رؤية الإمام حسن البنا لمصر تحت حكم الفاسدين في العهد الملكي والعسكريين
مقدمة
ولد الإمام حسن البنا في ظروف كانت مصر قابعة تحت المحتل البريطاني الذي سعى جاهد لطمس الهوية المصرية والعمل على تغريب المجتمع بعدما يئيس من تحوله عن دينه.
في هذه البيئة التي لم يجد المحتل فيها راحة وتوافق مع الشعب المصري مما اضطره إلى استخدام صنائعة من رجالات الأحزاب السياسية والفاسدين في الحكم وأتباعه الذين تعلمه في مدارسه وجامعاته لإحكام القبضة على الوطن وشعبه.
ومع ذلك نجح الشيخ عبد الرحمن البنا في تربية أبنائه تربية إسلامية صحيحة، فجاء بكرهم مؤسسا لأكبر جماعة إسلامية في القرن العشرين فهمت الإسلام بمفهومه الشامل والذي عالج كل نواحي الحياة.
وفي هذه السطور نرى أن الإمام البنا يرسم صورة مصر وحقيقتها والخيرات التي منحها الله لها، وما سيحدث لها تحت حكم الفاسدين في العهد الملكي وما تبعها من حكم العسكر الذي دفع الشعب المصري إلى الجوع المدقع بل والتسول من شعوب العالم.
إن الظروف التي تعيشها مصر حاليا لم تمر بها منذ بزوغ العصر الحديث حتى وهي تحت سيطرة المستعمر مما دل وأكد على تفشي الفساد في كل ركن من أركان هذه البد وصدق الله سبحانه إذ يقول:"إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ" "يونس:81".
لقد ولد حسن البنا عام 1906 واستشهد عام 1949م وسطر رسائل قرأ فيها الواقع قراءة متأنية ورسم على أساسه المستقبل تحت حكم أي فاسد فكتب يقول:
بعض نتائج فساد النظام الاجتماعى الحالى فى مصر
أيها الإخوان:
إننا فى أخصب بقاع الأرض، وأعذبها ماء، وأعدلها هواء، وأيسرها رزقاً، وأكثرها خيرًا، وأوسطها دارًا، وأقدمها مدنية وحضارة وعلمًا ومعرفة، وأحفلها بآثار العمران الروحى والمادى، والعملى والفنى، وفى بلدنا المواد الأولية، والخامات الصناعية، والخيرات الزراعية، وكل ما تحتاج إليه أمة قوية تريد أن تستغنى بنفسها
وأن تسوق الخير إلى غيرها، وما من أجنبى هبط هذا البلد الأمين إلا صح بعد مرض، واغتنى بعد فاقة، وعز بعد ذلة، وأترف بعد البؤس والشقاء، فماذا أفاد المصريون أنفسهم من ذلك كله؟ لا شىء، وهل ينتشر الفقر والجهل والمرض والضعف فى بلد متمدين كما ينتشر فى مصر الغنية مهد الحضارة والعلوم، وزعيمة أقطار الشرق غير مدافعة؟!
إليكم -أيها الإخوان - بعض الأرقام التى تنطق بما يهددنا من أخطار اجتماعية ماحقة ساحقة، إن لم يتداركنا الله فيها برحمته فسيكون لها أفدح النتائج وأفظع الآثار:
(1) الفلاحون فى مصر يبلغون ثمانية ملايين، والأرض المنزرعة نحو ستة ملايين من الأفدنة، وعلى هذا الاعتبار يخص الفرد الواحد نحو ثلثى فدان.
فإذا لاحظنا إلى جانب هذا أن الأرض المصرية تفقد خواصها لضعف المصارف وكثرة الإجهاد، وأنها لهذا السبب تأخذ من السماد الصناعى أضعاف غيرها من الأرض التى تقل عنها جودة وخصوبة، وأن عدد السكان يتكاثر تكاثرًا سريعًا، وأن التوزيع فى هذه الأرض يجعل من هذا العدد أربعة ملايين لا يملكون شيئًا، ومليونين لا يزيد ملكهم عن نصف فدان، ومعظم الباقى لا يزيد ملكه على خمسة أفدنه، علمت مبلغ الفقر الذى يعانيه الفلاحون المصريون، ودرجة انحطاط مستوى المعيشة بينهم درجة ترعب وتخيف.
