كريم الشاذلى يكتب: ولا أنا عابد ما عبدتم!

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
كريم الشاذلى يكتب: ولا أنا عابد ما عبدتم!


(3/31/2015)

كريم الشاذلى

سأخبرك بكل شيء يا أبي ..

إنها اللحظة التي لا يحق لي فيها أن أخفي شيئاً، عسى البوح وإن لم يكن مستساغاً لك أن يخفف شيئاً من حدة الوجع القاطع في روحي، وروح جيل أنتمي إليه.

سأخبرك وأنا على يقين بأن ما سأقوله لن يزيد قناعتك إلا رسوخاً، قناعة أننا جيل لا يرضى، يريد أن يخالف سنن الحياة، ويغير واقعاً تؤمن بأنه لا يجب أن يتغير.

أنا من الجيل المغضوب عليه دائماً، المُشار إليه بأصابع الاتهام، ويُصحب في حله وترحاله بنظرات اللوم، وعبارات الاستنكار، سأخبرك بسر الفجوة التي تزيد كل يوم، بالقطيعة الفكرية والروحية التي تفصل بيننا، والتي لن تُردم يوماً، فالأمر ـ شئنا أم أبينا ـ غير قابل للتفاوض فضلاً عن المهادنة والانصياع.

مذ وعت عيني الحياة وأنا في أعقابك أسير، علمتني أن أغمض عيني وأتبعك، ومنذ اللحظة الأولى التي اخترت لي فيها ملبسي، وحذائي، ومدرستي، وتخصصي الجامعي، ولاحقتني نصائحك الجامدة في اختيار شريكة حياتي، وأنا أتبعك..

أنت دائما تعرف أكثر مني، تريد ـ بحسن نية في غالب الأحوال ـ أن تجنبني خطأ الاختيار، وغاب عن عقلك أن مصادرتك لحريتي في أن أختار وأخطئ وأدفع ثمن اختياري هذا، جعلني مسخاً، أقبل بأنصاف الحلول، وأنصاف المواقف، وأرضى بهضم حقي، وأشعر بالحبور لأن جلادي تفضل وخصم شيئاً من ضريبة العذاب التي أقرها علي.

لو فعلناها كما يقولون "رجلاً لرجل"، وأتى كل منا بدفاتره، فاسمح لي أن أخبرك أن كل ما أنا فيه هو من عمل يدك ..

هذا الثوب المهترئ الذي أرتديه، أنت لا غيرك الذي ألبسني إياه، وكنت حريصاً على الدوام ألا أخلعه ..

ثوب اتسعت ثقوبه فلا يقبل رتقاً، وإلا فأخبرني كيف يمكن أن نخفي ثقب الوطن الذي يُظهر عورات كرامتنا الضائعة .. الوطن الذي نسكنه ولا يسكننا، وكل ما يربطني به بضع شعارات رخيصة، وأغنيات سمجة، وبرواز يحتضن صورة الزعيم الأخير ..

سألتك يوماً عن معنى كلمة وطن، كلامك حينها لم يقنعني، إن الأرض التي نطأها والعقار الذي نسكنه ليسوا وطناً، كما أن ذكريات الطفولة وحواديت الجدات ليسوا المعنيين.

لم تحدثني وقتها عن العقد الاجتماعي الذي يجب أن يربط بين أبناء المجتمع الواحد، لم تخبرني عن حقوقي وواجباتي، عن علاقتي بحاكمي، وعلاقته بي، لماذا يا أبي لم تصدقني القول بأن الوطن يعني العدل والكرامة، الحق والمستحق.

أنا كافر يا أبي بوطن يختزله جيلك في صورة زعيم، وعندما يحب تعريف نفسه، أو تقديم إنجازاته، لا يزيد عن التأكيد على أنه كان شيئاً مذكوراً منذ 7000 سنة.

وليس بعد الكفر بالباطل إلا الإيمان بالحق ..

