مصر وأطفال شوارعها.. وعجز الدولة
مقدمة
تُعد ظاهرة أطفال الشوارع إحدى القضايا الاجتماعية والإنسانية الأكثر تعقيدا وإيلاما التي تواجه المجتمع المصري، وتمثل تحديا كبيرا لجهود التنمية والحماية الاجتماعية.
حيث يعيش هؤلاء الأطفال في ظروف صعبة تفتقر إلى الحماية والرعاية، مما يعرضهم لمخاطر متعددة صحية واجتماعية ونفسية، ويجدون في الشارع المأوي ومصدر الرزق والذي يعبر في حقيقة الأمر عن كونهم ضحايا لشبكة معقدة من العوامل الاقتصادية، والاجتماعية، والأسرية التي أدت إلى تشردهم وابتعادهم عن البيئة الطبيعية للنمو والرعاية.
وتكشف هذه الظاهرة عن اختلال في منظومة الأسرة والمجتمع، وتحتاج إلى معالجة متكاملة تجمع بين البعد الإنساني والديني والاجتماعي.
ولا يقتصر تأثير هذه الظاهرة على تهديد مستقبل هؤلاء الأطفال وحرمانهم من حقوقهم الأساسية في التعليم والصحة والحماية، بل يمتد ليشكل عبئا أمنيا واقتصاديا وأخلاقيا على الدولة والمجتمع بأكمله.
وتعتبر ظاهرة أطفال الشوارع –أيضا- من أهم الظواهر الاجتماعية الآخذة في النمو ليس فقط على مستوى البلدان النامية وإنما أيضا في الدول الصناعية المتقدمة، وهي عالمية، سريعة الانتشار، تباينت التقارير حول حجمها وطبيعتها وأسبابها، فتزايدها المستمر يجعل من هذه الفئة عرضة لتبني السلوك الإجرامي في المجتمع، لذلك تعتبر من أبرز قضايا التي تعاني منها كل دول العالم الحديث وتهدد سلامتها وأمنها وتطورها، ويكون التصدي لهذه المشكلة انطلاقا من مبدأ حق الطفل باعتباره ضحية لظروفه المجتمعية الصعبة في الحصول على أوجه الدعم والرعاية المختلفة وحمايته من كل ما يهدد حياته وسلامته
ولذا فإن التعامل مع أطفال الشوارع يتطلب رؤية شاملة تتجاوز مجرد الإغاثة المؤقتة إلى معالجة الجذور العميقة للمشكلة، بما في ذلك الفقر، والتفكك الأسري، والعنف، وضعف شبكات الأمان الاجتماعي.
حكومات السيسي وأطفال الشوارع
لا نحصر الظاهرة في مصر فقط نريد أن نوضح أنها ظاهرة عالمية حيث أوضحت الأمم المتحدة أنها ظاهرة انتشرت في جميع بلدان العالم حيث يزيد عدد هؤلاء الأطفال عم 150 مليون طفل في الشارع.
كما لم تكن ظاهرة أطفال الشوارع في مصر تمثل ضغطا على الحكومات المصرية المتعاقبة كما هي عليه اليوم في عهد السيسي حيث الانهيار القعلي للمجتمع وزيادة التفكك الأسري وانتشار ظاهرة الطلاق، والضغوط الاقتصادية الشديدة التي خلفتها سياسة السيسي في البلاد، وانتشار البطالة وغلاء الأسعار وانتشار المواد المخدرة والتي أصبحت تباع تحت سقف القانون.وهذه الظاهرة تلح وتفرض نفسها الآن على أجندة الحكومة المصرية، الأمر الذي دفع بالحكومة إلى التعاطي معها، بما يفوق إمكانياتها المتاحة في ظل عجز تام للحكومة في مواجهة التبعات الاقتصادية والخلال الشديد في مكونات المجتمع.
وللأسف تعاني الحكومة في إطار جهودها للقضاء على هذه الظاهرة المشينة، التي تعتبر وصمة عار على جبين المجتمع المصري، إذ تعتبر قضية تمس الأسرة المصرية في الأساس، بما يهدد استقرارها المجتمعي، كما أنها تلقي الضوء على الأسباب الرئيسية، المسببة لهذه الظاهرة، التي تؤرق المجتمع المصري وحكومته، على حد سواء.
وتراخي الحكومة في علاج هذا الأمر كما أوضحته الدكتورة نجلاء سرحان أستاذة علم الاجتماع في وزارة التربية والتعليم بقولها:(إن الإصلاحيات في مصر تفتقد لبرامج التأهيل الصحيحة للأطفال، ولا يوجد بها الأنشطة التي تجذب الطفل للبقاء فيها، كما تفتقد أيضا لاختصاصيي التأهيل النفسي المؤهلين للتعامل مع الطفل، فضلا عن التعامل بشكل خاطئ مع الأطفال، مما لا يشعرهم بالأمان وأنهم داخل أسرة، فيلجأ الطفل للهرب، مناشدة وزارة التضامن بأن يتم تعميم وجود كوادر مدربة في دور الإيواء كافة)
ولذلك تفهمت جماعة الإخوان المسلمين منذ نشأتها مدى الخطورة الكبيرة على المجتمع المصرى من تفشي ظاهرة الفقر، وظاهرة أطفال الشوارع وهو ما دفعها للقيام بجهود رائعة ،فلا يكاد الباحثُ يجد شعبة لم تشارك بقوة في أعمال البر من أجل محاربة الفقر والتفكك الأسري اللتان يؤديان إلى ظاهرة أطفال الشوارع.
تعريف ظاهرة أطفال الشوارع في مصر
إن ظاهرة أطفال الشوارع حقيقة لا مفر من الإعتراف بوجودها في عالمنا اليوم، فهي قنبلة موقوتة، ومأساة حضارية، يمكن تصنيفها ضمن أهم المآسي وأخطر الظواهر التي ابتليت بها المجتمعات في وقتنا المعاصر، عربية كانت أو غير عربية، إسالمية أو غير إسالمية، وذلك بالنظر الى ما لها من آثار ومخاطر على مستقبل الدول، اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، مخاطر جعلت المجتمع يفيق من سباته ليدق ناقوس الخطر.
وهذا الناقوس يدق أكثر على فئة الأطفال الذين ليس لهم أسر ويتخذون من الشارع حياة مستمرة لهم. وإن كان هناك أصناف أخرى أقل خطرا وهم الأطفال الذين يعملون في الشارع لفترات كثيرة كالتسول أو بيع أي شيء لكنهم يعودون في فترات لأسرهم. أيضا هناك أطفال هم وأسرهم يعيشون في الشارع بلا مأوي أو مصدر دخل لهم وهم يشكلون خطرا على المجتمع أيضا.
