صفحات مُهملة من تاريخ العنف السياسي في مصر
مصباح محمدي
(16 يناير 2013) في نقاش سابق مع صديق عزيز، رأي أن:
- " الإعلام الرسمي لا يحب ان يتناول التاريخ السياسي او الخلفيات الحزبيه للرؤساء إلا في إطار البطولة، وأن التاريخ الحركي المسلح في مصر هو تابو محرم رغم ما فية من تجارب و ما له من أهميه و تأثير علي التاريخ السياسي "
وأنا أتفق معه وأزيد:
- انه تابو محرم بالفعل، ولكن بالنسبة لغير الاسلاميين فقط ! اذ جرت العادة دوما علي التأريخ المفصل لعمليات العنف التي قامت بها فصائل أو منظمات محسوبة علي التيارات الاسلامية وحدها، بينما جري التجاهل والاهمال والتعتيم - عمدا أو سهوا - علي عمليات العنف التي جرت في تاريخنا السياسي وقامت بها شخصيات أو منظمات غير اسلامية
- لتتحول الي تابو محرم مسكوت عنه بالفعل وذلك في مسعي لحصر فكرة العنف المسلح في التيارات الاسلامية فقط ووصم الاسلاميين وحدهم بهذه التهمة لتظل لصيقة بهم ويتم استدعائها لاتهامهم وتشويه صورتهم و(شيطنتهم) عند أي خلاف سياسي وساهم في ذلك طبعا وسائل دعائية من أفلام سينمائية وخلافه كما جري أيضا استغلالها أحيانا في تصفية حسابات سياسية وانتخابية عبر نشر أكاذيب ممنهجة علي غرار كذبة اشتراك عبد المنعم أبو الفتوح مثلا في اغتيال السادات !!
أو الخلط المكذوب المتعمد بين "الجماعة الاسلامية" الحركة الطلابية التي أسسها أبو الفتوح في الجامعة في السبعينات وبين "الجماعة الاسلامية" التنظيم المسلح الذي نفذ عمليات عنف وارهاب، أو الخلط المكذوب الآخر بين الاخوان والتنظيمات المسلحة التي نفذت عمليات ارهاب في السبعينات والثمانينات والتسعينات، وكان هذا الخلط متعمدا لتكريس صورة نمطية عن الاسلاميين انهم - كلهم حتي بمعتدليهم الذين لم يمارسوا العنف يوما - متطرفون وارهابيون و .. و .. و ...
وطبعا لن يهتم أحد بالتدقيق في الفروق والفواصل بين الاخوان - مثلا - وبين التنظيمات المسلحة الأخري فالصورة النمطية تم ترسيخها وانتهي الأمر، بينما ان تأملنا في تاريخنا السياسي قبل ثورة يوليو تحديدا فسنجد ان أغلب التيارات السياسية تقريبا من اليمين الي اليسار قد شاركت في العنف السياسي ومارسته بدرجات متفاوتة وأحجام مختلفة
فمثلا:
- جمال عبد الناصر شارك في محاولة فاشلة لاغتيال اللواء حسين سري عامر قائد سلاح حرس الحدود ومرشح الملك لرئاسة نادي الضباط وأحد قادة الجيش الذين تورطوا في حماية مصالح القصر في يناير 1952 وكان عبد الناصر هو المخطط للعملية وشاركه في تنفيذها حسن ابراهيم وحسن التهامي وكمال رفعت من الضباط الأحرار،
ويحكي عبد الناصر عن هذه المحاولة في كتابه (فلسفة الثورة) قائلا:
- " وأعترف - ولعل النائب العام لا يؤاخذني بهذا الاعتراف - أن الاغتيالات السياسية توهجت في خيالي المشتعل في تلك الفترة على أنها العمل الإيجابي الذي لا مفر من الإقدام عليه إذا كان يجب أن ننقذ مستقبل وطننا. وفكرتُ في اغتيال كثيرين وجدتُ أنهم العقبات التي تقف بين وطننا ومستقبله، ورحت أعد جرائمهم، وأضع نفس موضع الحكم على أعمالهم، وعلى الأضرار التي ألحقتها بهذا الوطن، ثم أشفع ذلك كله بالحكم الذي يجب أن يصدر عليهم..
- وفكرتُ في اغتيال الملك السابق وبعض رجاله الذين كانوا يعبثون بمقدساتنا. ولم أكن وحدي في هذا التفكير، ولما جلست مع غيري انتقل بنا التفكير إلى التدبير، وما أكثر الخطط التي رسمتها في تلك الأيام، وما أكثر الليالي التي سهرتها، أعد العدة للأعمال الإيجابية المنتظرة. كانت حياتنا في تلك الفترة كأنها قصة بوليسية مثيرة، كانت لنا أسرار هائلة، وكانت لنا رموز وكنا نتستر بالظلام، وكنا نرصُّ المسدسات بجوار القنابل، وكانت طلقات الرصاص هي الأمل الذي نحلم به.
- وقمنا بمحاولات كثيرة على هذا الاتجاه، وما زلتُ أذكر حتى اليوم انفعالاتنا ومشاعرنا ونحن نندفع في الطريق إلى نهايته. والحق أنني لم أكن في أعماقي مستريحًا إلى تصور العنف على أنه العمل الإيجابي الذي يتعين علينا أن ننقذ به مستقبل وطننا، ورويدًا رويدًا وجدتُ فكرة الاغتيالات السياسية التي توهجت في خيالي، تخبو جذوتها وتفقد قيمتها في قلبي كتحقيق للعمل الإيجابي المنتظر.وأذكر ليلة حاسمة في مجرى أفكاري وأحلامي في هذا الاتجاه..
