هل صنعت أمريكا الثورة المصرية؟

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

ربما كانت ثورة يناير 2011 من الأحداث النادرة التي غابت فيها أمريكا عن المشهد المصري، منذ أن بدأت أصابعها تعبث بالشأن المصري بعد الحرب العالمية الثانية، فلم تستطع أمريكا أن تتنبأ بالثورة المصرية في 25 يناير 2011، وعندما قامت الثورة لم تستطع أن تحمي حليفها الأقوى من السقوط، رغم محاولتها تعطيل هذه السقوط أو تأجيله.

كما أثبتت أحداث الأيام الأولى من هذه الثورة، محدودية معلومات أمريكا الإستخبارية، إذ كانت أمام حراك شعبي متصاعد منذ الإنتخابات البرلمانية عام 2005، والتي كانت مقدمة لحراك شعبي متزايد في الشأن العام، حيث طالب أولاً بإصلاحات حقيقية في النظام السياسي للبلاد، فلما لم يلب النظام هذا المطلب، حدثت إنتفاضة جماهيرية واسعة في 25 يناير 2011، طالبت بإسقاط النظام.

فلم تكن الثورة المصرية صناعة (أمريكية) كما وصفها البعض، بل كانت ثورة شعبية بامتياز، حاولت فيها الولايات المتحدة الأمريكية أن تحتويها بما يحفظ بقاء النظام، لكنها فشلت، فقد كان تيار الثورة أكبر من الإحتواء، وإن تمكنت بعد ذلك عن طريق أدواتها وحلفائها من إبطاء مسيرتها وتعطيل محفزاتها، إلى أن حدث إنقلاب يوليو 2013، الذي لم تكن أمريكا وحلفائها بعيدين عن ترتيبه وتحفيزه.

ثوابت السياسة الأمريكية تجاه الشعوب

المتتبع لسلوك الحكومات الأمريكية المتعاقبة يجد نفسه أمام جملة من الحقائق، أولها: أنها لم تكن يومًا مناصرة لحق الشعوب في امتلاك في حكم نفسها بنفسها، بل كانت دومًا داعمة للدكتاتوريات، خاصة في المنطقة العربية والإسلامية.

وثانيها، أن أمريكا تعتمد بشكل أساسي في الحفاظ على مصالحها على علاقة (التبعية) التي تحكم علاقتها مع الدول العربية، فأى تهديد لهذه العلاقة يعني تهديداً للنفوذ الأمريكي في المنطقة، ومن ثمَّ تغير موازين القوى في المنطقة لصالح مشروعات دولية أخرى، فأمريكا (تفضل التعامل مع الديكتاتوريات، لأنها تعلم جيدا أن الديمقراطية سوف تعني أن تطالب الشعوب بإرادة مستقلة، وبوقف التبعية للولايات المتحدة. ثم إنه من الأسهل كثيرا التعامل مع شخص واحد في الديكتاتورية بدلا من مؤسسات عدة في الدول الديمقراطية. وتاريخ الولايات المتحدة حافل بدعم وصول ديكتاتوريات للحكم، فهي التي دعمت الانقلاب علي حكومة محمد مصدق في إيران في1953، ووصول الشاه، وعلي حكومة الليندي في تشيلي 1973، ووصول بينوشيه للحكم، ودعمت الانقلاب الفاشل علي هوجو تشافيز في 2002، ثم دعمت الانقلاب علي زيلايا في هندوراس 2009، وهي التي كانت وراء عملية الإطاحة بيانكوفيتش في أوكرانيا في 2013، والتي لم تكن ثورة من الأساس)[١]

وهاتان الحقيقتان تفسران إلى حد بعيد سبب عداء أمريكا والغرب عموماً مع (الإسلام)، بصفته يمثل الهوية الأساسية للعالم العربي والإسلامي، تلك الهوية التي واجهت بها الشعوب قوى الإستعمار بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، إلى أن تمكن المستعمر في النهاية من إقصائها عن الفعل السياسي والإجتماعي بعد تمكنه من القضاء على الدولة العثمانية، آخر كيان سياسي جامع لشعوب العالم الإسلامي.

