إلى أصحاب الجلالة والسمو والفخامة ملوك ورؤساء الدول العربية والإسلامية
بقلم : مأمون الهضيبي
نتوجه إليكم بهذا النداء، في هذه اللحظات الفاصلة من حياة أمتنا، وفي تلك الساعات الحالكة العصيبة التي نقف فيها جميعًا شعوبًا وحكومات أمام خيار وجود ومصير، فإما حياة عزيزة كريمة، ووقفة صامدة شجاعة، تحمي الأرض والعرض، وتصون الهوية والحضارة والعقيدة، وإما حياة مستباحة خانعة ترضخ للذل والهوان، وفقدان الذات وضياع المصالح والثروات.
حين وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها منذ ثمانية وخمسين عامًا كانت شعوب العالم وخاصة شعوبنا العربية والإسلامية التي عانت من ويلات وقهر وظلم الاستعمار الأوربي تتطلع بتوق إلى عصر تخرج فيه من ربقة الطغيان وأسر وظلمات الاستعمار ويتأكد فيه حق الشعوب في الاستقلال وتقرير المصير واختيارها لنظام الحكم الذي ترتضيه في أجواء يخيم عليها السلام ويشع فيها العدل وتنتشر فيها الحرية وتعمها قيم المساواة بين الدول والشعوب وحق الجميع في استغلال ثرواتهم وإنعاش اقتصادهم واللحاق بمسيرة العلم والتقدم، خاصة وقد التقت دول وشعوب العالم على قيام منظمات دولية مهمتها حفظ السلام والحيلولة دون وقوع عدوان على دولة من الدول أو شعب من الشعوب.
إلا أن أمريكا اعتبرت نفسها طوال هذه السنوات وريثًا للاستعمار الغربي ولجأت إلى سياسات وممارسات استعمارية عدوانية تبخرت معها أحلام وآمال شعوبنا العربية والإسلامية، وواجه عالمنا بسببها أكثر من عدوان على شعب من شعوبه وأكثر من خطر نزل بساحة من ساحاته حتى إذا ما وقعت أحداث سبتمبر سنة 2001 صرنا جميعًا من المحيط إلى المحيط على المستوى العربي والإسلامي.. على مستوى الشعوب والحكام، ، على مستوى الأرض والديار.. على مستوى الهوية والأصالة والدور والرسالة بل على مستوى الوجود والمصير نواجه أعظم خطر أمريكي يهددنا، وأشرس عدوان أمريكي ينزل بساحتنا.
لقد أعلنت أمريكا بالقول والعمل عن انحيازها للصهاينة في أعقاب الحرب العالمية الثانية فكانت في مقدمة الدول التي سارعت بالاعتراف بالكيان الصهيوني الغاصب في قلب ديارنا ودعمته بالمال والسلاح وأيدت ممارساته العدوانية وعدوانه على الشعب الفلسطيني وسعيه لابتلاع كل فلسطين وما حول فلسطين واستخدمت أمريكا حق الفيتو في مجلس الأمن للحيلولة دون صدور قرار يناصر حقًّا للأشقاء الفلسطينيين أو يرد عنهم عدوانا. وبعد أحداث سبتمبر 2001 ورفع أمريكا للافتة الحرب على الإرهاب.. أسفرت أمريكا عن انحيازها غير المحدود للصهاينة وباركت المجازر الوحشية التي نصبوها لقتل وتصفية الشعب الفلسطيني، وساندت الحصار الصهيوني الخانق حول مدن الضفة وغزة.. وقصف الشعب الفلسطيني الأعزل المحاصر بكافة أسلحة الإبادة الأمريكية مع تجريف أرضه وبناء المستعمرات الصهيونية فوقها وهدم ألوف البيوت لدفع الشعب الأعزل إلى هجرة أرضه ودياره أو مواجهة الهلاك جوعًا ومرضًا ولم تتورع أمريكا عن اتخاذ قرار من خلال الكونجرس يعتبر القدس وفيها المسجد الأقصى عاصمة للكيان الصهيوني.
