تاريخ مصادرة أموال الإخوان المسلمين

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
تاريخ مصادرة أموال الإخوان المسلمين


إخوان ويكي

مقدمة

نشأت جماعة الإخوان المسلمين عام 1928م بمدينة الإسماعيلية بمصر وفق القوانين واللوائح المصرية المعمول بها في هذا الوقت، حيث كان تسجيل الجمعيات يتم في وزارة الداخلية لعدم وجود وزارة الشئون الاجتماعية والتي أنشئت في عهد وزارة علي ماهر عام 1939م.

ظلت الجمعية تعمل وفق القوانين وتم تعديل لوائحها أكثر من مرة وفق متطلبات ومتغيرات القانون ومنها قانون الجمعيات لعام 1945م. تعرف الناس على جماعة الإخوان المسلمين وانضم لها كثير من العلماء والمثقفين والضباط الجيش والشرطة ولمسوا فيها قوتها في العمل الوطني فانتسبوا لها لسنوات بل وعمل بعضهم في التشكيلات العسكرية التي تشكلت لمحاربة الإنجليز وصد الزحف الصهيوني على فلسطين.

كانت الجماعة تمتلك كثير من الموارد الاقتصادية والتي كانت تشرف عليها الدولة ويساهم فيها العمال العاملين بها وتوزع أرباحها على الجميع بالتساوي مما شجع الكثيرين على المساهمة فيها.

كان الجميع – في كل وقت – يعرف شركات واقتصاديات الإخوان سواء الجماعية او الفردية ومع ذلك كانت تنتشر في كثير من ربوع المحافظات، ويظل الحال كذلك حتى إذا اختلف النظام الحاكم معها أو خاف قوتها سرعان ما ينقلب عليها ويعتقل أفرادها ويستخدم قوته والقوانين والسلطة التشريعية والقضائية في التنكيل بأعضائها بل ومصادرة أموالها في ظاهرة غريبة تحدث فقط في البلدان العربية وعلى رأسها مصر، فلماذا تصادر الأنظمة أموال الإخوان رغم أن هناك الكثير من المعارضين لها لم تقترب من أموالهم؟

  • هل – لما تتدعيه الأنظمة في كل مرة – أن هناك شبهات حول أموال الإخوان؟
  • هل لاستغلال الإخوان هذه الأموال في أعمال غير مشروعة؟
  • هل مصدر أموال الإخوان غير معروفة – كما يروج لها النظام وقت اختلافه معها؟
  • هل مصادر صرف أموال الإخوان غير معلومة للجميع؟

الحقيقة أنه لا تلك ولا ذاك ،،، فالإخوان معلومة أموالهم سواء العامة أو الخاصة بالأفراد – بل أول من يسدد حق الدولة فيها – ولوائح وقوانين الجماعة حدد طريقة جمع الإخوان أموالهم الخاصة بالعمل الدعوي، كما أن المصاريف معلومة للجميع وتراقبها الدولة – وليست كما تروج وقت الاختلاف- أنها لا تعرف شيء.

شركة الطباعة والنشر أول شركة إخوانية

بعدما انتشرت دعوة الإخوان في الفترة الأولى منها بالإسماعيلية، نقل حسن البنا إلى القاهرة للعمل بمدرسة السبتية لبعض الأسباب والتي لاقت قبول لدى البنا نفسه.

بعدما انتقل عام 1932م وضع أطر وتنظيم شكل وهيكل الجماعة بعد انتشارها في الكثير من مدريات القطر المصري، فاتخذ مركزا عاما تدار الجماعة من خلاله، كما شكل أول مجلس شورى للجماعة – بعد أن كانت جمعية عمومية بالإسماعيلية – والذي عقد أول جلساته في 22 من صفر 1352هـ الموافق 15 من يونيو 1933م، وكان من نتائجه تسمية أول مكتب إرشاد يقود جماعة الإخوان المسلمين والعمل على التصدي للحركات التبشيرية التي انتشرت في مصر في ذلك وقت.