وبطبيعة الحال إمتد هذا العداء للحركات الإسلامية الداعية إلى إعادة بعث الروح في المشروع الإسلامي الجامع لشعوب العالم العربي والإسلامي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين المصرية، والتي تمثل الأب الروحي لأكثر الجماعات والحركات الإٍسلامية المناهضة للسياسات الغربية في العالم العربي والإسلامي.

لكل ذلك حرصت أمريكا على إصطناع حلفاء لها في الداخل المصري لحماية مصالحها ومواجهة أية أخطار محتملة يمكن أن تهدد هذه المصالح، وفي مقدمة حلفائها طبقة العسكريين الذي ارتبطوا بأمريكا على مدى عقود من التدريب والتعامل المشترك، يقول "يفجيني بريماكوف" مدير الاستخبارات الخارجية في أواخر العهد السوفييتي وبدايات العهد الروسي، في كتابه "الكواليس السرية للشرق الأوسط إن (واشنطن ستُراهن على مؤسسات البنية التحتية - وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية – في تأمين الاستقرار في فترة حكم الأنظمة الاستبدادية السابقة) [٢]

أمريكا خارج المشهد

وبرغم امتلاك أمريكا العديد من الحلفاء في الداخل المصري، وكذلك العديد من العيون التي ترصد كل شاردة وواردة، إلا أنها لم تتوقع إنفجار الأوضاع بمصر على نحو ما حدث في يوم 25 يناير 2011، بل كانت الرؤية السائدة داخل أروقة البيت الأبيض أن مبارك ونظامه مسيطرين على الشارع المصري وأن قواه السياسية تعاني من حالة تيبس لا تسمح لها بالحركة في الشارع المصري أو تحريكه. وأكبر دليل على ذلك ما ذكره الصحفي محمد الشناوي في كتابه (أمريكا والثورة المصرية من ٢٥ يناير إلى ما بعد ٣ يولية)، من أن هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية قالت في الأيام الأولى للثورة (تقديراتنا تؤكد أن الحكومة المصرية مُستقرة وتبحث عن طرق للتجاوب مع مطالب الشعب المصري ومصالحه) [٣]

(فلم تتوقع الإدارة الأميركية حصول الانهيار في تونس ومصر. فوزيرة الخارجية التي كانت في قطر، في 13-1-2011، في منتدى المستقبل، ناشدت الحكام العرب: "كافحوا الفساد وجددوا أنظمتكم السياسية وإلا خلفكم الإسلاميون" (خلق الرهاب الإسلامي، وسيطرته على الإدارة الأميركية). وركزت كلامها على النظام اليمني. بينما الثورة تنتصر في تونس وتندلع في مصر، حيث لم تتوقعهما الخارجية الأميركية. [٤]

فمع انفجار الشارع المصري يوم 25 يناير 2011، حدث إنهيار كبير لقوى الأمن المصرية، ومع إعلان جماعة الإخوان المسلمين نزولها رسميا في جمعة الغضب 28 يناير 2011، دخلت الثورة مرحلة جديدة فرضت نفسها على الجميع، فقد أعلنت جماعة الإخوان المسلمين إنخراطها رسمياً في الثورة، وظهر للمراقبين الأمريكيين أن الأمور ستخرج عن السيطرة إن لم يسعى مبارك إلى تقديم تنازلات حقيقية للشارع المصري الغاضب، بطبيعة الحال لم تلك التنازلات ترقى لتطلعات الشارع المصري، والذي لم يعد يقبل بغير تنحي مبارك..

في اليوم التالي لجمعة الغضب أرسل صحفي أمريكي مقرَّب من وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية هيلاري كلينتون رسالة يقول فيها (الثورة تتقدّم بسرعة، ومبارك قد خسر بالفعل)، وأشار إلى أن (نجاح الثورة المصرية "يُهدِّد بانهيار جميع المبادرات الأميركية بخصوص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي"، وأن التطورات المصرية ستؤثر سلبا على النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط "من النيل المصري إلى مضيق البوسفور التركي"، مُحذِّرا أن قبضة الولايات المتحدة ستتزعزع حال انتخاب حكومة ديمقراطية في مصر) [٥]

في نفس اليوم قام مبارك بتعيين رئيس جهاز المخابرات العامة اللواء عمر سليمان في منصب نائب رئيس الجمهورية! كانت تلك المحاولة على ما يبدو محاولة لاحتواء الثورة.

