سناء حسن البنا
مقدمة
لقد اعتنى الإسلام بالمرأة منذ بزوغ فجره، فأوصى بها الرسول خيراً، وسار الصحابة رضوان الله عليهم على نهج نبيهم واقتفوا أثره فى حسن معاملة المرأة، فظهر جيل من الزوجات والأبناء يحمل رسالة الإسلام ويذود عنه بقلوب شاكرة مطمئنة.
فالمرأة إذا آمنت بشيء لم تبال بعقبة تقف في طريق نشره والدعوة إليه، وعملت على إقناع من حولها مهما كلفها هذا من جهد، فهى أقوى عاطفة وأصفى قلباً.
إن جهاد المرأة المسلمة فى سبيل الله فى مطلع عهد الرسالة النبوية بصفحاته المشرقة، يؤكد أن حركة الإصلاح الإسلامى ستظل ضعيفة التأثير الاجتماعي حتى تشارك فيها المرأة، بما يتفق مع شرع الله. وهذا ما حرص الإمام حسن البنا على غرسه في وجدان الشعوب الإسلامية، وهو تقدير دور المرأة واحترامها.
ولذا حرص الإمام حسن البنا على حسن تربية أبناءه منذ الصغر على معاني الإسلام وعلى تحمل المسئولية وغيرها من الصفات الإسلامية الحميدة، وكان من هؤلاء الأبناء الدكتورة سناء.
في بيت إسلامي
ولدت سناء حسن أحمد عبد الرحمن البنا في مدينة القاهرة عام 1937م حيث كان والدها الأستاذ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين وأحد رواد الحركة الإسلامية في القرن العشرين، كما كانت والدتها السيدة لطيفة حسين الصولي ابنة أحد أعيان مدينة الإسماعيلية الذين أحبوا الدين وربى أبناءه على ذلك ومنهم لطيفة التي حفظت القرآن منذ صغرها حيث تزوجها البنا عام 1930م.
كما أن جدها هو العالم المحدث الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا والذي كان له مقاما وسط العلماء في عصره وترك تراثا إسلاميا عظيما، والذي تولى رعاية أحفاده بعد استشهدا ابنه حسن وعمل على حسن تربيتهم، فأحلقهم بالمدارس وهذب سلوكهم حتى تخرجت سناء من معهد الدراسات الاقتصادية قسم التدبير المنزلي وعُينت مدرسة في وزارة التربية والتعليم.
وترتيب أبناء الشيخ البنا كالتالي، بترتيب الأعمار:
- وفاء وأحمد سيف الإسلام وسناء ورجاء وهالة واستشهاد، إضافة إلى محمد حسام الدين وصفاء اللذين توفيا في الطفولة.
حيث تصف البيت الذي تربت فيه بقولها:
- كان منزلنا منزلاً مصريا كسائر البيوت المصرية، إلا أننا كنا نتمتع بالسمت الإسلامي، فتبادل الهدايا والكعك في الأعياد والطعام بين الجيران أمر طبيعي.
تزوجت سناء من الدكتور محمد حسن حفني (اعتقل مع الأستاذ سيف الإسلام عام 1969م بتهمة تدبير انقلاب على عبد الناصر وحكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات) ورزقهما الله بالبنين والبنات ومنهم الدكتورة وفاء حفني استاذ الأدب الإنجليزي بجامعة الأزهر والتي ولدت في 19 يناير 1967م وتعتبر من أكثر الأبناء تأثرا بجدها وبدعوته.
في صحبة والدها البنا
رغم انشغال الإمام حسن البنا بدعوته وتجواله في ربوع القطر المصري وخارجه مبلغا دعوته إلا أنه لم ينس يوما بيته ولا ذويه ولا أبناءه حيث يقول الأستاذ أحمد سيف الإسلام البنا: كان الإمام "حسن البنا" كان رب أسرة مثاليًّا.. منذ أن وعيت لم أشعر يومًا- سواء في طفولتي أو صباي- بأنه قصَّر في العناية بنا أو الاهتمام بأمورنا، بل لعلنا نعجب حينما نشعر أننا لم نصل إلى درجة في مثل هذه العناية.
