الإخوان وقضية تجميد حزب العمل وغلق صحيفة الشعب

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإخوان وقضية تجميد حزب العمل وغلق صحيفة الشعب


إخوان ويكي

مقدمة

لم تكن دعوة الإخوان المسلمين في يوم من الأيام دعوة خاصة لأحد، أو اقتصرت على طائفة أو فئة، لكنها منذ تأسست وهي دعوة عامة تتوجه إلى صميم الدين ولبه، وترفض أن تنتسب إلى طائفة خاصة أو حزب معين أو تنحاز إلى رأي عرف عند الناس بلون خاص. ومع ذلك تتعاون مع الجميع لمصلحة الدين والوطن، وتود أن تتوحد وجهة الأنظار والهمم حتى يكون العمل أجدى والإنتاج أعظم وأكبر، فدعوة الإخوان مع الحق أينما كان.

كما أن الإخوان يلتمسون العذر (كل العذر) لمن يخالفونهم في بعض الفرعيات، ويرون أن هذا الخلاف لا يكون أبدًا حائلاً دون ارتباط القلوب وتبادل الحب والتعاون على الخير، وهم أوسع الناس صدرًا مع مخالفيهم، ويحاولون في هوادة ورفق إقناع المخالفين بوجهة نظرهم، فإن اقتنعوا فذاك وإن لم يقتنعوا فالتعاون قائم على الحق وخير البلاد والعباد.

يقول الإمام حسن البنا:

(ذلك منهاج الإخوان المسلمين أمام مخالفيهم في المسائل الفرعية في دين الله يمكن أن أجمله لك في أن الإخوان "يجيزون الخلاف ويكرهون التعصب للرأي ويحاولون الوصول إلى الحق ويحملون الناس على ذلك بألطف وسائل اللين والحب".

ولذلك كان الأستاذ البنا دائمًا في أحاديثه وخطبه حريصًا على اجتناب الخلافيات والمسائل الخلافية فلا يثيرها في محاضراته أبدًا ولا يتكلم إلا في القضايا الإيجابية التي هي موضع الموافقة من الجميع، وكان يوصي تلامذته وأبناءه بذلك

فيقول:

أن الإخوان المسلمين إنما يعملون للنهوض بالأمة الإسلامية، وتجديد حياتها المريرة فى هذه الظروف العصيبة على أساس إصلاح النفوس، وتطهير الأرواح، وقد أوضحوا مبادئهم فى عقيدتهم، ونادوا بغايتهم فى جريدتهم، وبابهم مفتوح على مصراعيه لمن أراد أن يتثبت من غايتهم، ويستطلع خفى شئونهم) (1)

موقف حسن البنا والإخوان من الحزبية

فرق الإمام البنا ومن بعده الإخوان المسلمين بين الحزبية والعمل السياسي، فالحزبية رفضها الإخوان لأنها كانت سببا في تقسيم البلاد وسقوطها في براثن الاستعمار وسعى الأحزاب لخدمة سياسة المحتل على حساب وطنهم.

لقد نشأت جماعة الإخوان المسلمين في ظل سيطرة المحتل البريطاني على مصر وغيرها، ولذا جعلت الجماعة ضمن أهدافها حرية هذا الوطن واستقلاله من كل محتل غاشم. لكن (كما ذكرنا) بعض الأحزاب السياسية التي تواجدت في فترة الإمام البنا عملت على ترسيخ أقدام المحتل وتمكينه من السيطرة على مصر (إلا القليل) فأعطوا صورة ونموذج سيئ للعمل الحزبي.

لقد تشكلت الأحزاب السياسية على سنوات متفاوتة، ووقعت فيها اختلافات وانشقاقات لاختلاف وجهات النظر وعدم تفهم كل واحد وجه نظر الأخر، داخل حزب معين فينبثق منه حزب أخر، وتدور الصراعات حول الوصول للسلطة والتمكين منها بكل الوسائل، بل وصل الحال في بعض الأحيان أن ضحى زعماء الأحزاب بالوطن من اجل أن يصلوا لسدة الحكم، حتى قال أحمد ماهر باشا بعد حادثة حصار الانجليز لقصر الملك في 4 فبراير 1942م (حكومة النحاس أتت على أسنة مدافع المحتل).

تأثر حسن البنا بهذه الصراعات (خاصة وهو الشاب الذي نشأ في بيئة إسلامية، تعلم فيها معاني العزة والكرامة من القرآن الكريم) فنبذ هذه الصراعات وكان يأمل أن تتوحد هذه الجهود من اجل الصالح العام، ومن ثم هاجم الحزبية البغيضة التي مكنت للمستعمر في الأرض، والتي فرقت الناس شيعا يضرب بعضهم بعضا ويقتل بعضهم بعضا في ظل وجود محتل مستفيد.

