الإخوان المسلمون وحريق مجلس الشورى 2008
مقدمة
أرسى الإسلام العديد من القواعد والأسس التي تنظم العلاقات بين أفراد المجتمع. و من أهم هذه الأسس هي العدالة الاجتماعية بما تحمله من معاني و قيم رفيعة تساعد على القيام بمجتمع يتمتع بالسلام و الإخاء و المحبة و الرخاء. والعدالة في الإسلام لا تطبق فقط على المسلمين، إنما جعلت لجميع أفراد المجتمع بغض النظر عن معتقداتهم.
ودعوة الإخوان المسلمين هي دعوة إسلامية إصلاحية شاملة تسعى للاصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي وكل ما يهم الناس وحياتهم. ومنذ انطلقت الدعوة في عام 1928م وهي تعمل قدر استطاعتها على تصحيح المفاهيم المغلوطة، والعمل على النهوض بالناس والارتقاء بوعي الناس.
اهتم الإخوان بكل مشاكل الوطن والمجتمع، وعملوا على جميع الأصعدة من أجل تحرير أوطانهم، ومعاونة الناس وقت حاجتهم، ونشر الثقافة والعلم بين أفراد المجتمع. كما تفاعلوا مع كل القضايا التي تخص المجتمع على الرغم مما تتعرض له الجماعة من اضطهاد من قبل الأنظمة الحاكمة.
حريق مجلس الشورى
عاشت مصر منذ وقوعها تحت المحتل البريطاني (ومن انتهج سياستهم من عسكر) حياة القهر والذل والصوت الأوحد الذي ينطق بها الحاكم ونظامه. ولذا ما إن تحدث واقعة يعمد النظام الحاكم على طمس الحقائق والمعلومات وفرض السرية عليها من أجل لا يعرف الشعب عما يحدث شيء، والتي في كثير من الأحيان تكون من فعل النظام نفسه.
وحريق مجلس الشورى المصري هو حريق هائل شب في عصر يوم الثلاثاء 19 أغسطس 2008 في مبنى مجلس الشورى المصري بالقاهرة، وقد رجحت مصادر في الشرطة المصرية أن يكون الحريق الذي دمّر مجلس الشورى ناتجاً عن ماس كهربائي وسط تشكيك من المعارضة والمواطنين المصريين.
ولقد صرح الدكتور أحمد فتحي سرور رئيس مجلس الشعب أن الحريق انطلق من المبني الذي كانت تستخدمه وزارة الري في السابق وتشغل الدورين الأول والثاني منه لجان تابعة لمجلسي الشعب والشوري.
ويضم هذا الطابق ثلاث قاعات تسمي الأولي بالقاعة الزرقاء أما الثانية فهي القاعة البنية بالإضافة إلي قاعة رئيسية كانت تستخدم في الاجتماعات الموسعة للجان. أما الطابق الثالث فقد ضم عددا من الغرف استخدمت في عمليات الحفظ والأرشيف (لوزارة الري) وهي عبارة عن حجرات خشبية.
وكان سبب تشكيك المعارضة أن الجزء المحترق هو الذي كان يحوي كثير من الوثائق، حيث ذكرت جريدة الأهرام أن وثائق إدارة الإحصاء بالمجلس ووثائق إدارة المحفوظات التي كانت تضم أرشيفا كاملا للوثائق والخطابات الرسمية المتبادلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية على مدى الحياة البرلمانية في مصر بالإضافة إلى المضبطة الخاصة بالبرلمان منذ إنشائه عام 1866 ومنها ما هو مكتوب بخط اليد قبل دخول الطباعة الحديثة احترقت بالكامل، كما احترقت القاعة الرئيسية للمجلس. (1)
وانتقد صلاح عيسى الكاتب الصحفي إصرار الهيئات الحكومية والمؤسسات العامة على الاحتفاظ بالوثائق المهمة دون أن تودع نسخا منها في دار الوثائق القومية وتحفظ على أجهزة إلكترونية ومايكروفيلم للرجوع إليها عند الحاجة.
