الإخوان وعبدالناصر ومؤامرة ضباط مدرسة المشاة 1966م

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإخوان وعبدالناصر ومؤامرة ضباط مدرسة المشاة 1966م


إخوان ويكي

مقدمة

عاش جمال عبدالناصر منذ أن التحق بالكلية الحربية يحلم بالانقلابات لكونه لن يصل إلى مبتغاه إلا بمثله هذه الأعمال، فانضم إلى كل الحركات التي شعر أن لها قوة وأنها من الممكن أن تساعده على ما يرنوا إليه فنراه ينضم إلى النظام الخاص بجماعة الإخوان المسلمين، كما نراه في نفس التوقيت ينضم إلى الحركة الشيوعية في مصر، وليس ذلك فحسب بل انضم إلى حزب مصر الفتاة بحكم أنه حزب ثوري وقانط على الأوضاع في مصر.

لا أحد يفهم ما الرابط بين عبدالناصر ولغة الانقلابات، حتى أنه بعد أن أطاح بمحمد نجيب واستتب له الحكم ظل هاجس الانقلابات العسكرية تسيطر عليه وعلى نظامه، فإن أراد ضرب الشعب المصري أتهم بعضه بالتدبير لعمل انقلاب عليه، وإذا أراد أن يطيح ببعض شركاءه ادعى أنه يشارك في التخطيط للانقلاب عليه، بل إذا أراد نظامه ومخابراته أن يبثوا الخوف فيه أوعزوا إليه أن انقلاب يدبر له. وأن مؤامرة لاغتياله تحاك في الخفاء.

وهكذا سطرت كتب رفاقه في مجلس قيادة الثورة، كما سطرت شهادات كل من عمل في فترة حكمه في إحدى المؤسسات في مصر هذا الأمر. لقد أجبر الإنقلاب العسكري الذي شارك فيه عبدالناصر مع غيره من العسكر الملك فاروق على التنازل عن العرش، قبل أن يتم إرساله هو وعائلته على متن يخت فاخـر إلى المنفى في إمارة موناكو.

لكن بعدها ظل شبح وخيوط المؤامرات والفزع من الإنقلابات، هاجس يؤرقه في يقظته ومنامه حتى تحولت البلاد إلى سجن يُحكم بالقبضة البوليسية. حيث العيون لا تكن نائمة ولا حتي مغمضة إذ كل همسة تنبس بها شفة مرصودة ومنقولة (كما ادعى عبدالناصر ونظامه).

أحداث الستينيات

كانت البلاد تعيش في محنة حقيقية وأزمة اقتصادية فادحة وطبقية اجتماعية طاغية وخوف من كل شيء سواء على المستوى الداخلى أو الخارجي. كانت مصر تعيش في وسط وأواخر الخمسينيات نشوة الزعيم الذي انتصر على جيوش بريطانيا وفرنسا وإسرائيل أثناء العدوان الثلاثي، والتي سبقها قرار تأميم شركة قناة السويس.

أصبح عبدالناصر زعيم في نظر الكثيرين وتمنى البعض أن يحكمه عبدالناصر (خاصة بعض بلاد الشام) وبسبب سيطرة العسكر على الحياة في البلاد العربية فقد أعلن بعضهم (خاصة الشيوعيين والبعثيين) عن تنصيب الزعيم عبدالناصر على رأس الوحدة تحت قيادته، حيث تشكلت وحدة بين مصر وسوريا عام 1958م.

لكن أدرك السوريون أن قراراهم كان متعجلا بالوحدة مع مصر وتحت قيادة عبدالناصر، كما أدركوا أنهم انضموا إلى نظام ديكتاتوري عسكري مستبد ومركزي للغاية، والذي دمر بشكل متزايد السياسة السورية التقليدية والاقتصاد.

