الإخوان المسلمون وشباب محمد
مقدمة
جماعة الإخوان المسلمون هي جماعة إسلامية، تهدف إلى الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي وكل مظاهر الحياة من منظور إسلامي شامل في مصر والدول التي تنتشر فيها، وهي جزء من نسيج وكيان الدولة التي تعيش على أرضها وتعمل من أجل سيادتها واستقلالها سياسيا واقتصاديا وثقافيا وعسكريا.
تنحصر غاية الإخوان فى تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح، يعمل على صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة فى كل مظاهر حياتها، وتعتبر مرجعيتها الإسلام ممثلا في القرآن الكريم والسنة المطهرة الشريفة والشرع الحنيف.
وتؤمن بالانفتاح على الجميع وتتشارك معهم جميعا من أجل إعلاء مصلحة الوطن وأمنه القومي، ومحاربة الفساد وهو ما جعله تتعاون مع جميع الهيئات والمؤسسات الدينية في مصر والتي اتفقت معها على مشروعها الإسلامي. وعلى الرغم من أن شباب محمد جماعة انشقت عن جماعة الإخوان المسلمين لاختلاف رؤية التغيير لدى الطرفين، إلا أنهما تعاونا في الكثير من القضايا التي تهم الإسلام والوطن.
إنشقاق شباب محمد عن الإخوان
جماعة الإخوان المسلمين جماعة شاملة أحبها الكبير والصغير، الفقير والغني، والمتعلم والفلاح والعامل، الريفي والحضري، أهالي وجه بحري وغيرهم من وجه قبلي، حيث اجتمع فيها كثير من الأمزجة والطبائع ومختلف الأفهام، ولذا لم يكن فيها حرج أن تختلف وجهات النظر فيما بينهم في بعض القضايا.
وشباب محمد كانوا مجموعة من الشباب الذي استبطأ أسلوب الإخوان في الدعوة، وكان كله حماسة للتغيير السريع المتعجل وهو ما رفضه الأستاذ حسن البنا والإخوان، حيث أن التدرج في العمل والتغيير أفضل وأسلم السبل.
كما أنه أوضح للجميع ومن فوق منبر المؤتمر الخامس الجامع حينما أوضح أن طريق الإخوان صعب وسيواجهها المحن والابتلاءات الكثيرة التي ربما يموت من أجلها البعض
حيث قال:
- اسمعوها منى كلمة عالية داوية من فوق هذا المنبر فى مؤتمركم هذا الجامع.. إن طريقكم هذا مرسومة خطواته، موضوعة حدوده، ولست مخالفًا هذه الحدود التى اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول. أجل.. قد تكون طريقًا طويلة، ولكن ليس هناك غيرها. إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب؛
- فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها، وأن يقتطف زهرة قبل أوانها؛ فلست معه فى ذلك بحال، وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها. ومن صبر معى حتى تنمو البذرة، وتنبت الشجرة، وتصلح الثمرة، ويحين القطاف؛ فأجره فى ذلك على الله، ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين؛ إما النصر والسيادة، وإما الشهادة والسعادة". (1)
لكن يبدوا أن البعض لم يفهم رسالة الإمام البنا وكان يرى أنه لابد نت اتخاذ وسائل أسرع لتحقيق الإسلام وسط الناس ومنهم هؤلاء الشباب.
كان على رأس من انشق عن الإخوان عدد من الذين تولوا مركزا قياديا في الجماعة مثل محمد المغلاوي (سكرتير لجنة الطلبة والعمال العامة وعضو مكتب الإرشاد العام)، والمحامى محمود أبو زيد (مدير مجلة النذير وعضو مكتب الإرشاد)، وبقية المجموعة كانت من قسم الطلاب الذين خرج بعضهم متأثرًا بزعيمهم محمد المغلاوى. فكان الانفصال، وتأسيس جماعة "شباب محمد" فى مساء 9 من ذى الحجة سنة 1358هـ الموافق 20 يناير 1940م
وكانت أهم اتهاماتهم للإخوان هى "بطء خطوات الإخوان نحو الإصلاح"، وتساهل الإخوان فى ضم الأنصار، وكذلك فى التعامل مع الحكام، كما أخذوا على الإخوان عزمهم على دخول معترك الانتخابات والدخول إلى البرلمان، وأن الإسلام لا يقر طالب الولاية، وكذلك اقترح بعضهم التعرض للنساء السافرات فى الشوارع. (2)
وهو الأمر الذي يؤكده العالم التركي "علي علوي كوروجو" في مذكراته بقوله:
- كنت في القاهرة عام 1945م (كان انفصالهم عام 1940 وليس عام 1945م ولربما هو عرف بهذا الامر عام 1945م أثناء زيارته لمصر ورؤيته لصحيفة النذير) حين انفصل فريق من شباب الإخوان عن الجماعة بدعوى أن العمل بطيء جدًّا، وأسسوا جمعية جديدة اسمها "جمعية شباب محمد"، وكانوا يصدرون جريدة أسبوعية تحت نفس الاسم.