ويعد مصطلح أطفال الشوارع احد المصطلحات حديثة التناول ويرجع ذلك إلى مجموعة من الأسباب المختلفة أهمها ندرة استخدام المصطلح على المستوى الاكاديمى.
وبالتالي قلة الدراسات والبحوث السابقة في هذا المجال إلا أن هناك مجموعة من التعريفات التي تناولت أطفال الشوارع من جوانب متعددة.
حيث يرى أحمد صديق أطفال الشوارع عن منظور معاناتهم النفسية والاجتماعية بأنهم أطفال من أسر تصدعت أو تفككت ويواجهون جملة ضغوط نفسية وجسدية واجتماعية لم يستطيعون التكيف معها فأصبح الشارع مسيرة لهم.
كما ورد تعريف أخر وفقا للأمم المتحدة عام 1989م جاء فيه أن أطفال الشوارع: أي طفل ذكر كان أو أنثى اتخذ من الشارع، بما يشتمل عليه هذا المفهوم من أماكن مهجورة، مثل الخرابات وغيرها، محال للحياة والإقامة الدائمة بدون حماية أو رقابة أو رعاية من أجانب أو أشخاص بالغين مسؤولين[١].
وللأسف الشديد فإن هذا الإختلاف في تحديد المفهوم وتعريف أطفال الشوارع هو من بين الأسباب الرئيسة في عدم القدرة على تحديد حجم الظاهرة مما يجعلهم عرضة للانتهاك أو الإهمال او الإستغلال أو حتى عرضة لارتكاب الجرائم واستغالاهم من قبل الجماعات الإجرامية والفرق المتطرفة والإرهابية بما ينذر بوقوع كارثة محققة، خاصة بعد تزايدهم بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة.
الأسباب الرئيسية التي تساهم في زيادة عدد أطفال الشوارع
إن ظاهرة أطفال الشوارع لم تأت اعتباطا ولم تنشأ جزافا، بل لها أسبابها ودواعيها كغيرها من الظواهر الكثيرة في المجتمع، وقد بُذلت جهود كبيرة بغية تحديدها لكنها لم تفلح، لعدم اتفاقها على حصر دوافع وأسباب معينة، وهو ما وصفه بعض الباحثين بقوله: تتشابك العوامل وتتضافر في خلق الظاهرة، كما أنها تتراكب ويدفع بعضها بعضا فيصبح كل عامل سببا ونتيجة مؤثرة في علاقات جدلية متفاعلة).
وتتنوع أسباب هذه الظاهرة التي انتشرت في العديد من المجتمعات –خاصة المجتمعات الفقيرة والنامية والتي ينشر فيها الجهل- إلى عدة أسباب:
اولاً:- أسباب خاصة بالأطفال أنفسهم تدفعهم إلى الشارع تتمثل في الآتي:
1- الميل إلى الحرية والهروب من الضغوط الأسرية
2- غياب الاهتمام باللعب والترفيه في داخل الأسرة والبحث عنه في الشارع
3- اللامبالاة من جانب الأسرة وعدم الاستماع الى الطفل والتحاور معه وتلبية حاجاته
4- حب التملك فالشارع يتيح له نوع من العمل أيا كان ولكنه يدر دخل وقد يكون هذا العمل تسولاً أو إتيان أعمال منافية للحشمة والآداب
5- عند بعض اطفال الشوارع يكون عنصر جذب بما فيه من خبرات جديدة ومغامرات للإشباع العاطفي
ثانياً:- أسباب أسرية تتمثل في الآتي:
1- اليتم: فقدان أحد الأبوين أو كليهما قد يكون سبباً في ضعف الرقابة على الأطفال ومن ثم انحرافهم أو خروجهم للشارع.
2- الإقامة لدى الأقارب: بسبب اليتم أو التصدع الأسرى أو غياب الأب أو الأبوين للعمل في الخارج وقد يؤدي ذلك أيضا إلى ضعف الرقابة أو التعرض للعنف ثم الهرب للشارع.
3- التفكك الأسرى: وتشتتت الأبناء بين الأب والام في النهاية يدفع بهم إلى الشارع.
4- القسوة: سواء من الأبوين أو من الأقارب والمحيطين أو حتى من المدرسة.
5- العنف داخل الاسرة
6- التمييز: بين الأبناء داخل الأسرة الواحدة يولد الغيرة بينهم وقد يدفع الأبناء للهرب إلى الشارع.
7- الجيرة: فقد تؤدي الإقامة في أحياء شعبية ذات طابع خاص إلى معاشرة مجموعة من الأشخاص المنحرفين.
8- عمل الأب أو الأم: في بعض الأحيان يكون الأب أو الأم يمارسون عمل منحرف وذلك يسبب في انحراف الأبناء واحترافهم للعمل نفسه.
9- هجرة أو سفر العائل لمدة طويلة.
10- الإدمان: وآثاره المدمرة على الأسرة وأفرادها.
11- كثرة النسل: وتلازمه مع سوء الحالة الاقتصادية.
12- التقليد: خاصة إن قرناء السوء يدعون الأبناء إلى الخروج للشارع للعمل والكسب وتقليد الكبار
ثالثاً :- أسباب اجتماعية تتمثل في الآتي:
1- الهجرة من الريف الى المدينة: في الريف تنقص الخدمات وفرص العمل والترفيه مما يشجع الاطفال على النزوح من الريف الى المدينة ليكسبوا عيشهم.
2- التسرب المدرسي: أساليب التعليم المتشددة. كما أن بعض الأسر ولعدم قدرتها على مواجهة المصاريف والأعباء المدرسية تدفع بأطفالها الى ترك المدرسة
3- الظروف الاقتصادية (الفقر):إن الاسرة الفقيرة ليس بمقدورها أن توفر الحاجات الأساسية من مأكل وملبس وعلاج لاطفالها وتسمح لاطفالها بالعمل في الشارع للمشاركة في تأمين كلفة الاعباء الحياتية.
4- الاعتماد على الأطفال في القيام ببعض الأعباء الأسرية وخاصة البنات اللواتي يتعرضن الى العنف والقسوة أثناء الخدمة بالمنازل[٢].
تاريخ وأيديولوجيا الإخوان المسلمين: كيف ينظرون إلى دورهم في المجتمع
يرى الإخوان أن الإسلام لا يقتصر على العبادات، بل يشمل:(السياسة، الاقتصاد، المجتمع، القانون، التربية والأخلاق. وبالتالي يعتقدون أن دورهم هو إعادة صياغة المجتمع والدولة وفق المبادئ الإسلامية، وإصلاح الفرد ثم الأسرة ثم المجتمع ثم الدولة).
