الإخوان والتحالفات الوطنية

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإخوان والتحالفات الوطنية


إخوان ويكي

مقدمة

يعتبر الإخوان – منذ نشأتهم – فصيل إسلامي سياسي له استراتيجيات ومنهج وفكر قامت عليه الجماعة التي استطاعت أن تنتشر في العديد من دول العالم، بل ووصلت في بعض البلاد إلى منصة الحكم وفق الأطر الديمقراطية.

لم يقف الإخوان عند التحالفات السياسية فحسب والتي ترسم المشهد السياسي والانتخابات، بل شهد تاريخهم الكثير من التحالفات في القضايا الوطنية، كالمطالبة باستقلال البلاد من الاستعمار الغربي، والضغط على الحكومة المصرية برفع مطالبها الاستقلال إلى مجلس الأمن، والتصدي للتبشير الذي انتشر في البلاد كانتشار النار في الهشيم، وغيرها من التحالفات التي وجدت صدى كبير في المجتمع المصري سواء في عهد الأستاذ حسن البنا – مؤسس الجماعة – أو من جاءوا بعده.

يقول محمد العرسان:

لم يأخذ موضوع تحالفات الإسلاميين السياسية حظّه من البحث والدراسة، وذلك لأسباب عديدة منها طول أمد العزلة السياسية التي عاشها الإسلاميون بسبب تحالفات النظم الحاكمة مع بعض القوى السياسية، واستثناء الإسلاميين من هذه التحالفات، بناء على قواسم أيدولوجية مشتركة بين الأنظمة ونلك التيارات.

غير أننا في هذا البحث لن نقتصر على التحالفات السياسية التي شكلها الإخوان مع بعض الأحزاب أو القوى السياسية أو المجتمع المدني، لكن نحاول أن نلقى الضوء على بعض تحالفاتهم من أوجه أخرى بجانب التحالفات السياسية.

الإخوان بين الدين والسياسة

عاشت أوروبا ظروف عصيبة في القرون الوسطي حيث طغى سلطان الدين على الحياة العامة وأصبحت كل شيء تتم باسم الرب، حتى انتهكت الحريات وسلبت حياة الناس باسم الدين حتى كفر الناس بالدين ورجاله الذين اتحدوا مع الملوك وكبار الملاك ضد الشعب، ولذا انتفضت الشعوب ضد الدين ورجاله وطالبوا بفصل الدين عن الملك والعمل السياسي لما مروا به من تجارب.

ولقد وقعت بعض الأمم الإسلامية التي لم تتعامل مع الإسلام بمفهومه الصحيح وحادت عن منهجه فاستبدت بالحكم وظلمت رعاياها وانتهكت حقوقهم بمعاونة بعض رجال الدين، وهو ما جعل بعض الذين تعرفوا على حضارة الغرب المطالبة بفصل الدين عن العمل السياسي في الوطن العربي والإسلامي لخوفهم من أن يطبق النموذج الغربي في العصر الوسيط باسم الدين في الوطن الإسلامي، وقد دعم هذا الاتجاه دول الاستعمار الغربي التي عمدت إلى تفكيك الوطن الإسلامي تحت مسمى القومية.

لم ينظر الإخوان إلى هذا المفهوم الذي نظر وعاش فيه الغرب فترة من الزمن، والذي تأثر به كثير من أبناء الإسلام، لكنهم نظروا أن الإسلام إذا طبق بحق ففيه الرخاء للمجتمعات وحفظ حقوق الأفراد وممتلكاتهم.

يقول الشيخ حسن البنا:

إن الإسلام قد أفتى فى شئون الحياة جميعا، وتناول أمور الدنيا والآخرة بالبيان والإيضاح .. وما دام الإسلام قد بين للناس نظام الحكم وقواعده ووضح لهم حقوق الحاكم والمحكوم فى بيان شامل فاصل، فإن الإسلام بهذا قد ضرب فى صميم السياسة، وتناول أخص خصائص رجالها، وزج بأحكامه فى تيارها.