أمريكا وإنقاذ ما يمكن إنقاذه

وبدأت دوائر الحكم الأمريكية تتعامل مع الثورة المصرية على أنها أمر واقع، فقد نقل الصحفى الأمريكي وجهة نظر الجيش بالنسبة للإنتقال السياسي المرتقب، والتي يمكن تلخيصها في نقطتين: أولا حتمية أن يتولى منصب الرئاسة جنرال محسوب على الجيش، على أن يكون رئيس الوزراء شخصا مدنيا مثل البرادعي أو غيره (باعتبار أن البرادعي لا يتمتع بقاعدة شعبية حقيقية حسب وصف الرسالة)، وثانيا حتمية التوصل إلى تفاهمات مع الإخوان المسلمين [٦]

لذلك سعى المجلس العسكري لكى يوافق الإخوان المسلمون على خطته لإدارة المرحلة الإنتقالية [٧])

وفي ذات السياق، دعت الخارجية الأميركية إلى اجتماع عام لجميع بعثاتها الديبلوماسية في العالم (حوالي 260 مندوباً في حوالي 180 دولة)، في مطلع شباط 2011. وانضم إلى هذا الاجتماع القائد الأعلى للجيوش الأميركية الجنرال مايك مولن ومستشار الأمن القومي توم دونيلون. وكان الغرض هو البحث في المقاربة الديبلوماسية المطلوبة للعام 2011. وهو اجتماع لم يسبق أن حصل مثله في تاريخ الولايات المتحدة. ولقد ابلغت السفراء أننا جميعنا في "أرض مجهولة"، وفي "وضع غير قابل للتوقع". نحن في "زمن حرج للغاية يتهدد زعامة الولايات المتحدة على العالم"، ما يستلزم تنبهكم له. وفيه تحدثت عن الصعوبات المالية للبعثات الديبلوماسية، وعن دور المدنيين في الحرب في العراق وأفغانستان. وعبرت عن ذلك بقولها أن الموازنة هي "موازنة البقرات الضعاف للسنوات العجاف" [٨]

كانت الإدارة الأمريكية في البداية تؤمل في احتواء غضب الشارع المصري، جاء ذلك بوضوح على لسان كل من وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ونائب الرئيس السابق جو بايدن، عندما أشارا إلى المطالبة فقط بتبني إصلاحات حقيقية في مرحلة لاحقة.. فقد عملت واشنطن في البداية على ضمان عدم سقوط النظام المصرى كله، وقبلت بل شجعت صيغة "orderly transition" (انتقال منظم للسلطة) يسمح بتولي نائب الرئيس اللواء عمر سليمان زمام الأمور في مصر، ومنع حدوث تغير حقيقي في السياسات المصرية في الملفات المهمة لواشنطن مثل العلاقات مع إسرائيل، والتعاون الأمني والاستخباراتي، والموقف من تنظيم حماس وحزب الله والعلاقات مع إيران.[٩])

لكن تحت ضغط المتظاهرين أُجبر مبارك على التنحي، واضطرت واشنطن للقبول بهذا والتعامل معه.. طبعا ما كانت تسعى إليه واشنطن كان على خلاف ما كانت تسعى إليه قوى الثورة المصرية، خاصة جماعة الإخوان المسلمين التي كانت تسعى لأن يكون هناك نظام جديد يعبر عن آمال الشعب المصري وطموحاته، وهذا يعني بطبيعة الحال ألا يكون رجال نظام مبارك في المشهد السياسي أو على الأقل لا يتصدروا هذا المشهد