وأضاف
- "الهيئات تتعامل مع هذه الوثائق على أنها أسرار حربية وتفضل الاحتفاظ بها لكي تأكلها الفئران والصراصير" (2)
كما انتقد بعض شهود العيان تعامل الدولة مع الحريق الذي استمر فترة طويلة التهم جميع الوثائق الموجودة.
كما زاد من الشكوك بأن الدولة تقف خلف هذا الحريق تصرفٍ قوات الأمن غير المسئول حيث منعت موظفي المطبعة القديمة بمجلس الشورى من الدخول لإنقاذ الأوراق المهمة الموجودة بداخلها؛ وذلك بعد تلقيهم اتصالات هاتفية من زملائهم "النابوتجية" بامتداد نيران الحريق إلى مبنى المطبعة، مطالبين إياهم بسرعة الحضور لمساعدتهم في جمع الأوراق والمستندات المهمة والخروج بها للحفاظ عليها.
إلا أن الموظفين فوجئوا بقوات الأمن عند حضورهم تمنعهم من الدخول، وحدثت مشادات كلامية وصلت إلى حدِّ الاشتباك بالأيدي بين الموظفين ورجال الأمن، ولكنهم أصروا على الدخول قائلين لرجال الأمن: "إحنا اللي نعرف الأوراق المهمة مش إنتم، وإذا كنتم بهذه الشطارة فلماذا لم تسارعوا في إطفاء النيران بدلاً من الاعتداء علينا؟!"، إلا أن الأمن قام باستدعاء قوات إضافية من داخل المبنى وقاموا بتفريق الموظفين بالقوة!! (3)
أكَّدت المعلومات الصادرة عن الجهات الأمنية أن الحريق الذي نشب بمباني مجلس الشورى قد أتى على جميع محتويات المجلس، ومن ضمنها جميع الملفات الخاصة بالأحزاب السياسية، وكذلك مشاريع القوانين التي كان من المقرَّر أن يتم مناقشتها خلال الدورة البرلمانية القادمة بعد انتهاء الإجازة الصيفية للمجلس؛ الأمر الذي أصاب الأوساط السياسية والنيابية بالقلق على المستقبل النيابي المصري.
كما كشفت التقارير أن الحريق قد التهم مضابط الجلسات، وتقارير اللجان النوعية والخاصة والمشتركة، وبيانات شئون الأعضاء، وكذلك بيانات شئون العاملين والنواحي المالية والإدارية الخاصة بالمجلس. ويمر عام كاملا ولم يظهر مرتكب لهذا الحادث ولم يتم تحديد المسؤول عن الحريق من قبل النيابة أو توجيه الاتهام إلى الجانى الأشهر، الذى عادة ما تتم إدانته فى تلك المصائب وهو "الماس الكهربائى".
تحقيقات النيابة استمرت أكثر من أسبوعين استمعت خلالهما إلى موظفى المجلس ومهندسى الصيانة ورئيس الإدارة الهندسية بالمجلس وبعض شهود العيان من الجنود المشاركين فى عمليات الإطفاء.. واستبعدت تحريات المباحث التى تسلمتها النيابة القصد الجنائى فى الحريق. وتعتمد النيابة في مثل هذه الحالات على التقارير الفنية التي يقدمها المختصون، لكن الملفت أن هذه التقارير لا تستغرق كل هذا الوقت. (4)
موقف الإخوان من الحريق
أكد د. محمد سعد الكتاتني رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين أنه يتابع بمنتهى الأسى والحزن ما حدث في مبنى مجلس الشورى لما يُمثله هذا المبنى من قيمةٍ في الحياة النيابية المصرية ومُسجَّلة فيه كل الوثائق، واستبعد الكتاتني أن يكون وراء هذا الحادث عامل جنائي أو إجرامي لكنه قصور في أجهزة الدفاع المدني، خاصةً أن الشارع من المناطق الحيوية.