ويضيف:

فليس هناك شىء اسمه دين وآخر اسمه سياسة، وهى بدعة أوربية أراد خصومكم بها أن تفتر حماستكم للإسلام، وأن يصرفوكم عن نظمه إلى نظمهم الفاسدة، وليس هناك فى حقيقة الأمر إلا شىء واحد – هو شريعة الله التى صلح عليها أمر الدنيا والآخرة، ووضعت للناس أفضل النظم فى سياسة معاشهم، ومعادهم، وحكمهم، وقضائهم، وحربهم، وسلمهم، وأخذهم، وعطائهم. (1)

وجاء تأكيده على موقف جماعته من العمل الديمقراطي الذي يتفق مع شرائع الإسلام فيقول:

نحن لا نعترض على الحكم الشورى النيابى من حيث هو، فإن الإسلام قد وضع الأساس للشورى وللتناصح، ولحرية الرأى ولسلطة الأمة، ولتبعة الحكام، وهى أركان الدساتير العصرية، ولكن الذى نعترض عليه ونطالب بالتحرر منه هذه الشكليات الفارغة التقليدية التى جربناها عشرين سنة، فلم نجن منها إلا الفرقة والخلاف والشوك والحسك والصاب والعلقم. (2)

ووضع النقاط فوق الحروف حينما أكد أن الغرب هو من يرسم سياسة أمتنا ويسعى لابعادنا عن تقاليد ديننا وتعاليمه، محاولا غرس فصل الدين عن العمل السياسي من أجل مصلحته فحسب حتى لا تتحرك الشعوب بمفهوم الجهاد المقدس ضد استعماره

فيقول الشيخ البنا:

إن أوروبا يا حضرات السادة المحترمين حينما فصلت بين السياسة والدين، وبين السياسة والقومية، وبين السياسة والعلم كانت مدفوعة إلى ذلك بعوامل قهرية ضرورية: فالدين الذى كان يسودها وتؤمن به شعوبها خال تماما من التشريعات العملية والمعانى السياسية، وهو وصايا روحية محدودة فى الكتب المقدسة، وطقوس كهنوتية بين جدران الهياكل والمعابد.
والرجال الذين كانوا يمثلون هذا الدين كانوا شجا فى حلق الدولة والعلماء بما لهم من سلطان مطلق أكسبتهم إياه هذه التعاليم. وتاريخ أوروبا القديم والمتوسط سلسلة نزاع بين الأمراء والبابوات من جهة، وبين العلماء والكنيسة من جهة أخرى، بل تعد الأمر فى هذا النضال إلى الشعوب نفسها فكان النضال كثيرا ما يكون بين الشعب بأسره وبين الكنيسة.
هذه الأمور الثلاثة: طبيعة الدين الأوروبى. هيمنة رجاله على الدولة والعلم: والنضال الطويل بين نواحى الجهات الأوروبية المختلفة. كل ذلك دعا أوروبا إلى أن تفصل بين الدين والسياسة، وبين الدين والقومية، وبين الدين والعلم. فهل هذه المعانى تنطبق على الإسلام الحنيف؟. (3)

ولذا لم يحصر الإخوان أنفسهم في العمل الدعوي فقط أو السياسي فحسب بل أصبحوا جماعة إسلامية شمولية إصلاحية وسطية فهمت الإسلام على أنه نظام شامل يدخل في جميع مظاهر الحياة ليقومها وينظم شئون الأفراد والعباد دون إفراط أو تفريط.

الإخوان وغيرهم من الهيئات والأحزاب

لم يدخل الإخوان في صراع حزبي مقيت مع أحد في مصر أو غيرها من أجل الوصول للأهداف بوسائل غير مشروعة، لكنهم انتشروا وسط الناس وأظهروا فكرهم ومبادئهم، وتعاونوا مع غيرهم فيما يتوافق ومصالح الدين والوطن.

وهو ما يوضحه مؤسس جماعة الإخوان المسلمين الأستاذ حسن البنا حينما قال:

موقفنا من الدعوات فى هذا البلد دينية واجتماعية واقتصادية وسياسية - بناء على طبيعة دعوتنا - موقف واحد - على ما أعتقد - نتمنى لها جميعًا الخير، وندعو لها بالتوفيق، وإن خير طريق نسلكها ألا يشغلنا الالتفات لغيرنا عن الالتفات لأنفسنا، إننا فى حاجة إلى عدة وإلى تعبئة، وإن أمتنا - والميادين الخالية فيها - محتاجة إلى جنود وإلى جهاد، فالوقت لا يتسع لنتطلع إلى غيرنا ونشتغل به، كل فى ميدانه، والله مع المحسنين حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق. (4)

كما أنه أدرك بحسه ما سيواجه فكرته من هجوم بعض الهيئات التي تريد أن تفصل ما بين الدين والحياة، ووضع طريقة التعامل معها

فيقول:

وستسمعون أن هيئة تتهمكم بالاتصال بهيئات أخرى تكرهها، أو تصادمها فلا تهتموا بذلك أيضًا، ولا تحاولوا أن تزيلوه أو تثبتوه، فإن على المتهم أن يثبت والبينة على من ادعى، والأمر لا يتعدى أحد موقفين.
إما أن يكون هذا المتهم جادًا فيحاول أن يتأكد ويتثبت وسيؤديه تثبته ولو بعد حين إلى معرفة حقيقة دعوتكم، وأنكم لا تتصلون إلا بالله ورسوله، ولا تعملون إلا للإسلام وأهله، وإما غير جاد فيما يقول وإنما هو يتسلى بالتهم ويتلذذ بالغيبة، فهذا لن يضركم أمره شيئًا، فدعوه يتروح بهذا القول ما شاء له التروح، وسلوا الله تعالى لنا وله الهداية والتبصرة. (5)

كان موقف الإخوان من الهيئات المختلفة واضحا، فهم مع كل هيئة تعمل وفق تعاليم التدين ومن أجل الوطن، وهم حرب على كل من سعى لأخذ هذا الوطن والسير به في فلك وتقاليد ومبادئ الغرب الشاذة. وكان الأستاذ البنا دائمًا في أحاديثه وخطبه حريصًا على اجتناب الخلافيات والمسائل الخلافية فلا يثيرها في محاضراته أبدًا ولا يتكلم إلا في القضايا الإيجابية التي هي موضع الموافقة من الجميع، وكان يوصي تلامذته بذلك.

وكان شعاره وحقيقة تعامله مع المسائل الخلافية قوله:

إننا الآن في غنى عن شغل الوقت بهذه المسائل الخلافية، وإن غايتنا أن نجمع الناس على لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وعلى الأمور والقضايا المسلم بها والمعترف بها والمجمع على صحتها من جميع المسلمين، فمتى أخذنا بها وعملنا للإسلام في ضوئها وهدايتها كان لنا بعد ذلك أن نشغل أنفسنا إن كان لابد في مسائل الخلافيات وتحديد القول فيها. (6)

لقد بلغ من حرص الإخوان على التحالف – خاصة مع الهيئات الإسلامية – مبلغا عظيما، على اختلاف اتجاهاتها ومشاربها لكونها أقرب رحمًا إلى الإخوان ودعوتهم، ولذلك اشتملت قرارات مجلس شورى الإخوان الثالث الذي انعقد في القاهرة في 11 و12 ذي الحجة 1353هـ الموافق مارس 1935م على أن الإخوان المسلمون يخلصون لكل الهيئات الإسلامية ويحاولون التقريب بينها بكل الوسائط، ويعتقدون أن الحب بين المسلمين هو أصلح أساس لإيقاظهم، وهم يناوئون كل هيئة تشوه معنى الإسلام مثل البهائية والقاديانية.

نماذج من تحالفات الإخوان

كان الإخوان يسعون للوحدة مع غيرهم من الهيئات والحركات التي تتبني نفس الفكرة الإسلامية وتعمل لها، ومن أجل ذلك حول الإخوان هذه الأمنيات إلى واقع عملي، ولتحقيق ذلك الأمر كان من اللجان الأساسية بمكتب الإرشاد العام، لجنة الاتصال بالهيئات الإسلامية في مصر والخارج، وكانت هذه اللجنة مكلفة – على حسب ما جاء في اللائحة الداخلية لمكتب الإرشاد العام – بمعرفة هذه الهيئات ما أمكن ذلك وإحصائها وبمعرفة السبيل للاتصال بها ... وغير ذلك.

ضد حركات التنصير

ومن هذه التحالفات حينما ضربت فتنة التنصير جنبات المجتمع المصري تحالف الإخوان المسلمين مع جمعية الشبان المسلمين بعدما دعت الأخيرة الأزهر الشريف والهيئات الإسلامية للعمل على التصدي لحركات التنصير التي بلغت ذروتها داخل أروقة الأزهر الشريف.

حيث دعت جمعية الشبان المسلمين مجموعة من خيرة المفكرين من رجالات مصر إلى تكوين جماعة منهم تعمل على مقاومة التبشير، وفي اجتماع عام بنادي الجمعية مساء الخميس 29 من صفر 1352هـ الموافق 23 من يونيو 1933م أعلن تأليف جمعية برئاسة فضيلة الشيخ مصطفى المراغي، والتي عبرت عنها صحف الإخوان تحت عنوان [نهضة مباركة واجتماع حافل بدار جمعية الشبان المسلمين (7)

ضد فساد المجتمع

ولم يتوقف الأمر عند هذا التحالف بل تحالفت الجمعيات الإسلامية في رفع مذكرة إلى وزير الداخلية تطالبه بمحاسبة ومعاقبة الصحف التي دأبت على انتهاك حرمات المجتمع بنشر الصور العارية للنساء بعد اجتماع لهذه الجمعيات جاء فيه:

حضرة صاحب الدولة وزير الداخلية..