لم يحرم حسن البنا العمل السياسي ولا العمل الحزبي النظيف القائم على تعاون الجميع من أجل الوطن والمجتمع، حيث سار الإخوان على هذا المنهج بعدم تحريم الحزبية إلا بسبب الفرقة التي سببتها والتهاون مع المستعمر، وهي الأوضاع التي عاشها الإمام حسن البنا. لكن بعد وفاته تغير الواقع وأصبح العمل الحزبي أساس التنافس من أجل خدمة البلاد من خلاله.

أراد الإخوان السير وفق قوانين الوطن إلا أن الأنظمة العسكرية التي حكمت البلاد من بعد ثورة يوليو وضعت العراقيل أمام الشعب جميعا من أجل أن لا يتكون حزب يناهض الحزب الحاكم، أو يعارض السلطة، أو يسعى للوصول للسلطة ضد النظام الحاكم العسكري.

الحياة الحزبية في العهد الملكي

أراد المستعمر البريطاني في مصر أن يجمل صورته بكونه حامي الديمقراطية وأن يحكم الشعب نفسه، إلا أنها كانت سياسة تتوافق مع مصالحه فقط فإذا كانت لصالح الشعوب المستعمرة تخلى عن ديمقراطيته واستخدم القوة والقسوة العسكرية لفرض رأيه.

ولذا أوعز لبعض المصريين الذين ساروا في فلكه وتأثروا بسياسته وانبهروا بتقدمه بتشكيل أحزاب سياسية (وهو ما رضخ له الملك خوفا على عرشه) فكان أول حزب تكون هو الحزب الوطني الذي كونه الزعيم الوطني مصطفى كامل بمعاونة محمد فريد وعبدالعزيز جاويش غير أنه قاوم الاحتلال فلم يرض عنه المستعمر.

سعى المستعمر لايجاد أحزاب مصرية تناصره فأوعز إلى محمود باشا سليمان (والد محمد محمود باشا) وأحمد لطفي السيد بتشكيل حزب سياسي، وبالفعل شكلا حزب الأمة في في 21 ديسمبر عام 1907م. ثم تحول إلى حزب الأحرار الدستوريين برئاسة عدلي باشا يكن ثم عبد العزيز فهمي باشا بعد وضع دستور 1923م، وانتهى برئاسة الدكتور محمد حسين هيكل واستمر حتى حلت الأحزاب بعد ثورة يوليو 1952م.

ثم كان حزب الوفد برئاسة سعد زغلول الذي صاحب ثورة 1919م فحزب الشعب برئاسة إسماعيلي صدقي ثم الحزب السعدي برئاسة أحمد ماهر باشا وإبراهيم عبدالهادي، وكلها أحزاب ثبت رضوخها لمطالب المحتل البريطاني على حساب قضايا الوطن. (2)

الحياة الحزبية في عهد عبدالناصر

استمرت الأحزاب على ضعفها وعدم خدمتها للوطن حتى قامت ثورة 23 يوليو فأصدر مجلس قيادة الثورة وقتها قرار بحل جميع الأحزاب السياسية في 16 يناير 1953م، حيث عاشت مصر في مرحلة انتقالية أدارها عسكر الثورة حتى استطاع جمال عبدالناصر الاستئثار بالسلطة والاطاحة بمحمد نجيب رئيس الجمهورية وألغى دستور البلاد وحكم بقوانين استثنائية

يقول أحمد عودة - عضو الهيئة العليا لحزب الوفد ومساعد رئيس الحزب:

"تلك الحركة بدأت تتآكل ويأكل بعضها بعضاً فانقلبوا علي الرئيس محمد نجيب وحددوا إقامته ثم رشاد مهنا وجمال حسين وانتهج عبدالناصر نهجاً ديكتاتورياً وتم إلغاء الدستور وحل الأحزاب ومصادرة أمواله. وتم العصف بالحريات العامة ومصادرة الصحف واغتيال المعارضين والتعذيب في السجون وأصبح لا وجود لأي صوت معارض وكان الاتحاد الاشتراكي حزب الحكومة الأوحد الذي يخدم الحكومة" (3)

ويقول حسين عبدالرازق:

(كان هناك عدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة وعلي رأسهم الرئيس جمال عبدالناصر كانوا ضد فكرة التعددية الحزبية ومع الاتجاه إلي سياسة الحزب الواحد. وعاشت مصر منذ عام 1953 حتي عام 1976 أي ما يقرب من 23 عاماً في ظل نظام الحزب الواحد) (4)