ومن ثم يعتقد الإخوان أنهم مكلفون بالمساهمة في نهضة الأمة عبر نشر القيم الإسلامية ومكافحة الفساد وتعزيز العدالة الاجتماعية.
ومن أجل ذلك قاموا بالعديد من الخدمات تجاه مجتمعاتهم سواء كانت خدمات صحية أو دعم المحتاجين، أو إقامة مدارس ومراكز تعليم، أو إنشاء جمعيات خيرية ويرون ذلك جزءا من تجسيد الإسلام في العمل[٣].
التوجهات الاجتماعية التي تبنتها جماعة الإخوان في مصر عبر تاريخها
اختلفت توجهات الإخوان عبر تاريخها سواء في عهد الملك أو عهد الجمهورية حيث رأن الجماعة أن الإسلام منهج شامل ينظم حياة الفرد والأسرة والمجتمع، وبالتالي فكل نشاط اجتماعي هو جزء من “مشروع إصلاحي” يهدف إلى بناء مجتمع إسلامي متماسك، أخلاقي متضامن.
وهو ما ترجمته عمليا منذ نشأتها الأولي عام 1928م حيث ركزت على إصلاح الفرد والأسرة باعتبارها نواة الإصلاح الاجتماعي، والعناية بالعمل الخيري والخدمات الاجتماعية ودعم الفقراء والعمال، ومقاومة التغريب الأخلاقي والثقافي.
ثم عهدت إلى الحفاظ على الهوية الإسلامية في عهد عبدالناصر والذي شهد موجة تغريب قوية ومحاولات لطمس الهوية والمظهر الإسلامي للدولة المصرية، وأيضا عملت على تعزيز الروابط الاجتماعية الداخلية، كما رفض التغييرات الاجتماعية السريعة التي رافقت عصر عبد الناصر.
وبعد عودتها للعمل العام في عهد السادات سارعت في تبني المنهج الإسلامي والعمل على تغير المظهر العام ونشر التدين بين المجتمع فنشط طلابها في الجامعات، كما نشطوا في النقابات واستطاعوا خدمة الناس من خلالها[٤].
كيف يربط الإخوان بين دورهم الدعوي والتنموي، وكيف شكلوا منظمات اجتماعية لمكافحة الفقر والرعاية الاجتماعية؟
الإخوان يعرّفون أنفسهم بأنهم حركة دعوية تربوية إصلاحية شاملة، لذلك يرون أن العمل الاجتماعي والخيري ليس نشاطا منفصلا، بل جزء من رسالتهم الدعوية تقوم على إصلاح الفرد، وإصلاح الأسرة وإصلاح المجتمع.
حيث ترتكز انطلاقتهم نحو العمل الخيري من باب التكافل نحو هؤلاء الفقراء وأطفالهم، ويعوّض تقصير الدولة، ويُظهر أخلاق الإسلام بشكل عملي، مما يعزز قبول المجتمع للدعوة.
ومن ثم اعتمد الإخوان على عدة أمور مهدت الأرض لهم نحو قبول دعوتهم بين الناس ومنها الجمع بين الوعظ والخدمة، تقديم النموذج الأخلاقي، وبناء شبكات اجتماعية واسعة من خلال الأطباء والمعلمين وطلاب الجامعات وأعضاء الجماعة، كما اعتمدوا أيضا على العمل الخيري كجسر للوصول للطبقات الفقيرة.
ولذا اعتمدوا على تأسيس الجمعيات الخيرية منذ الثلاثينيات (كجمعيات مساعدة الفقراء، ودور الأيتام، وصناديق الزكاة، وجمعيات إقراض صغيرة بدون فوائد).
حيث خدمت هذه المؤسسات على تقدم: (المساعدات الغذائية، والعلاج المجاني أو منخفض التكلفة، والمنح المدرسية للأطفال، والدورات المهنية، وأغاثة اللهفان خاصة وقت النوازل كما فعلوا حينما غرقت الشفينة في أسوان وحينما انتشرت الكوليرا في مصر عام 1947م سارع الإخوان بالمشاركة حتى تلقوا جواب شكر وأمتنان من وزير الصحة آنذاك نجيب اسكندر).
كما سعى الإخوان إلى إنشاء المستوصفات والعيادات الطبية والتي كانت تُدار –غالبا- بواسطة أطباء من الجماعة، وتقدم: كشف مجاني، وعمليات بسيطة، وأدوية بأسعار رمزية.
بل لم يقتصر الأمر على هذه الجوانب بل سعوا إلى إنشاء المدارس والمراكز التعليمية برسوم منخفضة، وفصول محو أمية، ودروس تقوية مجانية، ومراكز تحفيظ قرآن حيث هدف ذلك إلى رفع مستوى التعليم للفقراء، وغرس التربية الدينية لديهم.
كما استطاع الإخوان الفوز بالنقابات التي سهلت لهم الوصول بالخدمات إلى جموع الشعب حيث فازوا في نقابة الأطباء، المهندسين، الصيادلة، المعلمين.
كما شاركوا في تنظيم شنط رمضان وكساء العيد وأسواق مخفضة للفقراء ومشاريع كفالة اليتيم[٥].
آليات عمل الإخوان في مواجهة ظاهرة أطفال الشوارع
تفهمت جماعة الإخوان المسلمين منذ نشأتها مدى الخطورة الكبيرة على المجتمع المصرى من تفشي ظاهرة الفقر، وظاهرة أطفال الشوارع ولذلك قامت جماعة الإخوان المسلمين بجهود كبيرة ،لا يكاد الباحثُ يجد شعبةً لم تشارك بقوة في أعمال البر، ولا يكاد يجد مناسبةً تمر دون أن يقومَ الإخوانُ فيها بنشاطٍ اجتماعي ظاهر، ولا يكاد يجد عددًا من أعداد صحف الإخوان يخلو من أخبار نشاط شعب الإخوان في أعمال البر ورعاية الفقراء والمحتاجين وأطفال الشوارع. ولقد تنوعت آلياتهم في التعامل مع هذه الظاهرة ما بين التعليم والتوعية والدعم النفسي والمادي.