الإيمان بأن الوطن هو صنيعة المواطن ..

المواطن الذي تقيأ ما رضعه من ذل الاستعباد، وقرر أن تكون الكرامة مطعمه وشرابه، المواطن المشاكس الذي لا يدخل محراب الوطنية إلا بعدما يطهره من أصنام الطواغيت، وأزلام الماضي البائس.

الوطن هو حلمنا القادم لا تفاخرنا المتعصب بماضينا المنتهي.

هذا عن ثقب الوطن، فماذا عساي أن أقول عن ثقب الدين ..!

الدين الذي آمن به جيلك وحاول جاهداً أن يسجننا فيه ..

الدين الذي لو رآه أبو جهل، فلن يسعه إلا أن يؤمن به معكم ..

هل حقا تعاليم السماء بهذه الهشاشة؟!.

عندما جاء الوحي يا أبي على محمد صلى الله عليه وسلم افتتح مشوار الرسالة بكلمة "اقرأ".

لم يقل صل، أو جاهد، أو آمن ..

قال "اقرأ" لأن الوعي هو المقصود هاهنا ..

اقرأ في سير الأولين، لتعرف أن ضريبة الذل باهظة .. اقرأ في خبر من مضى لتعرف كيف تخط مسارك في الحياة ..

اقرأ في سيرة العظيم محمد لتدرك أنه لم يزد على أن علم أتباعه كيف يعيشون بشرف، ويؤمنون على بصيرة، ويتعاونون على أسس البر والخير والصلاح.

محمد يا أبي الذي أتاه رجل وهو في خضم معركة مصيرية ليقول له "أريد أن أقتص منك" فكشف عن بطنه الشريف في الحال، دون أن يتحجج أن الوقت غير مناسب، أو أن طبول الحرب على الكفر أو الإرهاب تؤجل أي حديث عن حقوق الناس.

الدين الذي أؤمن به غير دينكم ..

في ديني أتعلم جهاد أحمد بن حنبل قبل أن أطوف بفقهه، وأدقق النظر في سلوك أبي حنيفة حين أصر على أن يكسب قوته بيده حتى لا يوظف علمه لخدمة سلطان أو ملك، وأجلس بين يدي أبي ذر، وعلي، والحسين، وعبدالله بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن الجبير كي أفهم فكرة تصادم الحق بالباطل.

فكرة الشهادة في سبيل ما أؤمن به، والتضحية من أجل أن تظل سنة التدافع ماضية.

في ديني لا آخذ بفتوى شيخ عاجز، ولحوم العلماء عندي محفوظة طالما حفظوا أمانة الله!.

وفي ديني أيضاً الإيمان محله القلب، فلا أقبل أن يوزع أحد صكوك الغفران على الناس، أو يصنفهم وفق هواه.

فرق شاسع جداً بين دين يرى بأن أعظم الجهاد كلمة حق يقذف بها المرء في وجه سلطان جائر، وبين "فقه الحاكم المتغلب" الذي يدفعنا إلى طأطأة الرأس خوفاً من سيف الطاغية.

هل تعرف يا أبي لماذا زادت شراسة الغوغاء على دين الله، وصارت السخرية من تعاليم الدين مباحة ؟.

لأن الدين الذي تؤمنون به مُجهد جداً نصرته!.

صعب أن تنصر ديناً لا تؤمن به حقاً .. لا يجري في دمك .. لا ينضح في سلوكك.

مرهق أن تنصر قضية كل ما يربطك بها الإرث.

.من هنا يصعب الالتقاء بيننا يا أبي ..

ستظل الفجوة تتسع، ستزيد بزيادة الهوة بين رضاكم عن الواقع وتمردنا عليه ..

وما يزيد من إصرارنا أن ما دفعناه ـ وإن كان باهظاً ـ في سبيل العيش كراماً، لا يزيد عما دفعتموه كي تعيشوا سالمين.

المصدر