وفي الوقت نفسه اتبعت كل سبل ووسائل المراوغة لمنع الشعب الفلسطيني من إقامة دولة له ولو على جزء من أرضه، واستخدمت كل وسائل الضغط والترهيب للحيلولة دون وصول أي مساعدة للشعب الفلسطيني المحاصر وتمادت في عدائها للحق العربي فاتهمت الشعب المحاصر الأعزل بأنه يمارس الإرهاب والعنف ضد الصهاينة .. أما المجازر والممارسات الوحشية الصهيونية فإنها الدفاع عن النفس.
لقد جاءت أحداث سبتمبر 2001 لتكشف عن بالغ العداء الأمريكي للإسلام وللعرب والمسلمين وعن الأهداف والغايات الأمريكية البالغة الخطورة التي تستهدف أرض ووجود العرب والمسلمين.. لقد أعلنت أمريكا عن تشكيل حلف عالمي لمحاربة الإرهاب.. بعد أن اعتبرت الإسلام والعرب والمسلمين مصدر ومنبع الإرهاب.. كما اعتبرت ساحة العالم العربي والإسلامي هي ساحة الحرب على الإرهاب..
لقد شنت أمريكا حربًا على الإسلام وعلى العرب والمسلمين في ديارهم وفي شتى جهات العالم، فسلطت حملات الإعلام بكافة وسائله لتهاجم الإسلام، وشنت حملات الاعتقال والقهر ضد العرب والمسلمين في أمريكا وفي أوربا وفي كافة جهات العالم.. كما أصدرت قوائم بتجميد أموال العرب والمسلمين.. واتهمت هيئات الإغاثة الإسلامية بتمويل الإرهاب حتى تحول بينها وبين ممارسة أعمال البر والإغاثة والتكافل وسيرت الجيوش والأساطيل لتدمر وتخرب مدن وقرى أفغانستان وتقتل ألوف الأبرياء من أبناء شعبها المسلم معلنة أن الحرب على الإرهاب سوف تتسع لتشمل أقطارًا عربية وإسلامية غير أفغانستان يجري فيها مثل ما جرى ويجري في أفغانستان من تخريب.. وتدمير للقرى والمدن وسفك للدماء.
وأبانت أمريكا عما في أجندتها من خطط للتوسع والهيمنة وفرض للسلطان والنفوذ على عالمنا واستيلاء على ثرواته وهدم للهوية.. واقتلاع لجذور العقيدة والإيمان في القلوب والعقول.
كما كشفت عن خرائط جديدة لعالمنا.. تعتمد تفتيته وتجزيئه وتغيير معالمه وحدود دوله.. وخطط لتغيير نظم الحكم فيه.. وأيضًا عن خطط لتغيير الفكر ونمط الحياة على مستوى الشعوب..بل لقد توالت تصريحات المسئولين الأمريكيين تعلن عن خطوات قادمة وإجراءات منتظرة لتغيير الحكومات.. وخطوات وإجراءات لتطبيق وفرض ديمقراطية وأنشطة في مجتمعاتنا على النمط الأمريكي وأيضًا لتطبيع شعوبنا على الأمركة وأساليب الحياة الأمريكية حتى بدا الأمر وكأن ساحتنا قد صارت مباحة لتطبق أو تفرض علينا تطبيق ما تشاء أمريكا من نظم وأساليب سياسية واجتماعية واقتصادية فيها سلخ لشعوبنا عن هويتها ومعتقدها.. صارت أبعادها أكثر من واضحة بعد الحرب الأمريكية الشعواء على برامج التعليم في دول العرب والمسلمين والمطالبة بتغييرها أو تبديلها.. لأنها حسب الزعم الأمريكي تفرخ الإرهاب.. وتنشئ وتخرج الإرهابيين.