وما كانت تخشاه دوائر صنع القرار في بيت الحكم الأمريكي، هو نفس ما كان يحذر منه حسني مبارك، من أن البديل الوحيد لحكمه ستكون جماعة الإخوان المسلمين. ففي أثناء زيارة لها إلى القاهرة بعد انتخاب الرئيس السابق محمد مرسي رئيسا لمصر، قالت كلينتون - للراديو القومي الأميركي - إنها تعتقد أن الولايات المتحدة سيكون لها "شكل مختلف من النفوذ في مصر، إذ إننا نتعامل الآن مع ديمقراطية آخذة في التطور". وذكرت كلينتون أنها تعتقد أن هناك قرارات في سياسة مصر الخارجية الجديدة ستكون مختلفة عما كانت عليه أيام نظام حكم الرئيس السابق حسني مبارك [١٠]

ذكرت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية خلال الفترة 2009-2013، في كتابها (الخيارات الصعبة) حقيقة الموقف الأمريكي، فتقول: (أدرك الرئيس أوباما أن أمريكا لا تسيطر على أحداث مصر.. والناس في ميدان التحرير لا يملكون خطة، فالذين فضلوا من بيننا المسار البطيء للانتقال المنظم قلقوا، لأن القوتين الوحيدتين المنظمتين بعد مبارك هما جماعة الإخوان المسلمين والجيش)[١١]

ومعنى هذا أنه لابد من التواصل مع الإخوان المسلمين لترتيب المرحلة المقبلة.. فقد أشارت رسالة بتاريخ 7 إبريل 2011، إلى أن قادة المجلس العسكري اعتقدوا أن الإخوان مهتمون بالحصول على دور جوهري في حكم مصر من خلال انتقال هادئ ومنظم ومرحلي من الحكم العسكري إلى الحكم المدني، على عكس الجماعات الثورية التي تضغط من أجل انتقال ثوري وسريع، وقد ساهم إعلان الجماعة آنذاك عدم الدفع بمرشح في الانتخابات الرئاسية والتركيز على الانتخابات البرلمانية فقط في تهدئة مخاوف العسكريين تجاه الإخوان [١٢]

أمريكا تبحث عن حليف

في نهاية شهر يوليو 2011، فجَّرت جماعة الإخوان المسلمين قنبلة من العيار الثقيل حين طالبت المجلس العسكري الحاكم في مصر بفتح تحقيق عاجل في ما قالته الجماعة بشأن (تلقي بعض القوى السياسية والمنظمات الأهلية دعماً من الإدارة الأميركية)، وأكدت الجماعة في بيانها أن (السفيرة الأميركية الجديدة في القاهرة آن باترسون قالت أمام الكونغرس إن أميركا أنفقت 40 مليون دولار في مصر منذ 25 يناير الماضي لدعم الديمقراطية).

وكان اللواء محمد العصار عضو المجلس العسكري ذكر بأن السفيرة الأميركية أخبرته بأن الولايات المتحدة قدمت 105 ملايين دولار لهذه المنظمات لمساعدتها على المشاركة في الحياة السياسيةفي مصر، بالإضافة إلى إعلان السفارة الأميركية بالقاهرة على موقعها على شبكة الإنترنت عن فتح الباب للراغبين من منظمات المجتمع المدني في مصر وتونس وباقي دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للحصول على منح أميركية. [١٣])

وفور إصدار جماعة الإخوان المسلمين لهذا البيان، تبادلت القوى السياسية الإتهامات حول مَن تلقى هذه المنح أو عُرضت عليه وقَبِل بها..

وصارت هذه المنح الأمريكية وسيلة أمريكا للنفاذ إلى داخل ميدان التحرير وقواه الفاعلة، من أجل ضمان إنتقال (آمن) للسلطة يحفظ المصالح الأمريكية بالدرجة الأولى، من دون أن تُتهم أمريكا بالتدخل في الشئون الداخلية لمصر، ولاشك أن إعلان أمريكا عن هذه المنح ستسيل له لعاب العديد من القوى السياسية ذات التوجهات الأمريكية والغربية بالعموم.