- كنا قد أعددنا العدة للعمل، واخترنا واحدًا، وقلنا إنه يجب أن يزول من الطريق، ودرسنا ظروف حياة هذا الواحد ووضعنا الخطة بالتفاصيل، وكانت الخطة أن نطلق الرصاص عليه وهو عائد إلى بيته في الليل.ورتبنا فرقة الهجوم التي تتولى إطلاق النار، ورتبنا فرقة الحراسة التي تحمي فرقة الهجوم، ورتبنا فرقة تنظيم خطة الإفلات إلى النجاة بعد تنفيذ العملية بنجاح.. وجاءت الليلة الموعودة، وخرجت بنفسي مع جماعات التنفيذ، وسار كل شيء طبقًا لما تصورناه.
- كان المسرح خاليًا كما توقعنا، وكمُنت الفرق في أماكنها التي حددت لها، وأقبل الواحد الذي كان يجب أن يزول، وانطلق نحوه الرصاص.وانسحبت فرقة التنفيذ، وغطت انسحابها فرقة الحراسة، وبدأت عملية الإفلات إلى النجاة، وأدرت محرك سيارتي، وانطلقت أغادر المسرح الذي شهد عملنا الإيجابي الذي رتبناه "
وصحيح ان عبد الناصر لم يذكر صراحة اسم الشخصية المستهدفة بالاغتيال الا ان الأمر كشف فيما بعد بشهادات لكمال رفعت وعبد اللطيف بغدادي عضو مجلس قيادة الثورة
فوفقا لكمال رفعت:
- " حضر جمال عبد الناصر الي بالمنزل مساء يوم 7 يناير عام 1952 وأخبرني بفكرته .. وعموما فقد ذهبت معه ومعنا حسن التهامي الي منزل حسين سري عامر نفس الليلة لانتهاز أية فرصة لتنفيذ العملية ولما لم يتيسر ذلك أرجأنا العملية الي اليوم التالي حيث انضم الينا حسن ابراهيم حيث قام بعملية لمراقبة، وكان جمال عبد الناصر يقود عربته الأوستن الصغيرة وينتظرنا في شارع مجاور، وتوليت أنا وحسن التهامي تنفيذ العملية "
ووفقا لعبد اللطيف بغدادي:
- " كان دائمًا جمال عبد الناصر يفاجئنا بتصرفات يقوم بها بمفرده حتى من قبل قيام الثورة، وأذكر أنه في يوم 9 يناير 1952 أعدَّ خطة لاغتيال حسين سري عامر، ولم يكشفها لنا إلا بعد قيامه بتنفيذها مع حسن إبراهيم وكمال رفعت وحسن التهامي.. كان جمال يقود السيارة وترك محركها دائرًا، بينما كانت مهمة حسن إبراهيم مراقبة الطريق.. أما التنفيذ فقام به كمال رفعت وحسن التهامي بمدافع رشاشة، وفشلت الخطة لأن الرصاص أصاب السائق فقط ونجا حسين سري عامر "
ويضيف بغدادي في مذكراته:
- " وكان أول الأبواب التي طرقتها أذهاننا هو العمل على اغتيال بعض الساسة المصريين من الذين ساهموا في إفساد الحياة السياسية في البلاد. وكان هذا الخاطر هو أول ما اتجه إليه تفكيرنا. ذلك لأن تحركنا جاء أساسًا بعد الشعور بأن هناك خطرصا يهدد التنظيم والقائمين عليه. ولم يكن التنظيم قد استكمل استعداده بعد. ولا توافرت له القوة العسكرية الكافية التي تمكنه من إجراء التغيير الجذري المنشود. وإنما جاء تحركه أساسًا لدرء هذا الخطر الذي يهدده.
- ولا أتذكر من الذي تقدم بفكرة الاغتيالات السياسية، ولكن الاتفاق كان تامًا عليها بيننا. ولم يعترض أحد منا. وكان قد اتفق على أن يقوم بتنفيذ هذه الخطوة أعضاء اللجنة التأسيسية أنفسهم، وعلى أن تستخدم سياراتهم الخاصة في تنقلاتهم أثناء تنفيذها. ولم يكن لدينا غير ثلاث سيارات فقط يملك إحداها جمال عبد الناصر والثانية خالد وأملك الثالثة. ولكن تبين لنا عندما حددنا أسماء هؤلاء الساسة أن عددهم يربو على الثلاثين شخصًا.
- واتضح أن هناك استحالة أن يقتصر في أداء تلك المهمة على أعضاء اللجنة فقط خاصة وأنه كان قد رئي أن تنفذ العملية في جميع هؤلاء الساسة في ليلة واحدة، ولذا رئي ضرورة الاستعانة بأفراد آخرين من التنظيم للسماهمة في تنفيذ تلك العملية معنا، وكان لابد من أن نوفر لهم وسائل الانتقال، ولم نجد أمامنا غير استخدام سيارات من الجيش في هذا الأمر، وبعد أن استكملت الصورة اتضح لنا أننا سنقوم في ليلة واحدة بعملية مذبحة لعدد من الساسة.