ألغى عبدالناصر الحياة الحزبية وقصرها على حزب واحد وهو هيئة التحرير والذي اعتبر ذراع عبدالناصر فترة حكمة حيث تشكل عام 1953م قبل أن يتحول الإتحاد القومي الذي أنشئ في 3 نوفمبر 1957 واستمر فترة 5 سنوات تحت شعار (المجتمع الاشتراكي القومي التعاوني) غير أنه لم يحقق خلال الخمس سنوات أي شئ مما دفع بالقيادة السياسية إلى تغيره في مايو 1962م للاتحاد الإشتراكي ويسيطر على الحياة السياسية في مصر والذي استمر حتى عام 1976م. (5)

الحياة الحزبية في عهد السادات

كان السادات نائبا لعبدالناصر وكان متفقا على سياسته في كل شيء، مما حفظ له مكانه بجانب عبدالناصر ونجى من غضبه كبقية زملاءه في مجلس قيادة الثورة أمثال عبداللطيف البغدادي وخالد محي الدين وكمال الدين حسين وغيرهم الذين طردوا من جنة عبدالناصر لمعارضتهم له في بعض الوقت.

ما إن مات عبدالناصر حتى حل محله محمد أنور السادات والذي قام بحركة تصحيحيه ضد سياسة عبدالناصر ورجاله في 15 مايو 1971م وغير وجهته من الشرق الروسي إلى الغرب الأمريكي، وكان لزاما عليه السير وفق النسق الغربي. شهد عهد السادات التحول من نظام الحزب الواحد إلى الديمقراطية المقيدة، وكانت الأحزاب عبارة عن ديكور ليس لها تأثير على أرض الواقع لكنها كانت بهدف تجميل نظامه.

لم ينتقل السادات للتعددية الحزبية مرة واحدة، لكنه أطلق المنابر (يمين ويسار ووسط) داخل الاتحاد الاشتراكى، وكل قيادات المنابر الثلاثة كانوا أعضاء الاتحاد الاشتراكى، فكان منبر الوسط (مصر العربي) بزعامة ممدوح سالم، ومنبر اليمين (الأحرار الاشتراكيين) بزعامة مصطفى كامل مراد، ومنبر اليسار (التجمع الوطني التقدمي الوحدوي) بزعامة خالد محيي الدين.

يقول النائب كمال أحمد:

حاولنا إنشاء منبر آخر تحت اسم (التحالف) ولكن السادات رفض وهاجمنا وقتها بعنف لأنه كان يريدها حسب التوجهات.

وفي نوفمبر 1976 صدر قرار بتحويل هذه المنابر إلى أحزاب سياسية ثم صدر قانون تنظيم الأحزاب في يونيو 1977 والذي يقضي بالتحول إلى النظام التعددي مع عدم إلغاء الاتحاد الاشتراكي الذي أعطيت له الكثير من الصلاحيات، ثم تأسس الحزب الوطني الديمقراطي على أنقاض "حزب مصر" في عام 1978، وقد ترأس هذا الحزب الرئيس السادات نفسه، بعدئذ تحول كل أعضاء حزب مصر له. وفي ذات العام نشأ حزبي العمل والوفد، فنشأ حزب العمل في يوليو 1978 بزعامة إبراهيم شكري. (6)

كيف نشأ حزب العمل وتوجهه الإسلامي

لأسباب كثيرة سواء خارجية أو داخلية يقتنع القائمون على السلطة في الوطن العربي والإسلامي بل وبلاد العالم الثالث (خاصة الغنية بالموارد) أن بلادهم وشعوبهم لا تصلح فيها الديمقراطية، وأن القوة والشدة والتوجه الواحد هو أسلم الطرق لوحدة الوطن. وهو نظؤة سلطوية دعمها خوف الغرب على مصالحه في هذه الأماكن وطمعه في موارد هذه البلاد فأطلق العنان للديكتاتوريين بقمع الديمقراطية في بلادهم.

ظل عبدالناصر العسكري لا يؤمن بأن الديمقراطية مفيدة للشعب المصري، وكان على قناعته السادات أيضا إلا أنه توجهه ناحية الغرب الأوروبي دفعه لمساير مبادئ الغرب بعض الشيئ حتى ولو شكليا. تحولت مصر من سياسة الحزب الواحد إلى التعديدة المقيدة والمحكومة بأوامر رئيس البلاد. فجاءت نشأت حزب العمل الإشتراكي برئاسة إبراهيم شكري.

يعد حزب العمل أمتداد لحزب مصر الفتاة الذي أسسه أحمد حسين عام 1933م وكان إبراهيم شكري عضوا فيه. ثم تحول إلى وتحولت إلى الحزب الوطني الإسلامي عام 1939م ثم تحول إلى الحزب الاشتراكي عام 1949 وتم حلها مع باقي الأحزاب السياسية عام 1953.