سعت أمريكا والقوى المتحالفة معها بكل سبيل إلى تأجيل الإنتخابات البرلمانية، إذ كانت كل المؤشرات الآتية من الميدان تقول بأن أى إنتخابات برلمانية، ستأتي بمَن هم على خلاف مع أمريكا وتوجهاتها، وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين وحلفائها. وكان لدى الولايات المتحدة الأمريكية العديد من الأوراق التي يمكن أن تستخدمها لحماية مصالحها في مصر، فكان أمريكا على تواصل مع بعض الوجوه ذات الطابع المدني، كما كان لها تواصل لم ينقطع مع قادة الجيش المصري قبل الثورة وأثنائها وبعدها، وبرغم ذلك فرضت جماعة الإخوان المسلمين نفسها كرقم لايمكن تجاهله في ترتيب أوراق المرحلة الإنتقالية..

ففي 23 نوفمبر 2011، أى بعد يوم واحد من إستقالة أول حكومة بعد الثورة بقيادة عصام شرف، عقد قادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة إجتماعا سريا مع محمد البرادعي، المدير السابق لوكالة الطاقة الذرية والمرشح "الثوري" الأبرز لقيادة البلاد وقتها، وعرضوا عليه تولي منصب رئيس الوزراء في محاولة لمعالجة الإحباط لدى المتظاهرين الذين يواصلون التصادم مع الجيش وقوات الأمن.

كما أشارت رسالة أخرى بتاريخ 25 نوفمبر، إلى تلقّي المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد بديع وكبار المسؤولين في الجماعة إخطارا من المجلس العسكري حول نية المجلس تعيين كمال الجنزوري رئيسا للوزراء، على أن تكون مهمته الرئيسة تهدئة الشارع وإقناع الناس أن المجلس العسكري يتخذ خطوات للانتقال للحكم المدني، في الوقت الذي يستمر فيه العسكريون بالتمتع بسيطرة مطلقة على السلطة حتى نهاية المرحلة الانتقالية [١٤]

كما أشارت رسالة أخرى بتاريخ 4 ديسمبر 2011، إلى أن المشير طنطاوي طلب من كبار قادته إجراء اتصال سري بالإخوان وتوجيه رسالة مبكرة إلى المرشد العام "بديع" بخصوص نتائج الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية (حقّق فيها الإخوان والإسلاميون فوزا مريحا)، وكان مضمون الرسالة ببساطة هو أن المجلس العسكري سيواصل السيطرة على البلاد حتى نهاية المرحلة الانتقالية، وأن أي محاولة لتغيير هذا الوضع ستستدعي تدخُّلا حاسما من قِبَل الجيش [١٥]

كان تدخل أمريكا من خلال حلفائها وأدواتها في التأثير على مجريات الأمور في مصر بعد تنحي مبارك أمراً طبيعياً فـ (أي عاقل لا يستطيع أن يتصور أن الأصابع الخارجية إختفت من مصر وأن اللاعبين المحليين وحدهم الذين يحركون الأحداث فيها. ذلك أن أصابع الأميركيين والإسرائيليين وغيرهم من الأطراف والقوى التي ظلت ترتع في مصر طوال الثلاثين سنة الماضية على الأقل، لا يمكن أن تكون قد استقالت من مهمتها ووقفت متفرجة على أحداثها بعد الثورة.

والمنطق الطبيعي في هذه الحالة يدعوهم إلى مضاعفة نشاطهم فيما يعتبرونه دفاعا عن مصالحهم، بعدما أسقطت الثورة حليفهم الإستراتيجي وجاءت بعناصر أخرى يفترض أنها لا تُكِنّ ودّا لهم. لسنا بحاجة إلى وقائع محددة في هذا الصدد، لكنني أنبه إلى جانب في المشهد مسكوت عنه وتكاد تعتبره بعض التحليلات غير موجود لمجرد أنه غير مرئي) كما يقول الكاتب فهمي هويدي [١٦])

فلقد اعتبرت أمريكا أن الثورة المصرية كانت في وجهها أكثر مما كانت في وجه نظام استبدادي سئمه الشعب وكرهه، فالثورة قامت ضد نظام حليف للولايات المتحدة، ورئيسه أُعتبر كنزا إستراتيجيا لإسرائيل، فلابد أنه كان أكثر من ذلك بالنسبة للولايات المتحدة

