تاريخ الشرطة العسكرية في قمع الشعوب (2 - 2)

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
تاريخ الشرطة العسكرية في قمع الشعوب (2 - 2)


الشرطة العسكرية بعد عصر عبد الناصر للسيسي


مقدمة

في 28 سبتمبر 1970م توفي جمال عبد الناصر – وفيما يبدو أن دولته التي أساسها على قواعد من الخوف وفزع بدأت تنهار وتتصدع جدرانها. فما أن اختير محمد أنور السادات ليكون رئيسا للجمهورية بعد وفاة عبد الناصر حتى سعى إلى تخليص البلاد وتحصين نفسه من مراكز القوى التي كانت تتلاعب بمقدرات البلاد، وأذاقت الشعب شتى أنواع الاضطهاد فترة عبدالناصر، حتى أنها الفترة التي سمح السادات بالكتابة عنها وتصويرها عبر أفلام سينمائية أظهرت جزء بسيط مما كانت تمارسه سلطات التحقيق من مخابرات وشرطة عسكرية وجنائية ضد جموع الشعب مثل فيلم "الكرنك – احنا بتوع الأتوبيس" كما كتبت كثير من الكتب والمقالات مثل كتاب حوار خلف الأسوار للكاتب الصحفي جلال الدين الحمامصي وغيره.

انشغل السادات والشعب بالتحضير لحرب 1973م وحاول السادات التصالح مع كل طوائف المجتمع أثناء التحضير لهذه الحرب، فأفرج عمن تبقى من الإخوان في السجون، كما طرد ما يقرب من 17 ألف خبير عسكري روسي، ووجه ضربه إلى مراكز القوى فيما عرف بثورة التصحيح في 15 مايو 1971م. خلال فترة السادات كان اعتماده على قوات الأمن المركزي في التصدي للانتفاضات والمظاهرات التي اندلعت بعد الانتصار في الحرب، وقلل الاستعانة بالشرطة العسكرية في الصدام مع الشعب إلا في بعض المواقف البسيطة.

وهكذا سار مبارك الذي تولى الحكم بعد اغتيال السادات يوم 6 أكتوبر 1981م في سياسته الأمنية حيث زيادة أعداد الأمن المركزي، ولم يلجأ إلى نزول الشرطة العسكرية إلى الشوارع إلا أثناء أحداث الأمن المركزي التي وقعت في 25 فبراير 1986م حيث أحدثت شائعة مد فترة الخدمة للمجندين بالأمن المركزي إلى تمردهم وخروجهم للشوارع بعد أحدثوا فوضى عارمة، تطلب الأمر أن طلب مبارك من الجيش للنزول للتصدي لهذه الفوضى، كما نزلت الشرطة العسكرية في الكوارث الطبيعية التي حدثت في البلاد كزلزال مصر عام 1992م وأحداث السيول في زاوية عبدالقادر.

لقد كان حجر الزاوية في حكم مبارك هي جهاز الشرطة متمثل في جهاز أمن الدولة، حيث يرى الباحث في علم الاجتماع السياسي والمتخصص في الدراسات الأمنية، علي الرجّال، أن الداخلية كانت القرص الصُلب للدولة خلال فترة "مبارك"، والأداة الرئيسة لتحقيق أهدافها السياسية كافة.

وهو ما يؤكده العقيد السابق في وزارة الداخلية ومنسق "مبادرة شرطة لشعب مصر"، محمد محفوظ، الذي يرى أن توسع دور أجهزة وزارة الداخلية مقابل انحسار دور وزارة الدفاع في عهد "مبارك"، يرجع إلى عدم ترحيب المؤسسة العسكرية بملف التوريث الذي كان يحاول النظام تمريره بمساعدة الداخلية، وأنها كانت ترى أن من يحكم مصر لا بد أن يكون أحد أبنائها؛ لأنها تعتبر نفسها الأحق تاريخيًا بهذا المنصب – وهو من الأسباب القوية في وجه نظر الجميع في انقلاب السيسي على أول رئيس منتخب من الشعب. (1)

ويرى أيضا يزيد صايغ في بحث قدمه لمركز كارنيجي للشرق الأوسط بعنوان جمهورية الضباط في مصر:

إن إزاحة القوات المسلحة إلى الهامش في عهد مبارك، أدى إلى التنافس الحاد على الموارد والنفوذ المؤسسي، وقد نظر ضباط القوات المسلحة إلى وزارة الداخلية، وأجهزة الشرطة والأمن المرتبطة بها، نظرة ازدراء تعمقت خلال العقد الأخير من حكم مبارك، وعاد ذلك جزئيًا إلى الاعتقاد بأنها مشتركة في دائرة الفساد التي أخذت في التوسع منذ صعود جمال مبارك. (2)

وهو ما يفسر تراخي الجيش في نصرة مبارك أثناء ثورة 25 يناير 2011م حيث حصر الجيش والشرطة العسكرية مهمته في تأمين المنشآت أو حماية البلاد من الفوضى، لكنه لم يستخدم العصى الغليظة ضد المتظاهرين لأنه وجد أنها فرصته الوحيدة للإطاحة بجمال مبارك وداخليته وعودتهم إلى السلطة والنفوذ مرة أخرى.

الشرطة العسكرية في مواجهة الشعب من جديد

بعد ثورة 25 يناير، استطاعت المؤسسة العسكرية استعادة جزء من نفوذها المفقود سياسيًا خلال عهد مبارك، يرى الرجّال، أن المؤسسة العسكرية استفادت من الثورة في تحجيم نفوذ "الداخلية"، مقابل استعادة صلاحياتها الواسعة، وتشكيل سلطة قوية تعبر عنها من خلال مشاريع قوانين للسيطرة على المجال العام، والحد من نفوذ "الداخلية"، وكذلك عبر الرفع من شأن جهاز المخابرات العامة بجانب المخابرات العسكرية ليكونا ذراعًا بديلًا عن جهاز أمن الدولة السابق أو الأمن الوطني حاليًا.

وكانت عصتها الجاهزة والغليظة في يدي الشرطة العسكرية، والتي ما كان مبارك يعلن على لسان نائبه اللواء عمر سليمان تنحيه عن الحكم وتسليم حكم البلاد للمجلس العسكري، حتى عاش الشعب نشوة الفرحة قبل أن يستيقظ على العصا الغليظة التي أخرجته من فرحته للواقع القادم على يدي الشرطة العسكرية يوم أن هجمت جحافلها على ميدان التحرير يوم 12 فبراير 2011م – ثاني أيام التنحي – واقتلعت الخيام وحرقت كل شيء وطرد الناس من الميدان بحجة أن هدفهم قد تحقيق بتنحية مبارك، لكنها كانت بداية مرحلة جديدة ستصدى الشرطة العسكرية مرة أخرى المشهد من جديدة لتعيد ذكريات الأحداث الدامية التي وقعت في العهد الناصري.

لقد عادت الشرطة العسكرية إلى سياستها في التنكيل بالشعب – خاصة منذ ثورة يناير وضعف جهاز الشرطة – فكانت أحداث ماسبيرو ضد الإخوة الأقباط في 5 مارس 2011م وفي 8 مايو 2011م حيث هجمت الشرطة العسكرية على المعتصمين الأقباط أمام مبنى ماسبيرو فأمعنت فيهم قتلا وضربا واعتقالا، بعدما صوروا الحدث للشعب المصري أنه تمرد قبطي حتى يستجلبوا تعاطف الناس معهم ضد الأقباط، بل إن الجناة الحقيقيين لم ينالوا جزاءهم، وجاءت الأحكام على بعض المجندين بتهمة القتل الخطأ، وسرعان ما أفرج عنهم. (3)

لكن سرعان ما كشفت الشرطة العسكرية عن حقارة عقيدتها في التعامل مع الجميع بالعنف والتنكيل فكانت أحداث محمد محمود الدامية التي وقعت أحداثها في 19 نوفمبر - تشرين الثاني 2011، حيث شهدت القاهرة وميدان التحرير وأحد تفريعاته شارع محمد محمود مظاهرات عارمة مطالبا المجلس العسكري بسرعة تسليم السلطة للمدنيين، وتنديدا بوثيقة علي السلمي – نائب رئيس الوزراء – المسماة وثيقة المبادئ الأساسية للدستور التي أثارت غضبا عارما لاحتوائها على بنود تعطي القوات المسلحة وضعا مميزا، حيث راح ضحيتها العشرات من القتلى – تقريبا 42 قتيل - والمئات من المصابين والمئات من المعتقلين، كما تم قنص عدد من المتظاهرين في عيونهم.