وفي الواقع، لم تكن سوريا موجودة خلال تلك الفترة، وإنما كانت الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة. وهو ما لم يعجب بعض العسكر بسبب تهميش الدولة السورية، ولذا وقع انقلاب 28 سبتمبر 1961م بقيادة العقيد عبد الكريم النحلاوي (كان الانقلاب السادس في تاريخ سوريا الحديث) والذي كان من نتائجه انفصال سوريا عن مصر. (1)

ثم كانت حرب اليمن التي دعم فيها عبدالناصر بكل طاقته الجمهوريين ضد الملكيين، حيث دفع بتشكلات من الجيش المصري إلى اليمن عام 1962م إلا أن الزمام فلت من يده وأنهكت الحرب قدرات بلاد الاقتصادية والعسكرية وأتت بنتائج وخيمة على مصر تمثلت في هزيمة الجيش المصري في اليمن ثم هزيمته الكبرى في نكسة 1967م. كان عبدالناصر لابد أن يشغل الرأى العام عن تلك الأحداث ومجريات الأمور، فكانت فكرة ادعاء الانقلاب عليه تظهر بين الحين والأخر.

ففي 1965م زعم نظامه أن الإخوان المسلمين بقيادة سيد قطب يعدون العدة للانقلاب على الدولة والتخلص من عبدالناصر، وهو ما سخر من أجله كل مؤسسات الدولة للقبض والتحقيق مع كل من يأتي اسمه حتى ولو بالخطأ على لسان أحد المتهمين انتهت بإعدام الشهيد سيد قطب وأثنين من رفاقه، غير من ماتوا تحت التعذيب، غير الآلاف الذين زج بهم في السجون سواء رجال أو نشاء أو حتى أطفال، سواء كانوا على صلة بالإخوان أو غيرهم من الشعب المسكين.

يقول محمد الصباغ:

فى أثناء زيارة جمال عبد الناصر إلى الاتحاد السوفييتى فى أغسطس 1965 أعلن عبد الناصر أثناء لقائه مع الطلبة العرب، وهو يتحدث إليهم عن ضبط تنظيم جديد للإخوان المسلمين يهدف إلى قلب نظام الحكم واغتياله هو ورموز الدولة، كان هذا الإعلان هو الأول بعد إلقاء القبض على أفراد كثيرة من تنظيم الإخوان وفى مرحلة مبكرة جدا من التحقيقات، وكانت المفاجأة أن يتم هذا الإعلان خارج مصر وفى الاتحاد السوفييتى تحديدا. (2)

كانت هذه السنوات مليئة بالأحداث حيث كلف عبدالناصر الجيش بالإشراف على كل شيء مدعيا أن الفساد منتشر في كل ركن في الوطن وأن الجيش هو الوحيد القادر على التصدي لذلك، لكنها جاءت بنتائج عكسية إذا شعر عبدالحكيم عامر بأنه صاحب التأثير في مجريات الأمور فسعى لازاحة عبدالناصر.

يقول الرائد رياض إبراهيم (رئيس المباحث العسكرية عام 1965م):

كلفت القيادة السياسية القوات المسلحة بحماية الشرعية الثورية وحماية المكاسب الاشتراكية بعد عام 1961.. وقامت القوات المسلحة بتكليف الشرطة العسكرية بتنفيذ هذا التكليف، فتصدت للانحراف فى المجمعات الاستهلاكية، وتوصيل السلع إلى مستحقيها الحقيقيين
كما كلفت القوات المسلحة بمكافحة التسيب والانحراف والفساد المستشرى فى مؤسسة النقل العام وأشرفت القوات المسلحة على إدارة وتشغيل الأوتوبيسات حتى انتظم سير العمل بها، وقد تم ذلك بأوامر مباشرة من الرئىس جمال عبد الناصر إلى المشير عبد الحكيم عامر.. كما امتد جهد القوات المسلحة إلى القطاع العام بعد التحول الاشتراكى وشعور المسؤولين بضرورة تحلى إدارته بالرقابة والانضباط. (3)

صراع دار بين صديقين في الماضي أعداء الحاضر حول من يتحكم في زمام الأمور حتى انتهت بتدبير حادثة اغتيال لعبدالحكيم عامر والاطاحة بكل رجاله.