كان لكل ابن منا من أبنائه حينما يولد (دوسيه) خاص، يكتب فيه الإمام بخطه على وجه الدقة تاريخ ميلاده - ورقم قيده - وتواريخ تطعيمه. ويحتفظ بجميع الشهادات (الروشتات) الطبية التي تمت معالجته بها، بحيث إذا أصيب أي منا بمرض استطاع أن يقدم للطبيب المعالج هذه الشهادات مسلسلة بتواريخها، ويرفق مع كل شهادة ملحوظة عامة
ثم ما أخذه من دواء ولمدة كم يوم؟ وكم استغرق هذا المرض؟ وهل أكمل الدواء أم لم يكمل؟ وكذلك شهادات الدراسة كان والدي- رحمه الله- يضعها أولاً بأول في هذا الدوسيه مسجلاً عليها بعض الملاحظات، مثل: "سيف" يحتاج إلى التقوية في كذا، وضعيف في كذا.. "وفاء" تحتاج إلى المساعدة في مادة كذا.. وهكذا وبالجملة كان ما يختص بأحد أبنائه.
ومع أن سناء لم تعش مع والدها أكثر من أحد عشر عاما إلا أنها كانت تدرك معاني التربية التي حرص على غرسها فيهم فتقول: وكان عند عودته ليلاً إذا وجدنا نائمين يطوف علينا ويطمئن على غطائنا ويقبلنا بل يصل الأمر أنه كان يوقظ أحدنا ويصطحبه إلى الحمام.
وكان الوالد كريما معنا فكان يعطي كل واحد منا مصروفا يوميا ثلاثة قروش وكان يعطي ابنه سيف الإسلام مصروفا شهريًا إضافيًا قدره نصف جنيه لشراء الكتب وتكوين مكتبة خاصة به وكان الإمام يتابع كل ما يقرأه أبناؤه رغم مشاغله الدعوية وكان أسلوب البنا في تربية أبنائه هو التوجيه غير المباشر.
وفي شهور الأجازة الصيفية والتي كان يقضيها مع الإخوان في محافظات الصعيد والوجه البحري كان لا ينسانا أو يتركنا بلا رعاية بل كان يصطحبنا إلى بيت جدي وأخوالي بالإسماعيلية لنقضي أجازتنا هناك ونستمتع ونمرح حيث المزارع الخضراء والحدائق الغناء وكان أخي سيف يمارس رياضة ركوب الخيل.
وتضيف سناء:
- أذكر أنني ذات مرة عاملت الشغالة معاملة غير لائقة فأفهمني أن ما فعلته معها خطأ لأنها أختي في الإسلام، وكان عقابه لي أن أمسك بقلم رصاص وضربني به على يدي، وكان هذا كافيًا جدًا ليشعرني بأنه غاضب علي وكان درسًا لي لم أنسه طوال حياتي.
وموقف أخر تذكره السيدة سناء عن إحسان والدها لها في التربية فتقول:
- وفي إحدى المرات أذكر أنه كان لنا جارة وكانت تضع في أصابعها (طلاء أظافر)، وطبعاً لن أطلب منها أن تضعه لي فأحضرت قلماً أحمر وقمت بتلوين أصابعي وكنا نختلف أنا وسيف من يجلس على يمين السفرة (طاولة الطعام) ومن يجلس على شمالها، وكان من يجلس على يمينه هو من قام بعمل جيد أو صح، ومرات أخرى كان يجلسني أنا حتى لا يكسر بخاطري، فأنا أصغر من سيف فجلست على يمينه يومها فرآني، وكان شديد الملاحظة، فسألني وقتها : ما هذا يا سناء؟!
- وأخبرته أني رأيت جارتنا تضعه، فقال لي أتعرفي أن هناك أحداً من الصالحين قال "كل مع الكافر ولا تأكل مع أبو أظافر" : لأن الأظافر تجمع تحتها أشياء غير نظيفة، هيا قومي ونظفيه وسننتظرك، لن نأكل، فذهبت وأحضرت (موس) وحاولت إزالته فأزلت جزءاً منه وامتنع الباقي من الخروج، ولما أخبرته بذلك قال "خلاص .. تعالي إلى الطعام ولا تكرريها مرة أخرى"، فرحمه الله كان تعليمه عملياً، ولم يكن بالكلام فقط. ولا بد لي أن أقول إنه كان يعلمنا –رحمه الله- بالحب، فكنا نحبه جداً ونطيعه؛ لأننا نحبه وليس خوفاً منه.
