وثائق..الجزيرة الفلسطينية: فضائح غير استراتيجية !؟
2011-01-31
بقلم : جهاد الزين
في كل "العاصفة" الاعلامية – السياسية التي أثارها كشف قناة "الجزيرة" لما قالت عنه القناة انه وثائق رسمية عن محاضر اجتماعات بين مسؤولين من "السلطة الوطنية الفلسطينية" وبين مسؤولين إسرائيليين خلال عهدي حكومتي إيهود أولمرت وبنيامين نتنياهو...
في كل هذه "العاصفة" هناك نقطتان تستحقان التوقف لنرى ما إذا كانت المواقف التي قدمها مسؤولو فريق الرئيس محمود عباس ترقى إلى مرتبة التنازلات الاستراتيجية غير المعروفة أو غير المتوقعة وبالتالي الى مرتبة "الخيانة" كما قال بعض أخصام "السلطة"... أم لا؟
النقطتان الأكثر حساسية في حدود ما سمعنا – وليس ما قرأنا على الورق مباشرة – على شاشة "الجزيرة" لأنهما الأكثر استراتيجية قياساً بالسياق التاريخي للقضية الفلسطينية منذ نشوئها... هما:
1 – عودة اللاجئين.
2 – مصير القدس الشرقية.
بالنسبة للنقطة الأولى... تبعاً لما أظهرته أوراق "الجزيرة" فإن هذه الأوراق تكشف ما هو غير مألوف التصريح العلني به على كل المستويات العربية الرسمية، لا الفلسطينية فقط. ولكن "غير المألوف" هذا يعتبر في جميع العواصم العربية والغربية من "مسلمات" الحل المقبل للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. فعودة اللاجئين في الشتات سيكون مسلماً بها إلى داخل حدود الدولة الفلسطينية التي ستنشأ، في حين أن ترضية ما ستحصل لاعطاء "حق العودة" الى قسم محدود من اللاجئين الى داخل إسرائيل والجدل دائر دائماً حول نسبة هذه الترضية المحدودة منذ أيام الرئيس ياسر عرفات. لكن المعطى الأهم هنا والذي تعرفه حركة حماس التي اتخذ زعيمها خالد مشعل موقفاً مؤيداً واضحاً لقيام الدولة الفلسطينية ضمن حدود العام 1967 أي في الضفة الغربية وقطاع غزة... هذا المعطى هو أن "حق العودة" سيكون مفتوحاً ومطلقاً إلى داخل الدولة الفلسطينية لا داخل إسرائيل.
من هذه الزاوية لا تقول الوثائق شيئاً جديداً. إنها "فقط" تكشف معطى غير معلن قائماً ومكرساً في "فلسفة" حل الدولتين. لأن هذا "الحل" كمشروع – انتقل الآن من الزاوية الفلسطينية ليس إلى تكريس عودة اللاجئين إلى إسرائيل وإنما إلى حماية بقاء "عرب 1948" داخل الدولة العبرية ! 2 – النقطة الثانية المتعلّقة بالقدس الشرقية، وهي بالنسبة للعالم الإسلامي كما للعالم العربي أكثر أهمية – وحساسية – حتى من مصير "حق العودة".
في الأوراق التي "سمعناها" هناك جديد واحد غير معروف في "التنازلات". إنه كشف "الأوراق" قبول بعض مسؤولي "السلطة" في المفاوضات مع إسرائيل بالتخلي عن جزء من الحي الأرمني داخل القدس الشرقية. في حين أنه من شبه المؤكد أن الرئيس ياسر عرفات كان قد قبل بالتخلي عن "الحي اليهودي" من القدس الشرقية. وما رفضه الرئيس ياسر عرفات في مفاوضات كامب ديفيد هو اقتراح رئيس الوزراء إيهود باراك بتقسيم الحرم الشريف بين "سطح" وما عليه تابع للسيادة الفلسطينية وبين ما تحت السطح تابع لإسرائيل! (إضافة طبعاً إلى رفضه خارطة المستوطنات الإسرائيلية التي ستبقى داخل الضفة الغربية وتجعل "الدولة" غير قابلة للحياة عملياً).
لا يظهر مما سمعنا عن "الوثائق" على شاشة "الجزيرة" أن التنازلات الفلسطينية وصلت إلى هذا الحد غير المسبوق أي القبول بتقسيم باراك بين "سطح" وما تحت السطح لمنطقة المسجد الأقصى والمقدسات المجاورة لها.
3 – هذا لا يعني أن الوثائق خالية من تنازلات أخرى غير مألوفة. خصوصاً بالنسبة للنقطة الثالثة الاستراتيجية بالنسبة للدولة الفلسطينية وهي مصير المستوطنات أو بعضها لا سيما حول القدس. لكن لا يمكن التأكد عملياً من أن المفاوض الفلسطيني خرج في هذا الموضوع عن الإطار العام الذي رسمه الرئيس عرفات، اللهم إلا إذا كان تراجع إيهود أولمرت عن خارطة إيهود باراك في كامب ديفيد أي "تضييق" أولمرت لمساحة انتشار المستوطنات قد استوجب بعض التنازلات الاضافية "الاستيطانية" الفلسطينية في محيط "الخط الأخضر".
عدا ذلك... لا نجد في ما أذاعته "الجزيرة" سوى "فضائح" شخصية سياسية أكثر مما نجد تراجعاً استراتيجياً غير متوقع في السياق المعروف للمفاوضات حول المسائل الأساسية. وهذا يجعل وثائق "الجزيرة" أقرب إلى "ويكيليكس مصغرة" تذكيراً بألوف الوثائق التي نشرها "موقع ويكيليكس" حول الديبلوماسية الأميركية والتي في النتيجة لم تكشف معطيات تتخطى الخط الأحمر الذي يهدد عملياً الاستراتيجيات الأميركية وإنما كشفت عن العديد من "سلوكيات" سياسية شخصية لمسؤولين على مستوى رفيع في العديد من دول العالم.
فأن تشجّع بعض قيادات "السلطة" إسرائيل على القضاء على "حماس" أو اضعافها هو نوع من الفضائح المعروفة والمتوقعة في السياسة الفلسطينية. فالعداوة بين "حماس" و"فتح" باتت عميقة وتقع على خط صراع إقليمي – دولي كبير!
"الدولة الفلسطينية" كديناميكية جادة وحيوية عادت تتقدّم من خارج "نواة الدولة" في الضفة. انها ديناميكية تصميم المجتمع الدولي فعلاً وفي قيادته النظام الدولي على تأسيس هذه الدولة. يأتينا الغيث من آخر الدنيا من أميركا الجنوبية بدءاً من أقرب مناطقها إلى القطب الجنوبي... عبر الاعترافات الحاسمة المتواصلة من دول عديدة، بل من بعض أكبر دول أميركا اللاتينية على قاعدة حدود 1967... أي مثل اعتراف خالد مشعل... بـ"دولة" آتية بقوة إلى داخل النظام الدولي. المهم الآن هو إنقاذ حدود 1967 وعلى رأسها القدس الشرقية ولا سيما القدس القديمة.
عدا ذلك... الاعترافات الأميركية اللاتينية فالروسية فبعض الأوروبية الغربية كبريطانيا وارلندا هي أقوى ليس فقط من "الوثائق" المذاعة بل حتى من المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية نفسها... حتى الآن.