حينما تولى السادات الحكم وغير وجهة سياسته ناحية الغرب عمد للسير في فلك سياستهم بالتعددية الحزبية، نشأت أحزاب من داخل الإتحاد الإشتراكي إلا أنها لم تؤدي الغرض فأجبر على فتح الباب تجاه المعارضة (المقننة). كان أنور السادات يحاول تحجيم الأحزاب الماركسية والشيوعية، فقام بالدعوة لقيام الحزب الوطني الديمقراطي ورأى المهندس إبراهيم شكري في هذه المرحلة فرصة لاحياء فكر حركة مصر الفتاة، فقرر التقدم إلى لجنة الأحزاب لإنشاء حزب العمل الاشتراكي.

وبالفعل تكلل مسعاه بالنجاح في تشكيل الحزب. من أجل ذلك استقال شكري من منصبه كوزير للزراعة في 1978م وأعلن قيام "حزب العمل الاشتراكي" وتولى الرئاسة في البداية محمود أبو وافية (زوج شقيقة زوجته جيهان) إلا أن أعضاء الحزب النشطين أجبروه على الاستقالة فتولى الرئاسة إبراهيم شكري.

بعدما حل السادات البرلمان لاعتراض بعض نوابه على اتفاقية كامب ديفيد عام 1978م، جرت انتخابات أخرى عام 1979م إلا أن حزب العمل منى بهزيمة كبيرة حتى أن زعيمه لم ينجح. وظل يكون تحالفات إلا أنها لم تحقق الفوز أيضا في انتخابات 1984م بسبب تحالف الإخوان المسلمين مع حزب الوفد. إلا أنه حقق انتصار كبير في انتخابات 1987م حينما كون تحالف مع جماعة الإخوان المسلمين وحزب الأحرار.

كانت شخصية إبراهيم شكري عامل قوى في استمرار الحزب حيث أن إبراهيم شكري سليل أسرة ثرية إلا أنه ناصر الفقراء، ومع كونه كان عضوا في الاتحاد الإشتراكي إلا أنه حارب الفساد ولم يصمت، حتى أنه تولى أمانة المهنيين فى الاتحاد الاشتراكى عام 1971م ثم أختير محافظا للوادي الجديد عام 1974م، ثم وزيرا للزراعة (قبل أن يستقيل منها) عام 1976م.

وفي عام 1986م تغير اسم الحزب إلى حزب العمل الإسلامي وأصبح الأستاذ عادل حسين الأمين العام ورئيس تحرير صحيفة الشعب الذي فتحت أبوابها أمام التيار الإسلامي. (7)

الإخوان وحزب العمل الإسلامي

لم يسمح السادات ولا مبارك للإخوان بالعمل القانوني ووضعوا العراقيل أمامها من اجل تحجيمها، وإذا ما نفذ الإخوان من بوابة شرعية سياسية سارع النظام بغلقها.

ففي انتخابات عام 1984م تحالف الإخوان مع حزب الوفد لحاجة الطرفين لبعضهما البعض حيث كان الإخوان يحتاجون إلى الشرعية القانونية وكان حزب الوفد في أشد الحاجة إلى قاعدة شعبية، وهو ما تكلل بنجاحهما في البرلمان بعدد مقاعد 30 مقعدا كان للإخوان فيهم 8 مقاعد، إلا أن المعارضة تسببت في إحراج شديد للنظام بسبب شدة معارضتها وكشفها كثير من عوار النظام ومفاسده، فكان قرار حل البرلمان والذي حكمت به المحكمة الدستورية في 1987م.

وفي أبريل 1987م دعا مبارك لانتخابات جديدة للبرلمان وكانت مفاجأة للحزب الحاكم والتي وصفها الدكتور هشام العوضي:

(وكالعادة شجع مبارك في خطاباته كافة الأحزاب السياسية على المشاركة في انتخابات العام 1987 مع الحرص في الوقت نفسه على بقاء المجلس التشريعي تحت سيطرة الحزب الوطني الديمقراطي وجاءت حصيلة الانتخابات كما كان متوقعا مرة أخري وفاز الحزب الوطني بأغلبية 309 مقاعد من أصل 448 مقعدا في مجلس الشعب ولكن تبين أن الحزب الوطني كان الخاسر الأكبر هذه المرة
بما أن نسبة السبعين بالمئة من الأصوات التي حصل عليها كانت أدني نسبة يحصل عليها اى حزب حاكم منذ العام 1952 كما أن عدد المقاعد التي حصل عليها في عام 1987 كانت أدني بالتأكيد من عدد المقاعد التي حصل عليها في العام 1984 (وهي 390 مقعدا أى خسر 81 مقعدا) يضاف إلى ذلك أن عدد المقترعين في الانتخابات لم يزد على أكثر من 7 بالمئة عما كان عليه في انتخابات العام 1984 ويمكن هذين الرقمين بمثابة مؤشرين تقريبيين لرأي الشعب في الحكومة لقدرة مجلس الشعب على إحداث تغيير حقيقي) (8)