وتضيف:
- "ودائماً كان رحمه الله يقوم بإطلاق أسماء للدّلع لنا جميعاً، وكان يتركنا نقوم نحن أيضاً بإطلاقها عليه"، وتقول أيضاً : "وكان يحضر لنا صندلاً للعب وحذاءً للمدرسة".
وموقف أخر عن جبره لخاطرها فتقول:
- ويأبى دائماً أن يرانا مكسوري الخاطر، ففي رحلة أعدتها جدتي لزيارة مدينتا وحضور عرس، وبعد أن قرر والدي أن نصطحبها أنا وسيف ووفاء اكتشفنا عند السفر أن جدتي قد ملأت العربة بالهدايا وليس هناك مكان فقررت جدتي اصطحاب سيف ووفاء وتركي فأخذني أبي وقتها وربت على كتفي وقال لي "معلش يا سناء" وأعطاني 25 قرشاً التي كانت تعتبر ثروة على أيامنا تلك، ورغم ذلك حزنت وأنا في يدي حقيبة ملابسي وأخذها هو وحملها عني".
وتسرد موقفا جديدا عن الإمان البنا معها فتقول: تقول سناء :
- "لقد كنت أحب نوعاً معيناً من الشيكولاتة (كورونا بالبسكويت) وكان هناك حجمان فقد كنت أستطيع شراء الحجم الصغير من مصروفي وكان علي أن أجمع مصروف يومين أو أكثر لشراء الحجم الكبير، وقد كنت أنتهز قيام مشاجرة بيني وبين شقيقي سيف لأذهب إلى المركز العام
- وأطلب من الأخ عوض عبد الكريم (عامل التلفون) في ذلك الوقت أن أكلم الوالد لأشكو له سيف فما يكون من الوالد رحمه الله أن يرسل معي أحد الإخوة ليشتري لي شيكولاتة من المحل الموجود أمام المركز العام فأختار هذا النوع الكبير من الشيكولاتة وأعود إلى المنزل فرحة مسرورة".
وتضيف موقفا أخر:
- وأذكر أني كنت في مدرسة خاصة ومن ثم حوّلني إلى مدرسة حكومية، وكان هناك مدرسة اسمها "مصر الحديثة"، وكانت مديرتها تقدر والدي جداً، وكانت تفتح مدرستها لحديث الثلاثاء للأخوات ليسمعن الدرس من المدرسة، فسالت والدي إن كان عنده بنات للدراسة فأخبرها بـ "نعم"، وأحضرني فأدخلتني الصف الأول بدلاً من ثانية حضانة ولما تدهور مستواي بسبب تدليعها لي نقلني والدي إلى مدرسة أختي وفاء
- فذهبت إلى الصف الثاني ورسبت، فلما رسبت قلت لهم لن أذهب إلى المدرسة، ومع بداية العام الدراسي الجديد تحدث إلي والدي قائلاً : ها يا سناء .. فأصررت أن لا أذهب، فقال لي طيب ما شاء الله جيدة في المطبخ ويمكنك أن تجلسي وتتعلمي وتساعدي والدتك في المطبخ، فبكيت فقال إنك ستساعدين والدتك في البيت، فطبعاً خفت ورجعت إلى المدرسة، فسألني ستذاكرين وتجتهدين فأجبت بنعم إن شاء الله، وهكذا كان دائماً لم يكن يجبرنا على شيء، بل يوجهنا بأسلوبه الخاص.
وتقول أيضا:
- عاقبني والدي مرتين فقط؛ أولهما عندما رأيته يومًا من الشباك قادمًا مع الإخوان، فخرجت إلى الشارع مسرعة كأي طفلة لاستقباله ونسيت ارتداء الصندل الذي أحضره لي للعب، فنظر نظرة واحدة إلى قدمي فعدت إلى المنزل وقد فهمت من نظرته الخطأ الذي قمت به، وبعدما خرج الضيوف نادى عليَّ وأمرني أن أرفع رجلي على ترابيزة السفرة وضربي بالمسطرة عشر مرات لكل قدم، وكنت أضحك، ومن وقتها لم أكررها ثانية.