ما هي مدرسة المشاة؟

أدرك محمد علي باشا أنه لن ينجح في تأسيس جيش نظامي لمصر دون إنشاء مدارس حربية لتدريب التلاميذ على أحدث وسائل القتال، وكيفية إدارة المعارك بما يتلائم مع مستجدات العصر آنذاك.

وكانت بداية نشأة مدرسة المشاة في عهد محمد علي والذي حاول أن يكون جيش على الطراز الحديث يحمي ملكه ودولته الناشئة، حيث كان أول مكان لها في الخانكة، ثم نقلت المدرسة الى دمياط سنة 1834، ثم إلى ابي زعبل سنة 1841م، وهي المدرسة التي يتخرج منها جمال عبدالناصر بعد ذلك. (4)

كذبة مؤامرة ضباط مدرسة المشاة

ظل الفزع يتملك حياة عبدالناصر والخوف يملأ قلبه من حدوث انقلاب عليه فيبعده عن السلطة، ولذا كان يعتقل ويعذب كل من تحوم حوله شبهة حتى ولو أقرب أصدقاءه. فبعدما انتهت التحقيقات في قضية سيد قطب وإخوانه، تم القبض على عدد من ضباط المشاة وتقديمهم إلى المحاكمة حيث ظلوا في السجون حتى أفرج عنهم السادات قبل حرب 1973م.

يقول محمد الصباغ:

وكان من ضمن هذه القضايا التي تقدمت ببلاغات إلى لجنة التحقيق في عهد السادات، مثلا "مؤامرة ضباط مدرسة المشاة" وكان قد تآمر بعض الضباط من مدرسة المشاة لقلب نظام الحكم وتم ضبطهم بعد الانتهاء من قضية الإخوان المسلمين، وكانت قضية مدرسة المشاة فى مارس 1966، وكان يشك أن لهم اتصالا خارجيا يربط بين الإخوان وبينهم، ولذا عُجل بضبطهم وحوكموا وصدرت ضدهم أحكام وقاموا بتنفيذها وأفرج عنهم أنور السادات فى أثناء فترة حكمه الأولى، والتى سبقت أكتوبر 1973. (5)

لكن سامي جوهر التقى بأصحاب المؤامرة التي زعم عبدالناصر أنهم دبروها للإنقلاب على الحكم والاطاحة بعبد الناصر وسمع منهم ما حدث لهم، سطره في كتابه الموتى يتكلمون

حيث قال:

ولعل أصدق صورة لألوان التعذيب هى التى يرويها واحد ممن تعرضوا لها... وفى الصفحات القادمة يروى العقيد متقاعد نصر الدين محمد الإمام كيفية تعذيبه هو وتسعة من زملائه كانوا يدبرون لنظام الحكم.. كان نصر واحد من المتهمين فيما أسموه مؤامرة مدرسة المشاة.. وزملاؤه فى الاتهام هم العقداء إبراهيم طه إبراهيم وبهى الدين مرتضى وعلى إبراهيم الجندى والمقدم مهندس عادل المنياوى والملازم أول عبد الملاك ميخائيل غطاس..

والمتهم الأخير وهو مسيحى وضع لابعاد الشبهة عن حقيقة تدبير السوفيت للإطاحة ببقية المتهمين... فقد كان المتهمون التسعة من المعروفين بشدة تمسكهم بتعاليم الدين وتأدية الصلاة فى مواعيدها حتى وهم فى مكاتبهم.. وكان ذلك يثير الخبراء السوفيت الذين انتشروا فى مختلف وحدات الجيش بحجة تدريب قواتنا على السلاح السوفيتي..
واستطاعوا أن يحركوا أعوانهم فى مكتب المشير وفى سكرتارية عبد الناصر ضد تلك المجموعة وخاصة بعد أن كان بعضهم بدأ يناقش حرب اليمن وهل من يموت فيها يعتبر شهيدا أم لا.. لأنها حرب ليست لنشر العقيدة الإسلامية وإنما حرب يقاتل فيها المسلم أخاه المسلم. (6)