وقال الكتاتني:
- "كنت أتصور أن تتساوى هذه الجهود مع الوجود الأمني المكثف حول المبنى"، وأشار رئيس الكتلة إلى أن نواب الإخوان من القاهرة والجيزة وجدوا في مكانِ الحادث منذ لحظته الأولى للمساهمة في أيةِ جهودٍ لتحجيم الحادث ومساعدة الجهات المسئولة في تجاوز هذه الكارثة. (5)
وقام موقع الإخوان بسماع شهود العيان لنقل الحقائق التي حاول النظام أن يخفيها وكتب المحرر يقول:
- "مولد وشعب غايب" هي أفضل عبارة تصف الساعات الدامية لاحتراق مجلس الشورى المصري؛ فالمولد نصبه أصحابه وتربَّحوا منه كيفما شاءوا، على حساب شعب ارتضى لنفسه أن يكون مغيَّبًا عن كل شيء، بعد أن أجبره النظام الحاكم على الدخول في خندق البحث عن لقمة العيش رافعًا شعار "أنا ومن بعدي الطوفان".
غياب الشعب دفع أصحاب المولد إلى التلاعب بجميع ممتلكات الشعب العامة وحتى الخاصة، حتى سعوا في الأرض فسادًا، لا يدركون خطورةَ ما يفعلون، وجلُّ همِّهم في تحقيق مصالحهم الفئوية على حساب المواطن المطحون.
أصحاب المولد اكتشفوا فجأةً أن كل ما فعلوه جريمة في حق أنفسهم وحق المجتمع، وأنهم خلَّفوا وراءهم تاريخًا أسودَ، فقرَّروا حرق هذا التاريخ الأسود، وفضّ المولد الذي نصبوه على مدار أكثر من ربع قرن، وبدء مولد جديد بتاريخ جديد. (6)
وفي تحقيق أخر قام به الموقع أكد خبراء أن هناك مستفيد من هذا الحريق، حيث أشار الدكتور محمد مرسي (أستاذ علم المواد بكلية الهندسة جامعة الزقازيق وعضو مجلس الشعب السابق): أنه لفت نظره الصور الأولى للحريق، والتي ظهر فيها حريق كل الغرف في وقتٍ واحدٍ، وهو من الناحية العلمية أمرٌ مستبعدٌ، خاصةً أن المبنى من الخشب، وتأثُّره بالماس الكهربائي محدود، ويحتاج إلى وقت كبير حتى يتفاعل الخشب مع النيران بهذا الشكل اللافت!
موضحًا أنه غير مقتنع بأن الماس الكهربائي حدث في كل الغرف مرةً واحدةً؛ لأنه شيء غير منطقي، إضافةً إلى أن الطابع المعماري للمبنى يمتاز بالطول والاتساع؛ مما يعني أن كل غرفة من غرف المبنى تحتاج إلى ساعة على الأقل لتصل إلى درجة الحرارة اللازمة لكي تخرج منها هذه النيران الصفراء التي شاهدناها وحتى تتفاعل معها زيوت الطلاء الموجودة على الجدران.
وانتقد د. مرسي نظم الإطفاء الموجودة داخل المبنى، مؤكدًا أنها طرق بدائية، وتمثِّل كارثةً في حد ذاتها؛ لأن مثل هذه المباني الحيوية تستوجب أن يكون بها نظم الإطفاء الحديثة التي تعتمد على الرشاشات الداخلية في المباني المرتبطة بأجهزة الإنذار.
ويصف صبحي صالح (الأمين العام المساعد للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب): حريق مبنى مجلس الشورى بـ"حريق القاهرة الجديد"؛ الذي يؤكد أنه لا يوجد شيء في مصر يخضع للاهتمام، وأن كل الأحوال والأمور المصرية تسير بالبركة والمحسوبية والرشاوى والبيروقراطية.
وشدَّد على شكوكٍ تراوده من أن الحريق مدبَّر، وأن هناك أياديَ خفيةً ذات مصلحة في تدبير مثل هذه الجريمة، مشيرًا إلى أنه ليس من المعقول أن نعلِّق دائمًا الأسباب على الإهمال والقضاء والقدر فقط، متسائلاً: "كيف لمبنى بهذه الأهمية أن يحترق بهذه السهولة؟! وكيف لمبنى بهذا الحجم وهذا النشاط أن يبقى مشتعلاً مدة تزيد عن تسع ساعات دون إطفائه ومحاولة إنقاذه؟!".