- كما كان يتصف بالتيسير والتدرج في منهجهه التربوي فمن صغري وأنا أصلي بجانب والدتي بفاتحة الكتاب وقصار السور، وفي يوم حضر والدي إلى المنزل ووجدني لا أصلي، فتعجب وسألني عن السبب، فأخبرته إني لا أحفظ التحيات، ولا أريد أن أصلي بدونها، لكنه قال لي أن أصلي بالفاتحة بدلاً من التشهد، وقال: "الفاتحة تجزئ".
وتقول أيضا:
- قبل استشهاده بمدة قصيرة جدًّا تصل إلى شهر تقريبًا نزل فيلم في السينما عن فلسطين، وأحدث ضجة كبيرة، وعندما طلبنا منه أن نذهب لمشاهدته لم يرفض مطلقًا وسمح لنا بذلك، فهو لم يكن يرفض السينما على إطلاقها بل كان الأمر يعتمد على مضمون الفيلم واستخدامها جيدًا أو لا، وفي الماضي كانت أغلب الأفلام ذات مضامين غير نافعة بالمرة.
وتضيف موقفا أخر:
- بالتأكيد كل وسائل التسلية واللعب المشروعة كانت يسمح لنا بها، ففي صغرنا كان لدينا راديو وهو جهاز جديد في مصر، وكنا نسمع إذاعة القرآن الكريم في الصباح، ثم 8,30 صباحًا ومساءًا النشرة ولا شيء آخر باستثنائهما، إلى أن ظهرت برامج الأطفال، فكلما حضر جدي إلى المنزل ووجدنا نسمع برنامج "بابا شارو" يتعجب وينظر لأبي كيف سمح لنا بالاستماع إليه!، وفي العيد كنا نؤجر العجل في الشارع الذي نسكن فيه ونلعب مع الأطفال.
وتضيف:
- لم يكن يرفض الاحتفال به بل كان يحضر لنا الحلوى، ويقول: إننا نحتفل به إحياءً لذكرى النبي صلى الله عليه وسلم ولأخلاقه ومواقفه التي تعرض لها في مختلف الظروف للاقتداء به، تطبيقًا للشعار الذي نقول فيه "الرسول زعيمنا".
ولكنه لم يكن يجعل تلك المناسبات تمر بدون أن يعلمنا شيئًا جديدًا، ففي أحد المرات أحضر حلوى المولد النبوي ووزعها في أظرف بنيه، وطلب منّا أن نسمعه شعار الإخوان، فمن قاله سليمًا يأخذ نصيبه، ومن لم يتقنه يذهب لإجادته ويعود ليأخذ حلواه، أو حفظ حديث جديد للرسول، فكان يهدف إلى تعليمنا بذل مجهود للحصول على المكافآت وليس كأنها حق مكتسب.
وتقول عن والدها:
- أول صفاته في المنزل احترام أهل البيت، فلم يناد يومًا على والدتي سوى بـ"أم وفاء"، وهي أيضًا لا تقول له إلا "يا أستاذ"، كما لم نسمعه يومًا يرفع صوته على أحد، وكان يعرف ما نريده من نظرة أعيننا، وتمتع بهيبة فتلقائيًّا بمجرد دخوله علينا كان جميع مَن في البيت يقفون بمن فيهم عماتي وأعمامي باستثناء أمي وجدتي، رغم أنه لم يطلب ذلك يومًا، كما لم نسمعه يومًا يسب أحدًا.
وتقول عن والدتها السيدة - لطيفة الصولي:
- والدتي رحمها الله كانت تقدم دائمًا مصلحة الدعوة على مصلحة نفسها وبيتها، فقد كانت تقوم على رعايتنا حق الرعاية وتهيئ جو البيت لاستقبال الوالد المرهق من كثرة الأعباء والأعمال فيجد راحته في بيته لمدة سويعات قليلة ينطلق بعدها ثانيًا إلى الدعوة
- ويذكر لوالدتي رحمها الله أنه عندما قام والدي بتأسيس المركز العام للإخوان المسلمين طلبت منه أن يأخذ كثيرًا من أثاث البيت عن طيب نفس منها ليعمر بها المركز العام فنقل السجاجيد والستائر والمكتبات وكثيرًا من الأدوات وكانت سعيدة بذلك غاية السعادة، لقد كانت رحمها الله تعتبر أي فرد من أفراد الجماعة هو أحد أبنائها
- وأذكر أنه عندما كانت تأتي أخت من الأخوات لتشكو زوجها كانت أمي تناقشها وكأنها أمها وفي نفس الوقت حماتها، وتبادرها بالسؤال ماذا فعلت في ابني فلان حتى تصرف معك هذا التصرف؟! ولقد كانت تشارك الإخوان أفراحهم وأحزانهم، فكانت فرحة أي بيت من بيوت الإخوان هي فرحة في بيتنا، وكانت مصيبة أي بيت هي مصيبة بيتنا أيضًا.
