو "لغز" موقف حزبه (الليكود) وائتلافه الحكومي، الذي طالما انتظره العالم، بدءا من سيد البيت الأبيض إلى وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون حين وصفت الموقف الاستيطاني الإسرائيلي بـ "غير المسبوق"، إلى وزير خارجية فرنسا بيرنار كوشنير الذي بدّل موقفه فجأة في أعقاب لقائه نتانياهو، ووعده له بإعلان "المفاجأة المنتظرة".. وصولا إلى البقية الباقية من أولئك المراهنين على جديد في الموقف الإسرائيلي، المرتهنين لذاك السراب المتلفع بغبار البناء الاستيطاني المتواصل عبر هدير الجرافات والبلدوزرات التي لا تكف عن صناعة وخلق وقائع سياسية ثابتة، تقف إسرائيل في مركزها كونها "الدولة اليهودية"، فيما على هوامشها ينشأ كيان فلسطيني تابع، يراد له لعب دور كومبرادوري منحاز، لتحالف مع رأسمالية كيان استعماري/استيطاني فوق تراب الوطن الفلسطيني.

لغز نتانياهو الأخير هذا، كان عبارة عن قرار صدر عن المجلس الوزاري المصغر؛ "تجميد الاستيطان" لعشرة أشهر في كامل أراضي الضفة الغربية باستثناء القدس، كونها "العاصمة الأبدية" التي لا يجوز "وضع أية قيود على البناء فيها" وفق نتانياهو، وهو قرار ينبغي له أن يخدم "المصالح الإسرائيلية الواسعة"! لهذا اعتبر أنه "يحتوي على أفضليات تفوق السلبيات"، وهو لذلك استخدم عبارة "تأخير بناء وحدات سكنية" وليس "تجميد البناء"، وذلك في محاولة لاسترضاء قوى اليمين الاستيطاني، الذي ورغم ذلك، استثارها القرار، حتى قبل المصادقة عليه، حيث اعتبرته بعض أوساط اليمين المتطرف "بصقة في وجهها".

وعلى العموم.. فالقرار ليس موجها للداخل الاستيطاني، بقدر ما هو موجه أساسا لاسترضاء الولايات المتحدة واستجابة لإلحاحاتها، بهدف إضفاء المزيد من خطوات التقارب معها، بعد أن ذهبت خطوات الرفض التدرّجي الإسرائيلي للمطالب الأميركية؛ حدود ما يشبه الخلاف السياسي المضمر، في أعقاب اللقاء الثلاثي وإفشال جولات المبعوث الأميركي جورج ميتشل، وهي التي كانت محط آمال الإدارة الأميركية بالفوز في خطة وقف الاستيطان، لا "تجميده" أو الأحرى "تأخيره" وفق الصيغة التي صدرت مؤخرا، بأمل استئناف المفاوضات مع الجانب الفلسطيني. وهي صيغة لن يكون في مقدورها "إنجاز المهمة"؛ فمهمة استئناف التفاوض على المسار الفلسطيني أعقد من أن تحلّها مثل هذه الصياغات التلفيقية، كخطوة تأخير الاستيطان في الضفة الغربية، ومواصلة الممارسات الاستيطانية والتهويدية ومصادرة الأراضي وطرد المواطنين الفلسطينيين والاستيلاء على بيوتهم بالقوة، وفق خطة ممنهجة لتهويد وأسرلة القدس, ورفع نسبة الإسرائيليين إلى الفلسطينيين، بحيث تغدو المدينة في طابعها العام وحتى القسم الشرقي منها، إسرائيلية الطابع والهوية. وهنا مكمن الصراع الجدي والحقيقي للحفاظ على عروبتها، والتأكيد على حق الفلسطينيين اعتبارها كما كانت دائما، عاصمتهم التاريخية ليس لدولتهم المفترضة، بل ولوطنهم التاريخي، في مواجهة مزاعم "العاصمة الأبدية" لكيان الاغتصاب الاستيطاني.