غير أن من مقررات مجلس الشورى الثاني المنعقد في مدينة بورسعيد في 2 من شوال 1352هـ الموافقين 19 من يناير 1934م إنشاء أول شركة للإخوان المسلمين وهي شركة الطباعة والنشر كشركة مساهمة تعاونية رأس مالها ابتداءً ثلاثمائة جنيه مصري تقسم إلى 1500 سهم قيمة السهم الواحد عشرون قرشًا

ووكل المجلس إلى مكتب الإرشاد أن يتفق مع بنك مصر أن يتقبل قيمة الأسهم وتكون في عهدته حتى يتم جمعها بحيث تكون الأموال معروفة لدى الجهاز المصرفي للدولة تشكلت لجنة لهذه الشركة والتي قامت بعمل مشروع قانون الشركة ودفاتر إيصالات تسلم المبالغ ومسئولة عن دعوة جميع المساهمين وتنظيم انتخابات الشركة لاختيار مجلس إداراتها. (1)

تأسست الشركة على شكل شركة تعاونية مساهمة باسم "شركة التعاون المساهمة للطباعة والنشر للإخوان المسلمين" ومركزها الرئيسي هو مدينة القاهرة. وكان الغرض من تأسيسها هو القيام بالطباعة بكافة أنواعها ومن ذلك مجلة الإخوان المسلمين ومطبوعات الجمعيات الأخرى بأجر يراعى فيه مصالح المساهمين معنويًا وماديًا، وكذلك نشر الكتب والرسائل النافعة التي تتفق مع أغراض جمعية الإخوان المسلمين. (2)

كان الإخوان يهدفون من النشاط الاقتصادي ضرورة التقريب بين الطبقات وإلى احترام الملكيات الخاصة، وتنظيم المعاملات المالية، واحترام العقود والالتزامات، والبعد عن الربا في جميع المعاملات، وخدمة الثروة الإسلامية العامة بتشجيع المصنوعات والمنشآت الاقتصادية الإسلامية. (3)

استمر الإخوان في إنشاء مجموعة من الشركات كانت أسهمها جميعا موزعة على مجموعة كبيرة جدا من المساهمين، بعكس ما ألف الناس في الشركات الكبيرة في مصر التي يتحكم فيها ويملك غالبية أسهمها قلة من الرأسماليين؛ ولعل أوضح مثال لذلك هو شركة الإخوان المسلمين للغزل والنسيج، فرأس المال الفعلي لها كان 6500 جنيه، وكان عدد المساهمين 550 مساهمًا، ومعظمهم من العمال

ومن هذه الشركات:

شركة المعاملات الإسلامية وقد تكونت سنة 1939م برأسمال أساسي قدره 4000 جنيه، زيد إلى عشرين ألف جنيه مصري سنة 1945م، وقامت الشركة بإنشاء خطوط نقل، وأقامت مصنعا كبيرا للنحاس، ينتج (وابور غاز) كاملا، وقطع غياره المختلفة راجت في الأسواق المحلية والخارجية.
هذا غير الشركة العربية للمناجم والمحاجر (لإنتاج الأسمنت والبلاط وأجهزة الطبخ)، وشركة الإعلانات العربية، وشركة الإخوان المسلمين للغزل والنسيج بشبرا الخيمة، وشركة التجارة وأشغال الهندسة (لإنتاج مواد البناء وتدريب العمَّال على حِرَف السباكة والكهرباء والنجارة) (4)

النقراشي والمصادرة الأولى

كان طرق باب المشروعات الاقتصادية وتأليف عدة شركات اقتصادية، باب لم تطرقه من قبل الهيئات الاجتماعية في مصر. لم تواجه المشروعات الاقتصادية للإخوان ولا شركاتهم أي عراقيل أو مواجهات مع الحكومات المتعاقبة - منذ نشأة أول شركة للإخوان – كوزارة النحاس أو محمد محمود أو علي ماهر أو حسين صبري أو حسين سري أو النحاس مرة أخرى عام 1942 أو احمد ماهر نفسه.

غير أنه منذ أن جاءت وزارة النقراشي الأولى وهي تضع نصب أعينها عداء جماعة الإخوان المسلمين، والعمل على وضع العراقيل في طريقها وطريق مشروعاتها، واستمر كذلك حتى أصدر القرار رقم 63 ليوم 8 ديسمبر 1948 بحل جماعة الإخوان ومصادرة أموالها حيث جاء في نص القرار: تحل فورا الجمعية المعروفة باسم جماعة الإخوان المسلمين بشعبها في جميع أنحاء المملكة المصرية وتغلق الأمكنة المخصصة لنشاطها ، وتضبط الأوراق والوثائق والسجلات والمطبوعات والمبالغ والأموال ، وعلي العموم كافة الأشياء المملوكة للجمعية.