لذلك كان طبيعيا أن يلتفت المراقبين ذلك اللقاء الذي يتم بعد تسعة أشهر من قيام الثورة المصرية بين الفريق سامى عنان رئيس أركان الجيش المصري ونائب رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو الاجتماع الذى حضره عدد من أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة وبين الفريق دافيد جولدفين قائد القوات الجوية التابعة للقيادة المركزية الأمريكية مصحوبًا بوفد من كبار العسكريين الأمريكيين.

الأمر الذي لفت نظر الكاتب الصحفي فهمي هويدي فقال: (لو أن الاجتماع الذى تم بين رئيس الأركان المصرى وبين القائد العسكرى الأمريكى تم فى ظروف أخرى لقلنا إن اللقاء تم لمناقشة الشئون العسكرية التى ليس لنا أن نخوض فيها، رغم أننا لا نعرف مداها ولا نفهم مبررها، ولكن الحاصل أن السيد عنان ليس رئيسا للأركان فحسب وإنما هو نائب رئيس المجلس العسكرى الحاكم أيضا، والرجل له دوره فى دائرة القرار السياسى وله نشاطه الذى صار على تماس مستمر مع ترتيب الأوضاع السياسية المستجدة فى البلد، خصوصا مع ما تعلق بخطوات تسليم السلطة للمدنيين) [١٧]

بالطبع لم يكن هذا هو اللقاء الوحيد بين رجال الحليف وبين السيد المتبوع، لكنه كان اللقاء المُعلن، وكان يعني بطبيعة الحال أن أمريكا لن تكتفي بمراقبة ما يحدث، بل ستشارك – من خلال حلفائها – في صناعة الحدث.

وهذا يعني أن أمريكا وإن فاتها احتواء الثورة أو التحكم في مجرياتها، فإنها لن تكرر نفس الخطأ بعد تسعة أشهر من قيامها.

المصادر

  1. د. منار الشوربجي - معضلة السياسة الأمريكية.. وأزمة فهمنا لها
  2. الكواليس السرية للشرق الأوسط، يفجيني بريماكوف، صـ٤٣٨، ترجمة نبيل رشوان، المركز القومي للترجمة، طبعة سنة ٢٠١٦م نقلا عن مقال أحمد الشريف – أسطورة ثورة يناير الأمريكية
  3. أمريكا والثورة المصرية من ٢٥ يناير إلى ما بعد ٣ يولية.. شهادة من واشنطن، محمد المنشاوي، صـ١٠،صـ٩٥، دار الشروق سنة ٢٠١٤م. نقلا عن مقال أحمد الشريف – أسطورة ثورة يناير الأمريكية
  4. جوزيف عبد الله - الثورة المصرية وارتداداتها https://www.kobayat.org/data/books/joseph_abdallah/articles/egyptian-revolution.html
  5. محمد الشناوي - الرواية الأمريكية للثورة المصرية
  6. المصدر السابق
  7. العلاقات المدنية العسكرية والتحول الديمقراطي في مصر
  8. جوزيف عبد الله - الثورة المصرية وارتداداتها https://www.kobayat.org/data/books/joseph_abdallah/articles/egyptian-revolution.html
  9. محمد الشناوي – ثورة 25 يناير من داخل مجلس الأمن القومي الأمريكي
  10. المصدر السابق
  11. مركز مصري يصدر قراءة تحليلية في مذكرات "هيلاري كلينتون"
  12. الرواية الأميركية السرية للثورة المصرية
  13. القوى السياسية المصرية تتبادل الاتهامات حول 40 مليون دولار تمويل بعد الثورة https://www.aljarida.com/articles/1462021138515172400%0A%0A
  14. الرواية الأميركية السرية للثورة المصرية
  15. المصدر السابق
  16. فهمي هويدي - وصف مصر بعد الثورة
  17. فهمي هويدي – نحن وأمريكا – الشروق المصرية