ويضيف العقيد نصر الدين محمد الإمام تفاصيل القبض عليه.. قال أنه

فوجىء برجال المباحث الجنائية العسكرية يقتحمون مسكنه برئاسة تلميذ له هو الرائد حسن كفافى.. كان الوقت بعد منتصف الليل.. أيقظوا أطفاله وزوجته وأمه المريضة التى لقيت ربها بعد ذلك بأسبوعين..حبسوا الجميع فى غرفة.. وبدأوا يفتشون مسكنه..
وعثر حسن كفافى على مبلغ ألف وخمسمائة جنيه كان نصر أدخرها لشراء تاكسى يعاونه إيراده فى مجابهة تكاليف المعيشة.. وأخذ حسن لنفسه المبلغ مدعيا أنه سيعيده عندما يتأكد من مصدره.. وطبعا اختفى المبلغ للأبد... وبعد أن مزقوا المراتب بالمطاوى بحثا عن أدلة ولم يجدوا شيئا اصطحبوه إلى السجن الحربى.

ولم أكن أعلم لماذا قبضوا على.. حاولت أن أسأل حسن كفافى عن السر وراء ذلك.. لم يجبيني بشىء إلا أنه :تلقى الأوامر بذلك وأن زملاؤه تلقوا أوامر مماثلة للقبض على آخرين من الضباط..