- وفي يوم ما بينما أنا بجانب مصطفى صبري أفندي، قام أحد الشباب بإحضار تلك الجريدة إلى الشيخ مصطفى وكانوا كل أسبوع يسلمونها للشيخ في يده. وأخذني الفضول أن أسال الشيخ صبري أفندي عن هؤلاء الشباب، وسألته قائلاً: هؤلاء مجموعة من الشباب انفصلوا عن الإخوان أليس كذلك؟
- نعم؛ هم رأوا أن الجماعة صامتة ومفرطة وبطيئة! وهم مستعجلون يستبقون الخطى، نسأل الله أن يحسن ختامهم، هؤلاء للأسف لا يعرفون حقيقة السياسة وما هي! يظنون أن العمل مع غير المتدينين شيء سهل، فيظنون مثلاً أن "الإلحاد" هو هذا الذي يرونه في مصر فقط! (3)
ويبدو أن هؤلاء الشباب كانوا قد اتخذوا أمرهم بالإنشقاق عن الإخوان والسير وحدهم في طريقهم، حيث استغلوا هتاف أحمد السكري لعلى ماهر باشا أثناء استقباله على محطة القطار بعد عودته من مؤتمر عن فلسطين، وهو ما اعتبره هؤلاء سقطة للإخوان
رغم أن الإمام البنا أن هتاف الإخوان ليس لأشخاص أو هيئات أو أحزاب لكنه لله وعنف الأستاذ السكري على هذا الصنيع، لكن هؤلاء الشباب شنوا حربا ضروس على الإمام البنا وجماعة الإخوان خلال صحيفة النذير التي كان يرأسها واحد من هؤلاء الشباب. (4) وكان من نتيجة هذا الانشقاق أن رفض محمود أبو زيد عثمان إرجاع مجلة النذير إلى الإخوان واعتبرها ملكا له فتركها الأستاذ البنا لهم.
وكان من هؤلاء الشباب الذين أعلنوا إنفصالهم:
- محمود أبو زيد عثمان: المحامى، مدير "النذير"، عضو مكتب الإرشاد العام سابقًا.
- محمد على المغلاوى: سكرتير لجنة الطلبة والعمال العامة، عضو مكتب الإرشاد سابقًا
- السيد عثمان المراغى: مندوب شعب الأقاليم.
- محمد الحسينى عبد الغفار: مندوب شعب القاهرة، مندوب كلية الشريعة.
- يوسف غنيم: مندوب شعبة أسيوط.
- على سامى النشار: ليسانسيه فى الفلسفة، عضو لجنة تحرير النذير.
- محمد حسين أبو سالم: عضو لجنة الطلبة والعمال العامة.
- عز الدين عبد القادر: مندوب كلية الصيدلة.
- محمد عزت حسن: مندوب كلية الهندسة.
- عبد العال رشدان: مندوب الفنون التطبيقية.
- راغب خير الدين: المدرس بالجمعية الخيرية الإسلامية.
- محمد حمص: المهندس بالقناطر الخيرية.
- محمود حسن جدامى: كلية الزراعة.
- حسين عوض بريقى: كلية الحقوق.
- أحمد عامر: كلية الحقوق.
- عبد المجيد النجار: كلية التجارة.
- محمد فهمى عبد الوهاب: الفنون التطبيقية. (5)
لماذا أنفصل هؤلاء الشباب؟
أصدرت تلك المجموعة بيانا، حددوا فيه أسباب انفصالهم عن الإخوان تحت عنوان: "غضبة فى سبيل الله"، وكانت تلك الأسباب تتلخص فى التالى من وجهة نظرهم:
- أن المرشد ينفرد بالرأى، وأنه يؤمن أن لا شورى فى الدعوة، وأن الدعوة ينهض بها فرد واحد، له أن يأمر وعلى الجميع أن يطيع، وأنه ليس هناك فى الإخوان فى ذلك الوقت العدد الكافى لإعمال الشورى.
- أن المرشد يرى أن نجاح الدعوة مرهون بإرضاء الحكام والعمل تحت ألويتهم الحزبية رغم مخالفة ذلك لمبادئ الإخوان.
- أن هناك تلاعبا فى الأمور المالية بإنفاق المال فى غير ما خصص له، وضربوا أمثالا لذلك بأموال سهم الدعوة، والأموال التى جمعت لفلسطين.
ونشروا بيانا أكثر تفصيلا في عدد النذير الأول بعدما آلت إليهم جاء فيه:
- الشوري: ويرى المرشد العام للإخوان المسلمين أنه لا شورى في الدعة وأن الدعوة إنما ينهض بها فرد واحد له أن يأمر وعلى الجميع أن يطيع وقد خالفاه في هذا الرأي وأصررنا على موقفنا لأن في رأي فضيلته مخالفة للنظام السياسي للإسلام وتحديا لمصدرية العظيمين الكتاب والسنة (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاروهم في الأمر)
- وقد حاولنا أن نتفاهم مع فضيلته كثيرا فأبى إلا أن يكون رأيه الفصل ولو كان في ذلك إقصاء للمخلصين من الإخوان المسلمين ثم عاد إلى التعلل أخيرا بأنه لم يجد في الإخوان من هو أهل للشورى وهذا ما لا نقره عليه.
- العمل تحت لواء الحاكمين بغير ما أنزل الله:من مبادئ الإخوان المسلمين أنه لا نجاح للدعوة إلا بقوة الشعب الذاتية وتوجيه الرأي العام توجيها إسلاميا خالصا دون الاعتماد على الحكام ولكن الأستاذ يقصد النبا حاد عن هذا المبدأ القويم معلنا أن نجاح الدعوة مرهون بإرضاء الحكام والعمل تحت ألويتهم الحزبية وأخذ يسلك سبلا متفرقة ما بايعنا الله عليها
- وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله متناسيا ألا أملا للإسلام فيهم وأنهم يحكمون بغير ما أنزل الله (لا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) عارضنا هذا بكل قوة مردين أقوال فضيلته بأننا إسلاميون غير حزبيين وأننا نعمل لله ولرسوله لا لزعيم ولا لحزب فأبى إلا العمل برأيه وأصر على المضي فيه (أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما)
- التلاعب المالي: طلبت من فضيلته تكوين هيئة قوية لمراقبة المال والمحافظة عليه لتكون مسئولة أمام الإخوان فأعرض فضيلته وأصم أذنيه عن هذا القول الذي نعده طلبا عادلا يتفق مع أبسط مبادئ الإدارة وكان نتيجة عدم الأخذ بهذا الرأي أن أنفقت أموال كثيرة لا نقول في أغراض شخصية
- ولكن على الأقل في غير الأغراض التي جمعت من أجلها فأولا: جمع سنة 1939 (300 جنيه) كان يجب الاحتفاظ بنصفها في الخزينة ولم يبق منها شيء ثانيا: جمع لفلسطين (570 جنيها) لم يسدد منها سوى 465 جنيها وأنفق الباقي على شئون الجمعية الخاصة ولما رد بعض الإخوان عليه ردا شرعيا أبدى استعداه لجمعه وإرساله.