وفي 16 من ديسمبر 2011 أعقبت موجة من العنف والغضب المرحلة الثانية من الانتخابات التشريعية، خاصة حينما حاول البعض الاعتصام تنديدا بما جرى في محمد محمود فجاءت أحداث مجلس الوزراء، حيث اقتحمت الشرطة العسكرية الميدان في الفجر فقتلت ما لا يقل عن 14 شخصا وجرحت أكثر من 300 وهو ثمن باهظ، وكانت أعداد المصابين في القاهرة مذهلة حيث عظام كسرت ورؤوس سحقت وأمخاخ وأجساد شوهت وكانت الشرطة العسكرية تستعمل الهراوي المكهربة والعصي في تفريق المعتصمين في ميدان التحرير بالقاهرة فكانت تنهال عليهم بالضرب وتشعل النيران في خيامهم، حتى أنهم عروا إحدى الفتيات أمام عدسات الكاميرات كلها. ويبدو أن هذا الانتهاك أصبح رمزا لاتجاه العسكر إزاء الشعب المصري باعتبارهم سلعا في إطار خطتهم الكبرى للحكم منذ ثورة يناير. (4)

أصبحت الشرطة العسكرية هي بمثابة ذراع السلطة المتمثلة في المجلس العسكري، ولذا ظلت في بطشها وقمعها لكل الانتفاضات التي شهدتها مصر ضد الحكم العسكري ومنها أيضا أحداث مسجد النور بالعباسية، حيث جاءت ردا على عدم الثقة في العسكر ومماطلتهم في تسليم السلطة، بل استبعدت كثير من مرشحي الرئاسة وعلى رأسهم حازم أبو إسماعيل وخيرت الشاطر وأيمن نور

فقررت تيارات عدة أبرزها حركة 6 أبريل وازهريون بلا حدود وثوار بلا تيار إقامة اعتصام مفتوح أمام وزارة الدفاع خوفا من تزوير انتخابات الرئاسة أو تأجيلها، وحدثت صدمات عدة بين المعتصمين والعديد من البلطجية المستأجرين، حتى كان يوم 4 مايو 2012م حينما اقتحمت قوات الشرطة العسكرية والجيش مسجد النور في نهار الجمعة – وقيل انهم دخلوا المسجد بأحذيتهم - وطرد آلاف المعتصمين في المسجد وأمام وزارة الدفاع واعتقال أكثر من 300 معتصم كان من ضمنهم إعلاميين وصحفيين. (5)

العجيب في الأمر أن المجلس العسكري حاول تقيد سلطات الرئيس المنتخب فأصدر إعلان دستوري قبل اعلان فوز الدكتور محمد مرسي بالرئاسة يقيد فيها سلطات وقرارات الرئيس. كما أن المستشار عادل عبدالحميد – الذي تولى وزارة العدل في الفترة من 7 ديسمبر 2011م حتى 25 يونيو 2012م – بإصدار قرار رقم 4991 لسنة 2012، والمنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ يوم 13 يونيو 2012 يعطي فيه ضباط وضباط صف المخابرات الحربية والشرطة العسكرية سلطة الضبطية القضائية في الجرائم التي تقع من المدنيين (غير العسكريين).

حتى أن الكثير من منظمات حقوق الإنسان بمصر أصدرت بيان مما جاء فيه:

إن هذا القرار أسوأ بمراحل من القيود والانتهاكات التي كانت حالة الطوارئ توفر غطاءً قانونيًا لها، وإذا كان عشرات الآلاف اعتقلوا وعذبوا وبعضهم قتل باسم قانون الطوارئ، فإن هذا القرار الجديد سيوفر الغطاء القانوني لتدخل الجيش في الحياة اليومية للمصريين". (6)

وما أن أدى الرئيس محمد مرسي اليمين الدستورية حتى تضافرت جميع مؤسسات الدولة – الدولة العميقة – في إفشاله وعدم التعاون معه، بل وافتعال المشاكل مع الشعب لإظهاره بالعجز، حتى تحقق مرادهم بالانقلاب عليه بعد عام من حكمه، لتعود الدولة العميقة بكل ثقلها ومن أمامها الجيش بجميع تشكيلاته وعلى رأسه الشرطة العسكرية، في التنكيل بكل صوت يعارض الانقلاب.