حاولت أن أعرف منه أسماء زملائى الذين قبضوا عليهم.. ولكنه لم يكن يعرف شيئا.. ودخلت السجن الحربى... كنت ارتدى ملابسى المدنية... وقبل أن يغلق باب السجن وجدت مايستروا التعذيب فى السجن الحربى صفوت الروبي وكان برتبة رقيب أول ثم رقى فى خلال عام 1966 ترقية استثنائية إلى رتبة مساعد وفى عام 1967 رقى ترقية استثنائية إلى رتبة الملازم لمهارته فى تعذيب من يوقعه سوء حظه ويدخل السجن الحربى..
كان صفوت يقف ممسكا بكرباج وحوله ثلاثة أشبه بعمالقة القرون الوسطى.. ولكل منهم اسم مستعار.. أحدهم يطلقون عليه الديزل والثانى سامبو والثالث الأسود.. وانهال الأربعة على بالكرابيج...وكنت كلما جريت ناحية واجهنى أحدهم بكرباجه بعد أن تلقيت ما يزيد عن المائتى كرباج.
وأسعفونى.. وكان الذى يقوم بعمليات الإسعاف العقيد طبيب حاليا ماجد حمادة وكان برتبة الرائد.. ثم حملونى إلى زنزانة مظلمة تماما... ليس بها أى منفذ ضوء... وألقونى داخلها... وارتميت على الأرض ورفعت عينى إلى سقف الزنزانة وصرخت "يا رب"..
وفتح باب الزنزانة بعنف ودخل "الديزل:" وانهال على جسدى المكوم فى ركن الزنزانة بالكرباج وهو يردد " مستنكرا" أنت بتقول يارب... يا ابن.. هنا مفيش ربنا... وأن جه حنحطه جنبك فى الزنزانة... ثم أمرنى بالجلوس القرفصاء ووجهى إلى الحائط وأن أرفع ذراعى إلى أعلى... وامتثلت لأوامره... ولا أعرف كم من الوقت مضى على وأنا فى ذلك الوضع... ولكننى أفقت على الكرابيج تلهب جسدى ويبدو أنى من شدة الإرهاق غلبنى النعاس فارتميت على جانبى...
وأمرنى صفوت الروبي بخلع ملابسى... توقفت عند ملابسى الداخلية فانهالوا على بالكرابيج ... وأصبحت عاريا تماما... وألقوا لى بافرول أزرق ممزق به اثار دماء ممن سبقونى فى ارتدائه... واقتادونى إلى خارج الزنزانة... إلى الفناء... وعلى باب غرفة مدير السجن قال لى صفوت:
حتقابل دلوقت شخصية كبيرة... عايزك تجيب قدامه كل اللى فى بطنك... ماتخبيش حاجة.
ووجدتنى وأنا العقيد أقول للرقيب أول:
حاضر يا بك..
ودخلت الغرفة... وكان شمس بدران يتصدر الغرفة جالسا وراء مكتب.. وعن يمينه مختار صالح رئيس المخابرات الحربية وعن يساره وإلى جواره جلال الديب نائب الأحكام...
وبادرنى شمس قائلا:
اتكلم يا نصر عن كل حاجة.. زملاءك اعترفوا وما تحاولش تنكر.
وتساءلت بصدق:
عن إيه يافندم أتكلم.. أنا ما أعرفش حاجة.. أنا مخلص لبلدى وجيشى.. أنا... ولم أكمل جملتى فقد شعرت بثقل جبل يسقط فوق رأسى فارتميت على الأرض وفى ثوان كنت معلقا من يدى وقدمى.. رأسى إلى أسفل وقدمى إلى أعلى.. أشبه بالذبيحة فى محل الجزار.. وصوت شمس بدران يأمر قائلا: ألف
وانهالت الكرابيج على قدمى.. وصوت يعد واحد.. اثنين.. وأغمى على ولم أسمع شيئا بعد رقم 297.. وعندما أفقت وجدت نفسى ملقى فى نفس الزنزانة وأمامى الدكتور ماجد حمادة يضمد جروحى..
وبقيت فى الزنزانة ثانى يوم.. بدون طعام أو شراب حتى الليل.. عندما فتح بابا الزنزانة مرة أخرى كنت فى حالة من الإنهاك والإنهيار التام.. ويحبونى إلى خارجها .. إلى فناء السجن حيث يوجد تمثال كبير لجندى ممسكا ببندقيته.. وحول التمثال على شكل دائرة 6 جنود.. ثلاثة منهم ممسكين بالكرابيج وثلاثة ممسكين بسلاسل مقيد بها ثلاثة من كلاب الحرب... والكلب منهم فى حجم الحمار الصغير...
وفى منتهى الشراسة.. وأمرنى صفوت أن أجرى حول التمثال.. وحاولت أن أنفذ الأمر.. ولكن قدمى لم تستجيبا للأمر.. كانت متورمتين.. وبدأت أمشى بخطوة سريعة.. وعندما أصل فى دورتى إلى أحد الجنود الممسكين بالكرابيج يلهب ظهرى أو وجهى أو صدرى بكرباجه ... وعندما أصل إلى أحد الممسكين بالكلاب.. يطلق كلبه لينهش فى جسدى بعد أن مزق ما بقى من الافرول الأزرق ...
وبعد عدة جولات حول التمثال سقطت من شدة الإعياء فأطلقوا الكلاب لتنهش فى جسدى.. ولم اشعر بشىء...

وعندما فتحت عينى.. ولا أعرف كم من الأيام أو الساعات.. وجدت أننى لست بمفردى فى الزنزانة.. وضعوا حاليا فى معرض الطب البيطرى بالعباسية.. ولكن قدرة الله سبحانه وتعالى حولت ذلك الكلب الشرس.. كلبا وديعا جدا معى... بل كان أشد رحمة بى من الإنسان فى السجن الحربى...