وتضيف:
- وسبحان الله اليوم الذي استُشهد فيه الوالد كانت الوالدة مريضةً بالقلب، فلما وُلدت هالة منعها الأطباء من الحمل نهائيًّا وظلت في الفراش أربعين يومًا، وكانت وقتها تعالَج من القلب، فأصرَّ الدكتور الذي كان يقوم بعلاجها على أن يتم إجهاض الجنين وحدَّد لذلك يوم 12 فبراير واستُشهد الإمام مساء يوم 11 فبراير مساءً، فأتي الطبيب يومها بعد أن أخذ إذنًا من الداخلية لأنهم كانوا يحاصرون المنزل وتحدث إلى والدتي لكى تأتي إلى المستشفى، وطبعًا لم تذهب وقتها؛
- لأنها كانت بعد استشهاد الوالد بيوم، وبعدها بفترة حاولت أمي عن طريق إحدى الأخوات إجهاضه ولكن أخي سيف رفض حرصًا على صحتها وسلامتها وبعدها أخذتها قريبة لنا إلى طبيب آخر فقال لها سأتابعك كل خمسة عشر يومًا وإن شعرنا بخطر عليك سنقوم بعملية الإجهاض فشاء الله لها أن تأتي لتسمَّى "استشهاد".
وتذكر كيف كانت تتعامل والدتها مع الإخوان أو الأخوات فتقول:
- كانت بداية اختياره للوالدة بعد ذهابهم إلى الإسماعيلية وكانت جدتي رحمها الله ذهبت إلى عدة منازل من بيوت كبار الإسماعيلية فتدخل العائلة هذه مثلاً هؤلاء عائلاتهم كل اعتمادهم على الطباخين وخلافه وذهبت جدتي إلى والدي
- وقالت له إنه لا يصلح لك إلا بيت فلان "على منزل جدي لأمي" وكان جدي لأمي يحب والدي جدًّا ويستشيره في كل أموره حتى إن والدتي كانت مخطوبةً لشخص آخر فأتى إلى جدي يطلب منه أن يصطحب ابنته إلى السينما "والدتي" فعرض جدي لأمي الأمر على والدي وسأله عن حكم ذلك فأخبره والدي أن هذا حرامٌ، فلما عرف جدي أن ذلك الشخص طلب منه شيئًا حرامًا ردَّ إليه الذهب وقال إنه ليس عنده بنات للزواج.
- وما لفت نظر جدتي لأبي إلى أمي أن بيتها رغم أنهم كانوا ميسوري الحال جدًّا إلا أنهم كانوا يقومون بعمل الأشياء بأنفسهم حتى إنهم كانوا يطبخون للعاملين عندهم، فشعرت أنهم بيت كرم وسخاء، وحتى مع أنه لم يوجد وقتها مدارس إلا أن جدي أحضر شيخًا يقرأ القرآن يوميًّا، ثم بعد الظهر كان هذا الشيخ يعلم أهل البيت من النساء درس فقه
- لذلك كانت والدتي رحمها الله رائعةً في الفقه، ولقد سعد جدي بوالدي لأنه كان يحبه جدًّا، حتى إنه رضيَ أن تسافر أمي مع والدي، فقد رفض أن تتزوج خالتي مستشارًا لأنه سيسافر بها، أما والدي فمن حبِّه الشديد له قبل أن تسافر معه إلى القاهرة، فوالدي رحمه الله أخذ الزوجة الحسنة في المنبت الحسن، ليس كما يعتقد البعض أنه سيأخذ امرأة أيًّا كانت وأيًّا كان منزلها والتزامها وهو سيجعلها تلتزم فهذه للأسف من العادات المغلوطة التي يفكر فيها شبابنا.