إن أربعة ملايين من المصريين لا يحصل أحدهم على ثمانين قرشًا فى الشهر إلا بشق النفس، فإذا فرضنا أن له زوجة وثلاثة أولاد وهو متوسط ما يكون عليه الحال فى الريف المصرى، بل فى الأسر المصرية عامة، كان متوسط ما يخص الفرد فى العام جنيهين، وهو أقل بكثير مما يعيش به الحمار؛
فإن الحمار يتكلف على صاحبه (140 قرشًا خمس فدان برسيم، و30 قرشًا "حملاً ونصف الحمل من التبن"، و150 قرشًا إردب فول، و20 قرشًا أربعة قراريط عفش ذرة، ومجموعها 340 قرشًا)، وهو ضعف ما يعيش به الفرد من هؤلاء الآدميين فى مصر، وبذلك يكون أربعة ملايين مصرى يعيشون أقل من عيشة الحيوان.
ثم إذا نظرت إلى طبقة الملاك الكبار وجدتهم مكبلين بالديون أذلاء للمحاكم والبنوك. إن البنك العقارى وحده يحوز من الرهون قريبًا من نصف مليون فدان، ويبلغ دينه على الملاك المصريين 17 مليونًا من الجنيهات إلى أكتوبر سنة 1936، وهذا بنك واحد. وقد بلغ ثمن ما نزعت ملكيته للديون من الأرض والمنازل فى سنة 1939 (256‚346 جنيهًا) فعلى أى شىء تدل هذه الأرقام؟
(2) العمال فى مصر يبلغون (127‚718‚5) أى نحوًا من ستة ملايين عامل، يشكو التعطل (119‚511) أى أكثر من نصف مليون لا يجدون شيئًا، وهناك هذه الجيوش من حملة الشهادات العاطلين.
فكيف يشعر إنسان هذه حاله بكرامته الإنسانية، أو يعرف معنى العاطفة القومية والوطنية، وهو فى بلد لا يستطيع أن يجد فيه القوت؟ ولقد استعاذ النبى صلى الله عليه وسلم من الفقر، وقديما قيل: يكاد الفقر أن يكون كفرًا.
فضلاً عن أن المشتغلين من العمال مهددون باستغلال أصحاب رأس المال، وضعف الأجور، والإرهاق فى العمل، ولم تصدر الحكومات بعد التشريع الكافى لحماية هؤلاء البائسين، وقد ضاعفت حالة الحرب القائمة هذا العدد من المتعطلين، وزادت العاملين منهم بؤسًا على بؤسهم.
(3) شركات الاحتكار فى مصر قد وضعت يدها على مرافق الحياة والمنافع العامة، فالنور والمياه والملح والنقل ونحوها كلها فى يد هذه الشركات التى لا ترقب فى مصرى إلاًّ ولا ذمة، والتى تربح أفحش الأرباح، وتضن حتى باستخدام المصريين فى أعمالها.
لقد بلغت أرباح شركة المياه بالقاهرة منذ تأسست فى 27 مايو سنة 1865 إلى سنة 1933 عشرين مليونًا من الجنيهات، وقد بلغ التفريط والتهاون بالحكومة المصرية أن باعت حصتها فى أرباح الشركة فى عهد وزارة رياض باشا (وكان ناظر الأشغال حينذاك محمد زكى باشا) بمبلغ 20 ألفًا من الجنيهات، مع أن حصتها فى صافى الربح من تاريخ البيع وهو 10 يوليو سنة 1889 إلى سنة 1934 فقط مبلغ مليونين ونصف من الجنيهات.