وإذا كان ما قامت وتقوم به أمريكا في أفغانستان من تدمير وقتل وتشريد هو رسالة لكافة دول العرب والمسلمين فإن ما تقوم به أمريكا اليوم من حشد للجيوش ومختلف أنواع وأنماط الأسلحة مع تهيئة لأجواء الحرب ضد الشعب العراقي لهو أيضًا رسالة لها مغزاها ومعناها توجهها أمريكا لكل العرب ولكل المسلمين.
لقد زعمت أمريكا أن لدى العراق ترسانات من أسلحة الدمار الشامل.. وأنه يشكل خطرًا يهدد أمنها القومي وذلك قبل أن ينجز المفتشون الدوليون في العراق مهمتهم ويقدموا تقريرهم لمجلس الأمن وبعد أن تمت استباحة كل شبر في العراق.. وبعد أن أعلن العراق فتح كافة أبوابه أمام المفتشين مؤكدًا خلوه من كافة الأسلحة بل لقد تمادت أمريكا فأكدت تصميمها على ضرب العراق.. ولو ثبت خلوه من أسلحة الإبادة.. وأنه لابد من إسقاط نظام حكمه.. وتمادت فطالبت بحشر خمسمائة من علماء العراق إلى أمريكا لاستجوابهم ومحاسبتهم في أسلوب من أساليب التحكم في الرقاب والمصائر.. والاستهانة بقيمة الإنسان العربي والمسلم مهما بلغ من العلم والمعرفة.
إن الرسالة الأمريكية من خلال إعداد العدة لضرب العراق.. وحشد الحشود لتدمير شعبه وأرضه.. والإعلان عن حكومة عسكرية لإدارة شئونه تحت رئاسة جنرال أمريكي.. والمطالبة بمحاسبة علمائه.. والتأكيد على تجزئة خريطته.. واحتواء فصائل المعارضة فيه.. لها أكثر من معنى ومغزى وأكثر من مقصد.. كما أنها تجسد أكثر من حقيقة.
إنها تعني حصارًا أمريكيًا على العرب والمسلمين يحول بينهم وبين التقدم العلمي والتكنولوجي، وتعني تجريم أمريكا العرب والمسلمين إذا سعوا لامتلاك أي سلاح حديث يوفر لهم إمكانات الدفاع عن أرضهم وديارهم.. وضد استباحة أوطانهم ووجودهم.. في الوقت الذي تمتلك فيه أمريكا ترسانات هائلة من كافة أسلحة الإبادة وتقدم الدعم للكيان الصهيوني لتكون له ترساناته من السلاح النووي وشتى أسلحة الدمار الشامل ليقيم مشروعه الصهيوني على أطلال العرب والمسلمين.
والملفت أنه في الوقت الذي تعلن فيه كوريا الشمالية عن استئناف برنامجها للأسلحة النووية واستعدادها لمواجهة أمريكا.. يؤكد الرئيس الأمريكي الذي لا يفتأ يوجه تهديداته لأكثر من خمسين دولة عربية وإسلامية حرصه على الوصول لحل سلمي مع كوريا الشمالية.
أصحاب الجلالة والسمو والفخامة :
لقد أعلنت أمريكا عن استراتيجية جديدة لأمنها القومي.. أكدت من خلالها عن سعيها لحسم معركة العالم الإسلامي.. وعن عزمها لضرب أي مكان في العالم إذا رأت أنه يشكل خطرًا يهددها واستباحت استخدام سلاحها النووي لضرب الخطر المزعوم، وأعلنت عن استراتيجية جديدة لحلف الأطلنطي وقوة تدخل سريع لممارسته لدور جديد على ساحة عالمنا العربي والإسلامي.. أي أن أمتنا صارت في مواجهة هجمة أكثر شراسة وخطر أكثر من داهم تشكله أمريكا ويشكله الكيان الصهيوني المزروع في قلب ساحتها.. والجيوش والحشود والأساطيل الأمريكية التي دمرت قطرًا من أقطارها.. وتوشك أن تلحق بها قطرًا آخر في مسلسل يشمل كافة أقطارها.. ويستهدف كافة شعوبها.. وأيضًا كافة حكامها.. ومن ثم يحتم على الأمة على مستوى شعوبها وحكامها أن تسلك السبيل الصحيح والمضمون للمواجهة وحسمها لصالحها.