- الاهتمام بالأسر الفقيرة
بما أن الفقر يعد من العوامل الرئيسية التي تدفع الأطفال للعيش في الشوارع، فقد عملت بعض أنشطة الإخوان على تقديم مساعدات للأسر الفقيرة من خلال توزيع المواد الغذائية أو توفير فرص عمل للأسر لتحسين وضعهم الاقتصادي. وهذه أمثلة ونماذج من الجهود في هذا المجال:
*المساعدات الشهرية والدورية:
ففي فرشوط بقنا: "قامت الشعبة بفرشوط بمساعدة عشرين أسرةً فقيرةً عدد أفرادها 72 شخصًا بإعاناتٍ شهريةٍ تتراوح بين 100 مليم و250 مليم شهريًّا".
وفي منطقة بين السرايات بالجيزة: "يقوم الإخوان في بين السرايات والخرطة بإطعامِ حوالي مائة وخمسين فقيرًا مرة كل شهر في يوم خاص سمي (يوم الفقير)" تم تخصيصه للفقراء وأطفال الشوارع.
* كسوة اليتامى والفقراء:
ففي رشيد بالبحيرة: "جمعت شعبة رشيد مبلغًا كبيرًا من أهل الخير، واستطاعت أن تقوم بكسوةِ 500 يتيم لمناسبة عيد الفطر المبارك وذلك حلا لمشكلة أطفال الشوارع وعدم تفشيها".
وفي ميت موسى بشبين الكوم محافظة المنوفية: قام إخوان ميت موسى بالمشروع الدوري الرابع لكسوة الأيتام والفقراء".
وفي أسوان : قام الإخوان في أسوان بمشروع كسوةِ وتغذيةِ الفقراءِ لمناسبة عيد الفطر بصورةٍ متسعة مشكورة، وقد كُسِي أكثر من 430 فقيرًا منهم 190 أرملةً و140 من البنات ما بين أطفال ويتيمات".
* البر بالفقراء في المناسبات الدينية:
في جرجا بسوهاج: "لمناسبة الاحتفالِ بنصفِ شعبان المعظم تبرَّعت جمعيةُ الإخوانِ المسلمين بجرجا بإطعامِ 500 فقير من كل الفئات المحتاجة ومنها أطفال الشوارع".
في دشنا بقنا: احتفلت منطقة دشنا بشهر رمضان فقامت بإطعام 200 فقير من مرتادى الشوارع في شهر رمضان أيام الجمع.
وفي الغربية- شعبة محلة زياد: "أطعمت في رمضان سبعمائة فقير، وكست بعض الأيتام، ووزعت عليهم صدقات بعد صلاة العيد.. وعدا ما تقوم به دومًا من جمع الرغيف وتوزيعه على المستحقين".
وفي الإسكندرية- شعبة غيط العنب: "أطعمت شعبة غيط العنب ألفا وأربعمائة وثلاثين فقيرًا خلال رمضان".
وفي محافظة الدقهلية- شعبة ميت غمر: "أطعموا ستة آلاف فقير خلال رمضان المعظم.
وفي الغربية- طنطا: "قامت شعبة طنطا قسم ثان بإطعام مائة فقير يوميًّا في رمضان، وكذلك شعبة دمياط.
وفي في منفلوط بأسيوط: "أقاموا حفل إفطار للفقراء جمع خمسمائة فقير وفقيرة"[٦].
كما سعى الإخوان لإقامة المشاريع التنموية تستهدف تحسين الظروف الاقتصادية للعائلات الفقيرة التي يفترض أن تكون السبب الرئيسي في وجود أطفال الشوارع، حتى أن الإمام البنا جعل للعامل الذي يعمل في شركات الإخوان نصيب من راس المال لكي يشعر بقيمته بأنه جزء من الشركة وليس مجرد عامل فحسب
حتى أن الأستاذ/ كامل الشافعي طرح وجهة نظر سديدة تطور من إستراتيجية أعمالِ البر والخدمة الاجتماعية، وتحول وجهتها من أعمال البر والإحسان فقط إلى وجهة التأهيل المهني لأطفال الشوارع ، وفتح أبواب العمل والإنتاج لهم فيقول: "لا يخفى أن موائد إطعام الفقراء وكسائهم وغير ذلك يشجع على البطالة والتسول ويدفع إلى الكسل؛ لأن المعروف أن مضغ الطعام المعد أسهل من جلبه بعرق الجبين والكد في إعداده، وإذن "فلتتألف الجمعيات الخيرية وليكن هدفُها أن تغير طرق البر القديمة وتسير في سبيل التصنيع ولا تكن حفلات الإطعام وغيرها إلا لمن أصابته الدنيا بعاهة أعجزته عن الكسب[٧].
- التعليم والتوعية
قام الإمام البنا بوضع خطة تهدف إلى تدريب المحتاجين من مرتادي الشوارع على العمل الدائم ، حتى يتذوق حلاوة الكسب من عرق جبينه وتحويله إلى إنسان نافع بالمجتمع فقام الإمام الشهيد بوضع برامج دائمة للتدريب على العمل وقد اهتم بهم وكان يتابعهم بنفسه، كان الإمام البنا يدرك تماما بأن سر نهضة الأمة ورقيها ونصرتها يكمن فى عدم وجود مرتادي شوارع ومن ثم التمكين لهم في الأرض هو العلم ، من أجل ذلك رسم الخطة المحكمة وضمنها الوسائل المعينة للوصول إلى الهدف المهم ألا وهو تعليم مرتادو الشوارع و تثقيفهم في كل المجالات الدينية و الدنيوية و محو أميتهم ، وقد تم له ما أراد بفضل الله تعالى فأصبح العامل حين يتكلم يكون حديثه بليغا و مؤثرا في نفوس سامعيه ، بل وأصبح العامل على علم بكثير من الأمور الشرعية و الاجتماعية وكأنه حاصل على الشهادات العلمية .
ومن أهم ما قام به الإمام البنا في هذا المجال ما يلي :
* إنشاء مدرسة ليلية في كل شعبة هدفها الأساسي محو الأمية الدينية التعليمية؛ حيث يجتمع العمال والفلاحون ومرتادى الشوارع فيها وكانت أول مدرسة في هذا هي مدرسة التهذيب التي أقامها الإمام الشهيد في الإسماعيلية، ثم أقيمت بعد ذلك مدارس ليلية لتعليم الكبار في العديد من الشعب؛ نذكر منها المدرسة الليلية في أبو صوير،كما قرَّر مكتب الإرشاد العام للإخوان المسلمين بالقاهرة فتح قسم للتعليم الليلي مجانًا بالمركز العام ودعت راغبي الالتحاق إلى التقدم بطلباتهم ، وأفتتح قسم البر والخدمة الاجتماعية معهدًا للدراسات الشعبية في شعبة عابدين، واحتوى هذا المعهد على فرعٍ لمكافحة الأمية والتشرد، وفصول لتحفيظ القرآن الكريم, ولقد نشط فرع مكافحة الأمية بالشعبة، فأنشأ مدرسةً ليلية بلغ عدد المتقدمين إليها ما يزيد عن 300 دارس،
وفي قنا وأسوان أنشأ الإخوان قسمين لمكافحة الأمية والتشرد ،أحدهما نهاري، والثاني ليلي، كما فتح قسم البر والخدمة الاجتماعية بشعبة الجمالية فصولا لمحو الأمية وكان يقوم بالتدريس فيها نخبةٌ من الإخوان المثقفين،و أفتتح الإخوان المسلمون بالقرين شرقية قسمًا لمحو الأمية، وكان الإقبال عليه شديدًا لحسن نظامه ورغبة الأهالي في القضاء على الأمية.