فما أن ترفع أصابعك وتشير بها نحو خريطة مصر لتفجرت تحتها أنهار من دماء المظلومين الذين راحوا ضحايا الشرطة العسكرية. فما أن أعلن عبدالفتاح السيسي بيان الانقلاب يوم 3 يوليو 2013م حتى تحركت الشرطة العسكرية بالتعاون مع العديد من تشكيلات الجيش والداخلية لقمع أي احتجاجات خرجت للتنديد بما جرى من انقلاب عسكري، استعملت فيها الشرطة العسكرية أقصى درجات القسوة نحو المعارضين، فكانت مذابح ميدان النهضة وجميع شوارع وقرى مصر تحولت لساحات حرب بين الشرطة وبين جموع الشعب المصري الأعزل.

وما أن حل يوم 24 يوليو 2013م – وهو يوم التفويض – حتى انطلقت الشرطة العسكرية تمعن بالقتل والاعتقال دون تفرقه لكل من تصل إليها يداها حتى تغير لون الأسفلت إلى الحمرة لكثرة ما أزهقت من دماء. ثم تتابعت المذابح ففي 8 يوليو 2013م وقعت مذبحة الحرس الجمهوري، أدى ذلك لمقتل 61 شخصًا وفقًا لتقرير أخير لمصلحة الطب الشرعي، و200 وفق تقرير الإخوان

وأصيب أكثر من 435 آخرين، واعتقل ما يزيد عن الـ200 شخص، ووجهت النيابة إليهم تهم "التجمهر" و"البلطجة" والتعدي على أفراد القوات المسلحة، تقرر حبسهم 15 يومًا على ذمة التحقيق، وأخلي سبيل 440 شخصًا آخرين بكفالة مالية قدرها 2000 جنيه، وأعلن الجيش أن هؤلاء القتلى والمعتقلين مجموعة إرهابية مسلّحة ليغطي على جريمته التي سجلها للعالم كله الصحفي والمصور أحمد عاصم بعدسته قبل أن يقنصه أحد ضباط الجيش من فوق سور الحرس الجمهوري. (7)

وفي 27 يوليو 2013م وقعت مذبحة المنصة والتي راح ضحيتها – وفق ما أعلنه الدكتور أحمد عارف المتحدث الرسمي باسم الإخوان - 66 شخصا قتلوا في حين توفي 61 آخرون "إكلينيكيا" وتم وضعهم على أجهزة "الإعاشة" مؤكدا أن اجمالي القتلى بلغ 127 شخصا.

ومما يؤكد على بشاعة الجريمة التي قامت بها قوات الشرطة العسكرية والداخلية ما ذكره الدكتور حسن الشافعي - مستشار شيخ الأزهر وعضو هيئة كبار العلماء- من إن ما شهده حادث المنصة قرب ميدان رابعة العدوية في القاهرة فجر اليوم ظلم فادح لم تشهد له مصر مثيلاً، حتى من المستعمرين. ودعا من سماهم الشرفاء في مصر وكل العالم للتحرك لوقف مسلسل القتل الجماعي. (8)

كانت هذه المذابح قبل أن تتحرك قوات الجيش والشرطة مدججه بالسلاح والعتاد لترتكب أكبر مجزرة بشرية في العصر الحديث في رابعة العدوية وميدان النهضة بالجيزة. ففي الساعات الأولى من صباح يوم 14 أغسطس 2013م وبعد أيام قليلة من عيد الفطر المبارك تحركت جحافل الشرطة العسكرية والأمن المصري متجهين إلى ميداني رابعة العدوية والنهضة لمحاصرتهم وفض الميدانين بقوة السلاح. حيث ذكرت وسائل الاعلام أن عملية عسكرية حدثت في 14 أغسطس 2013، حيث قامت قوات الشرطة والجيش بالتحرك لفض اعتصامات المعارضين لانقلاب 3 يوليو 2013 في مصر.

وقد اختلفت التقديرات حول عدد القتلى والمصابين في الأحداث حيث جاء تقرير وزارة الصحة المصرية بـ 670 قتيلا ونحو 4400 مصابا من الجانبين، في حين أعلن منسق المستشفى الميداني في رابعة العدوية بأن عدد القتلى بلغوا 2200 قتيل، وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش ما حدث بأنه على الأرجح جرائم ضد الإنسانية، وأخطر حوادث القتل الجماعي غير المشروع في التاريخ المصري الحديث.