- وأن الأر لابد أنه سينكشف. وسيلقى القبض علينا وكأننا قد قمنا بعمل وضحينا من أجله دون أن نحقق هدفنا الرئيسي وهو العمل على إحداث تغيير جذري في النظام القائم في البلاد. لذا أعدنا النظر في هذه الخطة. وفي هذا الباب الذي كنا قد طرقناه. وبعد مناقشة وتقليب الأمر على جوانبه المختلفة استقر الرأي على أن أي باب سنطرقه فيه مخاطرة كبيرة على تنظيمنا وحياتنا والتضحية قائمة منا في كل الحالات، وأنه ما دام الأمر كذلك فلنأخذ المخاطرة بالعمل على تنفيذ مخططنا الأساسي وهو القيام بانقلاب عسكري وعنصر المفاجأة فيه سيكون عاملاً مساعدًا لنا "
وفي سيرة ذاتية أعدتها الدكتورة هدي جمال عبد الناصر عن والدها نقرأ:
- " وإزاء تطورات الحوادث العنيفة المتوالية في بداية عام 1952 اتجه تفكير الضباط الأحرار إلى الاغتيالات السياسية لأقطاب النظام القديم على أنه الحل الوحيد. وفعلاً بدئوا باللواء حسين سرى عامر - أحد قواد الجيش الذين تورطوا في خدمة مصالح القصر – إلا أنه نجا من الموت. وكانت محاولة الاغتيال تلك هي الأولى والأخيرة التي اشترك فيها جمال عبد الناصر، فقد وافقه الجميع على العدول عن هذا الاتجاه، وصرف الجهود إلى تغيير ثوري إيجابي "
وعلي عهدة الكاتب الصحفي ابراهيم عيسي فقد شارك عبد الناصر أيضا في محاولة فاشلة لاغتيال مصطفي النحاس باشا زعيم حزب الوفد
- أنور السادات صاحب التاريخ الحافل في العمل مع المنظمات السرية قبل الثورة شارك هو الآخر في محاولة فاشلة لاغتيال النحاس، كما شارك في عملية اغتيال أمين عثمان باشا - والمفارقة المدهشة ان السادات حاول اغتيال النحاس في (السادس) من سبتمبر عام 45 وشارك في اغتيال أمين عثمان في (السادس) من يناير عام 46 ليتم اغتياله هو بعدها بنحو أربعين عاما في (السادس) أيضا من أكتوبر عام 81 !!
ويروي السادات تفاصيل العمليتين في كتابه (البحث عن الذات):
- " وما زلت أذكر كيف كنا ونحن طلبة نخرج الي الشارع مرتين كل يوم ننتظر ذهاب النحاس الي بيت الأمة وعودته منه لنراه ونهتف ونصفق له ..كان بطلا أسطوريا ورمزا فريدا للوطنية والفداء والعطاء .. أما بعد 4 فبراير فقد فقد كل شئ وأصبح في نظرنا خائنا لمصر وشعبها يحتم علينا واجبنا الوطني أن نزيله من طريقنا .. ولذلك قررنا التخلص منه ..كانت عادة النحاس أن يذهب في يوم مولد النبي الي النادي السعدي وهو مقر حزب الوفد ليلقي خطابا بهذه المناسبة ..
- وصادف ذلك يوم 6 سبتمبر سنة 45 فجرجت أنا وبعض أفراد الجمعية السرية ننتظر خروج النحاس من جاردن سيتي الي شارع القصر العيني حيث يوجد النادي .. كان البوليس يحرس الطريق منعا للشغب .. فلا أحد يملك أن يمنع النحاس من القاء خطابه رغم أن أحمد ماهر كان في الحكم والنحاس طبعا خارج الحكم .. ولكن كانت هناك قيم وأصول يحترمها الجميع في ذلك الوقت ..كنت قد دربت أعضاء الجمعية علي استعمال القنابل اليدوية ..
- وكان الذي سيقوم بالعملية هو حسين توفيق .. وفعلا ألقي القنبلة في الوقت المناسب ولكن سائق النحاس فوجئ وهو ينطلق من جاردن سيتي بعربة ترام في شارع القصر العيني تكاد تصطدم به .. فأسرع لكي يتحاشاها .. كان فرق السرعة ست ثوان لا أكثر .. ولكنها كانت كافية .. فعندما انفجرت القنبلة كان النحاس وعربته خارج منطقة الانفجار .. فأصابت الشظايا عربة أتوبيس بها فتيات (A. T. S.) التابعات للقوات المسلحة البريطانية ..
- طبعا كنت أنا وبعض أفراد الجمعية السرية في مواقعنا نراقب العملية فانسحبنا في هدوء وركبنا الترام الي ميدان الاسماعيلية (التحرير الآن) وهو علي بعد دقائق قليلة من مكان الحادث .. حيث توجهنا الي مقهي (أسترا) مكاننا المفضل الذي كنا نعقد فيه أغلب اجتماعاتنا ..في نفس المقهي قررنا التخلص من أمين عثمان الذي تولي وزارة المالية طوال حكم النحاس بعد أن فرضه الانجليز في 4 فبراير ..ولكن لم يكن هذا هو السبب في ادانتنا لأمين عثمان .. فلم يكن له أثر يذكر في سياسة الوفد أو علي النحاس نفسه .. ولكنه كان أكثر من صديق للانجليز ..
- ومساندا لبقائهم في مصر بشكل لم يسبق له مثيل كان قد كون في تلك الأيام نوعا من الحزب السياسي أطلق عليه اسم (رابطة النهضة) وهنا أحب أن أسجل للتاريخ أنه لم يكن في مصر حزب سياسي واحد لم أدخله من باب المعرفة ربما أو من باب البحث عن منفذ نخلص به مما كنا فيه .كان مقر (رابطة النهضة) هذه في شارع عدلي وسط القاهرة .. وكانت لها ستة مبادئ أساسية ينص المبدأ الثاني منها علي أننا مرتبطون بانجلترا ارتباطا حتميا .. فقد أعلن أن مصر وانجلترا قد تزوجا زواجا كاثوليكيا ..