يا أصحاب الجلالة والسمو والفخامة :
إن الإخوان المسلمين لا يدعون إلى الصدام، وليسوا طلاب حرب، ويلتزمون بنبذ العنف والإرهاب والدعوة إلى مبادئهم وأهدافهم بالحكمة والموعظة الحسنة التزامًا بقيم ومبادئ الإسلام، دين الحق والعدل والسلام والحرية لبني البشر جميعًا من كل الأديان والأجناس والألوان، تنفيذًا لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13) لتتعارفوا وتتآلفوا لا لتتحاربوا، وقوله تعالى: (وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)(البقرة: من الآية190)، ولكن الإسلام في الوقت نفسه يأمر برد العدوان والتعاون على منع الظلم ونصرة المظلوم، وأمر بحفظ الحقوق والأموال والثروات والدفاع عنها ضد المعتدين الظالمين.
والإخوان المسلمون لا يعادون الشعب الأمريكي، ولا أي شعب آخر، ويعلمون يقينًا أن أكثرية الشعب الأمريكي تعارض الحرب وتحب الخير والسلام، ولكن الإخوان يعادون ويعارضون بقوة سياسات التسلط والقهر والهيمنة والعدوان على حقوق ومصالح الأمة العربية والإسلامية التي تمارسها الفئة الأمريكية الحاكمة المتواطئة مع إسرائيل وأعوانها، والتي تدعم إسرائيل في احتلال واغتصاب الأرض الفلسطينية وترتكب المجازر والمذابح كل يوم للمدنيين العزل باستخدام الأسلحة الأمريكية وأموال دافع الضرائب الأمريكي.
إن العدوان الأمريكي والصهيوني على عالمنا العربي والإسلامي أكثر من خطير.. والكارثة أكثر من جسيمة إن لم تتحرك الأمة شعوبًا وحكامًا في وحدة صف وكلمة لدفع العدوان.. ودفع الخطر لهذا. وانطلاقًا من النهوض بواجب النصيحة وحق وواجب المشاركة والتكاتف والتآزر الذي يفرضه الإسلام على كاهل الجميع فقد أصبح الأمر يحتم المواجهة الحاسمة والمعالجة الناجعة والحازمة من خلال خطوات نحسب أنها لا تغيب عن بال كافة المسئولين وكافة المهمومين بهموم الأمة.. وتتركز في :
1- وجوب إصلاح حال الأمة لتغيير الواقع المأساوي إلى الواقع والمأمول والمنشود.. وحال الأمة لن يصلح اليوم إلا بما صلح به حالها بالأمس بأن تعود الأمة للعيش في ظلال وأجواء قرآن ربها – سبحانه - وسنة نبيها - عليه الصلاة والسلام - وامتثالاً لقول الحق تبارك وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (الرعد: من الآية11) واستجابة لقول نبيها وإمامها وقدوتها - عليه الصلاة والسلام - 'تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدى أبدًا.. كتاب الله وسنتي'
- وحكام المسلمين ليسوا كغيرهم من الحكام، وشعوبهم ليست كغيرها من الشعوب، فهم جميعًا لا يبدأون من فراغ، إنما هم جميعًا امتداد لأمة ذات عراقة في التاريخ وذات غناء في المبادئ والقيم بما حملت من أعظم رسالة وبما كرمت بأقوم منهج وشريعة، إنها أمة الإسلام التي تنزل عليها القرآن العربي العظيم يهدي للتي هي أقوم، نورًا يمشون به في الناس ( تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)(النحل: من الآية89) والشعوب الإسلامية ترى نفسها مسئولة عن استمرار هذا الخير، وأن حكامهم يستمدون وجودهم واستمرارهم بما أخذوا عليهم من المواثيق أنهم يحرسون دنياهم بهذا الدين، وأنهم يسوسون الأمة لإعلاء شأن الملة، وجماع هذا أن ينصروا الله ورسوله بتعظيم كتاب ربهم وإعزاز سنة نبيهم، بالاحتكام إليهما والصدور عنهما، والأخذ منهما، وما للمسلم حاكمًا أو محكومًا طريق سواهما، قال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ) (الشورى: من الآية10) وقال تعالى أيضًا: ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)(المائدة: من الآية50) وما يكون غير ذلك عند أولى الألباب من المسلمين شعوبًا وحكامًا، وقد جاء في الكتاب العزيز (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ) (الأنعام: من الآية11)