استخدم الجيش جميع أنواع الأسلحة حتى الطيران استخدمه في قتل المعتصمين، وكشف الثغرات وأماكن التجمعات للقوات المهاجمة. وفي اليوم التالي للفض حاول بعض الإخوان إنشاء اعتصام في ميدان مصطفى محمود إلا أن الشرطة العسكرية والداخلية حولوا المكان لساحة حرب أعلنوا فيها انتصارهم وقتل فيها العشرات واصابة المئات وفق ما أعلنته وزارة الصحة المصرية. (9)

لقد جاءت عقيدة الشرطة العسكرية التي انطلقوا بها لذبح المصريين في رابعة العدوية والنهضة متمثلة في تصريح اللواء شبل عبد الجواد- نائب مدير الشرطة العسكرية المصرية وقت فض رابعة - حينما قال:

إن فض اعتصام رابعة كان حتميا وضروريا لإعادة بناء الدولة وإصلاح ما أفسده الإخوان المسلمون، وأن ميدان رابعة العدوية كان بؤرة مسلحة خارج القانون، وأن قرار فض الاعتصام جاء بعد أن نفد صبرنا"

مشيرا إلى أن

"ذلك كان ضرورة حتمية حتى تعود الدولة المصرية إلى هيبتها وقوتها واستكمال ثورة قام بها الشعب المصري العظيم في 30 يونيو، وحرر مصر من أيدي جماعة إرهابية حتى تستطيع الدولة المصرية بداية عصر جديد من البناء والتنمية، وأن هذا العمل البطولي الذي قامت به أجهزة الأمن حرر مصر من براثن جماعة إرهابية، كانت تريد السيطرة على مصر وإذلال شعبها تحت شعارات مضللة. (10)

خرجت المظاهرات منددة لما جرى في رابعة والنهضة، فكانت مذبحة أخرى في ميدان رمسيس فيما عرف بمذبحة رمسيس الثانية يوم 16 أغسطس 2013م حينما سعت الشرطة العسكرية والداخلية إلى ضرب المتظاهرين بالأسلحة المحرمة والطيران في ميدان رمسيس مما أدى لمقتل ما يزيد عن 200 شهيد، واعتقال المئات أثناء خروجهم من الميدان، كما تم اقتحام المسجد في صبيحة اليوم التالي واعتقال كل من كان فيه. (11)

لم تنته المذابح في ربوع مصر حيث أعلن عبدالفتاح السيسي وأعوانه عن وجوههم الحقيقة والرغبة الشديدة في إبادة كل ينادى بالحرية والديمقراطية، وأصبحت المذابح تقام على أيدي أفراد الشرطة العسكرية بالتعاون مع أفراد الداخلية الذين أرادوا الانتقام من انصار الإخوان لاعتقادهم أنهم من حركوا ثورة 25 يناير 2011م. لم يقتصر تنكيل الشرطة العسكرية على المتظاهرين في القاهرة أو المحافظات بل امتددت لحصار القرى والمدن وهدم البيوت وقتل الأفراد بدم بارد.

ففي قرية البصارطة وقرية الخياطة بدمياط حيث حولتها الشرطة العسكرية والداخلية إلى هدف للقتل والحرق والتجويع واعادة إلى الأذهان ما قامت به الشرطة العسكرية والجنائية العسكرية ضد قرى كرداسة وكمشيش في عهد عبد الناصر، غير انها في عهد السيسي كانت أشد قسوة وتنكيلا، حيث عم التنكيل بملايين الأفراد ومئات القرى، وما أن يتجمع عدد بسيط من الأفراد في مكان ما للتنديد بحكم السيسي حتى تسارع الشرطة العسكرية بالانقضاض عليه وإبادتهم حتى لا يتجرأ أحد على الخروج أو أن يعلو صوته.