*إنشاء مدرسةً للتوجيه النقابي والشئون العمالية في قسم العمال تلقى فيها محاضراتٌ فنيةٌ عامة أسبوعيًّا لتعليم الإخوان العمال كيف يُديرون شئونهم النقابية ويحلون مشاكلهم على أسس سليمة من القوانين العمالية؛ وتبصير العمال بحقوقهم وشرح التشريعات العمالية وتبسيطها لهم ومساعدتهم على الاستفادة من هذه التشريعات إلى أقصى حد ممكن، وإنشاء دور للصناعات ملحقة بالمعاهد يتعلم فيها الذين لا يستطيعون إتمام التعليم العلمى من الفقراء والمحتاجين وليس هناك إحصاء عن عدد هذه المدارس المتنوعة ولا عدد طلابها وأساتذتها ، ولكن هذه المدارس كانت تقوم إلى جانب الفروع بحيث لا يخلو فرع من مؤسسة علمية . وقد ذكر أن عدد طلاب إحدى مدارس محو الأمية بلغ مائة عامل ، والراجح أن الإقبال على هذه المدارس كان كبيرا لا سيما ما كان منها فى بيئات العمال والفلاحين ، وحين وضعت الحكومة منهاجا لمكافحة الأمية والتشرد ، أثناء تولى العشماوى (باشا) وزارة المعارف سنة 1946 طلب من الإخوان أن يساعدوا الوزارة فى تنفيذ خطتها اعترافا منها بنفوذهم.
ولقد سعت الجماعة إلى إنشاء مدارس ومراكز لتعليم الأطفال الذين يعيشون في الشوارع أو في ظروف صعبة، تهدف هذه المراكز إلى إعادة تأهيل الأطفال وتعليمهم أساسيات القراءة والكتابة والمهارات الحياتية.
بل تم تنظيم العديد من الدورات التوعوية في المناطق الفقيرة للحديث عن حقوق الأطفال، وكيفية التعامل معهم بشكل لائق، وماهية أهمية التعليم في تحسين أوضاعهم[٨].
- العمل الخيري والاجتماعي
قامت جماعة الإخوان في بعض الفترات بتأسيس مراكز إيواء لأطفال الشوارع توفر لهم مأوى مؤقتًا، حيث يتم إطعامهم، علاجهم إذا لزم الأمر، وتقديم الدعم النفسي.
كما قاموا بتنظيم أنشطة رياضية وفنية لأطفال الشوارع بهدف منحهم متنفسا وحماية لهم من الانزلاق نحو سلوكيات غير صحية.
- الدعم النفسي والاجتماعي
تعد مساعدة أطفال الشوارع في تخطي الصدمات النفسية من أبرز الأهداف التي يسعى الإخوان لتحقيقها من خلال توفير خدمات الإرشاد النفسي.
وهو المعني الذي سجله الأستاذ الأستاذ عبد الحليم الوشاحى (عضو مكتب الإرشاد) تحت عنوان "الطفولة المشردة" في جريدة الإخوان المسلمين عام 1947م بقوله: «أهؤلاء الأطفال الذين يتزاحمون على أفاريز الشوارع وزوايا الطرق وينتقلون من ترام لآخر يلبسون الأسمال ويستترون بالخرق التى تظهر ما خفى من أجسامهم الهزيلة, هؤلاء الأطفال يطوفون طول النهار وأكثر الليل على المقاهى والحانات لعلهم يجدون ما يسد رمقهم, من هؤلاء تكونت عصابات النشل بعد أن وقع هؤلاء المساكين تحت رحمة رؤساء العصابات فيطلقونهم على وسائل النقل المزدحمة فيسلبون الأموال, فهؤلاء الصبية هم الذين يستخدمون فى توزيع المخدرات على مدمينها, هذا غير نبذ الطبقة الغنية لهم، فمن لهؤلاء؟»[٩].
- التعاون مع مؤسسات الدولة والمجتمع المدني
ففي فترات معينة، كان هناك تعاون بين جماعة الإخوان وبعض المؤسسات الحكومية لمواجهة ظاهرة أطفال الشوارع من خلال توفير برامج اجتماعية وتوظيف خبرات مشتركة في مجالات التعليم والرعاية.
كما عمل الإخوان على إقامة شراكات مع منظمات غير حكومية تدير مشاريع تعنى برعاية الأطفال في الشوارع وتقديم الدعم اللازم لهم.
وفي بعض الحالات، كانت جماعة الإخوان تشارك في الضغط على الحكومة لتحسين السياسات المتعلقة بحماية الأطفال، خاصة في مجال التشريعات الاجتماعية والإجراءات التي تضمن منع هذه الظاهرة.
حيث تبني الإخوان قضية أطفال الشوارع وقضايا المجتمع في البرلمانات السابقة، حيث اختموا بها وبأسبابها وطرق حلها وتقديم استجوابات من اجل انتشار هذه الظاهرة الخطيرة والتي من الممكن أن تهدم أركان المجتمع لو انتشرت بكثافة.