وقد اعترض حسن البنا على هذا القرار الذي كان مخالفا للقانون، كما اعترض عليه بعض الكتاب والمفكرين كالمؤرخ عبدالرحمن الرافعي بقوله:

ولعمري إن النقراشي لم يكن موفقًا في إصدار هذا الأمر، فإنه ليس من العدل أن تؤخذ الجمعيات والأحزاب بتصرفات أو جرائم، وقعت من بعض أعضائها، بل يجب أن يقتصر الجزاء والقصاص على من ارتكبوا هذه الجرائم. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ "الأنعام: 164"
وإذا كانت الحكومة قد أعجزها أن تأخذ المجرمين بإجرامهم، أو تتخذ الوسائل الوقائية لمنع ارتكاب الجرائم، فليس من حقها أن تعتمد في مكافحتهم على وسائل يحرمها الدستور والقانون، والدستور يحرم مصادرة الأموال والأملاك، وقد صادرت الحكومة أموال الجماعة وأملاكها ووضعت دورها وشُعبها ومنشآتها وسجلاتها وأوراقها تحت يد البوليس، وصادرت ما أنشأته من معاهد للعلم ومستشفيات طبية ومعامل
بل إن شركات مدنية وتجارية صادرتها، بحجة أن لها صلة بهذه الجماعة، مثل شركات المناجم والمحاجر العربية، وشركة الإعلانات العربية، وشركة الإخوان للنسيج، ودار الإخوان للصحافة والطباعة، ومدارس الإخوان بالإسكندرية، وما إلى ذلك... كل هذه تصرفات لا يجيزها القانون والدستور، وإذا كانت الأحكام العرفية من شأنها تعطيل أحكام الدستور والقانون العام، فكان واجبًا على الحكومة أن تقصر هذا التعطيل على ما تقتضيه حالة الحرب في فلسطين، وما يستدعيه حفظ النظام، ولكن هذا الأمر العسكري – بحل الجماعة – قد خرج عن مدلول هذه الحكمة. (5)

وكتب الأستاذ فتحي رضوان المحامي - اللجنة العليا للحزب الوطني الجديد – يقول:

"القرار ثورة على الدستور، وخروج بسلطة الأحكام العرفية، عن الغرض الذي أعدت له. إن النقراشي باشا الحاكم العسكري في فترة الحرب مع الصهيونية، هو الذي يحل هيئة الإخوان المسلمين الذين حاربوا في فلسطين ضد الصهاينة كأشجع وأقوى ما يكون المحاربون.وإذا كان ما نسب إليهم صحيحًا فهو لا يعدو اعتداء على المحال اليهودية أو على أفراد من اليهود مما يجعل النظر فيه من اختصاص المحاكم العادية ويخرجه من سلطة الحاكم العسكري تمامًا.

ولا يملك الحاكم العسكري أن يحل حزبًا بأسره يختلف معه في الرأي وينافسه في الانتخابات القريبة، ويصادر أمواله، ويستولي على عقاراته، ويوقف نشاطه، لأن الدستور وقانون العقوبات لا يسمحان بشيء من ذلك حتى في حق من تثبت عليهم قضايا ارتكاب جرائم الخيانة العظمى أو التطاول على مقام جلالة الملك وهي جرائم مهددة لكيان الدولة. ولا يوجد مسوغ للاستيلاء على دور الإخوان والتصرف نهائيًا في أموالهم لأن ذلك لا يحقق إلا غرضًا واحدًا هو التنكيل بالإخوان. (6)

كان واضحا أن الأستاذين عبدالرحمن الرافعي وفتحي رضوان هم من كبار رجال القانون في مصر، وليس أدل على أن قرار النقراشي كان تنكيلا وسياسيا من كلام هذين الأستاذين، حيث اعترضا على قرار حل الجماعة ومصادرة أموالها دون جريرة واضحة.

عودة الجماعة وعودة ممتلكاتها

ما إن صدر قرار الحل ومصادرة كل ممتلكات وشركات الإخوان المسلمين حتى اتبع الإمام البنا القوانين فقام بالطعن في قرار الحاكم العسكري أمام القضاء المصري – النزيه في ذلك الوقت قبل أن يصبح جزء من الأنظمة العسكرية الحاكمة – حيث تقدم الأستاذين "عبد الكريم محمد منصور" و"زكريا عبد الرحمن" برفع دعوى رقم (176) لسنة 3 قضاء إداري، وتمَّ إيداع صحيفة الدعوة في 3 يناير 1949م.