- تطهير الدعوة: ألححنا على فضيلته ورجوناه غير مرة أن يحرص على طهارة الدعوة بإقصاء كل الأعضاء الذين تشوب أخلاقهم الشوائب ليسلم هذا البناء الذي كنا وما زلنا نفتديه بأنفسنا وحتى يسمو عن المظان والشبهات وكان من بين هؤلاء الأعضاء أشخاص اعترف فضيلته في أحاديث متعددة بعد أن تبين من تحقيقات أجراها بنفسه بأن في وجودهم إضرار بسمعة الدعوة من الناحية الخلقية ولكنه أصر على بقائهم فضلا عن أنه أسند إليهم أعمالا رئيسية وأخذ يشيد بذكرهم في رحلاته إلى الصعيد وغيره. (7)
بيان ببيان
لم يترك الأستاذ البنا الأمور تسير دون إجلاء الحقائق التي حاول هؤلاء الشباب طمسها أو فرض أرائهم وعبر صحافة الإخوان (التي سيطرو عليها) مما أحدثوا بلبلة داخل صفوف الإخوان لعدم وضوح الرؤية.
ولذا أصدر الإمام البنا بيانا وضح فيه ما حدث، ورد على اتهامات هؤلاء الشباب للإخوان، وأرسل هذا الرد إلى مجلة النذير التي رفض رئيس تحريرها (واحد من الشباب الذين انشقوا) نشر رد الإمام البنا، فقام الإخوان بطبعه وتوزيعه على شعب الإخوان
حيث جاء فيه:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد.. فقد قرأت بيانكم فى مجلة النذير عن موقفكم منى ومن إخوانكم فى جماعة "الإخوان المسلمون" التى نشأتم فى روضها، ودرجتم فى عشها، وتعلمتم الغيرة على الإسلام من دعاتها.
وإليكم كلمتى فيما ذكرتم لا حرصًا على الرد ولكن تبيانًا للحق وتذكرة لكم، ويعلم الله كم يعز على، ويحز فى نفسى بهذا التجنى الذى نهيتكم عنه، وحذرتكم إياه، والذى ما زدتم به على أن نقضتم عهدكم، وعققتم أباكم، وخاصمتم إخوتكم، وقللتم جلدكم، وأضعفتم قوتكم، وحاولتم صدع بناء شاده الله وهو عليه حفيظ.
وقد حاول ذلك من قبلكم من هو أشد منكم قوة وأكثر جمعًا فلم يظفروا بطائل، والله غالب على أمره. ولقد كنت أود لكم غير هذا من العمل الجدى والميادين النافعة، وتعهدت لكم بمساعدتكم فى ذلك أكبر المساعدة إن سلكتم هذه السبيل، فغلبتكم العاطفة على عقولكم، ووضعتم لأنفسكم ألقابًا وصفات لتجسموا الخَطْب، وتهولوا الواقع، ولكن الناس بأخلاقهم لا بألقابهم؛ فغفر الله لكم، وهدانا وإياكم، وصدق الله العظيم "إِنْ هِى إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِى مَن تَشَاءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ" "الأعراف: 155".
1. يسرنى أن تعلموا:
- علم الله أيها الأبناء أننى لا يسوؤنى - لو صدقتم - أن أجد لكم روحًا وثابة، وحماسة فياضة، وغيرة صادقة. ويسرنى أن أراكم تعملون للإسلام فى الميدان الذى ترضونه، تبنون ولا تهدمون، وتؤسسون ولا تنقضون.
ولقد قلتم: إننى فصلتكم وأنتم تعلمون - وإخوانكم الذين حضروا الاجتماع الذى دعوتكم إليه يعلمون كذلك- أنكم أنتم الذين ألحفتم فى طلب الفصل وألححتم إلحاحًا؛
- وذلك لما بيّتُّموه من نية، وما اعتزمتموه من عمل منذ أمد بعيد، وأنتم بين ظهرانينا فلم يسعنى إلا أن أنزل على رغبتكم فى ذلك، داعيًا لكم بالتوفيق والإخلاص؛ إذ إن أكبر ما يسر الوالد أن يرى ابنه موفقًا وإن لم ينسب إليه هذا التوفيق.
- وأنتم تعلمون أن مجلة النذير كانت لى، فأعطيتكم إياها، وتنازلت لكم عنها عن طيب خاطر، بشرط أن تنصرف جهودكم إلى عمل نافع وميدان فيه خير للإسلام، ولئن كان العدد الأول علينا فالعدد الثانى وما يليه قد يكون لنا بحكم خدمة الدعوة العامة التى نعمل لها جميعًا.
2. الشورى:
- زعمتم أيها الأبناء أنى أرى أنه لا شورى فى الدعوة، وسامحكم الله فى هذا الادعاء علىّ وعلى الحقيقة؛ فأنا لم أقل هذا، ولكنى أنكرت أن يتحكم فرد تأثر بدعايته سبعة عشر فردًا من أفراد أسرة فى بقية ألف من هؤلاء الأفراد، وهم إخوانكم بالقاهرة، وهو ما أردتموه أنتم؛ فقد أبيتم إلا أن أنزل على آراء بعضكم، ولو خالف هذا آراء الجميع من الإخوان!!