حاول الإخوان وبعض الأحزاب كالعمل تكوين تحالف جديد مع حزب الوفد، وبالفعل جرت جلسات للتشاور حول شكل التحالف الجديد، إلا أن حزب الوفد الجديد قرر فجأة يوم 13 فبراير 1987م رفضه لفكرة القوائم الموحدة واتجاهه لخوض الانتخابات منفردا بقوائمه الخاصة، وذلك بناء على رؤية بعض أعضاء الحزب أن شعبيتهم وسط الشعب التي ساعدتهم عام 1984م كفيله بتحقيق عدد مقاعد كبير في هذه الانتخابات دون الحاجة للتحالف مع الإخوان، بالإضافة لاعتراض بعض أعضاء الهيئة العليا لحزب الوفد على التحالف مع تيار إسلامي.

وعلى الرغم من ضعف حزبي العمل والأحرار في الشارع إلا أن الإخوان المسلمين قبلوا بالتحالف معهما في انتخابات 1987م لمظلتهما القانونية، بالإضافة أن هذه الأحزاب خشيت أن لا تتجاوز نسبة الـ8% فتحرم من دخول البرلمان، وخاض التحالف الانتخابات تحت شعار الإسلام هو الحل. (9)

حيث اجتمع مكتب الإرشاد وبحث عرضا من حزب العمل الاشتراكي وحزب الأحرار الديمقراطي بإقامة تحالف ثلاثي مع الإخوان المسلمين ، وخوض انتخابات عام 1987 بقوائم موحدة . وتمت الموافقة وسمي هذا التحالف (التحالف الإسلامي) – وتم عمل برنامج انتخابي مشترك يحوي المحاور الرئيسية المتفق عليها بين المتحالفين .

ورشح كل جانب من التحالف من يمثله في لجنة الاتفاق علي أسماء المرشحين في كل دائرة فمثل الإخوان أ. مأمون الهضيبي ود. عبد المنعم أبو الفتوح – ومثل حزب العمل أ. إبراهيم بركات – ومثل حزب الأحرار رئيسه أ. مصطفى كامل مراد.

ولقد صرح بهذا المعني المستشار مأمون الهضيبي بقوله:

"نحن الآن في مرحلة جديدة نبحث فيها عن قناة قانونية لخوض الانتخابات فوجدنا أن أفضل الفرص المتاحة في حزب العمل".

وأضاف في سياق آخر:

"أما بالنسبة للانتخابات المزمع إجراؤها في أبريل القادم وجد الإخوان أن أنسب الفرص المتاحة لهم قائمة حزب العمل، كما أن حزب الأحرار رأى التنسيق مع حزب العمل أيضا، وهكذا اكتمل الموضوع".

وقد أكد على هذا المعنى الأستاذ محمد حامد أبو النصرالمرشد العام للإخوان بقوله:

"التحالف هذه المرة على أساس سليم، ولا خلاف بيننا وبين أي حزب آخر، فالكل مجمع على تطبيق الشريعة الإسلامية ولا يوجد خلاف بشأن ذلك".

كما أكد أيضا المعنى الأستاذ مصطفى مشهور بقوله:

".. ما نحسه ونلمسه من صدق وتوجه قيادة حزب العمل الممثلة في الأستاذ إبراهيم شكري وحزب الأحرار أيضا في المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، وذلك ما نعتبره إلى حد كبير ضمانا لهذا التحالف". وفي نفس التوجه قال المستشار مأمون الهضيبي: "اتفق الجميع – أي أطراف التحالف الثلاثة – على الأسس التي لا خلاف عليها وهي ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية" (10)

تم توزيع النسب بين القوى الثلاثة على هذا النحو؛ 40% للإخوان، 40% للعمل، 20% للأحرار، ونجح التحالف وحصد الإخوان 37 مقعدا وأصبح لهم كتلة برلمانية مستقلة، يرأسها المرحوم المستشار محمد المأمون الهضيبي، ولها أمين عام هو المرحوم فؤاد حجاج وكيل الوزارة السابق، ويعاونه المرحوم رشاد نجم الدين وكيل وزارة.