كما أقام الأستاذ حسن البناالمرشد العاموعبد الحكيم عابدين – السكرتير العام - في 13 يناير 1949م، الدعوى رقم (190) لسنة 3 قضاء إداري للإلغاء القرار العسكري الصادر بحل الجماعة.

الغريب في الأمر أن فؤاد سراج الدين وحكومة الوفد حاولت تحويل المركز العام للإخوان إلى قسم شرطة بالمخالفة للقانون، مما دفعها لاصدار قانون رقم 50 لعام 1950 بمد فترة الأحكام العرفية حتى تجد سبيل في ممتلكات الإخوان، إلا أن قرار محكمة القضاء الإداري الصادر في 17 سبتمبر 1951م أعاد للجماعة شرعيتها وممتلكاتها. (7)

عبدالناصر ومصادرة الأموال

عادت الجماعة وعادت لها ممتلكاتها واختارت مرشد جديدا لها هو المستشار حسن الهضيبي والذي قاد الجماعة في أصعب الظروف حيث كانت سحب ثورة يوليو قد تجمعت هذا غير الخلاف الداخلي حول كينونة النظام الخاص والتي انتهت بفصل عدد من قادة الإخوان وقادة النظام الخاص عام 1953م.

شارك الإخوان في نجاح الثورة – باعتراف أعضاء مجلس قيادة الثورة في مذكراتهم كخالد محي الدين وعبد اللطيف البغدادي – إلا أن الحال لم يدم طويلا حتى بدأ الاختلاف يخيم على العلاقة بين الإخوان ومجلس قيادة الثورة، حتى انتهت بصدور قرار حل الجماعة يوم 14 يناير 1954م واعتقال المرشد العام وقادة الإخوان

غير أن المجلس تراجع عن قراره بعد مظاهرات عابدين التي شهدتها البلاد في مارس 1954م، إلا أن الصدام القوي كان يعد له من قبل عبد الناصر وبعض قادة المجلس العسكري والذي تم في 26 أكتوبر 1954م بعد حادثة المنشية، حيث صدر قرار بحل جماعة الإخوان المسلمين في 29 أكتوبر 1954م وقد اعتبرت غالبية صحف السودان حادث المنشية لعبة تمثيلية أريد بها التحايل على حل جماعة الإخوان المسلمين. (8)

المحاكم العسكرية ومصادرة الأموال

خرج الإخوان في عهد السادات حيث عادوا للعمل والانتشار وسط المجتمع المصري، وتكونت لها شركات اقتصادية بمسميات فردية لعدم اعتراف السادات بمشروعية الجماعة، وظل الحال كذلك فترة طويلة من حكم مبارك قبل أن يواجه الجماعة – خاصة بعد فوزها في انتخابات مجلس الشعب عام 2005 – حيث قبض على عدد من قيادات الجماعة وزج بهم بتهم غسيل الأموال غير أن القضاء برأهم جميعا من هذه التهم.

ثم اتخذت الحكومة إجراءات تصعيدية ضد الجماعة، حيث قررت إغلاق شركات ودور نشر ومطابع، كان يمتلكها أعضاء بالجماعة، كما أصدر النائب العام المستشار عبد المجيد محمود قرارًا بمنع 29 من قيادات الجماعة وأسرهم من التصرف في أموالهم وممتلكاتهم السائلة والعقارية.

وفي عام 2008، أسدلت المحكمة العسكرية، الستار على القضية المتهم فيها 40 من قيادات الإخوان، وذلك بإصدار أحكام بالسجن على 25 منهم بمدد تتراوح ما بين ثلاث إلى 10 سنوات، ومصادرة ممتلكات عدد منهم، حيث قضت المحكمة بالحبس سبع سنوات على الشاطر ورجل الأعمال حسن مالك في القضية المعروفة بتنظيم "ميلشيات الأزهر" مع مصادرة جميع ممتلكاتهما في العديد من الشركات

بينما عاقبت كلا من رجال الأعمال المعروفين يوسف ندا وفتحي الخولي وتوفيق الواعي وإبراهيم الزيات وعلي همت، غيابيًا بالحبس عشر سنوات، وهي أقصى عقوبة توقع على عضو بالجماعة منذ بدء المحاكمات العسكرية في منتصف التسعينيات. (9)

الانقلاب العسكري وأكبر سرقة لممتلكات الإخوان

لم تتحمل الدولة العميقة بمصر والحكم الديكتاتوري الملكي في الخليج والغرب نجاح ثورة الربيع العربي فتكاتفوا على إسقاط هذه الثورات وكانت البداية من مصر حيث وقع انقلاب عسكري من قادة الجيش ضد الرئيس المدني المنتخب في 3 يوليو 2013م. أعقبها صدور قرار بحل جماعة الإخوان المسلمين من قبل محكمة الأمور المستعجلة في 23 سبتمبر 2013م، وفي 9 أكتوبر من نفس العام وافق الوزير أحمد البرعي والحكومة المصرية على قرار حل جماعة الإخوان المسلمين.