كما أكد أن جريمة حريق مبنى مجلس الشورى بمكانته ترجع إلى أحد أمرين لا يمكن قبولهما بأية طريقة؛ إما أن يكون الأمر مقصودًا، وإما ألا تكون هناك دولة تحكم البلاد، وكلاهما أمرٌ لا يليق أبدًا بالكيان المصري. (7)
ويرى الدكتور أكرم الشاعر (وكيل لجنة الصحة بمجلس الشعب):
- أن الحكومة الحالية أن لم تُحدث كارثةً ستفتعل الكارثة بنفسها؛ لأنها تستفيد بانشغال الناس بهذه الكوارث عن التحدث عن الإصلاح السياسي أو الدستوري أو حقوق الإنسان، وبالتالي فسلسلة الأزمات هذه لن تنتهي، خاصةً مع غلبة اللا مبالاة والأنانية وحب الذات، على حساب حب الوطن والمصلحة العامة.
- وأشارت صحيفة التايمز الإنجليزية الاثنين، أن سر حريق مجلس الشورى يكمن فى رماد مكتبة البرلمان التى كانت تختزن وثائق ذات صلة بعدد من قضايا الفساد المتورط فيها شخصيات من رجال الأعمال المقربين، والتى تبدأ من قضية توريد دم ملوث للمستشفيات وحتى حريق القطار فى الصعيد، الذى راح ضحيته 370 راكبا وغرق العبارة السلام الذى أودى بحياة 1000 مصرى.
ونقلت الصحيفة عن اللواء فؤاد علام، رئيس مباحث أمن الدولة سابقا، قوله إن حريق بهذه الضخامة لابد أن يكون متعمدا وبفعل فاعل سيستفيد من الحريق. و قال محسن راضي عضو مجلس الشعب عن جماعة الإخوان المسلمين، إن الحريق المتعمد هو من أسهل الطرق أمام المسئولين الحكوميين الفاسدين للتخلص من وثائق وملفات مهمة.
وأفادت الصحيفة، أنه تم الكشف عن مهندسين داخل المبنى حاولوا الوصول إلى الطابق الثالث حيث معدات الحريق، لكنهم منعوا من قبل عدد من رجال أمن الدولة الذين كانوا متواجدين عند السلالم المؤدية إلى هذا الطابق.
وأكدت التايمز، أن الحكومة المصرية نفت الادعاءات بأن الحدث متعمدا ونقلت عن محافظ القاهرة عبد العظيم وزير قوله، ينبغى أن نركز على المشكلة ولا نضلل الشعب بهذه الإشاعات المغرضة. وختمت الصحيفة، أن قول المسئولين الرسميين بأن سبب الحادث هو ماس كهربى، أضر بمصداقية الحكومة ووضعها فى موقف حرج، بسبب ما بدا من أدلة تثبت غير ذلك. (8)
أخيرا
لقد أظهر حريق مجلس الشورى أن الوزارات المعنية في مصر فقدت قدرتها على السيطرة على الأزمات وإدارة هذه الأزمات، وأن الفساد والإهمال قد استشرى. والمشكلة الأولى التي تواجهنا دائمًا مع كل أزمة هو عدم وجود الضمانات التي تمنع الكوارث أو على الأقل تمنع تكرارها مع غياب الشفافية في سرد الحقائق.
المراجع
- جريدة الأهرام: العدد الصادر في 21 أغسطس 2008م.
- حريق هائل يدمر مجلس الشورى ومبنى للبرلمان المصري: 20 أغسطس 2008
- حسونة حماد: الأمن يمنع موظفي المطبعة القديمة من الدخول لإنقاذ محتوياتها!! 20 أغسطس 2008
- جدران «الشورى» شاهد صامت على مُنفذ الحريق: 18 أغسطس 2009
- أحمد رمضان: الكتاتني: حريق الشورى كارثة ونواب الكتلة في مكان الحادث، 19 أغسطس 2008
- أحمد عبدالفتاح: جيران مجلس الشورى يروون تفاصيل الحريق الدامي!، 20 أغسطس 2008
- حسن محمود وإسلام توفيق: خبراء يكشفون المستفيد من حريق مجلس الشورى!!، 20 أغسطس 2008
- إنجي مجدي: التايمز: حريق مجلس الشورى بفعل فاعل، 25 أغسطس 2008