فقد أكد صابر أبو الفتوح ــ عضو الكتلة البرلمانية السابقة للإخوان المسلمين ــ أن أطفال الشوارع كانوا محور استجواب قام بتقديمه لمجلس الشعب، تساءل فيه عن الجمعيات الخيرية ،التي تحصل على دعم خارجي ؛لتحقيق أهداف مشبوهة من خلال هؤلاء الأطفال ، معتبراً أن هذه الجمعيات تساهم في نشر هذه الظاهرة ،وليس محاربتها. مشيراً إلى أن هذه الظاهرة تعد قنبلة موقوتة تهدد المجتمع المصري، وتسعى لإحداث الفوضى فيه، واعتبر أن هذه القضية تمثل تهديد للأمن القومي ؛لأن هؤلاء أطفال مصر لو تم استغلالهم بشكل جيد سيتحولون لعناصر فعالة وإيجابية في المجتمع. مشيراً إلى الخشية من استغلالهم لإحداث فوضى منظمة تعمل ضد الثورة، وتسعى لإجهاضها وتحويلهم لبلطجية مأجورين ،مؤكداً أن هذا الأمر قد تم بالفعل مع بعضهم من قبل بعض فلول الحزب الوطني، وطالب وزارة التضامن الاجتماعي بإتباع عدد من الإجراءات ،التي تساعد على حل مشكلتهم، وتتمثل أهم تلك الإجراءات في رأيه في: الإشراف الكامل على الجمعيات الاجتماعية المتخصصة بهم، وكذلك توجيه الدعم لهذه الجمعيات ،ووضع خطة لتأهيل هؤلاء الأطفال من كافة النواحي الاجتماعية، والتربوية والمادية ؛حتى يتحولوا من قنبلة موقوتة إلى أداة لبناء المجتمع، وأكد أن ما قيل عن تناقصهم في شوارع الإسكندرية السبب فيه عدة أمور، أولها :استغلالهم ليصبحوا كبلطجية في وجه الثورة، وكذلك محاولة بعض أولياء أمورهم استعادتهم نتيجة للظروف الأمنية الصعبة خلال الفترة الماضية، مشيراً إلى حدوث هذا الامر فعلاً ولكن مع قلة منهم. وأكد أن هناك الكثير منهم مازالوا يفترشون الشوارع، والطرقات ،ويبحثون عن مأوى لهم.
وأشار الدكتور محمد الحلواني ــ وكيل أول وزارة التضامن الاجتماعي بالإسكندرية ــ في حديثه عنهم إلى أن الاسكندرية تضم عدداً كبيراً جداً في شوارعها أكثر من أي محافظة أخرى؛ نتيجةً لما يسميه العاملين في هذا المجال "مشاكل آخر الخط"، فأي طفل هارب من أسرته يتجه نحو آخر محطة يتوقف فيها القطار بعيداً عن منزله، والإسكندرية من أهم مدن آخر الخط، مشيراً إلى أن أغلب هؤلاء الأطفال من خارج الإسكندرية، وأشار لأوضاعهم بعد الثورة فأكد أن أعدادهم الإجمالية لم تتناقص ،وأن تواجدهم في الشارع قد تناقص إلى حد ما؛ نتيجةً لنشاط الجمعيات الخيرية، والمؤسسات العالمية، التي تسعى لاحتوائهم ،وتوفير مأوى لهم، وطالب شباب الثورة بالعمل المنظم بالتعاون مع الجمعيات المتخصصة للمساعدة على القضاء على هذه الظاهرة، والمشاركة في حماية هؤلاء الأطفال.
وأكدت ــ أميمة الشيخ ــ رئيسة جمعية الريادة الخيرية لنا أن عدد أطفال الشوارع بالإسكندرية لم يتناقص، بل بالعكس وأن هذا الأمر تأكدت منه نتيجة للبحوث التي قامت بها الجمعية بعد الثورة ،بالاشتراك مع عدد من المنظمات العالمية، واعتبرت أن السبب الرئيسي لهذه المشكلة ؛هو التفكك الأسري خاصة في المناطق العشوائية ،مشيرةً إلى أن سبيل حل هذه المشكلة هو تجفيف منابع خروج هؤلاء الأطفال للشارع، وأن الجمعية تسعى بالفعل لهذا الأمر خاصة بعد الثورة، وبدعم كبير من شباب الثورة الذي كان يعمل على تجميل وتنظيف شوارع الإسكندرية، وأشارت إلى قيام عدد كبير من المتبرعين بعد الثورة بالتوقف عن تقديم أي دعم للجمعيات التي تعمل على مساعدة هؤلاء الأطفال بدعوى أن هؤلاء الأطفال لصوص، وبلطجية، لا يستحقون الدعم؛ وقد أدى هذا الأمر لعجز عدد كبير من الجمعيات حتى عن توفير الطعام لهؤلاء الأطفال ،مؤكدةً أن هذا الأمر ناتج عن قيام عدد من الجهات المشبوهة باستغلالهم في أعمال بلطجة منظمة، ومظاهرات مقابل بعض الطعام والعصير، ومبالغ بسيطة جدا مستغلين أوضاعهم الصعبة، وأشارت كذلك إلى أن الجمعيات الآن تعجز عن تقديم المساعدات لعدد كبير منهم ،وأن الدعم الآن كله موجه لدعم المتضررين من الثورة ،خاصة من فقدوا وظائفهم أو من تعرضوا للضرر الجسدي من أحداث الثورة ،مؤكدةً أن هؤلاء من الممكن أن يتحولوا لبلطجية مطالبة بالتوقف عن المظاهرات ،والاعتصامات،والاتجاه نحو العمل الجاد للمساعدة على حل الكثير من المشكلات تلك المشكلة من بينها؛ لأن مصر في رأيها دخلت مرحلة خطيرة جدا)[١٠].
وفي الدورة البرلمانية عام 2009م طالب النائب الإخواني صبري عامر بعقد جلسات استماع لأساتذة الجامعات والخبراء لإيجاد توصيف حقيقي وعلمي لهذه الظاهرة.
فيما هاجم النائب الإخواني عصام مختار المجلس القومي للأمومة والطفولة، متحدثًا بقوله "هذا المجلس تفرغ لمشكلة تافهة جدًا وهي مشكلة ختان الإناث وترك مشكلة أطفال الشوارع".
واستطرد مختار باتهام للحكومة والنظام "بأنهما سعيا للإبقاء على العشوائيات وأطفال الشوارع، ليخرج من بينهم البلطجية والمسلحين، الذين تستخدمهم لتزوير الانتخابات"[١١].
كانت جماعة الإخوان تعمل على تكامل الجهود بين الرعاية الاجتماعية والدينية والتعليمية لمواجهة ظاهرة أطفال الشوارع، رغم التحديات التي واجهتها في هذا السياق.
التحديات الاجتماعية والسياسية التي حالت دون تقدم المبادرات الإخوانية في معالجة قضية أطفال الشوارع.