لا شك أن مصر في نهضتها الحاضرة تحتاج إلى تنبيه الرجولة في رجالها والأخلاق المتينة في نسائها ليكون لها من بنيان الأسرة صرح يقوم عليه تحقيق الآمال الجسام فيما تستقبله من واجبات قومية عظيمة.

وأن الجمعيات الإسلامية في مصر في اجتماع لها عقدته خصيصًا للتفكير في أسباب الضعف التي تعترض مصر في سبيل نهضتها القومية لاحظت أن شباب الأمة وفتيانها كان يجب أن يكون نصيب الوطن من قواهم وعنايتهم أكثر من نصيبه الحاضر، ولعل من أهم الأسباب التي تحرم الوطن من استثمار جميع قوى الشباب انصراف فريق عظيم منهم إلى المتعة وتوجيه كثير من مداركهم وأوقاتهم نحوها.

ومن أهم ما يمكن أن يتلافى به هذا الضعف:

أولاً: أن تكف بعض الصحف عن نشر الفصول والصور التي تهيج حس المتعة في الشباب مما يدخل بحسب اصطلاحهم في باب الأدب المكشوف والفن، ويمكننا عند الأخذ في دراسة هذا الموضوع أن نقدم تقريرًا يلم بكثير من وجوه هذه الناحية.

ثانيًا: أن تزاد الرقابة على أفلام السينما فتنقي بقدر الإمكان من المشاهد الغرامية التي يسوء فريقًا عظيمًا من الآباء أن تقع أنظار أبنائهم وبناتهم عليها.

ثالثا: ومما لا يتفق مع تقاليد مصر ودينها وجود الحمامات البحرية وغير البحرية التي يباح الدخول فيها للجنسين، وقد ضجت الأرض والسموات من ذلك في السنين السابقة، وبلغ الأمر ببعض فتيات الجامعة أن يتجردن للاستحمام في محضر الرجال وفي حفل رسمي، إن اللائق بمصر أن يكون للنساء حمامات مستقلة بهن لا يدنو منها الرجال، وبذلك يتمتع الناس جميعًا بالاستحمام، وتسلم الأخلاق عن الانحدار في الهوة الرهيبة التي هي منحدرة فيها الآن.

فالجمعيات الإسلامية ترفع إلى دولتكم هذه المذكرة مؤملة صدور أوامركم الكريمة بتوجيه عناية جديدة إلى إنقاذ الشبان والشابات من كل ما يسوء أثره في تربيتهم وبداية نشأتهم.

توقيعات لرؤساء الجمعيات

الشبان المسلمين، أنصار السنة، المسلم العامل، الإخوان المسلمين، أنصار الإحسان، الجهاد الإسلامي، التعارف الإسلامي. (8)

من أجل فلسطين

لم يقتصر أمر التحالف على المظاهر العامة الإسلامية بل تحالف الإخوان مع بعض الهيئات الإسلامية من أجل القضية الفلسطينية مثلما حدث مع جمعية الشبان المسلمين عام 1936م، حيث تألفت بدار جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة لجنة عليا لإعانة منكوبي فلسطين من لفيف كبير من أهل الفضل والوجاهة والشخصيات البارزة الذين عرفوا بالمبادرة إلى تشجيع المشروعات النافعة، وخصوصًا ما يتعلق منها بالناحية الإنسانية وخدمة العروبة والإسلام، حيث اتحدت معها اللجنة المركزية لجماعة الإخوان المسلمين من أجل نصرة فلسطين. (9)

من أجل القضية المصرية والعربية والإسلامية

تألفت لجنة تذكر رؤساء الهيئات والأحزاب والجماعات بواجبها وتدعوهم إلى العمل مجتمعين أو منفردين على تحقيق الأهداف القومية بوسائل يتفق عليها، وكانت هذه اللجنة برئاسة الأستاذ أحمد السكري وسكرتارية الأستاذ أمين إسماعيل وعضوية حضرات النائب محمد بك نصير وكمال بك عبد النبي والصاغ محمود بك لبيب والدكتور إبراهيم حسن والأساتذة حسين كمال الدين وأحمد عطية وعبد الحفيظ الصيفي وتوفيق الشاوي وصالح عشماوي.