أثمر التحالف عن فوز 60 مقعدًا، وفاز الإخوان من خلال "التحالف الإسلامي" مع حزبي العمل والأحرار بنسبة 17.4% من أصوات الناخبين ليحصلوا على مليون و163 ألفا و525 صوتًا من أصل أصوات سبعة ملايين ناخب، وفاز للإخوان 37 نائبًا (حوالي 8.5% من مقاعد البرلمان) - وذلك لأول مرة في مصر - من أصل 454 نائبًا برلمانيًا (444 بالانتخاب وعشرة بالتعيين) . وتقدم ترتيب الجماعة بذلك لتحتل الترتيب الثاني بعد الحزب الحاكم (69% من الأصوات) من حيث عدد الأصوات والمقاعد التي فازت بها، وبـ 37 مقعدًا، احتل الإخوان المرتبة الأولى في صفوف المعارضة.

ويقول هشام العوضي:

جاءت تركيبة الأعضاء الإسلاميين الستة والثلاثين في برلمان العام 1987 مختلفة عنها في برلمان العام 1984 الذي كان في العام 1987 مؤلفا من كوادر أصغر سنا وأوسع علما ففي العام 1987 كانت الكوادر الشابة على غرار زملائهم من أعضاء الإخوان في النقابات وفي الاتحادات الطلابية أكثر إلماما بالحاجات الحالية لدوائرهم الانتخابية. (11)

الإخوان في صحيفة الشعب

كانت علاقة الإخوان بحزب العمل وأعضاءه في أفضل حالتها حيث أن الاثنين التقيا على العمل وفق التوجه الإسلامي. تأسست صحيفة الشعب أوائل عام 1979م وكان الأستاذ حامد زيدان أول رئيس تحرير لها حتى أغسطس 1985م. ثم تولى بعده الراحل عادل حسين رئاسة التحرير فى الفترة من 1985 وحتى أوائل عام 1992 وخلال هذه الفترة تحول اتجاه الجريدة والحزب من الاشتراكية الى الإسلام السياسي، إذا أكد هذا التحول في مؤتمر الحزب الخامس 1989. الذي عقد تحت شعار (إصلاح شامل من منظور إسلامي).

وحينما تولى الأستاذ عادل حسين رئاسة تحرير جريدة الشعب فتح أبوابها أمام قادة الإخوان للكتابة فيها، بل وتم تعيين بعض صحفي الإخوان فيها حتى صارت الجريدة من أكثر الصحف قراءة عند الشعب، وتناولت قضايا فضحت النظام القائم، والذي لم يتحمل معارضتها.

حتضنت جريدة الشعب ومنذ صدورها العديد من كبار الكتاب والصحفيين مثل فتحي رضوان ومحمد عصفور و حلمي مراد ومصطفى مشهور وغيرهم ، مما ساهم في أن تصبح جريدة الشعب من أهم الصحف المعارضة ليس فقط على المستوي المحلي ولكن على المستوى العربي ، حيث فجرت العديد من قضايا الفساد ، كما عرفت بانتقاداتها الحادة لسياسات الحكومة المصرية سواء في مرحلتها الأولى ذات التوجه الاشتراكي أو المرحلة الثانية ذات التوجه الإسلامي ، لاسيما في القضايا الوطنية والمطالبة بالإصلاحات السياسية، وقد وصل توزيع جريدة الشعب في فترة الثمانينيات لما يزيد عن 200 ألف نسخة.

لم يتحمل نظام مبارك معارضة صحيفة الشعب له، حيث بدأت الأزمة الفعلية لحزب العمل مع النظام بإعلان التوجه من الاشتراكية إلى الإسلام السياسي، وقد نتج عن تحالف الحزب مع الإخوان وحزب الأحرار إلى استقالة العديد من الرموز والقيادات الحزبية منها على سبيل المثال أبو الفضل الجيزاوي وممدوح قناوي وإبراهيم العزازي، ودخل الحزب فى صراعات داخلية.

إستمرت صحيفة الشعب في معاركها ضد رموز حكومية وسياسية مثل وزير الداخلية الأسبق زكي بدر والذي أٌقيل عام 1993 عقب قيام الشعب بنشر نص لحديث له، سجله خلسة أحد صحفييها على شريط كاست تضمن سبا وقذفا في حق "زعماء مصريين"، وكذلك وزير الداخلية الذي أعقبه حسن الألفي، والذي اتهمته الصحيفة بالفساد والتربح من وظيفته ما عجل بإقالته عقب حادث الأقصر الدامي عام 1997

وكان آخر حملاتها على الحكومة، انتقادها لسياسات وزارة الزراعة المصرية، واتهامها للدكتور يوسف والي وزير الزراعة ونائب رئيس الوزراء والرجل القوي في الحكومة والحزب الوطني ، فيما عرف بقضية الأسمدة والمبيدات المسرطنة مما حدى بيوسف والي لمقاضاة الجريدة