- وسبحان الله بعد زواجها وهو بالنسبة لها مثال للتضحية لأنها كانت مؤمنةً جدًّا بدعوته وكانت تعتبر الإخوان أبناءها، قد تقف في المطبخ مرةً واثنتين وثلاثًا ومن دون أن يتكلم والدي بل حبًّا منها لهم حتى بعد استشهاده رحمه الله كان الإخوان يخرجون من السجون ويأتون إلينا للسلام علينا، فكان مستحيلاً أن يمشي من بيتنا من دون أي طعام
- وحتى لو لم يكن هناك شيء جاهز تذبح وتعدُّ وهي سعيدة جدًّا ولما جاءوا القاهرة وأخذوا مكتب المركز العام أعطت والدتي كل فرشها تقريبًا ليضعه في المركز العام ولم يبقَ في بيتنا وقتها إلا بعض الأشياء القليلة جدًّا، حتى السجاد والستائر التي شغلتها بيدها، أما بيتنا فكان ستائره بسيطة وبعض الغرف وضعنا فيها أي شيء والأرضيات "كليمات" ولم يكن ذلك يؤثر فيها أبدًا وكأنها لم تتبرع بفرش منزلها أبدًا.
- وكانت تثق فيه ثقة كبيرة، فتأتي الأخوات ويجلسن مع والدي ويتحاورن طبعًا والباب مفتوح ولم تتضايق يومًا أو تسأل ما الذي يفعله هؤلاء هنا كما تفعل بعض السيدات، بل إيمانها الشديد به كان فوق التصور، حتى منزلنا كان من المنازل التي نزلت في خريطة الهدم فطلبت منه والدتي أن يشتري منزلاً صغيرًا لها ولنا
- فردَّ عليها بإيمان عميق: يا أم وفاء قصورنا تنتظرنا في الجنة، ولن يضيِّعَنا الله في الدنيا، وانتقل هذا الإيمان لوالدتي عن حب وليس على مضاضة وغضب كما تفعل الكثير من الزوجات الآن، ودائمًا ما كان ينادي والدتنا بـ"يا أم وفاء"، وهي تناديه: يا أستاذ حسن؛ ولذلك كان الاحترام متبادلاً بينهما؛ ولذلك يوم أن فقدنا الاحترام في بيوتنا فقدنا أشياء كثيرة.
وتقول أيضا:
- بعد استشهاد الوالد كان يأتي الأمن إلى منزلنا للتفتيش كل مرة، وكانت تناديني أمي وقتها تعالي واكتبي اسم كل كتاب سيأخذونه وتصرخ في الضابط قائلةً: هذه الأشياء ملك الشهيد الإمام حسن البنا وليست ملك سيف الإسلام هذا تراثٌ وهذا للتاريخ، وفعلاً بعد أن يأخذوها ويذهب سيف لإحضارها فكان يأتي بها مغلقةً في أكياسها كما كانت، فلذلك كانت أمي رحمها الله السببَ في حفظِ تراث الإمام البنا رحمه الله تعالى.
وفارقها والدها
كانت سناء ابنة إثنى عشر عاما حينما استشهد الإمام حسن البنا ليلة 12 فبراير 1949م حيث تتذكر أحداث هذا اليوم وكيف انتشر البوليس في كل مكان وأحاط بيتهم ومنع الجميع من الدخول حتى منعوا الرجال من حمل والدها، فتتذكر وتقول والدموع تملأ عيناها طلبوا جدي بعد تشريح الجثة لدفنه في مقابر العائلة
لكنه رفض وأصر أن يأخذه إلى المنزل حتى يراه أولاده وإخوته، فطرق الباب قائلاً: "افتحي الباب يا أم وفاء"، فقالت والدتي: "يبقى قتلوه"، لأنها سمعت صوت جدي، يقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، وأخذنا الجيران بعيدًا في حجرة أخرى، لكن عندما حضرت عمتي فاطمة تسربت ودخلت خلفها.
عندما دخلت عليه بعد استشهاده وكشفت عمتي فاطمة وجهه رأيته كالبدر، وعلى وجهه ابتسامة عذبة، لدرجة أني لم أصدق أنه توفي، وكنت أقول لصديقاتي: إن أبي سيعود مرة أخرى.