إن فى مصر 320 شركة أجنبية تستغل جميع مرافق الحياة. وقد بلغت أرباحها فى سنة 1938 الماضية (482‚637‚7 جنيهًا) كلها من دم المصريين الذين لا يجد نصفهم القوت. ولقد ربحت شركة مياه الإسكندرية وحدها سنة 1938 (850‚122 جنيهًا)، وشركة مياه القاهرة (892‚284 جنيهًا)، وهذه الشركات جميعًا تخالف نصوص العقود فى كثير من التصرفات، ثم لا يكون التصرف معها إلا متراخيًا ضعيفًا يفوت الفائدة على الحكومة والجمهور معًا.
ولعل من الظريف المبكى أن نقول:
- إن عدد الشركات المصرية إلى سنة 38 بلغ إحدى عشرة شركة فقط مقابل 320 شركة أجنبية.
(4) لقد استقبلت العيادات الحكومية سنة 34 (383‚241‚7) مريضًا، منهم مليون بالبلهارسيا، وأكثر من نصف مليون بالإنكلستوما، ومليون ونصف بالرمد، وفى مصر 90 فى المائة مريض بالرمد والطفيليات، وفيها 575‚55 من فاقدى البصر، ويكشف لنا الكشف الطبى فى المدارس وفى المعاهد والجامعة منها والكلية الحربية حقائق عجيبة عن ضعف بنية الطلاب، وهم زهرة شباب الأمة، وكل ذلك فى أمة علمها نبيها أن تسأل الله أن يعافيها فى أبدانها وفى سمعها وفى بصرها.
(5) إن مصر بعد هذا الجهاد الطويل لا زالت "بها آلاف" كثيرة ممن لا يخط الألف، ولا زال عدد المتعلمين فيها لا يجاوز الخمس (20 فى المائة) من بينهم تلاميذ المدارس الإلزامية الذين لا يحسنون شيئًا، وكثير منهم لم يجاوز شهادة إتمام الدراسة الابتدائية، حتى الذين تعلموا تعليمًا عاليًا لا تنقطع الشكوى من أن مؤهلاتهم العلمية لا تمكنهم من النجاح الكامل فى الحياة العملية، وتترد هذه الشكوى على لسان وزراء المعارف، ورؤساء دوائر الأعمال، وغيرهم.
(6) وقد انحط مستوى الخلق انحطاطًا عجيبًا، فقد بلغ عدد الذين حوكموا بجرائم تخالف القانون فى سنة 1938 أكثر من مليون مصرى ومصرية، دخل منهم السجن زهاء مائة ألف أو يزيدون، عدا من لم تصل إليهم يد القضاء، ولم تعرف جرائمهم بعد.
هذا مع جرأة كثير من الشبان وغير الشبان على المخالفات الدينية التى لا يؤاخذ بها القانون الوضعى كشرب الخمر، والإقبال على القمار، واليانصيب، والسباق ونحوها، والزنا والعبث، وما إليه مما لا يحصيه العد بدون خشية ولا حياء.
(7) ومع أننا فقدنا مقومات الحياة المادية من العلم الدنيوى النافع، ومن الثروة والمال، ومن القوة الصحية، فهل أبقينا على شىء من قوانا الروحية؟ كلا.
كم من المصريين يؤمن بالله حق الإيمان، ويعتمد عليه حق الاعتماد؟ وكم منهم يعتز بكرامته القومية وعزته الإسلامية؟ وكم منهم يؤدى الصلوات؟ وكم من هؤلاء المؤدين يقيمها على وجهها ويتعرف أحكامها وأسرارها؟ وكم منهم يؤدى الزكاة ويتحرى بها مصارفها والغاية منها؟ وكم منهم يخشى الله ويتقيه، ويبتعد عن المعصية، ويجتنب كبائر الإثم والفواحش؟ يجيبنا الواقع المشاهد على هذه الأسئلة جميعًا جوابًا يؤلم ويحزن ويحز فى نفس كل مؤمن غيور.