- أفهذه هى الشورى التى تريدونها؟! وقد دعوتكم إلى الجمعية العمومية للإخوان بالقاهرة لتعرضوا عليها آراءكم، وتطلبوا إليها ما تريدون، فأبيتم هذا، ولا زلت أدعوكم إليه، وأستطيع أن أقول: إننى أكتب هذا باسم ألف من إخوانكم فى القاهرة عدا شعب الأقاليم الخمسمائة.. فماذا ترون؟ وهل بعد هذا لا زلتم تصرون على أن لا شورى فى الدعوة؟
- هذا هو ما وقع، وهذا هو ما نسير عليه الآن؛ فالشورى ماثلة فى كل عمل من أعمالنا والحمد لله كما أرادها الإسلام وصورها. والشورى الإسلامية ليس فيها أغلبية ولا أقلية؛ فالإمام يستوضح الآراء وهو أمين عليها، ثم يأخذ بما يتبين له منها جميعًا، فينفذه وفق أحكام الإسلام، وهو مسئول بعد ذلك عن نتائج سياسته. هذه هى النظرية الإسلامية للشورى وإن كنا فى الواقع قد اتخذنا فى تطبيقها صورة قريبة إلى ما ألف الناس من هذه التشكيلات.
- ولقد كان آخر نظام للإخوان فى مكتب القاهرة ارتضيتموه أنتم وعملتم على أساسه ووقعتم بذلك على محضره وهو نظام اللجان؛ فلكل لجنة عملها واستقلالها والشورى تسودها بأوسع معانيها. ولقد كان بعضكم فى هذه اللجان فعلا.. فهل شعرتم بأن أحدًا وقف فى طريقكم فى شىء؟
- ولكنكم أردتم الاستئثار الذى يتنافى مع الشورى، فأبينا عليكم ذلك حرصًا على حقوق إخوانكم الذين هم أكثر منكم إلمامًا بالدعوة، وغيرة عليها، وحرصًا على خيرها والنهوض بها. ويفضلونكم بعد ذلك بالأسبقية إليها والصبر على آلامها والتضحيات فى سبيلها، ثم بالسن الذى يقدره الإسلام، ويحله المحل اللائق بجلال التجربة.
- وبعد.. فنحن فى دور تكوين وتربية، والتكوين والتربية فى حاجة إلى التوجيه الحازم والبعد عن الخلاف فى الرأى والنقاش؛ وهو ما أقصد إليه وأعمل عليه ويوافقنى فى ذلك كل "الإخوان المسلمون".
3.التلاعب المالى:
غفر الله لكم أيها الأبناء؛ فلكم أن تقولوا كل شىء إلا أن الإخوان ينظرون إلى المال أو يتطلعون إلى الدنيا؛ فإن من يقرأ هذا العنوان يظن أن الإخوان قد ملئوا جيوبهم من الأموال العامة، ثم ماذا تذكرون بعد ذلك؟!
1. تذكرون أن سهم الدعوة قد بلغ أكثر من 300 (ثلاثمائة) جنيه مصرى، وكان المفروض أن نصفها يجب أن يظل للمساهمين، ونسيتم أن قرار جمع سهم الدعوة أجاز للمكتب أن يستخدم هذا النصف فى عمل تجارى، وذلك ما كان؛ فإننا جددنا مطبعة "الإخوان المسلمون"، وقيمتها الآن تزيد على أكثر من المائة والخمسين جنيهًا؛ فماذا فى هذا التصرف من التلاعب، وقد وقع وفقًا للقرار المعلن الموضوع فى حدود مصلحة الدعوة وخيرها؟
2. وتذكرون أن مبلغًا يبلغ المائة جنيه مما جمع لفلسطين لم يصل إلى فلسطين، ولم تذكروا - وأنتم أعلم بذلك - أن المكتب بالقاهرة قد بلغت مصروفاته الخاصة بأعمال الدعاية لقضية فلسطين نفسها ولجمع هذه قد وصلت إلى أكثر من 124 جنيهًا (مائة وأربعة وعشرين جنيهًا) ما بين مطبوعات ورسائل بريد وبرقيات وسفر مندوبين وطبع قسائم وعمل شارات وتذاكر شخصية، وما إلى ذلك، عدا ما صرف لقضية فلسطين فى غير هذه الأبواب أيضًا مما يعرفه الكثير من الإخوان..
فهل يقال بعد هذا إن هناك تلاعبًا فيما يجمع من أموال؟ وإذا كان كل ما جمع معروفًا بالمليم وكل ما صرف كذلك بدليل ما أوردتم من أرقام فأين التلاعب المزعوم؟! ولقد علم الناس أجمعون وفى مقدمتهم أبناء فلسطين البواسل أن الإخوان المسلمون هم الذين يفدون فلسطين الشقيقة بأموالهم وأولادهم ودمائهم، ولكنكم أردتم أن ترفعوا بذلك "قميص عثمان"، والله بيننا وبينكم وهو أحكم الحاكمين.
إننى أعتب عليكم فى هذا عتبًا شديدًا، وما كنت أظن أنكم تتجاوزون الحق هذه المجاوزة فى نقاط واضحة بينة، تعلمون أنتم وجه الحق فيها قبل غيركم من الناس، ولكن غفر الله لكم أيضًا.
4.العمل تحت لواء الحاكمين بغير ما أنزل الله:
- وأكثر أمركم عجبًا.. بل أشد غرابة وأكبره تجنيًا أن تذكروا أننى أعلنت أن "نجاح الدعوة مرهون بإرضاء الحكام والعمل تحت ألويتهم الحزبية.."، وما كنت أدرى أن لجاجتكم فى هذه الخصومة تحدوكم إلى هذا الافتراء المبين على شخصى، وأنتم تعلمون وقد تلقيتم أن نجاحها مرهون بإرضاء الله وحده والسير على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما اعترفتم بذلك فى بيانكم، وعليه سرنا ونسير حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين.