الغريب أنه لم يكد يمر أيام على الانقلاب العسكري وقبل قرار حل جماعة الإخوان المسلمين يصدر النائب العام هشام بركات يوم 14 يوليو 2013م قرار بالتحفظ على أموال عدد من قيادات الإخوان المسلمين، تتبعها الكثير من القرارات لمصادرة أملاك الإخوان المسلمين بل وصل الحال لتشكيل لجنة من أجل حصر ممتلكات الإخوان ومصادرتها.

حتى أنه في 17 سبتمبر 2013م قضت محكمة جنايات شمال القاهرة برئاسة المستشار شعبان الشامي بتأييد قرار النائب العام بمنع قيادات الجماعة وقادة في تيارات إسلامية من التصرف بأموالهم. (10)

القانون في خدمة الإنقلاب

وفى 2015 انتبهت الدولة إلى أهمية ملف الأموال المتحفظ عليها وما يثيره من جدل ومعارك بين أروقة المحاكم، فأصدرت القانون رقم 8 لسنة 2015 فى شأن تنظيم قوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين. وأسند قانون الكيانات للنيابة العامة تولى إعداد قوائم الإرهابيين والكيانات الإرهابية، ويقوم النائب العام بعرض الطلب مشفوعاً بالمستندات والتحقيقات على إحدى الدوائر الجنائية بمحكمة استئناف القاهرة للفصل فيه.

وجدت لجنة التحفظ على أموال الإخوان فى هذا القانون ضالتها، فقامت بإبلاغ النيابة العامة لإدراج الأشخاص والكيانات المتحفظ عليها على قوائم الإرهاب، كخطوة نحو تحصين قراراتها بالتحفظ خشية تأييد المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة أحكام القضاء الإدارى بإلغاء التحفظ.

ورغم أن قانون "الكيانات الإرهابية" ساهم فى استمرار تجميد أموال الجماعة الإرهابية وعناصرها، فإن التخوف لدى القائمين على هذا الملف كان مستمراً، وبدأ التفكير فى أن يكون الأمر محسوماً بشكل قاطع، فى ظل صدور أحكام من محكمة النقض بإلغاء قرارات الإدراج على قوائم الإرهاب، ما دفع بالنائب العام إلى تقديم طلب آخر لإدراج الـ1538 إخوانياً مرة أخرى على قوائم الإرهاب بعد إلغاء القرار الأول من قبَل النقض.

وقالت مصادر قضائية وبرلمانية إن الجدل بشأن ملف الأموال المتحفظ عليها كان يتطلب تدخلاً تشريعياً، وهو ما حدث بإصدار القانون رقم 22 في أبريل سنة 2018، الذى منح محكمة الأمور المستعجلة، وحدها دون غيرها، نظر قرارات التحفظ على الأموال، التى تصدرها اللجنة، المنصوص عليها فى القانون ذاته.

يُذكر أن اللجنة المشكلة وفقاً لهذا القانون أصدرت أول قراراتها فى 11 سبتمبر 2018 بالتحفظ على أموال 1589 عنصراً من العناصر المنتمية والداعمة لتنظيم الإخوان الإرهابى، و118 شركة متنوعة النشاط، و1133 جمعية أهلية، و104 مدارس، و69 مستشفى، و33 موقعاً إلكترونياً وقناة فضائية، وإضافة جميع الأموال المتحفظ عليها إلى الخزانة العامة للدولة. (11)

والكلام السابق وقرارات محكمة الأمور المستعجلة وإصدار قانون من مجلس النواب عام 2018م يؤكد أن هذه الإجراءات لا تمت لنصوص دستور 2014 – الذي وضعه العسكر والانقلابيين - والذي نص في (المادة ٣٥) على أن "الملكية الخاصة مصونة، وحق الإرث فيها مكفول، ولا يجوز فرض الحراسة عليها إلا في الأحوال المبينة في القانون، وبحكم قضائي، ولا تُنزع الملكية إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يُدفع مقدما وفقا للقانون".