وقد سافر بعض أعضاء الوفد إلى الإسكندرية لمقابلة زعماء الأحزاب ورؤساء الهيئات للتفاهم معهم على طريقة العمل لصالح البلاد منفردين أو مجتمعين كما تولى بقية أعضاء اللجنة الاتصال بالجمعيات والهيئات الأخرى في القاهرة للتفاهم معهم لنفس الغرض. (10)

ومن أنشطة المركز العام للإخوان المسلمين ذلك المؤتمر الذي عقده قسم الاتصال بالعالم الإسلامي بالمركز للإخوان المسلمين ودعا فيه مندوبي الهيئات العربية والإسلامية ولفيفًا من أبناء الأقطار بمصر لعقد اجتماع عام لبحث قضايا طرابلس والجزائر ومراكش وفلسطين بمناسبة الظروف الحالية وموقف دول الحلفاء منها.

وقد حضر الاجتماع لفيف من زعماء الدول العربية والهيئات الإسلامية من بينهم: سعادة عبد المجيد إبراهيم صالح باشا مع وفد كبير من أعضاء الاتحاد العربي ومندوبي جمعيات الشبان المسلمين والوحدة العربية، والهداية الإسلامية. وجبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية والأستاذ حبيب بورقيبة زعيم تونس وأبناء الجاليات العربية والإسلامية بمصر. (11)

بل إن الإخوان رفضوا بعض التحالفات والتي رأوا فيها أنها تعمل على حزبية مقيتة ولأهداف شخصية وحزبية أكثر منها وطنية، مثلما اعترضوا على التحالف مع اللجنة التنفيذية للطلاب والتي رأوا أن الشيوعيين سيطروا على مقاليد الأمر في حزب الوفد وأنهم يأخذون اللجنة إلى مرمى أخر غير القضايا الوطنية

وهو ما جعل الشيخ البنا يرد عليها بقوله:

الإخوان انسحبوا من هذه اللجنة يوم أبت الحزبية البغيضة والآراء المدمرة إلا أن تحولها عن غرضها الأسمى وعن هدفها الأعلى وتستخدمها في غير صالح الوطن وإن اللجنة التي ترى الرغيف أغلى من الحرية وتنادي بفصل مصر عن السودان لجديرة أن ينفض عنها الإخوان وينفض عنها الوطنيون الأحرار. (12)

بل إن طلبة الإخوان عقدوا تحالفات من أجل القضية المصرية، حيث عقد طلبة الجامعة مؤتمرا حاشدا أمام النصب التذكاري للشهداء بجامعة الملك فؤاد الأول (القاهرة حاليا)

وأصدروا بعض القرارات الوطنية ومنها:

  1. إرسال مندوبون عن الطلبة للاتصال بأعضاء هيئة المفاوضات ومطالبتهم برفض مشروع صدقي – بيفن.
  2. الاجتماع في الغد لأخذ القرار الفاصل على ضوء موقف هيئة المفاوضات إزاء مشروع صدقي – بيفن.

وكان من ضمن الخطباء مصطفى موسى ومصطفى مؤمن وأحمد مجاهد وحسن الحديدي، وقد تلى الأستاذ مصطفى موسى ميثاق الجبهة الوطنية لطلبه وادي النيل وأعلن مصطفى مؤمن قرارات المؤتمر وقد وقعت الهيئات التي اشتركت في المؤتمر على قراراته

وهي: الإخوان المسلمون، الحزب الوطني، الوفد المصري، الكتلة الوفدية، رابطه الطلبة المصريين، مصر الفتاة، الشبان المسلمين، جبهة مصر، رابطه الطلبة النوبيين، رابطه الطلبة السودانيين، اتحاد المدارس الثانوية، اتحاد المدارس الفنية، هيئة مكتب لجنه الطلبة التنفيذية العامة السابقة.