ويصمت العقيد نصر الإمام للحظة وقد اختنق صوته بالبكاء ... وهو يتذكر تلك الأيام الحالكة السواد فى حياته فحسب بل وفى حياة الأمة بأكملها ويقول:
شعر الكلب بما أقاسيه ... وكان يأتى يتمسح فى جسدى... يلعق بلسانه جراحى... وعندما كان يفتح باب الزنزانة لتقديم وجبات الطعام له.. وكانت فى الصباح آنية بها لبن... وفى الظهر أنية بها شوربة بجوارها لحم نيىء... وفى المساء... وكان يشرب من الآنية بعض اللبن ثم يدفعها بأرجله ناحيتى.. وكنت أشرب ما تبقى منه من لبن..
ومرت أيام وأنا على تلك الحال... ثم اصطحبونى إلى التحقيق مرة أخرى.. وقبل أن أدخل غرفة التحقيق سألنى صفوت الروبى.
تعرف عفت؟
وقلت له: إن هذا اسم زوجتى
فقال لى ناصحا: أنهم أحضروها وسيهتكون عرضها إن لم ترح شمس بدران بك وتوافقه وتحكى له كل شىء. ولم أصدق أن النذالة تبلغ بهم تلك الدرجة.. ودخلت غرفة التحقيق وقد قررت أن أستغل بطولتى السابقة فى المصارعة فى أحداث عاهة لأى شخص يقترب منى محاولا تعذيبى .. وكنت قد استرددت بعض قواى فى الأيام السابقة التى تركونى فيها داخل الزنزانة مع الكلب عنتر...
وبدأ شمس بدران يسألنى عن صلتى بالعقيد إبراهيم طه... وقلت له أننى لم أره منذ عام وكان من تلاميذى فى مدرسة المشاه .. ولم تعجب أجابتى شمس ... فانهال بالشتائم... وفى لحظات وجدت نفسى ملقى فوق الأرض... وفى لحظات معلقا كالذبيحة والكرابيج تنهال على حتى فقدت الوعى..
وافقت بعد يوم أو أيام.. لأجد نفسى فى نفس الزنزانة... والكلب عنتر يلعق بلسانه جراحى.. ثم أخذونى إلى الخارج... ووقف حلفى العسكرى سعد درويش وهو حاليا عسكرى مطافىء بشركة الغزل والنسيج فى كفر الدوار ومحبوس على ذمة قضايا التعذيب..
وكان سعد يقوم بنفس دور العسكرى الأسود الذى استخدمه إبراهيم عبد الهادى أحد رؤساء وزراء مصر فى عهد الملك النقراشى السابق فاروق لتعذيب الإخوان المسلمين بعد حادث اغتيال زميله النقراشى..ووقف صفوت الروبى أمامى.. وسأل سعد:
هل اعتديت عليه يا سعد؟..
وأجاب سعد:
لسة يا افندم
ورد صفوت:
طيب خده..
ودفعنى سعد أمامه.. فرتميت على يد صفوت الروبى أقبلها معلنا استعدادى أن أقول أى شىء .. وأمره صفوت أن يتركنى.. وأخذنى إلى غرفة التحقيق.. وسألنى شمس :
ايه الاتفاق اللى تم بينك وبين محمد نجيب؟
وأجبته صادقا:
محمد نجيب لم أره منذ عام 1959 ... رأيته مصادفة أخر مرة وكانت معه حراسة فى محل يشترى أطباقا...
ورد شمس:
أنت كداب.. أنتم كنتم حتجيبوه رئيس الجمهورية لما تنجح حركتكم مع الإخوان المسلمين..
وأجبته صادقا:
أنا ماليش دعوة بالإخوان أو بمحمد نجيب