حيث قضت المحاكم بحبس رئيس تحريرها آنذاك مجدي أحمد حسبن، والصحفي بالجريدة صلاح بديوي لمدة عامين، قضاها الصحفيان بأحد السجون المصرية ، في بدايات الألفية ، وكان من المفارقات أن تصدر المحاكم المصرية بعد بضعة سنوات حكما يؤكد صدق الحملة التي خاضتها جريدة الشعب ضد يوسف والي ، لتصبح سنوات سجن مجدي أحمد حسن وصحفيي الشعب قد ضاعت هباء. (12)

تجميد الحزب وإغلاق صحيفة الشعب

كانت الحملة الصحفية التي نظمتها جريدة الشعب وحزب العمل على وزارة الثقافة المصرية بعد أن نشرت الأخيرة رواية "وليمة لأعشاب البحر" للروائي السوري "حيدر حيدر" واتهمت خلالها الصحيفة وزير الثقافة المصري فاروق حسني صراحة بالسماح بسب الذات الإلهية، بمثابة القشة التى أغلقت الجريدة نهائيا.

حيث تسببت المقالة التى نشرتها الجريدة تحت عنوان "من يبايعنى على الموت" التى كتبها الدكتور محمد عباس بتاريخ 24 أبريل من عام 2000 ، فى تحريك مظاهرات عنيفة بالجامعات المصرية تصدت لها الدولة بعنف بالغ، و اتهمت وقتها الجريدة والحزب بإشعال "الفتنة الدينية" واستغلال مسألة "وليمة"، لإشاعة الفوضى في البلاد

وعجل هذا في خطط ضرب الحزب واستغلال المنشقين السابقين عليه في إعلان الاستيلاء على مقراته بضاحيتي مصر الجديدة ومدينة نصر، وعقد مؤتمرات يعلنون فيها فصل رئيسه الأصلي إبراهيم شكري وتعيين أحد المنشقين رئيساً جديداً للحزب. واستخدمت الحكومة هذه الورقة في إعلان لجنة الأحزاب المصرية عدم اعترافها بأي من المتنازعين على قيادة الحزب، ومن ثم تجميده وإغلاق صحيفته.

كانت الحملة الصحفية التي نظمتها جريدة الشعب وحزب العمل على وزارة الثقافة المصرية بعد أن نشرت الأخيرة رواية "وليمة لأعشاب البحر" للروائي السوري "حيدر حيدر" واتهمت خلالها الصحيفة وزير الثقافة المصري فاروق حسني صراحة بالسماح بسب الذات الإلهية، بمثابة القشة التى أغلقت الجريدة نهائيا.

حيث تسببت المقالة التى نشرتها الجريدة تحت عنوان "من يبايعنى على الموت" التى كتبها الدكتور محمد عباس بتاريخ 24 أبريل من عام 2000 ، فى تحريك مظاهرات عنيفة بالجامعات المصرية تصدت لها الدولة بعنف بالغ، و اتهمت وقتها الجريدة والحزب بإشعال "الفتنة الدينية" واستغلال مسألة "وليمة"، لإشاعة الفوضى في البلاد

وعجل هذا في خطط ضرب الحزب واستغلال المنشقين السابقين عليه في إعلان الاستيلاء على مقراته بضاحيتي مصر الجديدة ومدينة نصر، وعقد مؤتمرات يعلنون فيها فصل رئيسه الأصلي إبراهيم شكري وتعيين أحد المنشقين رئيساً جديداً للحزب. واستخدمت الحكومة هذه الورقة في إعلان لجنة الأحزاب المصرية عدم اعترافها بأي من المتنازعين على قيادة الحزب، ومن ثم تجميده وإغلاق صحيفته في 20 مايو 2000.

يقول الصحفي على القماش:

(أن الصحيفة - بعد قرار تعليقها وعبر موقعها على الإنترنت الذي يعد أول موقع إلكتروني لجريدة فى مصر - عادت إلى إحياء حملتها من جديد على وزير الزراعة، بعد ما عرف بقضية "العمولات الكبرى". وهي قضية رأي عام، و اعتبرت واحدة من أخطر القضايا التي نظرتها المحاكم المصرية في الثلاثين عاما الأخيرة لما تحمله من إهدار للمال العام واستيراد أغذية تقتل المصريين والمتهمين الرئيسيين فيها الدكتور يوسف عبد الرحمن، رئيس بنك التنمية والائتمان الزراعي (والذي يعتبر واحدا من أٌكثر المقربين للدكتور والي)
وراندا الشامي مستشارة البورصة الزراعية إلى جانب الحملة ضد وزير الثقافة الخاصة بملف سرقة الآثار المصرية وتهريبها للخارج، والحملة ضد محافظ البحر الأحمر والجيزة بسبب الاستيلاء على أراضي الدولة، وحملة على رئيس الوزراء السابق عاطف عبيد بسبب الفساد فى قطاع الأعمال). (13)