- ونحن نرى مع هذا أن توجيه الدعوة للحاكمين ومخاطبتهم بها وتعريفهم إياها من أنفع الأشياء لتحقيق أغراضها، والوصول من أقرب الطرق إلى أهدافها، فإن الله يصلح بالواحد منهم أمة -لو أصلحه الله- وأنتم تعلمون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"
- وقول الحسن البصرى: "لو كانت لى دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان؛ فإن الله يُصلح بصلاحه خلقًا كثيرًا". ولقد علم الناس جميعًا بما فيهم الحكام أنفسهم أننا كم وجهنا ونوجه على الدوام إليهم كلمة الحق قوية مدوية لا يثنينا عن ذلك ما قاسيناه من اضطهاد وعنت، ولا نخشى إلا الله، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
- ونحن نرى كذلك أنه ليست فى كل الظروف تكون مخاصمة الحاكم وإخراجه من الإسلام؛ فقد يقف الحاكم أمام خصم قوى للإسلام يدفعه ويحول دون غايته؛ فيكون من الحمق لا من الدين أن يجرح المسلمون من يحول دون وصول عدوهم إلى غايته منهم، وهذا كلام أنتم أعلم بمضمونه
- ولا يخفى معناه على الناس، وعلى كل حال لأن يكون الحاكمون أعوانًا للإخوان على تربية الشعب وتوجيهه توجيهًا إسلاميًا مثمرًا خيرًا من أن يكونوا خصومًا لهؤلاء الداعين يحولون بينهم وبين ما يريدون. وموقفنا من الحكام جميعًا ومن الأحزاب جميعًا موقف الدعاة لا الأشياع، ومحال أن ننضوى تحت لواء حزب كائنًا من كان، أو أن نمالئ حاكمًا كائنًا من كان.
- وأغلب الظن -أيها الأبناء- أنكم أنتم الذين استُخدمتم مطايا للحزبية البغيضة من حيث لا تشعرون، وفتشوا أنفسكم.. من يتصل الآن بكم؟ ومن ينشط فى نشر دعايتكم معكم؟ فستعلمون صدق ما أقول.
- ومما يؤسف له حقًا أن تعجز الأحزاب عن أن تجد سبيلا إلى صفوف الإخوان إلا عن طريقكم، وإن كان كل ذلك وأكثر منه سيتحطم على صخرة الدعوة المباركة التى ستظل بعون الله وحده الجوى اللاصق بين جوانح كل من يريد الكيد للإسلام، وتسوؤه الدعوة إلى الله.
5. تطهير الدعوة:
من فضل الله على الإخوان المسلمون فى كل وقت أن دعوتهم تنفى خبثها كما ينفى الكير خبث الحديد، وهذه جربناها مرارًا كثيرة، ومجموعة الإخوان فى القاهرة - فيما أعتقد - هى أطهر مجموعة عرفتها هيئة من الهيئات. ولقد تجنيتم على بعض إخوانكم بكلام لا حقيقة له، ولقد أصغيت إليكم، ودرست ما قلتم، وتبينت مبلغه من الصحة؛ فإذا هو اتهام واهٍ منهار لا أساس له ولا دليل عليه.
وما كنت لأدع يقينى لشككم، ولقد نصحت لكم، وعرفتكم حكم الإسلام فيما تقولون، فأبيتم إلا أن تلجوا بالباطل، ولا أقول فى هذه: غفر الله لكم؛ فليست هذه من حقى، ولكنى أنصح لكم مرة أخرى أن تسترضوا إخوانكم الذين خضتم فيهم؛ فإن عقاب الله فى ذلك قاس شديد، ولا أزال أذكركم بقوله تعالى: "وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا" "الأحزاب: 58".
وأخيرًا: لا أعرض هنا لما سلكتم من أساليب لا تتفق مع الحق المر، فضلا عن السمو والتكرم اللذين يجب أن يكونا أول ما يتصف بهما عامل للإسلام، ولا أحاول أن أكشف عما فى بيانكم من مغالطات وأمور لا تتفق مع الواقع؛ فإنى أكره الجدل أشد الكراهية. وحسبى أن تكلمت فى رؤوس الموضوعات الهامة، وطبعًا سيكون هذا هو البيان الأول والأخير من جهتى فى هذا الموضوع.
ولى معكم بعد ذلك كلمة أخيرة، فاستمعوا إليها إن شئتم، والله يتولانا وإياكم بحسن الرعاية:
أولا: ما دمتم قد أعددتم أنفسكم للعمل للإسلام فى ميدان أخذتموه، فأوصيكم أن تكونوا بنائين لا هادمين، وحينئذ عليكم أن تفكروا فى ابتكار ميادين تعملون فيها، وتخدمون الإسلام بها، ودعوا الخصومة جانبًا؛ فإن الانصراف إلى البناء خير ألف مرة وأجدى من الانصراف إلى الهدم، وعلم الله أننى لا أريد بهذا إلا أن تنصرف الجهود إلى النافع المفيد.
ثانيًا: لقد كنتم قبل الآن جنودًا، فأصبحتم تقولون: إنكم اليوم قادة، وواجبات القائد أثقل بكثير وأدق من واجبات الجندى، فاحرصوا دائمًا على أن تظهروا أمام الناس بالمظهر اللائق بكرامة الدعوة الإسلامية فى كل ناحية من نواحى تصرفاتكم الشخصية أو الجمعية.
ثالثًا: أحب أن تحكموا خطتكم، وأن تسوسوا طريقكم بالعقل والعاطفة معًا؛ فلا تتركوا للحماسة وحدها أن تقودكم فى مسالك لا يفيد فيها الدعوة، ولا ينفع الداعين إلا العقل الكامل والتصرف الدقيق المحكم؛ فالكيَّسَ الكيَّسَ أيها الأبناء.