ووقف شمس بدران ثائرا وتقدم منه صفوت سائلا:
اعمل له مولد يا افندم..
وأجاب شمس باقتضاب:
طيب.
وفى ثوان كنت معلقا كالذبيحة.. ثم وضعوا بين أصابع قدمى ورق كرتون وأعتقد أن الرحمة نزلت فى قلوبهم وأرادوا إبعاد أصابعى عن بعضها حتى لا تحتك الجروح بها... وفوجئت بهم يشعلون النار فى الكرتون وتحترق أصابعى بالنار وهم ينهالون على ضربا بالكرابيج... حتى فقدت الوعى...
وعندما افقت.. بعد يوم أو أيام لا أدرى... وجدت نفسى فى الزنزانة وشعر الحراس بأننى أتحرك... وجاء لى صفوت الروبى واقتادونى إلى الخارج وأعلننى أنه صدر الحكم بإعدامى رميا بالرصاص.. ولكن شمس بدران بك قرر أن أدفن حيا.. وفعلا اقتادونى إلى حفرة كبيرة وألقوا بى بداخلها ثم بدأوا يهيلون الرمال فوقى حتى غطتنى تماما ما عدا رأسى.. وأغمضت عينى بعد أن رددت الشهادتين..ز وفجأة دوى صوت أعتقد أنه صوت شمس بدران أو حمزة البسيوني يأمر بإخراجى ... وأزاحوا الرمال وأخرجونى...
ووقفت أمام حمزة البسيوني ... وشمس بدران.. وقال حمزة.
ازاى نبعته لربنا وفيه فى جسمه حتة سليمة..
وقاموا بخلع ملابسى ... ووقفت عاريا تماما... وكانت آثار السياط والجروح تغطى كل صدرى وظهرى وذراعى وقدمى... ونظر حمزة البسيونى إلى عضوى التناسلى وأشار ضاحكا:
ده لسة سليم ليه؟ احرقوه..
وعلى الفور أحضروا سيجارة مشتعلة وبدأوا يحرقون العضو التناسلى فى عدة مواضع ثم قيدونى وبدأ حمزة البسيونى بنفسه بواسطة آلة فى يده ينزع أظافر أصابعى العشرين.. أصابع يدى وقدمى...
ونقلونى فى هذه المرة إلى المستشفى... مستشفى السجن وعندما أفقت وجدت ذراعى وفيها "إبرة الجلوكوز".. وجاءنى جلال الديب نائب الأحكام الذى استطاع الهرب هو الآخر حاليا إلى الخارج... ونصحنى أن أعترف بكل شىء... وطلبت منه أن يكتب أى شىء وأنا مستعد للتوقيع عليه..
وتحسنت معاملتى.. وأحضروا لى طعاما فاخرا... ولكننى لم أكن أستطيع أن أمضغ أى طعام لتورم شفتى وتهشم أسنانى.. وكانوا يساعدوننى فى وضع كوب العصير فى ناحية من فمى لأرتشف نقطة أو اثنين وأتوقف من شدة الآلام عندما أحرك شتى..
ثم جاءنى جلال الديب بإقرار يتضمن قصة خيالية عن مؤامرة كنا ندبرها للقيام بانقلاب عسكرى للإطاحة بالرئيس السابق... ووقعت على القرار.. ودخلنا السجن... حتى جاءت النكسة وصدر قرار جمهورى بالعفو عنا وشطب القضية وكأنها لم تكن... وأفرج عنا... ولكننا عدنا للسجن مرة أخرى بعد 43 يوما لنبقى به حتى أفرج عنا الرئيس السادات بعد أن أطاح بمراكز القوى وأعوان السوفيت من المحيطين بالرئيس السابق جمال عبد الناصر. (7)