وجاء في برقيه الجبهة الوطنية لطلبه وادي النيل التي أبرقت لهيئة المفوضات ما يلي:

"ألوف الطلبة المؤتمرون بالجامعة اليوم تبعث إليكم بقرارها في المفاوضات بصفتكم المسئولين عنها وهو ضرورة قطعها فورا بعد أن ظهرت نيات الإنجليز والالتجاء إلى مجلس الأمن بوساطة مندوبين شعبيين مع استمرار الجهاد الشعبي بوصفه الطريق الطبيعي لنيل الحقوق". (13)

لم تقتصر تحالفات الإخوان على ما سبق فحسب، بل عقدوا الكثير من التحالفات في الكثير من القضايا التي تخص الوطن سواء مع الحركات الإسلامية أو القوى السياسية حتى أن التاريخ يذكر أنهم كانوا اللاعب الرئيسي في اتفاقيات وتحالفات ثورة 23 يوليو والتي أطاحت بفساد الملكية قبل أن يفرض العسكر سيطرتهم على مقاليد البلاد والحكم ويعيدوا الفساد مرة أخرى في أثواب جديدة، غاب فيها الإخوان سنوات طوال خلف قضبان السجون وفي لهيب الصحراء حتى خرجوا بعدما انقضى عهد عبد الناصر.

الإخوان والتحالفات السياسية

أراد السادات أن يغير الصورة القبيحة التي كانت تتزين بها مصر فترة حكم عبد الناصر، فأفرج عن القليل من الحريات وتشكيل الأحزاب بدل الحزب الواحد، وسمح بإجراء انتخابات وفق الآليات الجديدة من خلال الأحزاب السياسية.

تحالف 1984

مع عودة الإخوان إلى الساحة المجتمعية، وتولى الأستاذ عمر التلمساني بوسطيته منصب المرشد العام، استطاع أن يفتح خطوط اتصال بين الجماعة وبين كثير من القوى السياسية حتى التي كانت تعادي الإخوان – اللهم إلا القوى اليسارية والناصرية – فكان التحالف الأول مع الوفد الليبرالي

وذلك لحاجة كلا الطرفين للأخر، فالوفد لحاجة لقاعدة شعبية كبيرة ومنتشرة في المجتمع يرتكز عليها بعد عودته الرسمية للساحة السياسية، والإخوان في حاجة لمشروعية قانونية يرتكزون عليها أمام السلطة الحاكمة التي ظلت لا تعترف بالإخوان لخوفها من شعبيتها الجارفة.

يقول قطب العربي:

كان أول تحالف انتخابي في العام 1984 بين الإخوان وحزب الوفد الليبرالي لخوض انتخابات البرلمان (مجلس الشعب)، ورغم أن العلاقة بين الجماعة والحزب تاريخيا لم تكن دائما على ما يرام، إلا أن المرونة السياسية التي تمتعت بها الجماعة في ظل قيادة مرشدها الراحل عمر التلمساني ووجود قيادة سياسية تارخية على رأس حزب الوفد هو فؤاد باشا سراج الدين
وكذا حالة الانسداد السياسي والقمع الأمني التي كانت تحول دون فوز مرشحين معارضين أسهمت في إنجاز ذلك التحالف، الذي خاض الانتخابات البرلمانية بقائمة موحدة، تمكنت من اجتياز العقبة القانونية التي كانت تشترط لفوز القوائم الحزبية الحصول على نسبة 8% من الأصوات على مستوى الجمهورية
وهو ما لم يتحقق سوى للحزب الوطني الحاكم وقتها وحزب الوفد بسبب تحالفه مع الإخوان المسلمين، في حين لم يتمكن أي حزب آخر من اجتياز تلك النسبة القانونية، وبفوز قائمة حزب الوفد أصبح للإخوان ثمانية نواب لأول مرة تحت قبة البرلمان المصري. (14)

1987

لم يتحمل مبارك ونظامه البرلمان القائم فصدر حكم بحله، وكانت أحداث 1987م وتحالفاتها تختلف عن أحداث 1984م حيث شعر حزب الوفد ببعض القوة وانتشاره وسط الناس، بالإضافة لضغوط كثير من قيادته على فؤاد سراج الدين من أجل عدم التحالف مع أى قوى إسلامية أخرى وبالفعل تم لهم ما كانوا يرنون إليه.

في هذا الوقت وجد حزبي العمل والأحرار الفرصة بأن يتقدموا للتحالف مع الإخوان وهو ما تحقق بالفعل.