يقول عبدالغفار شكر - عضو المكتب السياسي بحزب التجمع :

أن القيود التي فرضها قانون الأحزاب علي الحياة الحزبية في مصر والتي من أهمها تشكيل لجنة تسمح بمتابعة وإلغاء نشاط الحزب كانت من أهم القيود التي لعبت دوراً سلبياً في مستقبل الحياة السياسية الحزبية خاصة في ظل وجود أحزاب غير قادرة علي النمو والتطور واكتساب الشعبية، لذا فعندما يحدث صراع لا يتم حسمه بواسطة أعضاء الحزب وجماهيره ولكن بقرارات علوية من القيادات المتصارعة علي قيادة الحزب إلي أن يصدر كل طرف قراراً باستبعاد الطرف الآخر مثلما حدث في حزب الأحرار والشعب الديمقراطي وغيرهما من الأحزاب المجمدة.

ويضيف:

عندما يتجاوز الحزب الخطوط الحمراء هنا تتدخل السلطة وتقوم بتحريض القيادات المجهولة لإحداث صراع وتنازع داخلي مثلما حدث في حزب العمل عندما ظهر فجأة بعض القيادات وأعلنوا أنهم رؤساء للحزب فتدخلت لجنة شؤون الأحزاب بتجميده. (14)

بعدما جمدت لجنة الأحزاب حزب العمل اجتمع المكتب السياسي للحزب بصفة عاجلة برئاسة المهندس إبراهيم شكري وقرر إصدار بيان سياسي عاجل بشأن ما وصفه بالمؤامرة المفضوحة على الحزب لمواقفه السياسية الواضحة والقاطعة في مواجهة اللوبي الصهيوني وفي مواجهة الاعتداء الاجرامي والهمجي على المقدسات الاسلامية واكد المكتب السياسي على أن هذا القرار غير قانوني ويمثل عدوانا غير مسبوق على التجربة الديمقراطية وحرية الصحافة.

وفي الساق استنكر باقي أحزاب المعارضة المصرية قرار تجميد حزب العمل وتعليق صحيفته عن الصدور ووصفته بأنه ضربة قاصمة للديمقراطية، وأعربت عن مخاوفها من أن يكون ذلك فاتحة عودة إلى الاستبداد السياسي. كما استنكرت جماعة الإخوان المسلمين ما أقدمت عليه لجنة الأحزاب من تجميد حزب العمل وغلق صحيفة الشعب.

المراجع

  1. الإمام حسن البنا: رسالة إلى أي شيء ندعو الناس، مجموعة رسائل الإمام حسن البنا.
  2. وحيد عبدالمجيد: الأحزاب المصرية في الداخل، مركز المحروسة للبحوث والتدريب والمعلومات والنشر، القاهرة، 1998م.
  3. مختار محروس: تدمير الحياة السياسية والحزبية أكبر أخطاء ناصر، 22 يوليو 2014
  4. مختار محروس: مرجع سابق.
  5. للمزيد: أحمد زكريا الشلق، ثورة يوليو والحياة الحزبية: النظام واحتواء الجماهير، طـ1، دار الشروق، القاهرة، 2010.
  6. سارة مسعد: الأحزاب في مصر.. 40 سنة كومبارس، 26 أغسطس 2015
  7. ناجي الشهابي: قصة كفاح إبراهيم شكري عبر نصف قرن، دار الشروق، القاهرة، 1984م.
  8. هشام العوضي: صراع على الشرعية، الإخوان المسلمون ومبارك 1982- 2007، أطروحة دكتوراه، مركز دراسات الوحدة العربية، 2009م.
  9. حسنين توفيق إبراهيم، هدى راغب عوض: الإخوان المسلمون والسياسة فى مصر، دراسة فى التحالفات الانتخابية والممارسالت البرلمانية للإخوان المسلمين في ظل التعددية السياسية المقيدة في مصر، كتاب المحروسة، القاهرة، 1995، صـ285.
  10. حسنين توفيق إبراهيم، هدى راغب عوض: المرجع السابق.
  11. هشام العوضي مرجع سابق.
  12. الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان: إغلاق جريدة الشعب، تسعة أعوام من التعسف وإهدار أحكام القضاء، سبتمبر 2009
  13. الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان: مرجع سابق.
  14. شيماء عبدالهادي: تجميـد الأحــزاب.. عـرض مستمــر، 8 يناير 2006