رابعًا: أحب أن تعتقدوا أولا وآخرًا أننى لا أضمر لكم إلا الخير، وقد أغضيت عن سيئاتكم لحسناتكم، وعن تصرفاتكم لنياتكم التى أرجو أن تكون خير فاضلة، واللهَ أسأل ألا يكون ذلك لكم فتنة، وهو المستعان على ما تصفون. (8)
أسباب أخرى من وجهة نظر الشباب
لم يعجب هؤلاء الشباب رد الأستاذ البنا عليهم، فكتبوا عبر صحيفتهم أسباب جديدة، لكن يبدو أن الأستاذ البنا رفض الرد عليهم كما أعطوا تكليفه للإخوان بعد الانشغال بالرد عليهم والاهتمام بعملهم الدعوي لأن كثرة الرد ليس من ورائها إلا الجدال ولا يترتب عليها عمل.
ومن هذه الأسباب التي ساقوها:
اعتدال وتساهل الإخوان والذي كان وراء فسادها وأن جماعة الإخوان قد جمعت المتناقضات حيث انضم إليها من دعا إلى الأديان كلها ومن تعصب للقومية المحلية ثم الوحدة العربية ثم الجامعة الإسلامية وبين المؤمن الصادق والمملي والمنافق وبين دعاة التمسك بالتقاليد وبين دعاة السفور.
كما أخذت على الإخوان عزمها على دخول المعارك الانتخابية واعتبرت أن ذلك سعي للرياسة والسلطان والشهرة، والإسلام لا يقر الولاية لطالبها وإنما هي فرض على الأكفاء، والمطالبة بها مظهر من مظاهر حب الحياة والعلو في الدنيا وهو من الآفات التي تحبط صالح الأعمال ولا يليق أن يتصف بها المؤمنون الصادقون.
فضلا عن اعتراضها على قبول الإخوان معونة مالية من وزارة الشئون الاجتماعية.. ولقد رأى الدكتور زكريا سليمان بيومي أن السبب يكمن في رفض المجموعة التي تكونت منها جماعة شباب محمد للتقسيم المرحلي الذي وضعته جماعة الإخوان لدعوتها وأنهم من الذين تعجلوا النتائج. (9)
مسار الغلو
لكن من خلال تتبع صحيفة النذير الناطقة بلسان شباب محمد يتضح أنهم لم يسلكوا الوسطية في الدعوة ولكن غالوا فيها وتشددوا حتى أنهم رفضوا الترشيح للانتخابات، كما طالبوا بمنع النساء من ارتياد المساجد. (10)
ويذكر زكريا سليمان قوله:
- هاجموا وزير الأوقاف، وشيخ الأزهر بسبب السماح للمرأة بالصلاة في المساجد حتى ولو في مكان مخصص لهن، كما هاجموا للسبب نفسه جمعية السيدات المسلمات. وحينما نشر الأهرام مقالا لمدير الجامعة أحمد لطفي السيد حول اختلاط الفتاة في الجامعة أعلنت النذير أن ذلك مناف لتعاليم الإسلام وأن فيه اعتداء على الأعراض وشرف الأسر.
- وعندما نشر الشيخ على القاياتي تهنئة لجريدة الصباح في مجلة منبر الشرق استنكرت النذير هذه التهنئة لجريد تنشر أخبار التحلل. كما هاجم حسين يوسف رئيس الجماعة (كان عضو المجلس الأعلى للجهاد فى مصر الفتاة قبل أن ينشق وينضم لجماعة شباب محمد) الشيخ القاياتي ومجلته. (11)
صدام شباب محمد مع الإخوان
كالت جماعة شباب محمد التهم والأراجيف لحسن البنا وجماعته وقذفته بكل نقيصه خاصة بعد انشقاق أفرادها، حتى أنهم اتهموا الجماعة بأنهم وراء محاولة نقل حسين يوسف رئيس شباب محمد إلى خارج القاهرة. (12)
بل قامت بنشر استقالة بعض الإخوان من الجماعة مثل حمزة التميمي وصالح عشماوي إلا أنهم كذبوا ذلك الأمر، وبعثوا بتكذيب ذلك لمجلة النذير لكنها رفضت النشر، فكتب الأستاذ صالح استقالته من النذير واعتراضه على ما قام به الباب ونشره في مجلة التعارف في 19 محرم سنة 1359ه / 27 فبراير سنة 1940م.
بل أخذت صحيفة النذير تنشر استقالات شعب بأكملها من جماعة الإخوان مثل شعبة أسيوط إلا أن الوثائق تؤكد كذب ذلك وأنها لم يحدث أى انشقاق وأنه اختلاق من قبل شباب محمد. وجهت جماعة شباب محمد حملة شديدة على جماعة الإخوان كان أغلبها مركزا على شخص البنا وقد بدأت النذير حملتها على أثر صدور بيان من الإخوان المسلمين يوضح أن الخلاف بينهما خلاف شخصي وليس خلافا على مبدأ فاتهمت الجريدة البيان بالضعف؛
كما اتهمت البنا بحبه وسعيه لألقاب التقديس والزعامة والقيادة وأنه نفسه تحدثه بالجاه والسطوة والسلطان قبل أن تحدثه بالجهاد والتضحية والصبر على المكاره وأنه لا يرضى أن يعمل بجانبه من يحس منه المنافسة في الزعامة والإمامة وقالوا إن لديهم تفاصيل كافية لهدمة.