- فحتي لو تركتنا هي يتحتم علينا أن لا نتركها .هذا التصريح كان بمثابة حكم الاعدام عليه ..كان ذلك في يوم السبت 6 يناير سنة 46 وأمين عثمان قد عاد من انجلترا قبل ذلك بيومين وزار المندوب السامي البريطاني لورد كيلرن في ظهر نفس اليوم وفي المساء ذهب الي مقر الرابطة .. وكان حسين توفيق في انتظاره عند باب العمارة حسب الخطة ..
قبل أن يصعد الي المصعد ناداه حسين :
- " يا أمين باشا .. يا أمين باشا " التفت اليه أمين عثمان فأطلق عليه حسين رصاص مسدسه ..كان الظلام مازال يسود القاهرة طبقا لما كان يطبق أثناء الحرب العالمية الثانية وكان في الامكان أن يهرب حسين توفيق دون أن يلتفت اليه أحد ، ولكن تصادف مرور ضابط طيران اسمه مرسي رأي حسين توفيق وشاهد العملية كلها ونبه الناس اليه .. فجروا وراءه .. وظل يجري وهم وراءه حتي ازداد عددهم واشتد حصارهم ففجر قنبلة من قنبلتين يدويتين كنت أعطيتهما له "
ويخطئ من يتصور ان ظهور ما يسمي بعصابات القناع الأسود - بلاك ماسك - أو الكتلة السوداء - بلاك بلوك - هو أمر جديد علي الحياة السياسية المصرية، فظاهرة الفرق (الملونة) المسلحة لها جذورها التاريخية القديمة،
حيث نجد انه:
- حتي حزب الوفد الليبرالي رائد مدنية الدولة شكل أثناء ثورة 1919 مجلسا أعلي للاغتيالات !! وأقتبس هنا من ابراهيم عيسي:
- " المدهش مثلا فى ثورة 1919 أنها أسست كيانا حمل اسم (المجلس الأعلى للاغتيالات) (تأمل الاسم!) وينتمى إلى الجهاز السرى لثورة 19، وكان من أهم أعضائه أحمد ماهر ومحمود النقراشى اللذان صار كلاهما فى ما بعد رئيسا للوزارة، والغريبة أن أهم أهداف المجلس الأعلى للاغتيالات ليس اغتيال الجنود والمسؤولين الإنجليز بل اغتيال مسؤولين ووزراء مصريين وافقوا على تولى الوزارة رغم تحذير الثورة وزعيمها سعد زغلول لهم بعدم قبول الوزارة وقام أعضاء المجلس بمحاولات اغتيال محمد سعيد باشا رئيس الوزراء أيامها باستخدام القنابل، وقيل إن الذى أعد القنبلة هو النقراشى نفسه،
- ثم محاولة اغتيال إسماعيل سرى باشا وزير الأشغال ومحمد شفيق باشا وزير الزراعة، ثم حسين سرى باشا وزير الأوقاف، والمدهش أنهم أفلتوا جميعا من الموت، ثم كانت هناك عمليات تدمير وتخريب الصحف المناهضة للثورة والاعتداء على الصحفيين وخطفهم وتفجير سياراتهم، كل هذا جرى فى ثورة 19 التى نحب أن نقول إنها أعظم ثورة مصرية وللعبرة فإن أحمد ماهر والنقراشى تم اغتيالهما حين تولى الأول رئاسة الحكومة وحين خلفه الثانى،
- كأن (من اغتال يُغتال) ولو بعد حين، وهو نفسه ما ينطبق على تورط جماعة الاخوان فى اغتيال المستشار الخازندار ومحاولات اغتيالات أخرى كان نتيجتها اغتيال الإمام حسن البنا نفسه وعرف هذا المجلس باسم جمعية "اليد السوداء" التي كان يقودها عبد الرحمن بك فهمي أحد أهم وأخطر قادة ثورة 1919 والرجل الثاني فيها بعد سعد زغلول
ويروي الأديب الراحل نجيب محفوظ:
- " ومما لفت نظري أن السادات كان من مؤيدي أسلوب الاغتيالات في نشاطه السياسي قبل الثورة، وكل من سار علي هذا الأسلوب كان مصيره الاغتيال. حدث هذا مع أحمد ماهر والنقراشي، حيث كانا من الأعضاء البارزين في جمعية "اليد السوداء" خلال ثورة 1919 وما بعدها، وكانت نهايتهما الموت بطلقات الرصاص، وهي نفس النهاية الدرامية التي انتهت بها حياة السادات. "
وقد ألقى القبض علي أحمد ماهر والنقراشي فى قضية اغتيال حسن عبد الرازق وإسماعيل زهدى، أمام مبنى جريدة (السياسة) عام 1922، ثم أفرج عنهما لعدم ثبوت الاتهام، ثم قبض عليهما مرة أخرى معاً فى مايو 1925 بتهمة تشكيل جماعة سرية للاغتيالات، وشكل سعد زغلول هيئة للدفاع عنهما، كان على رأسها المحامى المغوار (آنذاك) مصطفى النحاس باشا، الذى حصل لهما على البراءة بعد أقل من عام.