في ثنايا القرار الإسرائيلي المراوغ، تكمن أهداف "المناورة السياسية" المكشوفة، لتفادي مواجهة مع "أصدقاء إسرائيل" في العالم، رغم ذلك، ووفق وزير الشئون الإستراتيجية المتشدد موشيه يعلون، فإن "قرار التجميد ليس تاما، وأن أعمال البناء ستتواصل في آلاف المساكن الجديدة". هذا الوضوح القاطع لم يترك للفلسطينيين من خيار سوى رفض القرار بالكامل، كونه يتجاهل مواصلة البناء في القدس، كما أن ترحيب واشنطن وتصويرها الأمر وكأن حكومة نتانياهو استجابت مطلبا أميركيا ملحا ومحقا، خطوة مراوغة من جانبها كذلك، وإذا كانت تعتقد أنها يمكن أن تؤدي إلى استئناف المفاوضات، فهي واهمة، فالسلطة الفلسطينية لا يمكنها أن تغض الطرف عما يجري في القدس الشرقية، وكأن ما يجري هناك إنما هو شرعي، على ما تحاول واشنطن أن تفعل، فلا الرئيس عباس ولا غيره يمكنه تجاهل عمليات المراوغة الجارية، تواطؤا أو توافقا، بين الإدارة الأميركية وحكومة نتانياهو، الأكثر يمينية في تاريخ الحكومات الإسرائيلية، وهي تمتلك برنامجا معلنا ومكشوفا يسعى جديا لإفقاد الطرف الفلسطيني أهليته في إدارة كانتونات متباعدة، فكيف يمكنها أن تسلم له على طاولة المفاوضات بإدارة دولة تفقد يوميا المزيد من حدودها، ويجري يوميا قضم المزيد من أراضيها، بهدف إفقادها مقوماتها، ناهيك عن محاولات دؤوبة لاستكمال مخطط إفقاد الطرف الفلسطيني المفاوض نفسه؛ مؤهلاته كشريك على طاولة المفاوضات.

وحين تستأنف هذه الحكومة أعمال البناء في مستوطنات الضفة التي تزعم أنها قد توقفت، من المؤكد أن المفاوضات لن تكون قد أقلعت، لا خلال الفترة التي حددها القرار (عشرة أشهر) ولا خلال أي فترة زمنية أبعد. فالبناء الاستيطاني في ظل المفاوضات المجمدة أو المتوقفة، هو الأربح دائما لإسرائيل، ولتيار اليمين الاستيطاني المتطرف المهيمن اليوم على ائتلافها الحكومي. وهو عامدا متعمدا – تكتيكيا واستراتيجيا – سيبقى يضع العصي في دواليب عجلة المفاوضات، اعتراضا عليها، كما واعتراضا على شراكة مع طرف فلسطيني لا يريد الاعتراف به شريكا كاملا، كونه نقيضه التاريخي الذي ينازعه الأرض والسيادة عليها، ويدير صراعا مستميتا من أجل تخليصها من ربقة احتلال استيطاني استعماري بغيض.

وإذا كان التجميد ليس تجميدا، فلا يبدو أن المفاوضات ستكون كذلك، لهذا لن نرى في القادم من الأيام أية بوادر لانفراجة محتملة، في الوضع الذي ترسمه وتخطه حكومة نتانياهو، وهي تقدم أقصى ما لديها مما أرادته أن يقارب بينها وبين إدارة أوباما، رغم أن هذه الأخيرة لم تفلح في جعل نتانياهو يقدم ولو بادرة حسن نية تجاه الفلسطينيين، إلاّ بثمن فلسطيني بالمقابل، حيث كانت واشنطن، وفق يديعوت أحرونوت (25/11) طالبت بنقل مناطق فلسطينية محتلة في غور الأردن إلى السلطة الفلسطينية، والسماح لقوات الأمن التابعة للرئاسة بدخول مناطق أخرى في المنطقة المعروفة (ب) الخاضعة أمنيا لجيش الاحتلال ومدنيا للسلطة الفلسطينية، لكن نتانياهو رد بالسلب على الطلبين، بداعي أنه يريد مقابلا فلسطينيا على هذه "التنازلات"، في حين يعرف هو وغيره أن الفلسطينيين ليسوا في موضع من يقدم أي مقابل في مواجهة من يملك أن يمنح ويمنع، عبر ما يمتلك من قوة باغية ومن تواطؤ وعجز كاملين، من جانب وضع إقليمي ودولي لا يبالي، إلاّ في ما يتعلق بمصالحه المباشرة.

المصدر

المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات