سياسة التعذيب في السجون المصرية وضياع الحقوق
مقدمة
"اديني صاعق كهرباء ودخلني أنا وأنت في الغرفة وأنا أخليك تعترف إنك قتلت السادات .. احنا اتكهربنا كهربا تكفي مصر عشرين سنة" بهذه الكلمات التي نطق بها الشاب الحافظ للقرآن محمود الأحمدي أثناء محاكمته ظلما في قضية النائب العام هشام بركات، أكدت الحقائق التي سجلها التاريخ عما تقوم به الشرطة المصرية بالتعاون مع كثير من رجال النيابة العامة والقضاء داخل السجون والمعتقلات ومراكز الاحتجاز من تعذيب وقتل واهدار للحقوق لكل مصري عارضهم في سياستهم وطالب نظامهم بالإصلاح.
لقد أعدم الشاب محمود الأحمدي ورفاقه دون ذنب أو جرير أو دليل واحد إلا كما قال القاضي:"انت اعترفت يا محمود" وهو يدرك ما يجري في مراكز الاحتجاز خاصة في السنوات التي تلت الانقلاب العسكري في مصر عام 2013م.
حادثة دنشواي الفارقة
لن اتحدث كثيرا عن حوادث تعذيب المصريين قبل الجمهورية الجديدة التي أوجدها العسكر عام 1952م كون البلاد كانت تحت سياط المحتل البريطاني وكان جهاز البوليس السياسي وكثيرا من السياسيين ورؤساء الأحزاب أذناب لهذا المحتل يأتمرون بأمره، ويقومون على خدمته على حساب القضية الوطنية، وأن المصريين المعارضيين للمحتل أوغاد في نظرهم لأنهم يتجرأون على أسيادهم الغربيين. لكن كان السلوى وجود قضاة عرفوا حق الله فيهم وأنصفوا المستضعفيين من المصريين.
ولو نظرنا لحادثة دنشواي في تعبير حقيقي عن ماسي المصريين المظلوميين على أيدي إخوانهم المصريين من رجال الشرطة والقضاء.
فقد تم تعذيب عدد من فلاحي دنشواي بكل قسوة، وقدموا للمحاكمة بأدلة مملاه من المحتل انتقاما له لجنده الذي قتلته الشمس نايبة عن المصريين فعوقب المصريين على فعلة الشمس والحكم عليهم بالإعدام بعد الجلد والضرب والتعذيب أمام جموع المصريين الفقراء، وجاء حكم بطرس غالي قاسيا كما كانت سياط البوليس المصري قاسيا على هؤلاء الفقراء. (1)
إبراهيم عبد الهادي ووحشية التعذيب
اشتهر عهد إبراهيم عبد الهادي بالعسكري الأسود لقسوة التعذيب في السجون المصرية على أيدي رجال الشرطة بل وكبار رجال السياسة أمثال إبراهيم عبد الهادي الذي خلف النقراشي باشا بعد مقتله يوم 28 ديسمبر 1948م ففتح السجون وزج بها أعداد كبيرة بما فيهم المجاهدين الموجودين على أرض فلسطين للتصدي للصهاينة، والغريب أن إبراهيم عبد الهادي مارس التعذيب ضد المواطنين في أحيانا كثيرة.
ولنرصد ما جاء في تحقيقات المحكمة بسؤال رئيس الوزراء عن التعذيب حيث جاء فيها:
- س: هل اتصل بعلمك أثناء توليك الحكم أن تعذيبًا وقع على أحد المتهمين في قضايا الإخوان؟
- ج: إشاعات والنيابة تتولى التحقيق.
- س: وهل وصلك بعد خروجك من الوزارة أن تعذيبًا وقع على بعض المتهمين؟
- لم أسمع إلا إشاعات كما جرت في كل القضايا.
- يقرر عبد الرحمن عثمان أنه في يوم 10 يوليو سنة 1949 أثناء رياستكم للوزارة استحضر إلى محافظة مصر وعذبه الضابطان محمود طلعت، ومحمد الجزار بوضع ساقيه في فلكة وبضربه بالسوط، وقد أثبت تقرير الطبيب الشرعي أن الإصابات الثابتة يمكن أن تنتج من مثل هذا التعذيب فما قولك؟
- ج: لم أسمع بهذا.
- س: يقرر عبد الرحمن عثمان أنه في يوم 11 يوليو سنة 1949 أثناء توليك رياسة الوزارة ومنصب الحاكم العسكري العام استدعى إلى محافظة مصر وقام اللواء أحمد طلعت بتعذيبه مع الضابط فاروق كامل، فهل وصل ذلك إلى علمكم؟
- لا.
شهادة سعد أفندي جبر التميمي
- س: بعد ما قبض عليك عندما كنت تخرج من السجن. هل كان يذهب بك إلى النيابة أو إلى مكان آخر؟
- ج: مرة رحت المحافظة وضربوني وطلعت الساعة 11 ورجعت الساعة 1.30 صباحًا وده ثاني يوم قبض علي حوالي 7 أو 9 أو 10 مايو سنة 1949.
- س: هل تستطيع أن تذكر لنا من اشتركوا في تعذيبك؟
- ج: نعم اشترك توفيق السعيد وعبد المجيد العشري وواحد جاويش اسمه مصطفى التركي، وعملت بذلك محضر رسمي في سجن مصر أول ما رجعت والنيابة لم تسأل عني والطبيب بعد 21 يوم وصف الإصابات جميعها.
- س: وما الغرض من ذلك؟
- ج: كانوا طالبين بعض البيانات بالذات تتلخص في أني أقول أعرف فلان أو فلان وأشخاص معينين، وأول يوم رحت لطلعت بك عزم علي بسجاير وجاب لي فطار، ولم أقبل السجائر ولا الفطار، وبعدين ضربوني واللي ضربوني سبعة، وتوفيق السعيد قعَّدْني على كرسي مخروق وكان على جنبي الشمال، والعشري على جنبي اليمين، والتركي يضربني بالجزمة في وشي، ولم أقل الكلام اللي هم عاوزينه وأصريت على الحقيقة التي أعرفها والضرب لم يزعزعني.
مصطفى أفندي كمال
وجاء في أقوال مصطفى أفندي كمال عبد المجيد في شهادته أمام المحكمة عن التعذيب ما يلي:
- س: ذكرت في تحقيق النيابة أنك تعرف الثلاثة وأنك كنت تقود السيارة الجيب.
- ج: الكلام ده أحمد بك طلعت كتب به ورقة وبعد ضربي وتعذيبي وأخذني قسم مصر القديمة وربطني بقيد شديد في يداي وربط حبل في القيدين من الخلف وعلقوني في شباك القسم وجابوا نيران السجاير وحرقوني، وواحد ضابط طويل كان ماشي مع دولة إبراهيم عبد الهادي باشا، وكان يحرقني بالسجاير وبعد كده جاب ورقة وقال لي: امض عليها، وكتب هو فيها كل حاجة
- وفي نفس الليلة دي لا أذكر الساعة كام وبعد ساعتين ثلاثة جه حضرة المحقق (وأشار على محمد بك عبد السلام) وحكيت له القصة الخاصة بالتعذيب، فأعرض عني ونزل ولم يقبل أن يكتب ولا كلمة وتركني البوليس السياسي ومنعوني من النوم 48 ساعة، وقعدوا لي واحد ضابط كده وواحد ضابط كده، وكانوا يغيروا عليه وآجي أنام يضربوني
- وأضربت عن الطعام احتجاجا وهددوني بالاعتداء على عرضي ومضوني على أوراق لا أعرف عنها حاجة، وقعدت عشرة أيام مضربًا عن الأكل إضرابًا تامًا، وقالوا إن لم تأكل سنعتدي على شرفك، وفتحت هذا التهديد بقيت آكل خوفًا من هذا وأنا وقعت على أوراق لا أعرف ماذا فيها، ووقعت عليها تحت إرهاقي، ومرة اثنين ضباط حضروا لي وقالوا أحنا وكلاء نيابة مستعدين ندون لك بس كل، فقلت لهم أنا عارفكم وليس عندي شيء.
- س: متى حصل هذا التعذيب؟
- ج: جزء منه في مصر القديمة.
- س: متى؟
- س: وكيف أحضروك؟
- ج: البوليس حاصر الحي وأخذوني وقالوا فيه ناس ضربوا قنابل وقبض على مع ناس كثيرين جدًا وحطونا في حوش كبير وأنا ساكن في العباسية، وكنت مطارد من البوليس، وكان عاوز يقبض عليَّ، وكنت أزور واحد في مصر القديمة، وبعدين البوليس لما سألني قلت على اسمي بالضبط فقالوا مفيش غيرك فضلوا يضربوني وقالوا لي أنت اللي ألقيت قنابل على رئيس الوزراء.
- س: في هذه الجهة هل حضر أحد من النيابة؟
- جه منصور باشا العام وإبراهيم عبد الهادي باشا وضباط كثيرين وأنا قلت لإبراهيم باشا أنا في عرضك يا سعادة الباشا الحقني، فقال لي: "أنت ضربت قنابل عليَّ" فقلت له: "لا" فقال: "أنتم عاوزين تقتلوني ليه أنا مش ألغيت البغاء؟ مش علمت الدين في المدارس؟ فقلت له ما أعرفش حاجة وسابني ومشي وقال إن ما كنش يتكلم شرحوه، وبعدين جم الضباط بتوع القلم السياسي في مصر القديمة، مضوني على ورق وأنا كنت ميت معلق في الهواء وكل ده بالليل، وجه محمد عبد السلام بك وعمل محضر وقال لي: "تعرف إيه عن الجيب" فقلت له: "ما أعرفش" وقال لي: "أنت كنت راكب ومعك فلان ده ولم يكتب حاجة" وبعدين قعدت في المحافظة يومين ورحت له في مصر القديمة فقعدوني في الزنزانة وملوها ميه لم أنم ليلتها.
- س: هل عرض عليك حضرة المحقق محمد عبد السلام بك المتهمين الثلاثة أحمد عادل كمال وطاهر عماد الدين وإبراهيم محمود علي؟
- ج: بعد يومين ثلاثة ضربوني وشالوني وأرسلوني لمحمد عبد السلام بك في النيابة وقعدوني على كرسي ودخل على شوية أفندية وقعدوا زعقوا مع بعض وبعدين مشيوا، وأنا كنت تعبان جدًا وكانوا يتناقشوا مع المحقق وأنا عبارة عن جثة.
- س: لما دخل الناس زعقوا هل كنت واقفًا أم جالسًا؟
- ج: كنت قاعد على الكرسي؟
- س: عند وجودك بقسم مصر القديمة هل استمر تعذيبك بعد وصول سعادة النائب العام؟
- ج: نعم واشتد.
- س: هل كان أحمد طلعت بك موجود يوم الزعيق ده؟
- ج: لا.
شهادة عبد الفتاح أفندي
- س: من كان يعذبك ولماذا التعذيب؟
- أول ما قبض علي في ميدان الملكة فريدة الساعة 9 يوم 9 مايو سنة 1949 واللي قبض علي واحد اسمه العشري ومعه النكلاوي وهو ساكن جنبي، ووجدت الضرب فوق دماغي بالطبنجات ولم أدر إلا وأنا في المحافظة، ودخل أحمد طلعت بك وقال: "حتقول أو مش حتقول" فقلت له: "حاقول أيه؟" فقال: "باين عليك مقاوح وأنا عاوز أشرحك" فقلت: "لا مفيش ما يدعو"
- فقال: "خذه يا عشري" وأخذوني عند محمود طلعت أفندي وهو ضابط فقال لي: "اقعد" وقال لي: "شوف يا ابني هنا أحكام عسكرية" وقال لي: "أتقول اللي حاقول عليه وإلا حتتعب قوي" فقلت له: "اللي أعرفه أقوله" فقال لي: "أنت من الإخوان المسلمين" قلت: "أنا أتشرف" وقال لي: "إنت من الإخوان" قلت: "أيوه" فقال لي: "بتعمل إيه" فقلت له: "فيه إخواني اعتقلوا واحنا بنلم لهم فلوس"
- فقال لي: "احنا حنخليهم يتشرمطوا" وأخذوني ودخل العشري وواحد اسمه فاروق ومصطفى، ومصطفى قال لي أقلع وبعدين فضلوا يضربوني من الساعة 9 إلى الساعة 4 صباحا، وكانوا مقسمين نفسهم كل مجموعة 12 عسكري وضابط، وكانوا يحطوا في رجلي فلقة، وكانت الفلقة تنكسر، فجابوا عصا من بتوع المظاهرات
- وبعدين جابوا كرابيج هجانة، وكتفوني من الخلف وفضلوا يضربوا في، وأثناء الضرب أغمى عليَّ، وفوقوني بالنشادر ولقيت أحمد طلعت، وقال دي أول جولة والجولات آتية، وبعدين أخذوني قسم مصر الجديدة، وبعدين رئاسة الوزراء، وكان فيه واحد ضابط هناك عرفت أنه أخ إبراهيم باشا، وإبراهيم باشا قال: حتقول أو مش حتقول؟
- فقلت له: "أنا بانضرب كل ليلة ولم أنم وكل جسمي بيوجعني" وبعدين قال: "أنا عندي أمر أموتك" وقال لي: "أنا حاخليهم يشرحوك" وكان الضباط يتباهون أنهم يقسمون التعذيب، وبعدين جه واحد اسمه محمد علي صالح وقال: "إنت شميت ريحة الجلد لما يحترق؟" وبعدين قال نجرب كل واحد من الضباط يجيب السيجارة ويحرقني، وبعدين جاب سيخ حديد وحطوه على النار، وبعدين دخل محمود طلعت وقال سيبوه ده معايا
- وقال أنت عمك زميلي ورئيسي وأعمامك اعتقلوا وأخوالك وأختك اعتقلت، وبعدين حطوني في سجن الأجانب على الأسفلت، وحطولي لمبة كبيرة جدًا وساعة ما آجي أنام يخبطوا على الباب، وبعدين لقيت بتجيني نوبات شديدة، وبعدين جابو لي واحد عسكري أسود لا يمكن أنساه، وقالو لي إذا لم تتكلم حيرتكب معك الفحشاء، وأنا قلت له إذا عملت هذه العملية أنا مش حاقدر أقاومك لأني متكتف
- وبعدين قلت له: فيه رب وبعدين في هذه الأثناء أخذوني التحقيق وكان إسماعيل بك عوض يسألني وأنا أقول مش عارف، وييجي أحمد طلعت ويقول له أنا عوز الولد ده ولا أدري إلا وأربعة رامييني في سجن الأجانب، وييجي إبراهيم عبد الهادي باشا يقول أخوالك معتقلين وأعمامك معتقلين وأختك وأنا الحاكم العسكري، وفي أثناء التحقيق جه محمود باشا منصور
- وقلت له: "أنا عذبت" فقال: "الحكومة عارفه وأحنا عارفين وإن لم تتكلم حتعذب" وفي هذه الأثناء كانوا يأخذوني في التحقيق ويكتبوا اللي يكتبوه والنهارده وأنا جي لقيت الضباط بتوع القلم السياسي اللي هم من إجرامهم يجيبوا أخويا ويضروبه أمامي وأنا لا أعرف حاجة عن هذا الكلام.
- س: قبل أن يضربوك طلبوا منك أن تقول أقولاً معينة؟
- أيوه طلبوا مني أن أقول إني أعرف مالك وعاطف، وطلبوا مني أن أقول إني مشترك في عملية حامد جودة وأعرف المتهمين، وكانوا يجيبوا منهم ولا يعرفوني فيقولوا لهم مش ده عبد الفتاح ثروت.
- وبعد ذلك أغمى على الشاهد المذكور وتشنج وتقلصت أعصابه وأخذ يصدر صوتًا منقطعًا عاليًا، واستمرت هذه الحالة مدة طويلة، ثم نقل بمعرفة ضباط الحرس إلى غرفة إسعاف المحكمة لإسعافه، وقد لاحظت المحكمة في أول الأمر أن الشاهد كان في حالة عصبية أثناء إدلائه بشهادته. (2)
التعذيب في الجمهورية العسكرية الجديدة
تحرك العسكر بالانقلاب ضد فساد الملكية الذي انتشر في جسد الأمة – وهو غير الانقلاب العسكري على أول تجربة ديمقراطية حقيقية للبلاد عام 2013 - غير أنهم سرعان ما عادوا إلى طبيعتهم وحقيقية ما تعلموه في الجيش والشرطة من تعذيب المعارضين فكان تعذيب محمد مصطفى خميس ومحمد عبد الرحمن البقري، وهما عاملين بمصنع كفر الدوار لمجرد إضراب قام به العمال في 2 أغسطس 1952م مطالبين بزيادة الأجور في ظل جمهوريتهم الجديدة، لكن الجميع تفاجأ بالتعذيب والاعدامات.
ثم سرعان ما لحقت بها تعذيب السياسيين وعدد كبير من ضباط سلاح الفرسان المعارضين لعبد الناصر، بل وضرب رموز القضاة أمثال السنهوري لمجرد المعارضة. ثم استخدمت أدوات أشد قسوة في التعذيب سطرتها جميع كتب التاريخ وكتبت عنها حتى أن أحد رجالات وقادة الثورة صرخ من شدة ما يسمعه من تعذيب وكتب رسالة لعبد الناصر قال لها فيها: اتق الله، فقبض على كمال الدين حسين وعذب وتركت زوجته باستراحة الهرم تعاني المرض حتى ماتت.
لقد كانت سنوات عبد الناصر كلها تعذيب وتخوين وادعاءات بالانقلابات ومذابح للأبرياء، وهو ما سجلته السينما المصرية في العديد من الأفلام كفيلم احنا بتوع الأتوبيس وفيلم الكرنك ووراء الشمس وغيرها. (3)
وبدون أى مبرر أقدم عبد الناصر وضباطه على عمل مذابح للمساجين العزل داخل سجونهم دون معرفة الغرض منها إلا الانتقام معتمدا على عدم معرفة ما يجري في السجون من تعذيب فكانت مذبحة ليمان طرة وما على شاكلتها من مذابح بعد ذلك بل وقتل المسجونين ودفنهم في صحراء القاهرة.
لقد أراد عبد الناصر أن ينتقم من المساجين العزل لفشل مشروعه في الانقلاب على الملكية في العديد من الدول الملكية كالأردن والسعودية وغيرها مرجعا السبب أن الإخوان بالخارج هم سبب فشل الانقلاب، فتحول للانتقام من المساجين العزل بأن حرك رجالات الشرطة والقضاء لخدمة هذا الغرض، فكانت المذبحة الأولى مذبحة طرة في 1 يونيو 1957م والتي راح ضحيتها 22 قتيل وأكثر من ذلك جرحى جراء اطلاق النار عليهم داخل زنازينهم في صورة تدل على وحشية التعامل وقسوة القلوب لا لشيء إلا إرضاء عبدالناصر ونظامه.
يقول الأستاذ جابر رزق:
- "لقد أقيمت المذبحة في أول يونيو 1957م لمائة وثمانين من الإخوان المسلمين، هم الذين بقوا في سجن ليمان طرة بعد ترحيل إخوانهم إلى سجن المحاريق وبني سويف وأسيوط وغيرها من السجون.
لقد بلغ الطاغية عبد الناصر ورجال حكمه من الخسة واللاإنسانية أن أطلقوا الرصاص على المائة والثمانين من المسجونين داخل الزنازين وهم عزل لا يملكون ما يدافعون به عن أنفسهم. (4)
ثم كان حملة التعذيب التي لم تستثن أحد عام 1965م حيث تنافست الشرطة العسكرية والشرطة العامة على انتزاع اعترافات من المصريين دون معرفة ماذا يريدون، المهم كشف حقيقة ما يفكر فيه المصريين وماذا يريدون من الحياة.
فمات محمد عواد من أثر الضرب في فسقية السجن على يدي صوت الروبي يوم 20 أغسطس 1965م، ودفن في الصحراء. ثم إسماعيل الفيومي وفاروق المنشاوي وغيرهم الكثيرين الذين ماتوا تحت سياط التعذيب.
كمال السنانيري وسياط فؤاد علام
مات محمد كمال السنانيري تحت سياط اللواء فؤاد علام وتعرض إلى تعذيب وحشيٍّ فاق كل خيال، حتى إن والدته لم تتعرف عليه في أثناء حضورها الجلسة الأولى للمحاكمة؛ لشدة ما وقع عليه من عذاب، فقد نحل جسمه، وكسر فكه؛ حتى تغيرت طريقة كلامه، وبلغ من شدة تعذيبه أن شقيق زوجته الأولى - وكان معتقلاً معه - أصيب بالذهول من هول المآسي التي نزلت على السنانيري، ولم تتحمل أعصابه المرهفة آثارالعذاب الوحشية البادية على الجسد الواهن، ففقد عقله، ونقل إلى مستشفى الأمرض العصبيَّة.
تعرض السنانيري للتعذيب بعد اعتقاله في أحداث 1981م أملاً في معرفة معلومات عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ووقع عليه أهوال من العذاب بعد أن تجاوز الستين من عمره، ولم يتحمل جسده هذه الأهوال التي تفنن زبانية التعذيب في إلحاقها به، ولم يكن لمن في سنه أن يتحمل هذه الأهوال ففاضت روحه الطاهرة في 8 نوفمبر 1981.
ولم يكتف هؤلاء الجلادون بقتله، بل حاولوا اغتياله معنويًا، فأشاعوا أنه قد انتحر بأن ربط عنقه بفوطة، ثم ربطها بكوع الحوض الموجود بالزنزانة، وصار يجذب نفسه حتى مات، وفى الصباح اكتشف السجَّان الجثة، وجاء الطبيب الشرعي، وعاينها وأثبت سبب الوفاة.
ولم يصدق أحد هذه القصة الملفقة، التي لايمكن أن يقبلها عقل طفل صغير، فتاريخ السجون المصرية في عهد الثورة مليء بمثل هذه المآسي، وخبرة رجالها في اغتيال المعتقلين العزَّل أمر يعرفه الناس جميعًا، وتلفيق التهم الكاذبة عن ادعاء هروبهم بعد القيام بقتلهم معروف بين الكافة، ولا يمكن لمن صمد عشرين عامًا ثابت النفس، راسخ الإيمان أن يجزع لاعتقاله فترة قليلة من الزمن، فيقدم على مثل هذا العمل. (5)
مختار نوح وأسرار القضية رقم 462 أمن دولة
تدور أحداث القضية رقم 462 أمن دولة عقب الحكم في قضية مقتل الرئيس الراحل أنور السادات والانتهاء من تحقيقات القضية التي أطلق عليها اسم "تنظيم الجهاد" وكانت تحمل رقم 462 لسنة 1981 أمن دولة عليا وكان علي رأس المتهمين في تلك القضية الشيخ عمر عبدالرحمن ومعه عدد من المتهمين مثل كرم زهدي وعصام دربالة وعبود الزمر وأيمن الظواهري وعشرات من المتهمين وقد وجهت النيابة العامة إليهم تهمة تكوين تنظيم يهدف إلي قلب الأوضاع السياسية في البلاد وغير ذلك من الاتهامات العديدة.
وكان رئيس الدائرة القضائية التي حاكمت المتهمين في هذه القضية هو المستشار العملاق عبدالغفار محمد رحمه الله... وكان هذا الرجل نظيف اليد إلي أقصي حد يمكن تصوره في عموم البشر... فقد كنت أترافع أمامه منذ تخرجي في عام 1974 وحتى نهاية عهده بالقضاء... وكنت أشاهده بنفسي وهو يحاور سائق التاكسي حتى يوافق علي توصيله إلي بيته بعد انتهاء نظره القضايا... وألمس عفة أخلاقه وتجرده وتواضعه.
وكان أن أصدر هذا القاضي العظيم حكمه في القضية المشار إليها بسجن العديد من المتهمين لمدد تتراوح بين الأشغال الشاقة المؤبدة والسجن ثلاث سنوات.. وبراءة العديد منهم.. إلا أن المهم في المسألة أنه أشار في حكمه إلي أن وزارة الداخلية في ذلك الوقت أي قبل عام 1981 لم يكن عندها معلومات مسبقة عن القضية...
ولا عن المتهمين وأن كل ما تم الحصول عليه من معلومات كان تاليًا للقبض علي المتهمين ونتيجة التعذيب الشديد الذي تعرض له المتهمون ثم أمر - رحمة الله عليه - أن تحال الأوراق إلي النيابة للتحقيق في وقائع التعذيب الذي ثبتت آثاره بالطب الشرعي والذي اتخذ شكل "التعليق من الأقدام" والضرب بالعصي والأسلاك واستخدام الكهرباء في أماكن حساسة وغير ذلك من الصور البشعة... التي لا نحب ذكرها... وتم إرفاق أكثر من مائتين من التقارير الطبية التي سجلت تعذيب المتهمين ضمن أوراق القضية.
ثم تلي هذه القضية قضية أخري تم محاكمة المتهمين فيها بتهمة الانضمام إلي تنظيم الجهاد وكان المتهم الأول فيها الأستاذ منتصر الزيات - المحامي - وقد سميت القضية في ذلك الوقت بقضية "الانتماء" إلا أن النيابة العامة رأت أن تحفظ هذه القضية الأخيرة ذلك أنها ايضاً قد امتلأت بالعشرات من تقارير الطب الشرعي التي تؤكد وقوع التعذيب علي المتهمين...
وفي ذلك الوقت وفي يوم 23 أكتوبر عام 1984 تحديداً وقفت النيابة العامة لتطلب من المحكمة تأجيل نظر هذه الدعوي إلي أجل غير مسمي... وتعتبر هذه السابقة هي الأولي في تاريخ القضاء المصري فلم يحدث أن طلبت النيابة مثل هذا الطلب... والذي يعني أنه بمثابة تنازل من النيابة عن الاتهام...
وبذلك تم إسدال الستار علي قضية تنظيم الجهاد بشقيها وبدأت النيابة العامة تنفيذ قرار المحكمة بالتحقيق في وقائع التعذيب التي أشار إليها الحكم... إلي أن تم إحالة الأربعين ضابطاً إلي محكمة الجنايات.. بينما بدأ المحكوم عليهم في قضية الجهاد الكبرى تنفيذ الأحكام أما قضية الانتماء فقد تم الإفراج عن المتهمين المحبوسين علي ذمتها.
وكانت الدائرة المحال إليها قضية التعذيب والتي تم اتهام ما يقرب من أربعين ضابطاً علي ذمتها كانت الدائرة برئاسة المستشار سليمان أيوب وعضوية المستشار عدلي حسين.. والذي كان مستشاراً في ذلك الوقت لمجلس الشعب أيضاً ثم أصبح من كبار المحافظين في يومنا هذا متنقلاً بين محافظات مختلفة منها المنوفية والقليوبية وما زال يمارس وظائفه العليا حتى تاريخه.
وفي يوم الجلسة تم حضور الضباط المتهمين وهم يرتدون الأزياء الفاخرة والنظارات الشمسية وحولهم الضباط والعساكر وكأننا أمام موكب لكبار القوم حتى انتهي بهم المطاف إلي الجلوس في مقاعد قاعة المحكمة... وهم في غاية الكبر والثقة.
وبدأت الجلسة بإثبات حضور المحامين المتطوعين... وكان يتقدمنا العمالقة... الدكتور عبدالحليم مندور والأستاذ أحمد نبيل الهلالي والأستاذ أحمد ناصر من أعلام المحاماة ثم يقف معهم وخلفهم باقة من المحامين كنت أحدهم في هيئة الدفاع.
وفي ذات الوقت تم تشكيل هيئة دفاع للمتهمين بالتعذيب دفعت وزارة الداخلية أتعاب المحامين فيها... وكان بها العمالقة عاطف الحسيني وصبري مبدي - رحمهما الله - والدكتور نبيل مدحت سالم والعشرات معهم من أعلام المحاماة.
وكان التفاؤل يملأ هيئة الدفاع عن المجني عليهم فقد اعتقدنا أن نهاية الظلم قد اقتربت وأنها ستكون في محكمة باب الخلق.. لا سيما وقد ظهر من رئيس المحكمة اهتمام كبير بالدعوي وهو يناقش الدفاع في موضوع الدعوي وما إذا كانت القضية هي استعمال القسوة مع مواطنين أم هي تعذيب للإكراه علي الاعتراف... وانبري الدفاع ليوضح الفرق بين الجريمتين.. وكأن المشكلة القائمة في ذلك الوقت كانت هي بيان الفرق بين الجريمتين.. إلا أننا سعدنا علي وجه العموم باهتمام المحكمة.. الواضح بتلك القضية...
وفي حديث ودي كان بيني وبين المرحوم الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب السابق.. أبديت له سعادتي باقتراب صدور الحكم علي الضباط المتهمين والذي سيضع - حسب اعتقادي - نهاية للتعذيب في مصر .. وهكذا كنت أتجاذب أطراف الحديث معه حول هذه القضية.
إلا أنه بادرني - رحمة الله عليه - بسؤال حول أسباب ذلك الاعتقاد... فاستفضت أمامه وأنا أشرح كثرة الأدلة وتعدد أسماء الشهود... حتى انتهي الحديث بيننا إلي عبارة لم أفهم معناها إلا بعد عمر طويل إذ قال لي - رحمه الله - عبارة نصها "أنت ممكن تكون قوي في اللغة العربية أو المحاماة أو الاستجوابات ولكنك ضعيف جداً في الحساب يا أستاذ نوح".
ومرت الأيام وأتت المحاكمة إلي الجلسات الختامية وفي تلك الجلسات الختامية اعترضنا نحن المحامين عن المجني عليهم علي سماح المحكمة للمتهمين بالجلوس ومعهم أصدقاؤهم داخل قاعة الجلسة، إذ كان من المفترض أن يجلسوا داخل أقفاص الاتهام وقررت المحكمة فعلاً بعد شد وجذب إدخال المتهمين القفص...
والحقيقة أن طلباتنا بإدخال المتهمين القفص لم تكن إلا لجس نبض المحكمة ومدي حرصها علي تطبيق القانون وكانت سعادتنا بالغة إذ التزمت المحكمة بطلب إدخال المتهمين الأقفاص.. إلا أن ذلك لم يدم طويلاً.. فقد أنهت المحكمة جلساتها وحجزت القضية للحكم... بعد هذه الجلسة مباشرة.
ولا يفوتني أن أشير إلي أن الجلسات الأخيرة للمحاكمة كانت مثيرة للفزع... وكان يداهمنا نحن المحامين المتطوعين للدفاع عن حقوق المجني عليهم الذين ماتوا تحت سياط التعذيب شعور بأننا نحن المتهمون وأننا داخل أقفاص حقيقية... ففي الساعة السابعة صباحاً من كل جلسة كان الجنود والضباط يملئون قاعة المحكمة حتى لا تجد مكاناً إلا بالكاد وإذا تحدث المحامي عن المتهمين مترافعاً بصوت مرتفع..
أو معترضاً أو مدافعاً... صفق له جميع الحضور من الضباط والجنود.. وإذا ما تحدث واحد من المحامين المتطوعين للدفاع عن المجني عليهم.. فإنك تسمع همهمات كتلك التي يحطم بها جمهور الكرة معنويات الفريق الخصم... ومن باب الرعب أيضاً فإنه لا مانع من أن يدخل رئيس حرس المحكمة بين اللحظة وأختها ليلقي التحية للسادة الضباط المتهمين المودعين في القفص...
ويشد جميع أجزاء جسده... إلي أعلي وهو يقول "تمام يا فندم" ... وتتكرر هذه المشاهد المفزعة في كل يوم حتى تم حجز الدعوي للحكم وأنا بين الافتراضات أدور... فتارة أتأكد من صدور أحكام خفيفة علي الضباط المتهمين اعتقاداً مني بأن الأمور حتى ولو سارت علي منوال التوازنات السياسية فلا بد من الحكم ولو علي بعض المتهمين وتارة أخري أتناول اهتمام القضاة بالدعوي بمأخذ الجد
فيتأكد لدي أن الأمور ستسير علي منوال مواجهة التعذيب بأحكام رادعة وتارة ثالثة يتأكد لدي أن هذه القضية لن تنال حظها من الاهتمام القانوني بقدر ما سيضرها العامل السياسي... ثم أتذكر وأكرر ما ردده الدكتور المحجوب من أنه يبدو أني لست قوياً في علم الحساب... ودخل المستشار سليمان أيوب وخلفه المستشار عدلي حسين ولم أتذكر اسم المستشار الثالث.. لتنطق المحكمة بحكمها الشهير "حكمت المحكمة ببراءة جميع المتهمين من جميع التهم المسندة إليهم".
وطبعاً.. رفعت الجلسة كما يقولون.. وقرر السيد وزير الداخلية منح كل ضابط كان متهماً في هذه القضية هدية هي الحج إلي بيت الله الحرام مع تحمل الدولة جميع النفقات كاملة.. وذلك باعتبار أن الحج يمحو الذنوب فيحصلون بظنهم علي براءة في الدنيا... وعفو في الآخرة، وزيادة في كرم الدولة لهم جميعاً تقرر أن يكون الوزراء والمحافظون من بين الضباط المتهمين بالتعذيب...
وقد كان فعلاً وتم تعيين الضباط المتهمين بالتعذيب في وظائف أقل ما فيها كان وظيفة المحافظ... بينما عاد المجني عليهم إما إلي بيوتهم أو إلي السجون مرة أخري لقضاء بقية العقوبة أما نحن المحامين فقد عدنا إلي خنادقنا لنستعد لجولة جديدة ضد التعذيب.
وخرج المرحوم المستشار عبدالغفار محمد علي المعاش ليكون رمزاً للقضاء الشامخ والعادل.. والذي يستمد عدله من الثقة بالله ونور اليقين... ليكتب التاريخ عن شجاعة وعدل واحد من القضاة المصريين أبي أن يفر ضباط التعذيب بجريمتهم. إلا أن سياسة التعذيب بعد الحكم ببراءة الضباط الأربعين هي التي بقيت علي أرض مصر، فكان ضحايا التعذيب أكثر من خمسين مواطناً فقدوا الحياة وتم حصرهم في عدد محدود من السنوات...
أما المصابون فكان عددهم يفوق الإحصاء... ولم يفلح نشاط المنظمات الدولية في وقف هذه الظاهرة... ووقفت منظمة العفو الدولية عاجزة أمام تزايد ظاهرة التعذيب في السجون المصرية وكان من نتاج التعذيب أن العديد من المتهمين اعترفوا بجرائم لم يرتكبوها.. ولم ينقذهم من براثن حكم الإعدام إلا رحمة الله ولطفه ونذكر من هذه القضايا قضية أطلق عليها اسم تنظيم "الناجون من النار"
وكان قد تم اتهام مجموعة من الشباب فيها بالشروع في قتل اللواء النبوي إسماعيل وزير الداخلية الأسبق واللواء حسن أبو باشا.. وكان أيضاً وزيراً للداخلية فضلاً عن الشروع في قتل الصحفي المعروف مكرم محمد أحمد.. وكان التحقيق يتم بمعرفة المستشار ماهر الجندي والذي أصبح محافظاً فيما بعد ثم متهماً في قضية رشوة ثم محكوماً عليه في تلك القضية ثم خرج مؤخراً ليروي ذكرياته.
المهم يا سادة أن ثلاثة من المتهمين اعترفوا بالجريمة وهم مجدي غريب - رحمه الله - والذي مات منذ أيام قليلة ومحمد طه عبدالعظيم البحيري وإسماعيل محمد علي إسماعيل وكانت الإجراءات كلها تتم بمعرفة المستشار ماهر الجندي كما سبق القول والذي سجل اعترافات المتهمين بالرغم من آثار التعذيب التي شاهدتها النيابة وأثبتتها في المحاضر إلا أنه وأثناء نظر الدعوي أمام دائرة المستشار العظيم "عمر العطيفي"
وقبل النطق بالحكم أو حجز الدعوي لإصدار الحكم.. ظهر المتهمون الحقيقيون.. ووقفت النيابة في أشد مواقف الإحراج فقد كانت قد قدمت الاعترافات المتتالية فضلاً عن تقرير البصمات فضلاً عن العشرات مما أطلقت عليه النيابة في ذلك الوقت وصف الأدلة ثم ثبت أن النيابة أخطأت وقدمت الأبرياء وهم يعترفون بجريمة لم يرتكبوها المهم أنه وبعد ظهور الحقيقة تم الإفراج عن الثلاثة الأبرياء ولكن بعد زوال آثار التعذيب وبعد مدة زمنية ليست بالقليلة..
وتم الحكم علي الفاعلين الحقيقيين ولم يوجه أحد اللوم لا إلي الضباط الذين عذبوا ولا إلي النيابة التي حققت رغم آثار التعذيب ولا حتى إلي "الشاويش عوكل" خفير وزارة الداخلية. وهكذا أصبح التعذيب هو الفاعل المؤثر في جميع القضايا.. وسقطت حقوق الإنسان في مصر وعاش التعذيب. وإذا كان التعذيب قد استقر موطنه الأصلي داخل سجون مصر ومحصوراً في القضايا المتعلقة بنظام الحكم وهي ما يطلق عليها قضايا أمن الدولة..
إلا أن الحكم الذي صدر ببراءة المتهمين أدي إلي صعود حد التجاوز من ضباط الشرطة بصفة عامة ليشمل الأقسام.. وعموم الناس.. ولم تفلح محاولات وزراء الداخلية المتعاقبين في إبعاد عموم المواطنين عن شبح هذه الظاهرة فسجلتها كاميرات الفيديو ثم أجهزة المحمول وتناقلها العالم.. ليرتبط في النهاية اسم مصر بالتعذيب وانتهاك حقوق الإنسان علي المستوي الدولي..
ويستمر الضباط المتهمون بالتعذيب في عملهم محافظين وقيادات سياسية.. وتأخذ مصر موقعها المتقدم.. بل المتقدم جداً ولكن في انتهاك حقوق الإنسان وإذا ما خرج المواطن المصري من قسم الشرطة وهو في غاية السعادة فذلك لأنه قد تمت معاملته بالحسنى ولأن السادة الضباط قد اكتفوا بضربه فقط. (6)
السيسي ووحشية التعذيب
فاق نظام السيسي جميع الأنظمة العسكرية السابقة في مصر في تعذيب المصريين ومات تحت سياط رجال الشرطة آلاف المصريين بعدما حصنهم بمرسوم أن الضابط لن يحاسب على قتل أحد. فتوسع جميع الضباط في التعذيب والقتل سواء لأسباب سياسية أو حتى شخصية أو انتقامية مع خصومة، وظهر آلاف حاتم زهران في أقسام الشرطة، وزج بآلاف الأبرياء في قضايا اختلقها الضباط من أجل استمرارية عملهم وترقياتهم.
وشهدت جميع الأقسام والسجون أشد أنواع التعذيب والقتل الممنهج سواء ضد الخصوم أو غيرهم من الأبرياء الذين لا ذنب لهم. بل أصبح ستخدم التعذيب في مصر من قبل قوات الأمن والشرطة والأمن الوطني ضد المعتقلين والمعتقلين السياسيين بشكل روتيني ومنهجي وواسع النطاق، باستخدام الضرب والصعق بالكهرباء وحتى الاغتصاب أحيانا، حتى وصفته منظمة هيومن رايتس ووتش بأنه "قد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية" ويتمتع بغطاء من رأس الدولة.
حيث يتم استخدام التعذيب بالكهرباء والذي ما زال إحدى الوسائل الأكثر ترويعاً للسجناء في مصر، ليس لمن يتعرضون للتعذيب فقط، بل لمن يسمعون أصوات التعذيب أيضاً، فأصوات الاستغاثات كافية لبث الرعب والجزع في نفوس بقية السجناء، لدفعهم لمساحات من القلق والصراع النفسي عوضاً عن اضطرابات النوم والهلع من تعرضهم عاجلاً أو آجلاً للتعذيب بالكهرباء.
و يتعرض السجناء في مصر للضرب المروع، والحبس الانفرادي لفترات طويلة، والبقاء في زنازين صغيرة ومكتظة مع تهوية غير كافية وعدم توفر المياه النظيفة والطعام الصالح للأكل".
وتصف بعض التقارير أن المتابعة الدقيقة لممارسات إدارة السجون المصرية إزاء السجناء وخصوصاً السياسيين تظهر منهجية واضحة ليس لإنهاك خصوم النظام السياسيين المعتقلين واستنزافهم نفسياً وعصبياً، وحسب، بل أيضاً لتسهيل عملية تطويعهم سواء لنزع الاتهامات الملفقة من المختفين قسراً، أو لتجنيدهم من أجل الوشاية على زملائهم خارج السجون، فيضطر بعضهم إلى اللجوء لمحاولات الانتحار وفق حالات موثقة في الفترة الأخيرة. (7)
بل توفر الدولة المصرية لمرتكبي التعذيب مناخًا ملائمًا للإفلات من العقاب، وذلك من خلال تواطؤ النيابة العامة ومؤسسة القضاء، فضلًا عن غياب أي رقابة ذات معنى من البرلمان. كما ساهم تواطؤ النيابة العامة والقضاء في تنفيذ أحكام إعدام في قضايا انتُزعت فيها الاعترافات تحت التعذيب، [3] والتغاضي عن استدعاء الشهود أو توقيع الكشف الطبي على المتهمين، أو التحقيق والبت في شكاوى وأقوال المتهمين الذين تعرضوا للتعذيب في مواقع الاحتجاز. بالإضافة لمقاومة الدولة المصرية لأي جهود مستقلة هادفة لسد النقص التشريعي لتجريم التعذيب.
والأزمة الحقيقة لا تكمن في غياب التشريعات أو القوانين، وإنما تكمن في ثقافة الأجهزة الأمنية، والضوء الأخضر الممنوح لها من القيادة السياسية، خاصةً قطاعات الأمن الوطني، لارتكاب جريمة التعذيب دون خشية من التعرض لأدنى مساءلة. فرغم القصور التشريعي الواضح، إلا أن مصر لم تصدر قانونًا خاصًا قائمًا بذاته ضد التعذيب، وحينما اقترح حقوقي مشروعًا لمناهضة التعذيب بمشورة قضاة، تم إحالتهم للتحقيق على خلفية هذا المشروع. (8)
بل أقرت لجنة مناهضة التعذيب في تقريرها أن
- "مسئولي الشرطة والمسئولين العسكريين ومسئولي الأمن الوطني وحراس السجون يمارسون التعذيب. وأن المدعين العموم والقضاة ومسئولي السجون يسهلون أيضًا التعذيب بتقاعسهم عن كبح ممارسات التعذيب والاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة، أو عن اتخاذ إجراء بشأن الشكاوى". (9)
المراجع
- عبد الرحمن الرافعي: مذكراتي ١٨٨٩– 1951، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2017، صـ18.
- عباس السيسي: في قافلة الإخوان المسلمين، جـ1، الطباعة والنشر والصوتيات، الإسكندرية، 1986م.
- أشهر 6 أفلام وثقت التعذيب في السجون المصرية: 11 سبتمبر 2017
- جابر رزق: مذابح الإخوان في سجون عبد الناصر أسرار رهيبة تذاع لأول مرة، دار الاعتصام للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، 1398 – 1978م.
- عامر شماخ: الإخوان والعنف: قراءه في فكر وواقع جماعة الإخوان المسلمين، السعد للنشر والتوزيع، القاهرة، 2008، صـ60.
- مختار نوح: أسرار القضية رقم 462 أمن دولة، صحيفة الدستور، 5 فبراير 2010.
- ريد مطر: "اللي يخش ما يرجعش تاني": إنهاك النفس والجسد في السجون المصرية، 2 فبراير 2021
- التعذيب في مصر ممارسة منهجية ينعم مرتكبوها بإفلات تام من العقاب: 21 أكتوبر 2021
- تقرير لجنة مناهضة التعذيب: الدورة الثامنة والخمسون (25 تموز/يوليو - 12 آب/أغسطس 2016)