فما يقوم به الجنرال العسكري المنقلب وأعوانه في السلطة القضائية والتشريعية يجلي حقائق رغبتهم في مصادرة أموال الناس بتهم جزافية سواء كانوا إخوان أو معارضين أخرين.

حيث يقول خالد محمود:

كان قرار مصادرة أملاك الإخوان متُوقعا إلى حد ما، خاصة أن النظام السياسي أقر قانون رقم 22 في نيسان - أبريل 2018، لتنظيم إجراءات التحفظ والحصر والإدارة والتصرف في أموال الجماعات الإرهابية والإرهابيين. هذا القانون مهد الطريق أمام مصادرة هذه الأموال ونقلها إلى الخزينة العامة للدولة، وليس التحفظ عليها وإدارتها كما كان يحدث.
كما أن اللجنة التي تملك سلطة حصرية لتنفيذ الأحكام القضائية ضد أي شخص أو كيان إرهابي، جاء تعيين أعضاؤها بواسطة السلطة التنفيذية متمثلة في رئاسة الجمهورية، ما دفع بعض الأعضاء داخل مجلس النواب أثناء مناقشة القانون إلى الاعتراض والمطالبة بأن يكون تشكيلها من المجلس الأعلى للقضاء وليس من رئيس الجمهورية لضمان استقلالها، إلا أن الرئاسة صممت على تعيين أعضاءها.
وبناءا على قانون الكيانات الإرهابية الذي أصدره السيسي في شباط - فبراير 2015، والذي تتضمن أي مجموعات تهدف تقويض "النظام العام" في المفهوم الواسع للقانون، مّكن قانون نيسان - أبريل من تصنيف أي شخص يريدونه على إنه إرهابي، وبالتالي مصادرة ممتلكاته دون أي إجراءات قانونية.
وصادرت السلطات أموال العديد من الأشخاص الذين يديرون أعمالهم التجارية منذ عقود دون مخالفة للقانون، لخلفيتهم السياسية والدينية وخلافهم مع نظام السيسي، ومما يثير الجدل أن ادعاءات اللجنة لا تستند إلى أي تحقيقات، ولم يُمنح المتورطون فرصة للدفاع عن أنفسهم. إن اللجنة التي عينها السيسي لمصادرة الأموال هي مجرد أحدث مثال على أن السلطة التنفيذي سيطرت على السلطة القضائية، ولا يستطيع أحد أن يعارض أو يعترض على قرارات السيسي. (12)

أخيرا

إن استيلاء الدولة المصرية على أصول وممتلكات جماعة الإخوان المسلمين، يقوض سيادة القانون، وقد يزيد من الانتقادات التي توجهها المنظمات والمستثمرين الأجانب للنظام، وتدفع رؤوس الأموال الأجنبية للهروب خارج البلاد والبحث عن ملاذ آمن.

المراجع

  1. جريدة الإخوان المسلمين: السنة الأولى – العدد 27 - الخميس 23 شوال 1352هـ - 8 فبراير 1934م.
  2. المرجع السابق: السنة الثانية – العدد 37 – 17 ذي القعدة 1353هـ - 21 فبراير 1935م.
  3. حسن البنا: رسالة التعاليم، واجبات الأخ العامل.
  4. جمعة أمين عبدالعزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، الكتاب السادس، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2007م
  5. عبدالرحمن الرافعي: في أعقاب الثورة المصرية ثورة سنة 1919م، دار المعارف، الجزء الثالث، 1989م.
  6. محسن محمد: من قتل حسن البنا، دار الشروق، 1987م، صـ 424
  7. الإجراءات القانونية التي أتخذها الإخوان للإلغاء الحل إخوان ويكي
  8. نوال عبدالعزيز مهدي راضي: دراسات في تاريخ العلاقات المصرية السودانية 19541956، دار الانصار، القاهرة، 1982م، صـ123.
  9. أحمد طحان: الحركات الإسلامية بين الفتنة والجهاد، دار المعرفة للطباعة والنشر، 2007م، صـ 7. وخالد كامل: مصادرة أموال الإخوان.. كلاكيت سادس مرة، 24 نوفمبر 2013م
  10. أحمد ربيع: رحلة «أموال الإخوان» من خزائن التنظيم إلى خزينة الدولة، 12 يونيو 2019
  11. خالد محمود: انتزاع السيسي لممتلكات الإخوان المسلمين، 5 أكتوبر 2018