- وهذان المصدران نشأت عنهما شريعة معطاء تميزت بالشمول والسعة، والصلاحية لكل ما يستجد في حياة الناس على اختلاف المكان والزمان والإنسان، فازدهرت فيها مجالات الاجتهاد أمام المستجدات فيما لا نص فيه، وفي المصالح المرسلة وكلها متصلة مع الأصلين بسبب وما يعقلها إلا العالمون، والمجتهد مأجور على كل حال 'إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، فإذا أخطأ فله أجر واحد'.
- والشعوب الإسلامية تنتظر من حكامهم المسلمين أن يكونوا حراسًا لما ائتمنوا عليه من الأمانات المتمثلة في الأنفس والأموال والأعراض والحريات، بحيث تكفل الحرية لكل مواطن في الأمة يقول كلمته ويعبر عن رأيه، لا يخاف عنتا ولا مصادرة، ولا يتعرض لقهر أو إذلال، ينام قرير العين، ويصبح بين أهله يسدى النصح في كل مجال فيذكر الناس وينبه الغافل في سداد من القول وصادق من الحديث لا يخشى في الحق لومة لائم لأنه يعيش في أمة يقول حكامها: 'لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها'، وإذا ما انتشرت هذه الخيرية في القائل وفي السامع عم الأمان فتوفرت الأموال وكرمت الأعراض، وصينت قيم الأمة، وتحقق فيها قول المعلم الأول - صلى الله عليه وسلم - 'كل المسلم على المسلم حرام دمه، وماله وعرضه' وانبرى الحكام يصغون مرة أخرى إلى أول إعلان لحقوق الإنسان عرفته البشرية في مقررات حجة الوداع حيث نادى الرسول - صلى الله عليه وسلم – قائلاً: 'إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، ألا وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم، ألا هل بلغت' زاد المعاد لابن القيم.
- وحتى تعيش الأمة شعوبًا وحكامًا في أجواء وظلال القرآن والسنة فلابد من تغيير في برامج التعليم والتربية والإعلام والثقافة.. وتغيير في خطوط السياسة والاقتصاد.. حتى تكون الأمة في مستوى وعد ربها ووعده الحق والصدق (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد:7)
2- إعادة ترتيب البيت العربي والإسلامي.. وهو أمر سهل وميسور حين تخلص النيات وتصفو النفوس.. وتستقيم التوجهات والوجهات ونعيش في أجواء تظللها وتحكمها الخشية من الله ويحكمها السعي لرضاه وحده.. فتكون الوقفة الصادقة لنبذ الخلافات والارتفاع فوق المصالح الشخصية والتجرد لنصرة الحق ودفع المعتدي.. ويكون السعي الصادق لتوحيد الصف وتحقيق وحدة الأمة.. بالبدء بإصلاح شامل بكل جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية، بإطلاق الحريات العامة وبالأخص حرية التعبير والنقد السياسي وحرية الاجتماعات وتكوين الأحزاب والجمعيات، وإلغاء سائر القوانين المقيدة للحرية، والالتزام بقواعد الشورى ونزاهة الانتخابات العامة، والقضاء على كل صور الفساد المالي والإداري الذي يهدر أموال الأمة وطاقاتها، والقضاء على مظاهر الانحلال