كما ووصفت النذير زعماء الإخوان بأنصاف الرجال وبالتذلل والمجاملة للحكم؛ وأن شباب محمد برئيون من هؤلاء الزعماء. (13) وفي مقال للنذير عما يجب أن يعتصم به المسلمون أشادت بأسلوب التطرف في الدعوات وهاجمت جماعة الإخوان التي أفسدها الاعتدال والتسامح بعد أن اشتد ساعدها. (14)
وحينما قامت جماعة شباب محمد بترشيح من ينوب عنها في دائرة مصر القديمة في انتخابات مجلس النواب قبيل نهاية الحرب الثانية عام 1945م قام الإخوان بترشيح مندوب لهم في نفس الدائرة الأمر الذي أغضب شباب محمد حيث لم يكن لهم سوى هذا المرشح وطلبوا من الإخوان إعادة النظر وترك الدائرة لمرشحهم ونشرت النذير تأييدا لوجهة نظرها من رئيس جمعية الجهاد الإسلامي. (15)
تباين المواقف بين الإخوان وشباب محمد
لم تبعد كثيرا جماعة شباب محمد عما كان ينادي به الإخوان إلا في بعض القضايا التي اختلفوا فيها معهم، لكن في كثير من القضايا كان شباب محمد يتفق فيها مع الإخوان، وقد رصدها الدكتور زكريا سليمان ومنها: فمطالب التحرير الشامل للأمة الإسلامية ووحدتها والسعي لإعادة الخلافة مشتركة بين الجماعتين وكذلك المطالبة بإحلال الشريعة الإسلامية محل القوانين الوضعية ونظرات الإصلاح الداخلي تكاد تكون متفقة تماما.
أما عن وقف الجماعة من الحرب الثانية فقد كان متفقا مع موقف الإخوان حيث رأت الجماعة ضرورة تجنب مصر ويلات الحرب والحياد التام وقالوا إن ذلك الموقف ليس أمرا أوحاه الخوف أو الفزع أو الاطمئنان إلى نوايا الدول الأخرى، ولكن ليس على البلاد المستقلة أن تدخل حربا في سبيل خدمة الأغراض الاستعمارية وأن تكتفي بتنفيذ ما ورد عليها من التزام في معاهدة سنة 1936 وأيدت لذلك إخراج الوزراء السعديين من وزارة حسن صبري والذين كانوا يريدون إدخال مصر في هذه الحرب لجانب الحلفاء.
وعقب انتهاء الحرب الثانية أعلنت الجماعة رفضها لأية مفاوضات إلا بعد الجلاء عن وادي النيل بأسره، وكانت في ذلك متفقة مع موقف الإخوان والحزب الوطني الذي نادت صراحة مبدئه لا مفاوضة إلا بعد الجلاء ولكنها في الوقت نفسه دعت إلى إباحة حمل السلاح والاكتتاب في مشروع جهاد عام ضد الإنجليز وطالبت شيخ الأزهر بإعلان الجهاد الديني ضد الغاصب ودعوة الأمة إلى مقاطعة كل ما هو أجنبي وكانت ترى أن الإنجليز لن يخرجوا إلا في حالتين الأولى حسن النية منهم، وهذا أمر مستحيل ولا يبقى بعدها سوى الثورة الشاملة عليهم وهذا أمر يجب الإعداد له. (16)
وحينما شكل الإخوان مع مصر الفتاة وحزب الفلاح وعرب الأنصار والأحرار الدستوريين والسعديين والكتلة والعمال والتجار وغيرهم جبهة من أجل حث الحكومة بالدفع بالقضية المصرية إلى مجلس الأمن وقطع المفاوضات مع المستعمر الإنجليزي عتب شباب محمد على الإخوان الانضمام لهذا الحلف الذي رأوه أنه علماني، حيث اختلفت وجهة نظر الإخوان معهم في التلاحم مع الجميع من أجل قضية مصر. (17)
كما وجهت شباب محمد عتاب إلى جريدة الإخوان المسلمين اليومية لكثرة مقالاتها السياسية والتقليل من المقالات الدعوية (كان للإخوان مجلة باسم الإخوان المسلمين في نفس الوقت ينشر فيها كل شيء دعوي) وطالبتها بالعودة للتوجه الإسلامي
تعاون من أجل الدين والوطن
لم تكن كل الأوقات بين الإخوان وشباب محمد شد وجذب، لكن كانت هناك بعض الفترات التي توافقوا فيها للعمل من أجل دينهم ووطنهم. فمثلا حينما انتشرت وكثرت المجلات الخليعة والتي أصبحت تنشر صور النساء عارية على صفحاتها الأولى، بل وتدعوا إلى الخلاعة والمجون توافق الإخوان مع شباب محمد والعديد من الهيئات الإسلامية على مناشدة رئيس الوزراء من أجل غلق وتحجيم هذه المجلات التي تسيء إلى المجتمع المصري المسلم بين الشعوب. (18)
ولقد رفع الإخوان وشباب محمد صلى الله عليه وسلم والجمعية الشرعية مذكرة إلى وزير الداخلية بالنيابة جاء فيها: أن منكرا استفحل أمره وعظم خطره كاد يطوق أعناق الأمة بأغلال لا قبل لها بها ألا وهو الخمر، إذ انتشرت فى هذه الأيام حانات الخمور انتشارا لم تعهده أمة دينها الرسمى الإسلام. (19)
بل حاولت الجماعتين الالتقاء على نقاط مشتركة وتقابل مرشد الإخوان مع رئيس جمعية شباب محمد (وفق ما ورد في صحيفة النذير) لكن لم تذكر ما تم بينهما. (20)
بل وقف شباب محمد مع صحف الإخوان ضد حملة سلامة موسى التي شنها على صحف ومجلات الإخوان
موقفيهما من المرأة
ومع أن جماعة الإخوان لم يوافقوا على السفور إلا أنها كانت في نظر الجماعات الأكثر تزمتا متساهلين في هذه القضية الأمر الذي أثار عليها بعض هذه الجماعات وعلى رأسها جماعة شباب محمد وقد عابت جماعة الإخوان على غيرها معاملة المرأة من خلال تقاليد بالية سقيمة تجعل من الرجل سجانا للمرأة يحبسها في بيته للمتعة والتوالد لا تعرف من دنياها إلا هذين الغرضين العظيمين وتظل كذلك إلى أن تنتقل من ظلام حياتها إلى ظلام القبور ورأت الجماعة أن الدين لا يقر ذلك وأن من الواجب أن نشفق على دين الله من أن تستبد به الآراء المتشائمة والأمزجة السوداوية.