وفي كتاب (النقراشي باشا) للدكتورة هدي شامل أباظة حفيدة النقراشي نقرأ:
- " يبدو أن يقين النقراشي كان راسخا فيما يخص عمليات الاغتيالات في هذه الفترة، فلقد أظهرت اعترافات شفيق منصور، وكذلك المذكرات التي دونها عبد الفتاح عنايت - أحد الأعضاء المؤسسين لجمعية أولاد عنايت - أن النقراشي كان منضما مع أحمد ماهر وحسن كامل الشيشيني وعبد الحليم لبيب فئ المجلس الأعلى للاغتيالات، كما أنه يتضح من مذكرات الشيخ سيد والتي نشرها مصطفى أمين أنه شارك مشاركة فعلية في إحدى هذه العمليات على الأقل
- فلقد قام بنفسه بتصنيع القنابل التي استخدمت للاعتداء على محمد سعيد باشا، مستفيدا من دراسته للكيمياء، ثم إنه في أول محاولة للاغتيال كان يقف في شارع الشيخ ريحان، ويشير إشارة متفقا عليها لحظة مرور سيارة رئيس الوزراء، ثم هو بعد ذلك يحرص على أن يسلم للشيخ سيد بنفسه القنبلة في الإسكندرية، بعد أن فشلت أولى المحاولات .
كما يبرز دور النقراشي في الجهاز السرى وجها آخر، يتضح فئ التدابير التي اتخذها من أجل ضمان سرية ومن ثم نجاح العمليات، بما يسمح بتكرارها فهو يطلب ألا يتم نقل القنبلة التى قام بنفسه بتصنيعها وفى بيته بالحلمية الجديدة لقتل محمد سعيد باشا، إلا في وقت المغرب، حيث يكون الجميع مشتغلين بالإفطار، وكان ذلك في شهر رمضان وعندما تكررت المحاولة لا يفوته أن يشير على محمد محمد خليفة بأن يقوم بشراء المواد اللازمة لتصنيع القنبلة من أجزخانات مختلفة في القاهرةوطنطا
والأدهى من ذلك هي الاحتياطات التي اتخذها من أجل إبعاد الشبهات عن نفسه، إذ إنه بعد القبض عليه إثر اغتيال السردار لى ستاك وجهت إليه مع ستة آخرين هم محمد فهمي علي ومحمود عثمان مصطفى وأحمد جاد الله وأحمد ماهر وحسن كامل الشيشيني وعبد الحليم البيلي تهمة الشروع في قتل دولة يوسف وهبة باشا في 15 ديسمبر 1919 ثم الشروع في قتل معالي إسماعيل سري باشا في 28 يناير 1920، ومحمد شفيق باشا، ومعالي حسين درويش باشا
ومحمد توفيق باشا، ودولة عبد الخالق ثروت باشا، وقتل السير الفريد براون، وقتل البكباشي كيف، والشروع في قتل الكولونيل بيجوت، وقتل حسن باشا عبد الرازق وحسين بك زهدي في 6 نوفمبر 1922، أخيرا الحادث الأليم (كذا) حادث مقتل السير لى ستاك في 19 فبراير 1924 .
"ومن أهم عمليات المجلس الأعلي للاغتيالات لمنظمة اليد السوداء، المحاولة الفاشلة لاغتيال رئيس الوزراء القبطي يوسف باشا وهبة علي يد طالب الطب القبطي عريان يوسف سعد" وفي الثلاثينات أيضا شكل حزب الوفد ميليشيا باسم "القمصان الزرقاء" كما شكلت حركة مصر الفتاة الاشتراكية ميليشيا باسم "القمصان الخضراء" ودخل الطرفان في معارك وأحداث أسفرت عن وقوع قتلي وجرحي فالقمصان الزرقاء، وهو تنظيم عسكري، أقامه الوفد ويضم 30 ألفاً مسلحين ليحميه من ناحية ورداً على تنظيم أقامه حزب مصر الفتاة برئاسة أحمد حسين وهو تنظيم القمصان الخضراء.
ووفقا لحكمدار شرطة القاهرة بالنيابة "فيتز باتريك" للسفير البريطاني:
- " من الواضح أن غرضهم الآن ليس فقط حماية حزب الوفد ضد القصر، ولكن أيضاً الدفاع عن النحاس ضد المعارضة داخل حزب الوفد نفسه أو خارجه. وتزود كل مدينة وبلدة وقرية في مصر جماعة القصمان الزرقاء بأفراد جدد. وأعضاء القصمان الزرق يقفون خلف النحاس ومكرم. وقرر مكرم عبيد أنه لابد من بذل كل الجهود لزيادة قوة حركة القمصان الزرق إلى 100.000، ولابد من توفير الإعتمادات المالية الضرورية فوراً.
- ويتم إنشاء معسكرات تدريبية لأعضاء حركة القمصان الزرق بمصر، البعض منها في الإسكندرية، وفي كل بلدة وقرية في مصر. وعند انضمام الأعضاء الجدد يتم تزويدهم بزي معين وإطعامهم أو يتسلمون تصريحاً بحصة طعام، وإذا لمي كن لديهم مأوى فيمكن إيوائهم في المعسكرات. ويشعر القصر بالقلق الشديد تجاه انشطة حركة القمصان الزرق المتزايدة ولكن النحاس عنيد فيما يختص بأي تدخل في شئونهم، ويؤيدهم بشدة مكرم. "
وقال الأمير محمد على للسفارة البريطانية:
- " القمصان الزرقاء تنظيم عسكري يقوده ضباط سابقون وله هيئة مخابرات. ومن الواضح أن النحاس ومكرم يحكمان البلاد بأنفسهما. "
وفي تقرير للإدارة الأوربية لوزراة الداخلية المصرية بعثت به إلى السفارة:
- " القمصان الزرقاء تأسست في الأصل لمواجهة نظم القمصان الخضر المناهضة للوفد، ولتثبيت المتداعي للوفديين، وقد اكتسبت قوة دافعة إلى الدرجة التي يمكن أن تكون هناك خطراً أن يفلت عقالها. وتبعث على القلق نسبة العمال والعاطلين والدهماء في صفوفها وخصوصاُ في القاهرة، حيث تقدر هذه النسبة ب85% بالمقارنة ب15% للطلاب.
- ويبدو أيضاً أن الأقلية الطلابية فقط هي التي تلتزم بسيطرة الوفد، أما الأغلبية العظمى فهي تحت قيادة محمد بلال الذي يعارض نفوذ اللجان الفرعية للوفد! وقد حدث صدام بين قسمي القمصان الزرق. وهذه الحادثة بالإضافة إلى هجوم مجموعة كبيرة من القمصان الزرق على أحد أقسام البوليس في القاهرة، والدور البارز الذي لعبه القمصان الزرق في المظاهرات الأخيرة التي نظمت لتكريم النحاس باشا ومكرم باشا، مما اكتسب قدراً كبيراً من اهتمام الرأي العام الذي بدأ ينظر في قلق ملحوظ لنمو حركة شبه عسكرية لا تخضع ليسطرة أي حكومة أو حزب.
- ويشارك بعض الوزراء سراً في استياء الرأي العام، وفيما يتعلق بالدرجة التي يشعر بها النحاس باشا ومكرم باشا حقاً بالثقة في قدرتهما على السيطرة على الحركة، فذلك شئ لا يمكن تحديده فربما كانا كتأثرين بالأمل في استخدامها، لا كأداة وفدية فحسب بل إذا اقتضت الحاجة كسلاح شخصي ضد أي حركة انشقاق داخل الوفد نفسه. ويقوم النحاس بإنشاء قطاع جديد من القمصان الزرقاء يكون مقصوراً على الجامعة! "
وأقتبس هنا من المؤرخ الراحل الكبير د. يونان لبيب رزق:
- " عرفت الحياة السياسية في مصر لنحو أربع سنوات ممتدة بين نهاية عام 1933 ونهاية عام 1937 ظاهرة تتمثل في تشكيل جماعات من الشبيبة علي نمط شبه عسكري هي التي عرفت " بأصحاب القمصان الخضراء" التي أسستها جمعية مصر الفتاة ، و"أصحاب القمصان الزرقاء" التي كونها الوفد من بين صفوفه الشابة
- ما أحاط بهذه الظاهرة من تداخلات أدت إلي مشاركة سائر القوي السياسية فيها، وليس الوفد وحده باعتباره "منظم" أصحاب القمصان الزرقاء، ولا مصر الفتاة وحدها التي انتسب إليها أصحاب القمصان الخضراء، فهناك الحزب الوطني الذي عقد أوثق العلاقات مع زعماء مصر الفتاة ، أحمد حسين وفتحي رضوان، وهناك الأحرار الدستوريون، خاصة محمد علي علوبة، اللذين رأوا في هؤلاء الشبان ما يعوضهم عن الافتقار للشعبية منشأ الفكر كما قال بلال أفندي
أحداث نوفمبر عام 1935 التي حفلت بالمظاهرات الشبابية المطالبة بالدستور حيث كانت حركات الطلاب لا تختلف كثيرا عن "الحركات النظامية" فقد كنا نسير في صفوف منظمة تملأ الشوارع علي اتساعها ويرأس كل صف ضابط، فلم تنته الثورة حتي تمخضت عن ذلك القميص الأزرق يرتديه الطالب والعامل.
عن المتطوعين بهذه الفرق، قال قائدها أن لبس القميص الأزرق رمز للوحدة والمساواة بين الشباب غنيا كان أو فقيرا، كبيرا وصغيرا، متعلما أو غير متعلم، وإن لا يمنع ذلك من التدقيق في اختيار الأعضاء، فيتم فحص الأخلاق والسلوك والوطنية والصلاحية. عن تسليح الجندي في هذه الفرق فلا يحق له إلا حمل عصاه الصغيرة المعلقة إلي جانبه، وهو رمز الجندية، يضاف إليه خنجر كخنجر الجوالة يعلق في الرحلات لمساعدته في أعمال المعسكر وأعمال الرحلات، أما الخناجر التي لا يصرح بها القانون والمسدسات وغيرها من الأسلحة الممنوعة إلا بترخيص فغير مصرح إطلاقا لأعضاء الفرق بحملها.
ما علمناه أيضا من الدراسة المنشورة قبل ثلاثين عاما، طبيعة العلاقة بين أصحاب القمصان الزرقاء وأصحاب القمصان الخضراء، فقد تعددت أشكال الصدام بين الجماعتين، والتي كانت دائما ما تنتهي باندحار الأخيرين، الأمر الذي أدي في نهاية الأمر إلي انسحابهم، وترك الميدان للزرق يمرحون فيه كما يشاءون.
غير أن ما لم نتطرق إليه شكل العلاقة بين القمصان الزرقاء، التنظيم ذو الهوية الوفدية، وبين الحزب الكبير، هذا من ناحية، ثم بينهم وبين الحكومة الوفدية التي يرأسها النحاس باشا، من ناحية أخري، فقد نظرنا إلي هذه العلاقة باعتبار أصحاب القمصان مجرد أداة يستخدمها الحزب الكبير لضرب خصومه الذي لجئوا إلي نفس السبيل، ولم تكن هذه النظرة صحيحة، فيما كشفت عنه الأهرام!!
في أكثر من مناسبة أدت تصرفات أصحاب القمصان إلي خروج الأمر من يد الحكومة مما وضعها في حرج شديد سواء أمام دار المندوب السامي، وعرضها لانتقادات شديدة من الصحف المعادية، خاصة صحيفة البلاغ التي كانت قد انشقت وقتئذ عن الوفد وانحازت للقصر، بل وحتي في البرلمان ذي الأغلبية الوفدية الساحقة، فقد تم تقديم أكثر من استجواب حول الأعمال التي تقوم بها هذه الفرق.
من أشهر المصادمات التي جرت في تلك الفترة بين الخضر والزرق ما حدث في صيف عام1937 في دمنهور، عندما ذهب أحمد حسين للدفاع عن حق جماعته في فتح نادي في المدينة " فطوقت الجماهير الكثيرة دار المحكمة من كل ناحية وأخذوا يهتفون هتافات علية بحياة النحاس والوفد المصري" ، مما دعا البوليس إلي إحضار سيارة مغلقة وضع فيها الرجل وسارت مسرعة إلي الإسكندرية، ومع ذلك فقد ركضت الجماهير وراءها ورمتها بالطوب فكسرت زجاجها، وقد كان أغلبهم من أصحاب الزي الأزرق!!
بعد هذه الحادثة التي كشفت عن غلبة الزرق بشكل حاسم علي منافسيهم الخضر تعددت حوادث الأولين..
- منها ما جري في الجمالية في عصر أحد الأيام إذ بينما كان أحد الكناسين يقوم بعمله بجوار معسكر أصحاب القمصان الزرقاء حمل الريح بعض الأتربة إلي داخل المعسكر فخرج منه شاب واعتدي علي العامل فأصابه عدة إصابات، فذهب العامل المصاب إلي القسم وأبلغ بالحادث، وعندما ذهب أحد الضباط إلي المعسكر لاستدعاء الفاعل
- حدثت مشادة بين الجنود وذوي القمصان، غير أن قوة البوليس تمكنت من دخول المعسكر واعتقال المشكو منه وأربعة من الشبان وقادوهم إلي القسم، فحدثت أمامه مشادة أخري بين الجنود وأصحاب القمصان اعتقل علي أثرها تسعة من هؤلاء.وتم تقديمهم هؤلاء للمحاكمة وصدرت ضدهم جميعا أحكام بالغرامة تراوحت بين مائة ومائتين قرشا تمكن بعضهم من دفعها وعجز البعض الآخر عن ذلك وطلبوا أن يحبسوا بها فأحيلوا إلي قسم السيدة زينب لهذا الغرض.
- منها أيضا ما جري في دمياط حين مر أصحاب القمصان الزرقاء علي سرادق أقيم أمام دار العلايلي بك للاحتفال بالمولد النبوي فاشتبك أفرادها مع بعض من بالسرادق في معركة عنيفة " اضطرب فيها حبل الأمن حينا" فأخذ رجال البوليس في تفريق المتظاهرين، وعلي أثر ذلك تألفت مظاهرات هتفت هتافات مختلفة " أما عدد المصابين فبلغ ستة أشخاص، وقد أرسلوا إلي الإسعاف لتضميد جراحهم".
في المنيا اصطدم فريقان من ذوي القمصان الزرق في عراك عنيف فأصيب اثنان منهما إصابات عنيفة فتوفي أحدهما، محمود راشد شركس أفندي، وأصيب الآخر " بعاهة دائمة يستحيل برؤها" ، وكان الأول قائدا لإحدي فرقتي القمصان، ويرجع العراك إلي خلاف نشأ قبل شهور بين الفرقتين علي القيادة. وكان لما جري بعد تشكيل الوزارة النحاسية الرابعة في أول أغسطس عام1937 واستبعاد النقراشي باشا منها مما كان بداية لانشقاق كبير في الوفد.. كان له آثاره علي أصحاب القمصان الزرقاء، خاصة بعد أن طالب الرجل بحل هذا التنظيم، فاستجاب له البعض.
من هؤلاء محمد كامل الدماطي الذي انفصل عن القيادة العامة التي كان يترأسها محمد بلال أفندي، وشكل ما يعرف باسم " القيادة العامة للرابطة المستقلة" والتي قررت تلبية لنداء النقراشي باشا حل فرقها في القاهرة والأقاليم " وقد تم حرق قمصان هذه الفرق بمعسكر الرابطة بالعباسية" .
ولا شك أن كل تلك التطورات قد وضعت حكومة النحاس باشا في حرج شديد، خاصة بعد الحملة التي شنتها جريدة البلاغ علي أصحاب القمصان، والتي اتهمتهم فيها أنهم يجبرون للهجوم عليها، وإن كان الأهم منها الصحف البريطانية، فقد كتبت المانشستر جارديان أن الدوائر المصرية والأجنبية تشعر علي السواء ببعض القلق والمخاوف من ناحية حركة أصحاب القمصان الملونة،
وأن الزرق منهم نموا نموا سريعا حتي صاروا جماعة قوية " والمفهوم أن زعماء الوفد أظهروا أخيرا عدم ميلهم إلي (حمل طفل) نما هذا النمو السريع" ، نفس الشيء فعلته " الديلي تلجراف" التي ذكرت أن النحاس قد أمر بمنع سير أصحاب القمصان الزرقاء في شكل مواكب في الشوارع بملابسهم الرسمية، وقد أطيع لمدة وجيزة، فقد ظهروا بعدئذ وهم " يحملون الهراوات والخناجر زاعمين أنفسهم أنهم فوق القوانين".