والتفسخ وانهيار القيم الإنسانية في المجتمع، والتزام الأمة بالسلوكيات الحضارية النابعة من قيم ومبادئ الإسلام وتحقيق عدالة توزيع الثروة ورفع مستوى الفقراء ومحدودي الدخل وتقليل الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين الأغنياء والفقراء، والحد من تضخم الثروات وخاصة بطرق غير مشروعة أو استغلال النفوذ، وإصلاح برامج التربية والتعليم والثقافة، باستهداف تربية النشء والشعب على الجدية والرجولة وتقدير المسئولية وتعظيم قيمة الوقت والعمل والالتزام بالنظام، والانضباط في السلوك والتصرفات، ونبذ الأنانية والمادية بدلاً من الثقافة السائدة حاليًا وهي ثقافة الترفيه والجنس والميوعة والانحلال والجري وراء المادة والشهوات والنزوات، وصدق الله العظيم إذ يقول: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: من الآية11)
3- تفعيل نظامنا الإقليمي.. بدعم الجامعة العربية.. والمؤتمر الإسلامي وتوفير الآليات والإمكانات الاقتصادية والعسكرية لإحياء اتفاقيات الدفاع المشترك.. والوحدة الاقتصادية.. وضمان صدور القرار الفاعل الحاسم.. في مواجهة هجمة شرسة لا تضمر للأمة إلا الشر والبوار.
4- من أجل هذا فإن كل المخلصين المهمومين بشئون وهموم الأمة يطالبون بقمة عربية وقمة إسلامية هي وحدها لها قرارها الحاسم الحازم الذي يعتمد سياسة تغيير وإصلاح حال الأمة.. وإعادة ترتيب البيت وتأكيد وحدة الصف وحشد الإمكانات والطاقات.. وإزالة الخلافات والفجوات.. والتأكيد على إطلاق الحريات وتحقيق أمن الإنسان.
إن أمريكا والكيان الصهيوني لا يمارسان عدوانهما على شعوبنا لقلة في عدونا.. أو لفقر في طاقاتنا وإمكاناتنا أو لعجز في الفكر والذهن.. ولكن لفرقة أصابت الصف العربي والإسلامي.. وتشتيت لحق بأمتنا.. وخلاف وخلافات فرقت وشتت الشمل.. وصرفت الناس عن قول ربهم (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) (التوبة: من الآية71) (... وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً...) (آل عمران: من الآية103) وصارت تحتم على الجميع خاصة في أجواء العدوان الذي يلحق بساحتنا وشعوبنا.. ويهدد وجودنا ودورنا وهويتنا أن يمتثلوا لقول ربهم (... وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (لأنفال: من الآية46)
إن الإسلام الذي وحد صف الأمة وأعزها بالأمس وأعلى من شأنها ومضى بها على الطريق المستقيم لتكون صاحبة دور وقرار على الساحة العالمية وجعلها تقدم على الجهاد في سبيل ربها في تضحية وبذل.. هو وحده اليوم الكفيل بتصحيح المسار والمسيرة.. ففيه وحي السماء.. وفيه النور والضياء... وفيه العزة والكرامة والإباء، وصدق الله العظيم (....قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (المائدة:15-16)
أصحاب الجلالة والسمو والفخامة :
إن الخطر داهم.. والعدوان صار كالطوفان.. والمسئولية عظيمة.. والحساب أمام الشعوب والتاريخ في الدنيا عسير.. أما الحساب أمام الله - عز وجل - فهو أشد من عسير وصدق الله القائل: (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفي كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (البقرة:281)
المصدر
- مقال:إلى أصحاب الجلالة والسمو والفخامة ملوك ورؤساء الدول العربية والإسلاميةموقع:الشبكة الدعوية