حسن البنا والتصدي لمحاولات تقسم الأمة

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
حسن البنا والتصدي لمحاولات تقسم الأمة


إخوان ويكي

مقدمة

منذ صدع محمد صلى الله عليه وسلم بدعوة الحق المبين، وقد تكالب على دولته كثير من الأعداء يبتغون تمزيقها سواء كانوا كفارا أو يهودا أو مجوسا أو نصارى بل حتى المنافقين من داخل الدولة الإسلامية كلهم سعوا على تقويض هذه الدولة الحديثة وعمدوا إلى تدميرها أو تفكيك وحدتها وأواصرها.

وخلال رحلة الأمة الإسلامية منذ مهداها حتى هذه اللحظات ويناصبها الأخرون العداء من كل حدب وصوب، وزادت وتيرها بعدما ضعفت الأمة وفقدت خلافتها خلال فترات التاريخ الحديث والمعاصر.

ومنذ بسط الاستعمار الغربي (الصهيونية العالمية – الدول الغربية – أتباع المذهب الشيعي في إيران الذين بعدوا عن الأمة وسعوا لنشر فكرهم الشيعي بين المسلمين - أنصار الشيوعية - المنافقين الذين ينفذون تعليمات الغرب والصهيونية) سلطانه على الأمة الإسلامية بقوة السلاح وقد استهدف وحدة الأمة بمختلف أنواع التدمير، وبمختلف الأساليب، وفي أزمان متتابعة.

لقد أدرك الغرب أن قوة أمتنا في وحدتها، لذلك عمل على تدمير هذه الوحدة من أجل إضعافها والسيطرة عليها، وبدأ يعمل على هذه الخطة منذ القرن التاسع عشر. حينما سعى إلى تفكيك وتدمير الوحدة العرقية حينما بث النعرة القومية في نفوس العرقيات في الوطن الإسلامي، وتدمير الوحدة السياسية باستخدام سياسة فرق تسد بين الشعوب الإسلامية، وتدمير الوحدة الثقافية خاصة الإسلامية حتى لا يكون هناك ارتباط مع الماضي الإسلامي ويستطيعون طمس هوية الأمة. (1)

لقد كانت الأمة الإسلامية كالجسد الواحد لا تعرف تقسميات ولا نعرات إلا النعرة الإسلامية فكان الجميع لحمة واحدة لا يفرق بينهم شيء. حتى ابتليت الأمة من بني جلدتها (بإيعاز من أعداء الأمة) على مر تاريخها بمن رفع النعرات القومية وسعى إلى تفريق المسلمين وتحزيبهم شيعا فهذا مصري وذاك مغربي وأخر سوري وعراقي وفلسطيني حتى صارت الأمة دويلات صغيرة لا تتحد إلا ضد بعضها البعض، ولا ترفع السلاح إلا في وجه بعضها.

وما زالت هذه النعرة مستمرة حتى يومنا هذا يغزها حكام فسدة لا يعنيهم إلا عروشهم وملكهم واستجابوا لكل أوامر الغرب والصهيونية من أجل الحفاظ على مناصبهم. فعمدوا إلى المناداة بالأمجاد ونسبوا أنفسهم إلى أمجادهم القديمة كالفراعنة والفرس وغيرها وعملوا على الانسلاخ من إسلاميتهم تنفيذا لأوامر أسيادهم في الغرب.

غير أن هذه النعرات المقيتة رفضها الإخوان المسلمين منذ أول لحظة تنطلق فيها فكرة جماعة الإخوان المسلمين، حيث سعت إلى المطالبة بوحدة الأمة ورفع راية الجهاد ومناصبة الغرب العداء وعدم الاستسلام لهم بسبب ما قام به الغرب من تمزيق للأمة واحتلالها، وهو ما جعل الغرب يناصبهم العداء ويسعى إلى حل أو تدمير جماعة الإخوان المسلمين، فأوعزوا لآتباعهم بتشويه صور الإخوان وإظهارهم بأنهم ليسوا وطنيين وأنهم خطر على الأمة، وأداة لضرب وحدة الأمة العربية.

وقد زادت هذه الوتيرة خاصة بعد ثورات الربيع العربي والتي حملت التيار الإسلامي إلى سدة الحكم في العديد من البلدان العربية والإسلامية، حتى وجدنا دولا ليس له هدف إلا القضاء على التيار الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين حيث سخروا كل إمكانياتهم من أجل ذلك.

حسن البنا ووحدة الأمة

يُعتبر مشروع الوحدة الإسلامية من أسمى أهداف دعوة الإخوان المسلمين، ويحتل مكانة بارزة في مشروع الجماعة.

يقول أحمد التلاوي:

لعل الإخوان المسلمين وهم يبدأون هذا الطريق في النصف الأول من القرن العشرين كانوا أولاً على إدراكٍ تامٍ بحقيقة المتاعب التي سوف يحفل بها طريق الوحدة الإسلامية مع اصطدام هذا المشروع بالعديد من الظروف والقوى المحليَّة والدوليَّة التي لها مصالحها التي تتعارض بكل تأكيد مع مشروع الإخوان المسلمين بإعادة توحيد الأمة.
كان هناك العديد من العوامل التي ساهمت في جعل مشروع الوحدة الإسلامية الغاية العليا لدعوة الإخوان المسلمين، وهذه العوامل بعضها خاص بتوقيت نشأة الدعوة، والبعض الآخر يعود إلى فكر الإمام البنا ذاته والأجندة التي وضعها لدعوته الجديدة. (2)

ولقد تبلور فكر الإمام البنا ومطالبته بوحدة الأمة بسبب ما كانت تعانية الأمة من تشرزم وفرقة كبيرة، ومن سقوط أخر أوراق الوحدة وهي الخلافة الإسلامية على يدي أتاتورك عام 1924م، هذا بخلاف بسط الاستعمار نفوذه على أكثر من 90% من بلاد المسلمين، ناهيك عن الحزبية المقيتة التي ابتليت بها الأمة في نظامها السياسي والذي استغلها الاستعمار من أجل تحقيق مأربه.

لقد سعى حسن البنا منذ بداية حياته إلى وحدة الأمة والبعد عن الفرقة وأسبابه، من المآثرِ الخالدة التي تنسب إلى المُصْلِحِ المُجَدِّد الشيخ حسن البنا أنَّه دَخَلَ المسجد ذات يوم، فوجد صدامًا عنيفًا قد احتدم بين المُصلِّين، إلى درجة أنْ كادت الفتنة تعصف بهم جميعًا، مُختلفين في صلاة التراويح وفي عدد ركعاتها، ما بين مُقْتَصِرٍ على ثمانية وعلى عشرة وعلى عشرين ركعةٍ

ودخل الشيخ بأسلوبه الحكيم، ونظره البعيد، ومَنْطِقِه السَّديد، ليُصلحَ بين القوم، فإذا بالمرشد أو المصلح ينظر إلى الموضوع من زاوية غابت عن الجميع، فهو لم يحتكم إلى جزئيَّة من جُزئيَّات الموضوع، أو مسألة من مسائل النصِّ، فيحكم بها بين المتخاصمين، متعِّرضًا إلى مصدر الفتوى التي من أجلها احتدم الخلاف

ككون الحديث الذي استند إليه هذا الفريق صحيحًا أو ضعيفًا، أو هذا القول مؤيَّدٍ بقول الإمام مالك أو غيره من الأئمة الفقهاء، بل استند إلى أصلٍ من أصولِ الشريعة، ومقصدٍ من مقاصدها الكبرى التي تضافرت على اعتباره نصوصٌ كثيرة من القرآنِ والسنةِ

فسألهم قائلاً: "هل صلاة التَّراويح فرضٌ أم سُنَّة؟"، واتفق الجميع بأنَّها سُنَّة، ثم زاد فسألهم: "هل الوحدة الإسلامية ونبذِ الصراع والخصام فرضٌ أم سُنَّة؟"، فقال الجميع بأنَّها فرضٌ، ثم زاد فسألهم: "إذا تعارض الفرضُ مع السُّنَّة أيُّهما يُقَدَّم؟"، فقال الجميع: "يُقدَّمُ الفرضُ"، ثم قال: "اليوم لا نُصلِّي صلاة التراويح". (3)

لم يكل البنا عن المطالبة بوحدة المجتمع المصري الذي مزقته الحزبية البغيضة، ووحدة الأمة الإسلامية، فنراه يبعث بخطاب إلى الملك فاروق طلب فيها: يا صاحب الجلالة: مصر الناهضة فى حاجة إلى الوحدة والاستقرار؛ حتى تتفرغ للإصلاح الضرورى فى كل مظاهر حياتها، وتدعم نهضتها على أصول ثابتة من التعاون الوثيق، والعمل المنتج. ولكن الحزبية السياسية التى تفشت بين الناس فرقت الكلمة، ومزقت الوحدة، وأضعفت القوة، وذهبت بمعنى التعاون على الخير فى شعب أشد ما يحتاج إليه التضافر والاتحاد. ((4)

ودعمها صراحة حينما نادى بها المركز العام لجمعيات الشبان المسلمين حيث كتب الإمام البنا يقول:

إن هذه الدعوة الكريمة إلى توحيد الصفوف جمع كلمة الأمة التى أعلنها المركز العام للشبان المسلمين، لهى أمنية عزيزة طالما ترددت فى نفوس الإخوان المسلمين الذين طالبوا بها الشعب أمراءه وزعماءه غير مرة. ولئن كانت هذه الدعوة واجبة فى الأوقات العادية فما أشد وجوبها فى هذه الظروف العصيبة التى تجتازها البلاد الآن. وإنه ليسر المركز العام للإخوان المسلمين وشعبه فى جميع أنحاء البلاد الإسلامية أن يكونوا أول من يؤيد هذه الدعوة القوية المباركة. (5)

بل صرخ حسن البنا إلى الوحدة أيها الزعماء والرؤساء الشعبيون. حين طالبهم بالوحدة وإزالة الفرقة بينهم، فكتب يقول:

ويجب أن يتم التفاهم بين شعوب المسلمين بعضهم والبعض الآخر، فإنما هم أمة واحدة وشعب واحد فى الحقيقة برغم هذه التجزئة الاستعمارية وهذا التحديد الجغرافى الذى لا تعرفه العقيدة ولا يقره الإسلام ..ويجب أن ينمو هذا التعارف ويزداد بالتزاور والمحالفات والاتفاقات الاقتصادية والثقافية والدفاعية والهجومية وكل أنواع الروابط السياسية والاقتصادية والأدبية حتى تبلغ الوحدة مداها، ففى ذلك كل القوة لهذه الشعوب جميعا.. فلا سبيل إلى النصر إلا الإيمان والوحدة. (6)

لقد اعتبر حسن البنا دعائم نصر الأمة ونيل حريتها واستقلالها يتمثل في أمرين: الوحدة هى الأساس الأول. والجهاد هو الأساس الثانى

فيقول:

فنحن فى عرف التاريخ، وفى تقسيم الكرة الأرضية، وفى جغرافيا الزمن، وفى منطق الحوادث الاجتماعية والمظاهر الحيوية أمة واحدة، وحدتها الأوضاع والحوادث واللغة والعقائد والدين والمصالح والآلام والآمال، فلن يفصلها شىء، من الذى يستطيع أن يفصل السودان عن مصر وهما قطر واحد؟ ومن الذى يستطيع أن يفرق بين مصر وسوريا (بأقسامها الأربع) والعراق شرقا وبين مصر وليبيا وتونس والجزائر ومراكش غربا؟
بل من الذى يستطيع أن يفصلها عن إيران وأفغان وتركيا؟ أو عن القلوب المسلمة المؤمنة فى جميع أنحاء الأرض، وقد وحد بيننا وبينها الإسلام، وسجل ذلك فى الأرض وفى السماء ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾"الحجرات: 10". ومحاولة هذا الفصل محاولة فاشلة، ولئن تأخرت الوحدة المنشودة اليوم فستحقق غدا ولا شك؛ لأن الدنيا تصير إلى هذا. (7)

ويقول تحت عنوان دعائم النصر:

والوحدة والإخاء فى العاطفة والقيادة والجندية والقول والعمل والشعور والروح والقصد والغاية، الوحدة فى كل شىء هى أساس القوة وملاك العزة، وما تفرق قوم إلا ضعفوا، وما اختلف نفر إلا ذلوا، والوحدة صميم الإيمان والفرقة معنى من معانى الكفر: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ "الحجرات: 10" (8)

لقد اهتم الإمام البنا بأمر وحدة المسلمين تحت راية واحدة سواء من خلال الكتابات والمطالبات في أحاديثه ومؤتمراته أو من خلال تقديم التطبيقات العملية التي تساعد على وحدة الأمة ومنها:

  1. رفع الحواجز الجمركية.
  2. إلغاء جوازات السفر ومنح حرية المرور والتنقل فى أى قطر من الأقطار العربية لكل عربى بعد التأكد من شخصيته، وإباحة الهجرة والاستوطان على نظام واسع ميسر.
  3. التوسع فى التعاون الاقتصادى وتأليف الشركات العربية الواسعة النطاق من سكان البلاد العربية جميعا فى أى قطر من هذه الأقطار، ودراسة المشروعات العربية العامة دراسة مشتركة وإحياء ما تعطل منها؛ كمشروع سكة الحديد الحجازية التى أنشئت بأموال العرب والمسلمين جميعا وأوقافهم.
  4. تنمية التعاون الثقافى والتشريعى والعسكرى، بتوحيد برامج التعليم ومناهجه، وتوحيد منابع التشريع وقواعده، وتوحيد نظم التدريب العسكرى وأساليبه. (9)

لقد تجلت طبيعة فكر وأهداف الإمام حسن البنا وجماعة الإخوان المسلمين في العمل على وحدة الأمة وريادتها والحفاظ على سيادتها والتخلص من التبعية الغربية، وليس كما يدعى المغرضون وأذناب الغرب حاليا في أوطاننا العربية والإسلامية أن الإخوان المسلمين كانوا دعاة فرقة وأنهم سبب شتات المسلمين وفرقتهم.

حسن البنا والتصدي لتقسيم الأمة

لم ينظر حسن البنا إلى وحدة كيان الدولة المصرية فحسب، أو الكيان العربي فقط بل حمل هم كيان الأمة الإسلامية من شرقها إلى غربها، ووقف منذ الوهلة الأولى إلى محاولات تقسيم الأمة التي كان يخطط لها المحتل الغربي سواء قبل سيكس بيكو أو بعدها.

فكتب يقول:

إن هذه الحدود الجغرافية والتقسيمات السياسية لا تمزق في أنفسنا أبدًا معنى الوحدة العربية الإسلامية التي جمعت القلوب على أمل واحد وهدف واحد، وجعلت من مكان هذه الأقطار جميعًا أمة واحدة مهما حاول المحاولون وافترى الشعوبيون. (10)

كان حسن البنا يحلم بإزالة الفوارق بين جميع المسلمين فينصهروا في بعضهم البعض ويعملوا على وحدتهم وقوتهم وتقدمهم وسيادتهم وهو ما عبر عنه بقوله: ويعتبر الوطن الإسلامي وطنًا واحدًا مهما تباعدت أقطاره وتناءت حدوده. وكذلك الإخوان المسلمون يقدسون هذه الوحدة، ويؤمنون بهذه الجامعة، ويعملون لجمع كلمة المسلمين، وإعزاز أخوة الإسلام، وينادون بأن وطنهم هو كل شبر أرض فيه مسلم يقول: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) (11)

ثم يرد الإمام البنا على المتشككين في الوحدة الإسلامية مفندًا آراءهم فيقول:

"يقول بعض الناس: إن ذلك يناقض تيار الفكرة السائدة في العالم: فكرة التعصب للأجناس والألوان، والعالم الآن تجترفه موجة القوميات الجنسية، فكيف تقفون أمام هذا التيار، وكيف تخرجون على ما اتفق عليه الناس؟
وجواب ذلك: أن الناس مخطئون، وأن نتائج خطئهم في ذلك ظاهرة ملموسة في إقلاق راحة الأمم، وتعذيب ضمائر الشعوب مما لا يحتاج إلى برهان، وليست مهمة الطبيب أن يجاري المرضى، ولكن أن يعالجهم، وأن يهديهم سواء السبيل، وتلك مهمة الإسلام ومن وصل دعوته بالإسلام. (12)

ولقد توالت المقالات في مجلات الإخوان التي تنادي بوحدة الدول الإسلامية والتصدي لمحاولات التقسيم التي تسعى لها الدول الغربية، فتحت عنوان (لا اختلاف بين الوحدة العربية والجامعة الإسلامية) والذي جاء فيه: "الاختلاف بين الدعوتين من ناحية السعة والامتداد؛ فالوحدة العربية مقصورة على أقل من سبعين مليون عربي، بينما تمتد الجامعة الإسلامية إلى ما يقرب من أربعمائة مليون مسلم" (13)

وقد ظل الإخوان يدعون إلى الوحدة الإسلامية سالكين كل الطرق لتحقيقها؛ ولذلك وجدنا مقالاً آخر تحت عنوان: "الجامعة الإسلامية أقوى رابطة بين الأمم تأسيسها على الوحدة العربية" جاء فيه: "إن لكل شيء أساسًا يبنى عليه أمره، ويترتب على تحققه وجوده، وإن من الضروري لإقامة ذلك المؤسس تحصيل أساسه المرتكز هو عليه، وإن أساس الجامعة الإسلامية العامة تحقق الوحدة العربية الصادقة" (14)

وحينما ظهرت فكرة إنشاء جامعة عربية أيدها الإخوان لكونها محاولة لتجمع العرب تحت راية واحدة. حتى إن الإخوان المسلمون أقاموا حفلة شاي في المركز العام للإخوان المسلمين تكريمًا لحضرة صاحب السمو الأمير سيف الإسلام نجل جلالة الإمام يحيى، وحضر الحفل مع الأمير سعادة السيد حسين الكبسي وزير أوقاف اليمن، وباقي أفراد الوفد والحاشية.

كما حضرها حضرة سعادة عبد الرحمن بك عزام الأمين العام للجامعة العربية، وسعادة السيد محمد صادق المجددي، والقائم بأعمال المفوضية السورية، وفضيلة الأستاذ الشيخ محمد مأمون الشناوي وكيل الجامع الأزهر، والأستاذ إسماعيل الأزهري رئيس نادي الخريجين بالسودان

والأستاذ الحبيب أبو رقيبة الزعيم التونسي، والأستاذ الفضيل الورتلاني، وسعادة أيمن عثمان باشا، وفؤاد باشا أباظة، والدكتور محمد صلاح الدين بك، ومحمود سيلمان أباظة بك، وباقي حضرات الشيوخ والنواب المحترمين وفي مقدمتهم عبد الستار بك الباسل، وعبد المنعم بك رسلان، والأستاذ محمد عبد الرحمن بك نصير، وإبراهيم بك رشيد، وممثلو الأقطار والجاليات العربية، ومندوبو الصحف. (15)

ولقد اهتم حسن البنا بالتصدي لمحاولات تقسيم الأمة فنراه يرفض بل ويندد ويخرج في الإخوان في مظاهرات عارمة حينما صدر قرار تقسيم فلسطين عام 1947م، ومن أجل ذلك أعد العدة وحشد المتطوعين من اجل التصدي لمحاولات الصهاينة فرض إرادتهم بالقوة على الشعب الفلسطيني الأعزل، ولولا خيانة الغرب والحكومات العربية للقضية الفلسطينية والمجاهدين ما كان اليهود وجدوا موضع قدم لهم في فلسطين.

وحينما عمدت بريطانيا إلى فصل السودان عن مصر اعترض الإخوان على هذه الاجراءات وطالبوا الحكومة المصرية بعدم الرضوخ لسياسة الاستعمار التي تؤدي إلى فصل شطري الأمة مصر عن السودان

فكتب الإمام البنا يقول:

لقد فجع أبناء النيل جميعا لهذا الأسلوب المتخاذل الذى صاغت فيه الحكومة قضية السودان، بل قضية وادى النيل، فلقد طلبت فى ذيل مذكرتها أن تشمل المحادثات مسألة السودان "مستوحية" مطالب السودانيين وأمانيهم، وكان أحرى بها ألا تردد هذه النغمة الملتوية التى يذكرها الإنجليز على الدوام ليفرقوا بين شطرى الوادى، ولقد أعلنا غير مرة أن مطالب السودانى وأمانيه هى بعينها مطالب المصرى وأمانه: جلاء تام، ووحدة كاملة. (16)

وكتب في موضع أخر يقول:

والوحدة كما يفهمها المصريون فمعناها: أن المواطن المصرى يعتبر أرض وادى النيل وطنا واحدا، وأهله شعبا واحدا، لكل فرد منهم ما للآخر من الحقوق وعليه ما عليه من الواجبات، وكما يفهمها السودانيون أو جزء منهم معناها: الاتحاد مع مصر تحت التاج المصرى مع وحدة الجيش والتمثيل السياسى... إلخ، ومع قيام حكومة داخلية من أبناء السودان تقوم على إدارته باعتبارهم أدرى بما فيه.
ومهما يكن من أمر هذا الخلاف فهو خلاف داخلى بحت بين أبناء الوطن الواحد يعملون على تسويته بحسب ظروفهم وأحوالهم، ولكن الذى لاشك فيه أن إجماعهم قد انعقد على المطالبة بأن تحيا هذه البلاد حرة مستقلة لا يهدد استقلالها احتلال الأجانب لها. (18)

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل طالب الإخوان المسلمين بوحدة الأراضي الليبية والمراكشية والجزائرية والتونيسية، كما طالبوا بوحدة العراق وعدم تقسيمها بين شيعة وسنة وأكراد، كما نددوا بمحاولات تقسيم لبنان أو تميزها إلى دولة مسيحية وأخرى إسلامية.

لقد وقف حسن البنا والإخوان ضد محاولات تقسيم الأمة الإسلامية من شرقها إلى غربها، وما سقناه هي نماذج بسيطة من جهد كبير خلال مسيرة تسعين عاما ظلوا صخرة أمام محاولات تقسيم الأمة. ولولا خيانة الكثير من حكام العرب والمسلمين ما رأينا هذه النعرات القومية وهذه التقسيمات التي تجري في جسد الدول العربية والإسلامية.

لكن الغرب نجح حينما أجلس على سدة الحكم أتباع لهم يأتمرون بأمرهم وينفذون سياستهم والتي أغنت عن دخول الغرب بشكل مباشر في تمزيق الأمة، وصدق القس صموئيل مارينوس زويمر الذي عبر عن ذلك بقوله: (إنكم أعددتم نَشْئاً لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي فقد جاء النشء طبقاً لما أراده الاستعمار لا يهتمُّ بعظائم الأمور.. فإذا أردت هدم شيء فاهدمه من داخله).

وأضاف:

"تبشير المسلمين يجب أن يكون بواسطة رسول من أنفسهم ومن بين صفوفهم؛ لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أعضائها" (18)

لقد سعى الإخوان إلى العمل والمطالبة بوحدة الأمة تحت راية واحدة وفي تجمع قوي واحد وفي سوق حرة عربية وإسلامية، إلا أن المستبدين القائمين على الحكم لا يبتغون ذلك ولا يرضون إلا بفرقة الأمة وتشرزمها وهو ما يلمسه جموع المسلمين في كل مكان.

المراجع

  1. غازي التوبة: عن تدمير وحدة الأمة، 28 مايو 2013
  2. أحمد التلاوي: الوحدة الإسلامية في فكر ومشروع الإمام البنا (1- 2)، 14 نوفمبر 2006
  3. هشام يحيى الطالب: دليل التدريب القيادي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا أمريكا، 2008، صـ288.
  4. حسن البنا: إلى مقام صاحب الجلالة الملك فاروق الأول، جريدة النذير، العدد (2)، السنة الأولى، 7 ربيع ثان 1357/ 6 يونيو 1938، صـ3.
  5. حسن البنا: استجابة لنداء المركز العام للشبان المسلمين، مجلة الشبان المسلمين، العدد (7)، السنة الثانية عشر، 26 ربيع الثانى 1360ه - 23 مايو 1941م، صـ10.
  6. حسن البنا: مجلة النذير، العدد (14)، السنة الثانية، 3 ربيع الثانى 1358ه - 23 مايو 1939م، ص(3-5).
  7. حسن البنا: حقوقنا، مجلة الإخوان المسلمين، العدد (69)، السنة الثالثة، 29 رمضان 1364ه- 6 سبتمبر 1945م، صـ3.
  8. حسن البنا: الاعتصام، العدد السادس، السنة العاشرة، 23 شوال 1367- 28 أغسطس 1948، صـ4.
  9. حسن البنا: جامعة شعوب عربية، جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (421)، السنة الثانية، 1ذو القعدة 1366ه - 16 سبتمبر 1947م، صـ5-6.
  10. حسن البنا: رسالة دعوتنا في طور جديد، صـ486.
  11. حسن البنا: رسالة المؤتمر الخامس، صـ362.
  12. حسن البنا: المرجع السابق، صـ363.
  13. حسن البنا: جريدة النذير، العدد (29)، السنة الثانية، 21 رجب 1358ه - 5 سبتمبر 1939، صـ18.
  14. جريدة النذير، العدد (26)، السنة الثانية، 28 جمادى الثانية 1358 - 15 أغسطس 1939، صـ9.
  15. مجلة الإخوان المسلمين: العدد (62)، السنة الثالثة، 18 رجب 1364ه - 28 يونيو 1945م، صـ14.
  16. حسن البنا: بيان من الإخوان المسلمين إلى شعب وادى النيل، جريدة الإخوان المسلمين، العدد (89)، السنة الرابعة، 7 ربيع أول 1365 - 9 فبراير 1946، صـ3.
  17. حسن البنا: حول المفاوضات، جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (2)، السنة الأولى، 4 جمادى الثانى سنة 1365ه - 6 مايو 1946م، صـ3.
  18. ألفريد لوشاتليه: الغارة على العالم الإسلامي، ترجمة مُساعد اليافي، مُحبُّ الدين الخطيب، طـ2، منشورات العصر الحديث، 1387 ه.