إضافة لقرية الميمون بمركز الوسطى ببني سويف، وقرية دلجا إحدى القرى التابعة لمركز دير مواس بمحافظة المنيا، وقرية العتامنة بسوهاج، وقرية كفر حكيم التابعة لكرداسة والمعتمدية وناهيا، وقرية أويش الحجر، مركز المنصورة، محافظة الدقهلية، وفي محافظة الفيوم كان لقريتي "دار السلام" و"دفنو"، وقرية "مطرطاس" التابعة لمركز سنورس، وغيرهم من القرى والمدن، التي كان الشرطة العسكرية تهجم عليها وكأنها في ساحة حرب. (12)

بل أخذت الشرطة العسكرية على عاتقها تعذيب المعتقلين في أماكن احتجازهم مثلما يحدث في سجن العزولي بالإسماعيلية، ومثلما حدث بمعسكر الشلال ب"أسوان" من أن المعتقلين تم احتجازهم معصوبي العينين ومقيدي الأيدي من الخلف ، كما تم صعقهم بالكهرباء وتعلقيهم مربوطين لأكثر من اربع ساعات مع إطلاق نار في الهواء فوق رؤوسهم لإرهابهم ، ووقوقهم في الشمس لأكثر من عشر ساعات لمدة يومين مع منعهم من الطعام والشراب وحرمانهم من قضاء حجاتهم ،كما تم اجبارهم على حيازة مضبوطات تم تصويرهم بها وتلفيق التهم لهم، وحبسهم انفراديا بعد تحويلهم إلى سجن قنا العمومي. (13)

الشرطة العسكرية والنظرة الدونية للشرطة المدنية

الغريب أن أفراد الشرطة العسكرية – منذ نشأتها كأفراد في البوليس الحربي – هم مصريين، إلا أن قوتهم وبطشهم لم يستخدم إلا ضد المصريين الذين ربما يكون لهم منهم أقارب أو جيران غير أنه للأسف العقيدة التي غرسها المحتل قبل أن يغادر أن حماية المصالح أهم من حماية الشعوب، وهو ما رأيناه في تاريخ الشرطة العسكرية في ظل الحكم العسكري الاستبدادي.

ومما يؤكد هذه النظرية هي الصدمات المستمرة بين أفراد الشرطة العسكرية وبين أفراد الشرطة المدينة والتي تنظر إليهم الشرطة العسكرية – أو أفراد الجيش – على أنهم درجة ثانية بالنسبة لهم، وأن الكلمة العليا لابد أن تكون للعسكرين إذا حضروا، ولا أدل على ذلك من الصراع المحموم بين أفراد الشرطة العسكرية بقيادة شمس بدران وأعوانه في عهد عبد الناصر وبين وزارة الداخلية ولى رأسها الوزير عبدالعظيم فهمي.

أيضا النظرة الدونية التي ينظرون بها لأفراد الشرطة المدنية بعد انقلاب 2013م حتى أن كثير من الصدمات حدثت بينهم حتى كاد الأمر يتحول لحرب، فمثلا في ٢ مارس 2014م حدث تبادل لإطلاق النار بين أفراد الشرطة العسكرية وأفراد قسم إمبابة حينما وقعت مشاداة بين الطرفين، وهنف أفراد القسم بسقوط حكم العسكر. (14)

وفي شهر أكتوبر 2014م حينما حدثت مشاداة بين أفراد كمين وشخص مدني تبين أنه ضابط بالجيش مما دفعه للجوء للشرطة العسكرية التي جاءت وقبضت على أفراد الكمين وكدرتهم في الشمس – وفق الصور المتداولة ، وهو الحدث الذي وقع بالكيلو ٤٠ على طريق بورسعيدالإسماعيلية

حتى كتب أحد أفراد الجيش تعليقا على صفحته فيس بوك جاء فيه:

الموضوع أبسط من كده كل الحكاية أنه نسي نفسه (ضابط الشرطة والأمناء)، ونسي لما جري استخبى، وساب سلاحه، والقسم بتاعه، ونسي مين اللي أمنه، ورجعه شغله، ونسي مين وقف جنبه لحد ما الشعب ما سامحه، ونسى مين اللي دفعوا له راتبه، وزوده واشترى له عربيات وسلاح جديد بدل اللي اتسرق منه لما خد على قفاه، ونسي الدبابة والضابط والمجند اللي لحد دلوقتي واقفين بيحموه هو والقسم بتاعه علشان المحابيس اللي عنده ما يفكروش ياخدوا منه سلاحه تاني ويضربوه. (15)

وفي ١١ نوفمبر 2014:

تطورت مشادة كلامية بين ضابط بالقوات البحرية بالإسكندرية، وأحد ضباط قسم شرطة محرم بك إلى اشتباك بالأيدي فقرر نائب مأمور القسم احتجاز ضابط البحرية، مما دفع بالشرطة العسكرية والبحرية لحصار قسم الشرطة لحين تسلم زميلهم المحتجز، وحدثت مشادات بين أفراد الجيش والشرطة أدت إلى إصابة أحد أفراد قوة القسم.
وفي 14 أبريل 2015م شهد قسم شرطة "شبين الكوم" ، حصارًا من قوات الشرطة العسكرية بعدما اصطحب أفراد كمين أمني طيارًا حربيًا إلى القسم بعد رفضه إظهار رخصة القيادة الخاصة به أثناء مروره بالكمين، وهو ما تطور من مشادة كلامية إلى تشابك بالأيدي، انتهى باصطحاب الطيار الحربي إلى القسم وتحرير محضر له، فأبلغ الضابط وحدته العسكرية وتوجهت على إثر ذلك قوات من الشرطة العسكرية ومدرعات من الجيش إلى القسم، وحاولت إلقاء القبض على أمين الشرطة الذي ألقى القبض على الطيار الحربي، واقتياده إلى النيابة العسكرية، غير أن أمناء الشرطة رفضوا تسليم زميلهم وأغلقوا القسم، ووصل الأمر أن هتفت الأمناء بسقوط حكم العسكر، واحتاج الأمر إلى تدخل قائد المنطقة المركزية اللواء توحيد توفيق ومحافظ المنوفية ومستشاره العسكري ومدير الأمن لحل الموقف. (16)

يرسم المشهد السابق، الذي تكرر بسيناريوهات مشابهة أكثر من مرة خلال سنوات حكم العسكر ملامح الصراع التاريخي الممتد بين الأجهزة التابعة لوزارتي الداخلية والدفاع، والتي شملت أوجهًا متعددة لهذا الصراع، منها: المزايا المادية والنفوذ المؤسسي والمجتمعي والصلاحيات المطلقة.

المراجع

  1. صدامات الجيش والشرطة.. أكثر من مجرد نزاعات فردية مدى مصر، 15 أبريل 2015م
  2. يزيد الصايغ: فوق الدولة جمهورية الضباط في مصر
  3. إسحاق إبراهيم: الأقباط تحت حكم العسكر، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، القاهرة، صـ19
  4. يوسف ندا ودوجلاس تومسون: من داخل الإخوان المسلمين ،حقيقة أقوي الجماعات الإسلامية السياسية في العالم، ترجمة الدكتور محمد فريد الشيال، دار الشروق، 2012م.
  5. عثمان الدلنجاوي: 2011 عام الثورة، طـ1، دار الجمهورية للصحافة، القاهرة، 2012م، صـ522
  6. بيان مشترك لمنظمات حقوق الإنسان موقع نظرة، 13 يونيو 2012م
  7. أحداث الحرس الجمهوري ويكيبيديا الموسوعة الحرة
  8. الشافعي: أحداث المنصة لم تحدث بتاريخ مصر 27 يوليو 2013م
  9. ياسر سليم وأخرين: مجزرة رابعة بين الرواية والتوثيق كتاب إلكتروني
  10. ناصر حاتم: نائب مدير الشرطة العسكرية الأسبق لـRT: فض اعتصام رابعة كان حتميا لبناء الدولة وإصلاح ما خربه الإخوان، 14 أغسطس 2019م
  11. أنس زكي: ميدان رمسيس.. مجزرة جديدة، 17 أغسطس 2013م
  12. قرى مصرية تحت تنكيل العسكر (2-2) بوابة الحرية والعدالة، 25 أبريل 2020م
  13. الشرطة العسكرية تعذب معتقلين بمعسكر الشلال بـأسوان 8 مارس 2014م
  14. آثار اشتباكات بين الجيش والشرطة في محيط قسم إمبابة المصري اليوم، ٢ مارس 2014م
  15. حين أوقف الجيش الشرطة فى «طابور التكدير» المصري اليوم، 13 أكتوبر 2014م
  16. محمود الحصري: "الوطن" تنشر تفاصيل اشتباكات أفراد جيش وشرطة بالمنوفية الثلاثاء 14 أبريل 2015م