فما الحل؟
يقول الأستاذ البنا تحت عنوان: الداء والدواء
أيها الإخوان: هذه لغة الأرقام، وهذا قليل لا كثير من مظاهر البؤس والشقاء فى مصر، فما سبب ذلك كله؟ ومن المسئول عنه؟ وكيف نتخلص منه؟ وما الطريق إلى الإصلاح؟
أما سبب ذلك ففساد النظام الاجتماعي فى مصر فسادًا لابد له من علاج، فقد غزتنا أوروبا منذ مائة سنة بجيوشها السياسية، وجيوشها العسكرية، وقوانينها، ونظمها، ومدارسها، ولغتها، وعلومها، وفنونها، وإلى جانب ذلك بخمرها، ونسائها، ومتعها، وترفها، وعاداتها وتقاليدها، ووجدت منا صدورًا رحبة، وأدوات طيعة تقبل كل ما يعرض عليها.
ولقد أعجبنا نحن بذلك كله، ولم نقف عند حد الانتفاع بما يفيد من: علم، ومعرفة، وفن، ونظام، وقوة، ومنعة، وعزة، واستعلاء، بل كنا عند حسن ظن الغاصبين بنا، فأسلمنا لهم قيادنا، وأهملنا من أجلهم ديننا، وقدموا لنا الضار من بضاعتهم فأقبلنا عليه، وحجبوا عنا النافع منها، وغفلنا عنه، وزاد الطين بلة أن تفرقنا على الفتات شيعًا وأحزابًا يضرب بعضنا وجوه بعض، وينال بعضنا من بعض، لا نتبين هدفًا، ولا نجتمع على منهاج.
أما المسئول عن ذلك، فالحاكم والمحكوم على السواء: الحاكم الذى لانت قناته للغامزين، وسلس قياده للغاصبين، وعنى بنفسه أكثر مما عنى بقومه، حتى فشت فى الإدارة المصرية أدواء عطلت فائدتها وجرت على الناس بلاءها.. فالأنانية والرشوة والمحاباة والعجز والتكاسل والتعقيد كلها صفات بارزة فى الإدارة المصرية، والمحكوم الذى رضى بالذلة، وغفل عن الواجب، وخدع بالباطل، وانقاد وراء الأهواء، وفقد قوة الإيمان وقوة الجماعة فأصبح نهب الناهبين وطعمة الطاعمين.
أما كيف نتخلص من ذلك فبالجهاد والكفاح، ولا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة، نتخلص من ذلك كله بتحطيم هذا الوضع الفاسد، وأن يستبدل به نظام اجتماعى خير منه، تقوم عليه وتحرسه حكومة حازمة تهب نفسها لوطنها، وتعمل جاهدة لإنقاذ شعبها، يؤيدها شعب متحد الكلمة متوقد العزيمة قوى الإيمان، ولئن فقدت الأمم مصباح الهداية فى أدوار الانتقال فإن الإسلام الحنيف بين أيدينا مصباح وهاج نهتدى بنوره ونسير على هداه.
ولا تستطيع حكومة مصرية أن تعمل لهذا الإصلاح الاجتماعى حتى تتحرر تمامًا من الضعف، والعجز، والخوف، والتدخل السياسى الذى يقيد خطواتها، وتتخلص من هذا النير الفكرى الذى وضعته أوروبا فى أعناقنا، فأضعف نفوسنا، وأوهن مقاومتنا.
ولهذا كان هدف الإخوان المسلمين يتلخص فى كلمتين: (العودة إلى النظام الإسلامى الاجتماعى، والتحرر الكامل من كل سلطان أجنبى)، وبذلك نستطيع أن ننقذ مصر من آثار هذه الويلات. ولنا بعد ذلك آمال جسام فى إحياء مجد الإسلام وعظمة الإسلام، يراها الناس بعيدة ونراها قريبة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ "الروم: 60".
المصدر
رسالة المؤتمر السادس: مجموعة رسائل الإمام حسن البنا، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2006، صـ483- 490.