واجهت جماعة الإخوان المسلمين العديد من التحديات الاجتماعية والسياسية التي أثرت بشكل كبير على فاعلية هذه المبادرات سواء في عهد المرشد المؤسس أو ما تلاه بعد ذلك، ومن هذه التحديات:
1- التحديات السياسية وتشمل:
*الرقابة والملاحقة من قبل الدولة مصحوبا بالتضييق السياسي خاصة خلال حكم الرئيس حسني مبارك، حيث عانت جماعة الإخوان من تضييقات شديدة من قبل السلطات، التي كانت تعتبرها جماعة معارضة وغير موالية للنظام الحاكم. هذا التضييق شمل الاعتقالات، والحظر على الأنشطة الاجتماعية، والتضييق على الجمعيات الخيرية التابعة للجماعة.
ولذا عملت جماعة الإخوان في ظل بيئة معادية للنشاط السياسي والاجتماعي المستقل، مما حال دون تطوير برامج مستدامة أو إنشاء مؤسسات ضخمة قادرة على مواجهة تحديات كبيرة مثل ظاهرة أطفال الشوارع.
بل إن الفترة السابقة للثورة، كانت هناك توترات متزايدة بين الحكومة وجماعة الإخوان في المجال السياسي، خاصة في ظل الانتخابات البرلمانية التي كانت تشهد تصاعدًا لأسهم الإخوان في البرلمان، مما جعل السلطات أكثر حذرًا من أي قوة أو تأثير قد تكتسبه الجماعة في المجالات الاجتماعية.
الإخوان كانوا في موقع سياسي حساس، بين الرغبة في الحفاظ على أنشطتهم الخيرية والاجتماعية و الضغوط السياسية التي كانت تهدف إلى تحجيم تأثيرهم.
*عدم الاعتراف الرسمي بجهود الإخوان:
حيث حرصت الحكومة المصرية على عدم الاعتراف بجماعة الإخوان ولا جهودها في معالجة القضايا الاجتماعية، بل كانت تروج لخطاب معادٍ للجماعة. هذا الأمر أدى إلى ضعف الدعم الحكومي للمبادرات الاجتماعية التي كانت تنفذها الإخوان.
وفي ظل غياب التنسيق بين الجماعة والدولة والتضييق، كان من الصعب توسيع نطاق عمل الإخوان في مواجهة ظاهرة أطفال الشوارع بشكل فعال.
*التشويه الإعلامي والدعاية السلبية:
لم يتوقف الأمر على التضيق من قبل أجهزة الدولة والنظام بل كانت وسائل الإعلام المصرية في تلك الفترة غالبًا ما تسهم في تشويه صورة جماعة الإخوان، وتروج لفكرة أنها تسعى فقط لتحقيق مصالحها السياسية وليس مصالح المجتمع. هذا التشويه أثر على الدعم الشعبي لمبادرات الإخوان الاجتماعية.
حتى إن كانت هناك جهود واضحة من قبل الجماعة، فقد كان الإعلام الحكومي يغفلها أو يحاول تصويرها على أنها جزء من أجندة سياسية معينة، مما أضعف مصداقيتها في المجتمع.
2- التحديات الاجتماعية:
*الفقر المدقع والتهميش الاجتماعي: فالفقر يعد من الأسباب الأساسية وراء وجود أطفال الشوارع. في تلك الفترة، كانت النسبة الكبيرة من السكان تعيش في ظروف اقتصادية صعبة، خاصة في المناطق الريفية والعشوائيات.
ورغم جهود جماعة الإخوان في مساعدة الأسر الفقيرة، لم يكن لديهم القدرة على التأثير الجذري في الاقتصاد الوطني، مما جعلهم يواجهون تحديا كبيرا في معالجة الأسباب الجذرية للظاهرة.
ومن المعروف أن حل مشاكل الفقر المدقع، الذي كان يؤدي إلى إلقاء الأطفال في الشوارع بسبب غياب الرعاية الأسرية، يتطلب إصلاحات اقتصادية واسعة وهي مسألة تتجاوز قدرات جماعة إسلامية، خاصة في ظل القيود الاقتصادية التي فرضها النظام السياسي في ذلك الوقت.
*تفكك الأسر حيث كانت العديد من أسر الأطفال في الشوارع تعاني من التفكك الأسري، بسبب العنف الأسري أو غياب الأب أو الأم بسبب الهجرة أو السجون. وهذا يمثل تحديا اجتماعيا كبيرا، حيث أن إعادة بناء العلاقات الأسرية أمر يتطلب جهودا شاملة، تشمل التوعية وتحسين الوضع الاجتماعي للعائلات.
وعلاوة على ذلك، كانت هناك ممارسات اجتماعية أظهرت عدم الوعي الكافي من قبل بعض الأسر بأهمية تربية الأطفال وحمايتهم من الشوارع، ما يجعل العمل في هذه القضية معقدا ويحتاج إلى مزيد من التحرك الثقافي والاجتماعي الذي قد يكون محدودا في سياق العمل الإخواني.
*الرفض المجتمعي للاندماج مع الأطفال في الشوارع:
الأطفال في الشوارع كانوا غالبًا ما يعانون من وصمة اجتماعية شديدة، حيث يُنظر إليهم على أنهم فئات منحرفة أو محرومة من المجتمع، مما جعل من الصعب قبولهم في بيئات تعليمية أو مراكز رعاية. كان المجتمع يميل إلى التهميش لهذه الفئة، وهذا يعني أن العمل الاجتماعي كان يواجه مقاومة اجتماعية.
وكانت جماعة الإخوان تحاول التأثير على هذه المشكلة من خلال برامج توعية في المناطق العشوائية، لكنها كانت تصطدم بالعادات والتقاليد السائدة في المجتمع، بالإضافة إلى نقص الدعم النفسي والعلاجي للأطفال الذين كانوا يعانون من صدمات نفسية شديدة نتيجة حياتهم في الشوارع.
*ضعف موارد الإخوان: فعلى الرغم من الجهود التي بذلتها الجماعة في إنشاء مراكز إيواء ومدارس تعليمية، إلا أن البنية التحتية لم تكن كافية لدعم العدد الكبير من الأطفال الذين يعيشون في الشوارع. العديد من المراكز كانت تعاني من نقص الموارد المالية وعدم القدرة على توفير الخدمات الأساسية مثل العلاج النفسي والتعليم المهني.
التمويل المحدود والموارد الشحيحة كانت من أكبر العوائق أمام قدرة الإخوان على إقامة مشاريع مستدامة أو توسيع نطاق عملهم لتغطية أكبر عدد ممكن من الأطفال.
3- التحديات القانونية والتنظيمية:
*الغياب الكامل للتشريعات المناسبة: حيث لم تكن هناك تشريعات قانونية كافية لمعالجة قضية أطفال الشوارع بشكل منظم. وكان القطاع الاجتماعي في مصر يفتقر إلى التشريعات التي تلزم الدولة بتقديم الرعاية اللازمة للأطفال في الشوارع أو تعزيز آليات حماية حقوقهم.