ويضيف العقيد نصر الدين الإمام:

انهم كانوا يتفننون فى ألوان التعذيب... كانوا لا يتركون وسيلة سمعوا عنها أو قرأوا تفاصيلها من وسائل التعذيب إلا واستخدموها التعذيب النفسى.. يجعلونك تعيش ساعات وكأنك أصبحت مطلق السراح وأنهم أصدقاء لك ثم فجأة ينقلبون إلى وحوش كاسرة تنهال عليك بالضرب والركل بالأقدام...
لقد اتبعوا تلك الوسيلة مع زميل العقيد بهى الدين مرتضى رئيس مجلس مدينة راس سدر حاليا وواحد من الذين شاء سوء حظهم أن يقع فى أيديهم لشدة إيمانه بالله.. إنهم استخدموا معه كل وسائل التعذيب التى استخدموها معى... ولم يخضع لرغباتهم فى الاعتراف بأشياء لم تحدث... وفى إحدى الليالى اقتادوه من زنزانته إلى غرفة التحقيق... ووجد شمس بدران فى انتظاره... وما كاد يراه حتى احتضنه شمس بدران معلنا أسفه الشديد لما حدث له
وأنه كان نتيجة خطأ سيعاقب بسببه المسئول عنه... ثم دعاه إلى عشاء فاخر... وأثناء جلوسهما طلب منه شمس أى يرى له أحدث ما سمعه من نكت سياسية... وأطمأن بهى إليه وإلى الجو الودى المحيط به... وكان بهى معروفا بأنه رواية نكت ممتاز وروى له النكتة الأولى...
وضحك شمس بدران... وطلب نكتة أخرى... ورواها بهى..
وضحك شمس بدران... ثم وقف ثائرا وقلب المائدة قائلا:
اضربوه حتى يموت.. أنه مصدر كل النكت عنا السوفيت..
وهكذا كان التعذيب داخل السجن الحربى... وكانت تلك ألوانه.. وهى نفس الألوان التى تعرض له أعضاء جماعة الإخوان المسلمين ليدلوا باعترافات تؤكد قيامهم بعزمهم على قلب نظام الحكم.. وتحمل الكثير منهم كل أصناف العذاب.. وسقط البعض شهداء وتم دفنه في رمال الصحراء الممتدة خارج مبنى السجن الحربى..
واستمر تعذيب أعضاء جماعة الإخوان المسلمين فرادى وجماعات وكانت ترسل التقارير إلى الرئيس السابق عبد الناصر باعترافاتهم قبل أن يدلوا بها.. كان شمس بدران ينسج بخياله الواقعة التى يريد المتهم أن يعترف بها ويسارع بأخطار عبد الناصر بأن الاعتراف تم وذلك قبل أن يحدث يتعرض المتهم لكل ألوان التعذيب حتى يوقع على إقرار يتضمن اعترافه بتلك الواقعة..
وكان شمس بدران يستغله السوفيت في إقحام اسم الملك فيصل ملك السعودية في المؤامرة والإدعاء أن بعض المتهمين اعترفوا أنه كان وراء تمويل حركتهم.. وكان هدف السوفيت إبعاد التقارب الذى كان بدأ قبل رحلة عبد الناصر إليهم مباشرة في 27 أغسطس سنة 1965... وفعلا قدم شمس بدران اعترافات كاذبة بذلك للرئيس السابق عبد الناصر. (8)

أخيرا

كانت هذه هى المؤامرة الكبرى التي كانت ستطيع بنظام جمال عبدالناصر والتي تدل على كذب هذا النظام بل فزعة وخوفه من كل شيء، حتى أنه أباد قرى بأهلها من أجل إرضاء غروره كقرية كمشيش وقرية كرداسة وغيرها.

وهكذا كانت الانقلابات التي كان ينسجها من خيلات عقله حتى يشغل بها الناس حول شخصه جراء الهزائم التي حلت بمصر في عهده.

المراجع

  1. سامي عصاصة: أسرار الانفصال: مصر وسوريا، دار الشعب، 1989م.
  2. محمد الصباغ: مؤامرة ضباط مدرسة المشاة للانقلاب على جمال عبد الناصر، 30 أكتوبر 2013،
  3. محمد الصباغ: المرجع السابق.
  4. عمر طوسون: الجيش المصري البري والبحري، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1990، صـ21.
  5. محمد الصباغ: مرجع سابق.
  6. سامي جوهر: الموتى يتكلمون، طـ3، المكتب المصري الحديث، القاهرة، 1977م.
  7. سامي جوهر: مرجع سابق
  8. سامي جوهر: مرجع سابق