يقول قطب العربي:

ورغم أن الحزبين ينتميان إلى خلفيتين متعارضتين فالأول (العمل) يساري معتدل يمثل امتدادا لحزب مصر الفتاة الذي أسسه المناضل الوطني أحمد حسين منذ منتصف الثلاثينات في مصر، والثاني ليبرالي معتدل أسسه أحد الضباط الأحرار وهو مصطفى كامل مراد، إلا أن السمات المحافظة لرئيسي الحزبين، ورغبتهما في الانفتاح على الفكر الإسلامي أسهمت في إنجاز أول تحالف إسلامي في تاريخ مصر ضمهما إلى جانب الإخوان
وخاض الجميع الانتخابات بقائمة موحدة حصدت المركز الثاني بعد الحزب الحاكم بعدد 66 مقعدا مقابل 30 مقعدا لحزب الوفد (كان للإخوان 36 نائبا وللعمل والأحرار 30 نائبا)، وليصبح للمعارضة مجتمعة سواء أحزابا او مستقلين حوالي مائة نائب يمثلون حوالي ربع البرلمان بينما حصل الحزب الوطني الحاكم على ثلاثة أرباع المقاعد. (15)

غير أن هذا التحالف لم ينفض كسابقه بعد انتهاء الانتخابات وحضور الأعضاء للبرلمان، لكنه استمر كتحالف إسلامي حتى أنهم شاركوا في الانتخابات المحلية بنفس التحالف و العديد من الانتخابات النقابية المهنية في قوائم مشتركة.

ولكن هذا التحالف لم يعمر كثيرا بعد ذلك خاصة بعد تعديل القانون الانتخابي والتحول إلى النظام الفردي بدلا من نظام القوائم، ومع ذلك ظل هناك تنسيق بين الإخوان وحزب العمل بشكل خاص، وكان هذا التسيق الانتخابي يمتد لبعض الشخصيات المستقلة.

انتخابات النقابات

كانت النقابات المهنية وهى استمرار طبيعى للجامعات المصرية بمثابة نقطة بديلة سعت جماعة الإخوان من خلالها لفرض انتشارها ووجودها السياسى والمجتمعى، ومحاولة تعويض المعوقات السياسية التى فرضها النظام ضدها.

وحين خاض الإخوان انتخابات النقابات المهنية منذ منتصف الثمانينات حققوا نجاحات مضطردة، وصولا إلى تحقيق الأغلبية في مجالس معظم النقابات، وكان منها نقابة المحامين التي كانت عرينا خالصا لليبراليين واليساريين من قبل، ومما سهل للإخوان الحصول على تلك النتائج هو التحالفات التي دخلوا بها والتي ضمت شخصيات متنوعة إلى جانب مرشحيهم المعروفين

وكان من بين هذه الشخصيات من ينتمون لقوى سياسية ليبرالية أو يسارية أو مستقلين، لكن الحرص على وجود أغلبية مريحة للإخوان ضمن تلك القوائم، وشعور مرشحي القوى الأخرى بالتهميش، وتعذر فوزهم في قوائم أخرى أسهم في توتير الأجواء وهو ما استغلته السلطات المصرية للتدخل وفرض الحراسات على النقابات المهنية. (16)

دخل الإخوان حوارات مع القوى والأحزاب السياسية المعارضة منذ أواخر الثمانينات، وعقدوا مع تلك القوى العديد من المؤتمرات السياسية المشتركة، ففي نقابة الصحفيين تحالف الإخوان مع بعض القوى اليسارية حيث نجح منهما صلاح عبدالمقصود ويحيى القلاش، إلا أن هذا التحالف استمر فيما بعد حتى حصد تحالفهما ثمانية مقاعد من أصل 12 مقعد في مجلس نقابة الصحفيين، ولكن هذه القمة التي بلغها التحالف كانت هي نهايته أيضا حيث بدأت الخلافات على المناصب الرئيسية داخل المجلس.

تحالفات جماهيرية

أعاد الإخوان تحالفاتهم الجماهيرية والشعبية في مواجهة النظام الحاكم وسياساته مثلما عقدوا تحالف شعبوي وجماهيري ضد ملف التوريث الذي كان يسعي نظام مبارك تمرير سواء دستوريا أو قانونيا.

يقول العربي:

كما شارك الإخوان مع القوى السياسية المعارضة في إصدار وثيقة "الميثاق الشعبي للإصلاح الديمقراطي" في عام 1990 بتوقيع كل من فؤاد سراج الدين رئيس حزب الوفد وخالد محيي الدين رئيس حزب التجمع اليساري، ومصطفى كامل مراد، رئيس حزب الأحرار الليبرالي وإبراهيم شكري رئيس حزب العمل، ومأمون الهضيبي رئيس المكتب السياسي للإخوان المسلمين، وإبراهيم البدراوي عن الشيوعيين، إلي جانب مجموعة من السياسيين والمثقفين كان من بينهم د. فرج فودة، وتركزت على ثلاثة مطالب: إلغاء حالة الطوارئ، وضمان سلامة الانتخابات العامة، وإطلاق حرية تأسيس الأحزاب وإصدار الصحف.