في البرلمان وجه إبراهيم دسوقي أباظة استجوابا لوزير الداخلية جاء في مطلعه " ضجت البلاد استنكارا وألما لما ترتكبه فرق القمصان الزرق من أعمال غير مشروعة لا يقرها القانون، فهم يعبثون بالأمن ويعيثون في الأرض فسادا، ويعتدون علي الناس أفرادا وجماعات ويهدمون الحريات التي كفلها الدستور"، مما سبب مزيدا من الإحراج للحكومة.
دعا ذلك الزعامة الوفدية إلي محاولة تنظيم الجماعة بعدة وسائل، منها:
- أن تكون فرقها تابعة للنحاس باشا مباشرة، أن يحظر علي أفرادها حمل العصي والأسلحة من أي نوع كانت، كما حظرت عليهم السير في الشوارع أو الوجود في المحال مرتدين القميص الأزرق، وأقرت اللائحة الجديدة التي صدرت في هذا الشأن نظام المعسكرات، دائم ومؤقت، كما أقرت مبدأ محاكمة الرؤساء علي الجرائم التي يرتكبونها "
كما أقتبس من الأستاذ عباس السيسي:
- " في هذه الفترة من تاريخ مصر كان حزب الوفد قد نظم شبابه في فرق شبه عسكرية ترتدي قمصاناً زرقاء لينازل بهم فرق القمصان الخضراء التي شكلتها جمعية مصر الفتاة ، وكان في الميدان فرق للحزب الوطني وأخرى لعباس حليم تحت اسم حزب العمال، وأخذت هذه الفرق تتدرب، ولما جاء حزب الوفد إلى الحكم ووقع معاهدة 1936 واشتدت حملات المعارضة عليه تسلحت الفرق بالعصي والخناجر، وأخذت تهاجم دور الأحزاب الأخرى، واحتدمت المعارك بين فرق القمصان الزرق وفرق القمصان الخضر مما تسبب عنه سقوط قتلى وجرحى، مما جعل المعارضة تطالب بحل هذه الفرق "
وأيضا أقتبس من الكاتب الصحفي سليمان الحكيم:
- " شكّل الوفد فرق (القمصان الزرق)، كما شكل حزب مصر الفتاة فرقه العسكرية ذات القمصان، ليصبح لكل حزب سياسى ذراعه العسكرية التى تتكفل بحماية المنتمين إليه من رجال السياسة والرأى، حتى إن الملك فاروق نفسه قام بتشكيل ما عُرف بـ(الحرس الحديدى) لحمايته من خصومه "
- حركة (مصر الفتاة) الاشتراكية التي أسسها أحمد حسين كان لها ميليشيا باسم "القمصان الخضراء" التي سبق ذكرها وقام أحد أعضاءها ويدعي عز الدين عبد القادر بمحاولة فاشلة لاغتيال النحاس باشا
- قام الملك فاروق بتشكيل ميليشيا "الحرس الحديدي" لحمايته وللتخلص من خصومه وقام الحرس الحديدي بمحاولة فاشلة لاغتيال النحاس باشا وكان أنور السادات عضوا في الحرس
- الحزب الوطني القديم - حزب مصطفي كامل باشا ومحمد فريد - قام أحد المحسوبين عليه ويدعي ابراهيم الورداني باغتيال بطرس باشا غالي سنة 1910 وتعد هذه أول عملية اغتيال سياسي في تاريخ مصر الحديث
- الحزب الوطني الجديد الذي أسسه فتحي رضوان علي مبادئ الحزب الوطني القديم قام أحد المحسوبين عليه ويدعي محمود العيسوي باغتيال أحمد ماهر باشا سنة 1945 وبالرغم من ان الشائع هو ان الاخوان المسلمين هم من قاموا باغتيال أحمد ماهر باشا الا ان وزير الخارجية الأسبق الراحل أحمد ماهر - حفيد أحمد ماهر باشا - قد برأ الاخوان من هذه التهمة
وما يمكن أن نخلص اليه من كل ما سبق:
- ان أغلب الفصائل السياسية في مصر لم تسلم تاريخيا من داء ممارسة العنف، وان الحكمة التاريخية تظل خالدة ... من عاش بالسيف، بالسيف مات !
المصادر
- كتاب (فلسفة الثورة) لجمال عبد الناصر
- السيرة الذاتية لجمال عبد الناصر من اعداد: د. هدي جمال عبد الناصر
- مذكرات عبد اللطيف بغدادي
- كتاب (البحث عن الذات) لأنور السادات
- مقال ابراهيم عيسي بجريدة التحرير: المجلس الأعلي للاغتيالات
- حكايات من قلب نجيب محفوظ
- المعرفة: مصطفي النحاس
- مقال المؤرخ الراحل الكبير د. يونان لبيب رزق بالأهرام: أصحاب القمصان الملونة
- مقال سليمان الحكيم بالمصري اليوم: ميليشيات الاخوان واحياء الفاشية
- كتاب "حقائق وأسرار" للأستاذ محمد العدوي ص 9 – نشر دار الأنصار – القاهرة _ كتاب "حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية" للأستاذ عباس السيسي
- كتاب (النقراشي باشا) تأليف د. هدي شامل أباظة
- مقال المستشار محمد مرشدي بركات بجريدة الوفد: ذكرى (مصطفي النحاس) سيد الناس؟
- وزير الخارجية الأسبق: "الجماعة" لفق قتل أحمد ماهر باشا للإخوان