في وجه المحن
لم تكد الأيام تمر حتى تغير الوضع السياسي في مصر بعد ثورة 23 يوليو 1952م وجاء العسكر بوجه جديد وتعاونوا مع جماعة الإخوان المسلمين وأعادوا محاكمة الإمام البنا وقضوا لأهله بمبلغ مالي وسجنوا من قتلوه.
لكنن لم يستمر الأمر طويلا فحينما استتب الأمر لجمال عبد الناصر انقلب على البنا أولاده فلفق قضية لأحمد سيف الإسلام حسن البنا وسجنه، أمام سناء والتي كانت تعمل مدرسة في التربية والتعليم فتمم نقلها إلى محافظة أسيوط لكنها لم تستسلم حتى عادت إلى القاهرة مرة أخرى.
وحينما تعرضت الحركة الإسلامية والمظهر الإسلامي للاضطهاد في عهد عبد الناصر حتى أن الشيوعيين وأتباع عبد الناصر كان ينزعون الحجاب من على رأس أى فتاة أو إمرأة رفضت سناء فعل ذلك
حيث تقول:
- في عام 56 عندما كانوا يشدون الطرح من على رأس الأخوات رفضت خلعها، وقلت إن من يحاول ستكون نهاية عمره قبل أن يخلعها من رأسي، فالقوة في الحق تثير الرعب في الظالم، كما كنا نتحدث معهم عندما اعتقلوا أخي سيف وزوجي الدكتور محمد حسن حفني، وعندما توفت زوجة كاتب النيابة قال لنا: "انتم دعيتوا علي؟".
وتقول أيضا:
- في أحد الأيام ذهب للصلاة في المسجد، وكنا ننتظره دائمًا خوفًا عليه على الشباك، وجدنا ملثمين ينتظرون على ناصية الشارع، فأرسلت والدتي وفاء والخادمة، لتذهب كل واحدة منهما في اتجاه المسجدين القريبين من المنزل لتحذيره، وما إن رأوهما خرجتا من المنزل حتى هربوا، فالرعب ملأ المنزل من يوم 8 ديسمبر عند صدور قرار حل المركز العام، ومن يومها ومنزلنا مُراقب وحتى قيام ثورة 25 يناير.
وفاتها
عاشت مجاهدة لله صامتة لا يكاد أن يسمع أحد ضجيج حولها ولا كونها أبنة حسن البنا لكنها عاشت حياتها لله، ورغم مرضها في فترات حياتها الأخيرة إلا أنها ظلت راضية محتسبة لله وحده حتى توفاها الله عصر يوم الأربعاء ٦ جمادى الأولى 1444ه؛ الموافق 30 نوفمبر 2022م، وشيعت مع مغرب اليوم حيث صلاة الجنازة عليها من مسجد السلام، بمدينه نصر بعد الوفاء والامل (الحي العاشر) مدينة نصر.
وقد نعتها جماعة الإخوان المسلمين كما نعتها أسرة الدكتور محمد مرسي، كما كانت وأخواتها من الداعمين للدكتور محمد مرسي أثناء ترشحه لرئاسة الجمهورية عام 2012م.
المصادر
- لواء الإسلام جمادى الأولى 1419هـ / 11-12 / 1988م، أعلام الدعوة من الأخوات ص51.
- جمعة أمين عبد العزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 2003، صـ113.
- محمود خليل أبو دوف (استاذ أصول التربية بالجامعة الإسلامية): معالم الفكر التربوي لدى الإمام الشهيد حسن البنا، الدائرة التربوية بخان يونس فلسطين، مارس 2010، نقلا عن موضوع التربية عند الإمام الشهيد حسن البنا منتديات المحبة، 2007م.
- الحاجة سناء البنا وشرح رسالة بين الامس واليوم: 2018
- عباس السيسي: في قافلة الإخوان المسلمين، الجزء الرابع، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2003.
- نسيبة حسين: سناء" كريمة الإمام البنا في أول حديث صحفي عن والدها، 1 نوفمبر 2006
- حوار مع الدكتورة سناء حسن البنا: غرس فينا الإسلام بالحب وكان مثالاً للأب الحاني: إخوان أونلاين، 13 فبراير 2020م
- غادة محمد الشريف: بنات «البنا».. الكبرى تدعو ليل نهار لفوز «مرسى».. والصغرى ترفض إعلان مرشحها، 24 مايو 2012