وقد أسهم الإخوان في تلك الفترة ومن خلال حضورهم القوي في النقابات المهنية في تأسيس لجنة التنسيق بين الأحزاب والقوى السياسية والنقابية، وكان لهذه اللجنة فروع في غالبية محافظات مصر. (17)

وفي العام 2004 تأسست حركة كفاية بمبادرة من بعض الرموز الوطنية المتنوعة وشارك الإخوان فيها، ولم يقتصر الأمر عند ذلك بل نشأ التحالف الوطني من أجل الإصلاح والتغيير عام 2005م، ثم تحالف الجبهة الوطنية للتغيير والتي تأسست في مارس 2010م بقيادة الدكتور محمد البرادعي

وضمت طيفا واسعا من القوى السياسية والرموز الوطنية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار والإسلاميين، ومثلت أكبر مظلة للعمل الجبهوي، وأصدرت الجمعية وثيقة إصلاح تتضمن 7 مبادئ مشتركة وقع عليها مليون مصري، وكان للإخوان حضور قوي في هذه الجمعية

كما دشن المرشد العام وأعضاء مكتب الإرشاد حملة كبرى لجمع التوقيعات، وأسسوا لها موقعا خاصا نجح في جمع 850 ألف توقيع وتمكن موقع الجمعية الوطنية من جمع أكثر من مائتي ألف توقيع، وكانت هذه الوثيقة وتلك التحركات هي الممهدة لثورة يناير (18)

وبعد نجاح الثورة كون الإخوان التحالف الديمقراطي من أجل مصر كتحالف انتخابي والذي جمع ما يقرب من 10 أحزاب منها الليبرالي واليساري والناصري إلا أن هذا الحلف لم يستمر بعد حل البرلمان2012م. كانت هذه بعض التحالفات التي شكلها الإخوان في تاريخهم مما دل على سلاسة فكر الإخوان في التوافق مع الغير فيما يخص مصلحة الوطن والعباد وبما يخالف منهجهم المتوافق مع الشريعة الإسلامية.

المراجع

  1. حسن البنا: الإخوان بين السياسة والدين، جريدة النذير، العدد (10)، السنة الأولى 5 جماد ثان سنة 1357/ 1 أغسطس 1938، صـ3.
  2. حسن البنا: الدستور والقرآن، جريدة النذير، العدد (31)، السنة الأولى، 11 ذو القعدة 1357 - 3 يناير 1939، صـ3.
  3. حسن البنا: هذه الثلاثة من أركان الإسلام (الدولة، والقومية، والعلم)، مجلة التعارف، العدد (4)، السنة الخامسة، السبت 30 محرم 1359ه - 9 مارس 1940م، صـ1.
  4. حسن البنا: طبيعة دعوتنا البناء .. وليس من طبيعتها الهدم، جريدة الإخوان المسلمين، العدد (1)، السنة الخامسة، 11 ربيع الأول 1356ه- 21 مايو 1937م، صـ1.
  5. المرجع السابق.
  6. جمعة أمين عبدالعزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، جـ3، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2004م، صـ534.
  7. جريدة الإخوان المسلمين: السنة الأولى – العدد 3 – 6 ربيع الأول 1352هـ - 29 يونيو 1933م.
  8. المرجع السابق: السنة الرابعة – العدد 11 – 4 ربيع الثاني 1355هـ - 23 يونيو 1936م.
  9. المرجع السابق: السنة الرابعة – العدد 8 – 12 ربيع الأول 1355هـ - 2 يونيو 1936م.
  10. الإخوان المسلمون: العدد 70 – السنة الثالثة – 14 شوال 1364هـ - 20 سبتمبر 1945م، صـ 7.
  11. المرجع السابق: العدد 72 – السنة الثالثة –28 شوال 1364هـ - 4 أكتوبر 1945 – صـ19.
  12. الإخوان المسلمين اليومية: العدد 26 – السنة الأولى – 3 رجب 1365هـ - 3 يوليو 1946م – صـ1.
  13. المرجع السابق: العدد 164 – السنة الأولى - 23 ذو الحجة 1365ه، 17 نوفمبر 1946م، صـ2.
  14. تحالفات الاسلاميين: تحولات في السلوك السياسي أم ضرورات المرحلة؟: 22 مارس 2019
  15. المرجع السابق
  16. المرجع السابق
  17. المرجع السابق
  18. مسار تحالفات إسلاميي مصر.. التعثر والنجاح (2من2): 22 مارس 2019