الغريب أنه في الوقت التي كانت الدولة تهمل فيه ملف أطفال الشوارع، كانت تركز أكثر على مكافحة الإرهاب والجماعات السياسية المعارضة، وهو ما جعل القضايا الاجتماعية في مؤخرة الأولويات، مما أثر على قدرة الجماعة على العمل مع الجهات الحكومية لتنفيذ أي مشاريع قانونية أو تنظيمية بشأن أطفال الشوارع.
*القيود القانونية على الجمعيات الأهلية:
كان هناك قيود قانونية على الجمعيات الأهلية في مصر، وخاصة التي تعمل في المجال الاجتماعي. هذه القيود كانت تتراوح بين الإجراءات البيروقراطية المعقدة التي تحد من إنشاء أو ترخيص المراكز الاجتماعية إلى الحظر المفروض على بعض الأنشطة التي كانت تنظمها جماعة الإخوان، مما قلل من القدرة على توسيع مبادراتها.
4- التحديات النفسية والتعليمية:
*الحاجة إلى خدمات نفسية متخصصة:
معظم الأطفال الذين يعيشون في الشوارع كانوا يعانون من صدمات نفسية حادة نتيجة للتعرض للعنف والحرمان. ورغم محاولات الإخوان في تقديم بعض الدعم النفسي، إلا أن الافتقار إلى المتخصصين ونقص الموارد كان يحد من تأثير هذه المبادرات.
إضافة إلى ذلك، كان التعليم وتوفير بيئة تعليمية مستقرة للأطفال أمرًا بالغ الصعوبة، حيث أن الكثير من الأطفال كانوا بحاجة إلى دورات تأهيلية طويلة الأمد لإعادة دمجهم في التعليم الرسمي[١٢].
دورهم نحو حل المشكلة
قدمت صفية عبد الرازق علي، وسمية عبد الرازق علي، وسندس محمد، وفاطمة الموصل، ورقتين بحثيتين تضمنت عددا من الاقتراحات لكيفية مساهمة الإخوان في حل مشكلة أطفال الشوارع تضمنت البدء في تكوين مؤسسة إسلامية لرعاية أطفال الشوارع تضمن المساعدة في حل مشكلات العشوائيات والفقر من خلال دعم الأسر الفقيرة ماديا ومعنويا، وتفعيل دور الدولة في التصدي لمن يستغلون أطفال الشوارع في أعمال لا أخلاقية.
وصرحت أ. د./ لمياء محسن أمين المجلس القومي للطفولة والأمومة بان المجلس يسعي لتحقيق التنسيق بين الشبكة والمنظمات العاملة بمجال حماية الطفولة خاصةً أطفال الشوارع مع بناء ورفع قدرات المتعاملين مع الأطفال من كافة القطاعات من الشرطة والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين لوضع الخدمات المقدمة لأطفال الشوارع علي المستوي الأهلي والحكومي ، وأعلنت احترامها لدور الإخوان فى حل ظاهرة أطفال الشوارع.
ولقد تضمن برنامج حزب الحرية والعدالة الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين هذه الظاهرة في الباب الثالث بعنوان (العدالة الاجتماعية) حيث جاء في البند خامسا تحت عنوان (معالجة ظاهرة أطفال الشوارع) النص:
- تتركز فكرتنا بعد إيجاد حصر دقيق لهذه الشريحة بتوفير طرق ووسائل للتعامل مع هذه الظاهرة بعيداً عن الحل الأمني الذي يضر ولا ينفع ويدفع إلى المزيد من الانعزال والرفض والحنق من هؤلاء تجاه مجتمعاتهم لذلك ننوى الآتى :- إنشاء قرى خاصة بهؤلاء الأطفال لتأهيلهم علميًا وتربويًا وأخلاقيًا، وتشجيع القطاع الخيري للإسهام في إنشائها والإنفاق عليها.
- إعادة تأهيل دور الأحداث لتتحول من مؤسسة عقابية إلى مؤسسة تربوية إصلاحية.
- علاج ظاهرة الطلاق ، والتفكك الأسري ، التي هى إحدى الروافد المهمة لهذه الظاهرة.
- توفير فرص عمل مناسبة لمن بلغ سنًا معينًا منهم[١٣].
كان لجهود الإخوان المسلمين مردود إيجابي من جانب الكثير من المنظمات الأهلية والحكومية ، التى شعرت بالحرج تجاه قيام الإخوان وحدهم بدور كبير فى محاربة ظاهرة أطفال الشوارع ، فاعتبرت نظرتهم المستقبلية لحل أزمة أطفال الشوارع ، نظرة تعبر عن مشروع متكامل يهدف لحل أزمة أطفال الشوارع
المصادر :
- ↑ برزان ميسر الحامد: ظاهرة أطفال الشوارع (الأسباب، الآثار والمشكلات، العلاجات)، المجلة العربية للعلوم التربوية والنفسية، 2دد(10) مايو 2019، جامعة الموصل، العراق، صـ61.
- ↑ سوسن شاكر مجيد: ظاهرة أطفال الشوارع ، الاسباب، الخصائص، العلاج، الحوار المتمدن، العدد: 3713، الموافق 30 أبريل 2012م.
- ↑ محمد شوقي زكي: الإخوان المسلمون والمجتمع المصري، دار الأنصار، القاهرة، 1980م.
- ↑ محمود عبدالحليم: الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، دارالدعوة للطبع والنشروالتوزيع، 1981.
- ↑ هشام العوضي: صراع على الشرعية: الإخوان المسلمون ومبارك، 1982م، 2007م، مركز دراسات الوحدة العربية،, 2009م.
- ↑ جمعة أمين عبدالعزيز: أرواق من تاريخ الإخوان المسلمين، جـ3، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2003م.
- ↑ مجلة المباحث القضائية: عدد 27 يونيو 1950م.
- ↑ جمعة أمين عبدالعزيز: أرواق من تاريخ الإخوان المسلمين، ج6، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2003م.
- ↑ مجلة الإخوان المسلمين: العدد 154 السنة الخامسة، 11 رجب 1366هـ, 31/5/1947م، صـ6.
- ↑ موقع أمل الأمة بتاريخ 25/ 6/ 2011م.
- ↑ موقع حريتنا بتاريخ 2/ 3/ 2009م.
- ↑ عبد الهادي عبد الحكيم: الدور السياسي لحركة الإخوان المسلمين، جامعة القاهرة، 1980م.
- ↑ برنامج حزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين، 2011م.