وقد جاء ذلك للرد على الهجوم الذي وجه لشعب الأخوات المسلمات والمطالبة بإلغائها في أعقاب الحرب الثانية فأوضحت جماعة الإخوان أن الدين لم ينزل للرجال فقط وأن على المرأة واجب خدمة الإسلام والمساهمة الكاملة في كل ما يعود بالخير عليه وعلى أبنائه (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض..)
وقالت إنه على الرغم من ذلك فلا ينبغي أن يفهم بأن الإسلام قد دعا إلى مساواة الرجل بالمرأة مساواة كلية بل نظم حقوق كلا الجنسين لما بينهما من فروق في الخلق وتفاوت في الاستعداد وأن المساواة بينهما من حيث الدين والعقيدة والثواب والعقاب والحقوق الزوجية والمعاملات المالية؛ وطالب العلم. (21)
موقفيهما من الأقباط
وفي الوقت الذي سارت فيه جماعة الإخوان في السير في أسلوب الاعتدال في علاقتها مع الأقباط سلكت جماعة شباب محمد أسلوبا متطرفا في هذه العلاقة فتهاجم صحيفتها أسلوب سلامة موسى وتربط بينه وبين أسلوب عموم الأقباط في مصر وأنهم يرتبطون بمسيحي العالم ضد المسلمين في مصر وغيرها.
وأخذت على مرشد الإخوان لجوءه لبطريرك الأقباط لوقف حملة سلامة موسى على الجماعة واعتبرت موقفه هذا مهينا للإسلام والمسلمين وانتقدت الآراء المنادية بمراعاة حقوق الأجانب والأقليات عند طلب تطبيق الشريعة الإسلامية بحجة أنهم أقلية لا رأي لها. (22)
لماذا توقفت شباب محمد؟
لم تستمر جمعية شباب محمد كثيرا حيث يسوق الدكتور زكريا أن من أسباب توقفها، قلة نشاط الجماعة والذي كان في جملته محددا. وربما كان تطرفها هو السبب الرئيسي في ذلك فتعرضت للتوقف منذ بدايتها وذلك بسبب قلة الأنصار وبالتالي قلة الاشتراكات التي أدت إلى الأزمة المادية، فقد بلغ إيرادها في شهر من الشهور واستمر كذلك فترة ليست بالقصيرة 26 جنيها. (23)
أخيرا
على الرغم من أن شباب محمد انشقت عن الإخوان بسبب تبنيها المسار المتطرف في الأراء (وهو ما وضح من خلال صحيفتها النذير ومواقف أعضائها) لكن لم يمنع ذلك التعاون بين الإخوان وشباب محمد في القضايا التي تهم الدين وتخص الوطن.
المراجع
- مجموعة رسائل الإمام الشهيد: رسالة المؤتمر الخامس، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2006، صـ377.
- عباس السيسي: حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية، طـ1، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 1422هـ - 2001م، صـ106.
- أحمد يوسف: مذكرات العالم التركي "علي علوي كوروجو" مع الإمام "حسن البنَّا" (4- 6)، 28 أبريل 2013
- عبدالعظيم ابراهيم المطعنى: 19 رسالة من حسن البنا إلى قيادات الدعوة الإسلامية، دار الانصار للطباعة والنشر والتوزيع، 1980، صـ50.
- مجلة النذير: السنة الثالثة، العدد 1، 1 محرم 1359هـ - 9 فبراير 1940م، صـ2.
- المرجع السابق.
- المرجع السابق.
- عباس السيسي: حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية، طـ3، دار القبس، القاهرة، 1982، صـ113.
- زكريا سليمان بيومى: الإخوان المسلمون والجماعات الإسلامية فى الحياة السياسية المصرية 1928- 1948، ط2، مكتبة وهبة، القاهرة، 1412هـ - 1991م، صـ132.
- مجلة النذير: السنة الثالثة، العدد 43، 6 – 3 محرم 1360هـ - 31 يناير 1941م، صـ1- 5.
- زكريا سليمان بيومى: مرجع سابق.
- النذير: 11 رمضان، 1360هـ - سبتمبر 1941م.
- مقال بعنوان: تشويه الحقائق في بيان الإخوان: النذير، 16 محرم 1359هـ - 24 فبراير 1940م.
- حسين يوسف: الدعوة المتطرفة هو ما يجب أن يعتصم به المسلمون، النذير، 2 ربيع الأول 1359هـ - 10 أبريل 1940م.
- حسين يوسف: نحن والإخوان المسلمون لكي يشهد الناس، النذير، 7 محرم 1364هـ. وأيضا إبراهيم السراوي: من رئيس جمعية الجهاد الإسلامي إلى المرشد العام، النذير، 27 محرم 1364هـ.
- زكريا سليمان بيومى: مرجع سابق.
- مجلة النذير الناطقة باسم شباب محمد: 10 ربيع الثاني 1365هـ - 12 أبريل 1946م.
- جريدة الإخوان اليومية: العدد 280، السنة الأولى - 9 جماد أول 1366 هـ، أبريل1947 صـ3.
- المرجع السابق، العدد 424، السنة الثانية، 4 ذو القعدة 1366هـ 19 سبتمبر 1947،صـ4.
- النذير: 25 جمادي الثاني 1365هـ - 27 مايو 1946م.
- زكريا سليمان بيومى: مرجع سابق، صـ296
- زكريا سليمان بيومى: مرجع سابق، صـ305
- زكريا سليمان بيومى: مرجع سابق.