لماذا خلق العسكر عدم الانتماء للوطن؟

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
لماذا خلق العسكر عدم الانتماء للوطن؟

'


إخوان ويكي

مقدمة

الانتماء الوطني من أهم القيم التي يجب أن يحرص عليها المجتمع بكافة مؤسساته، حيث أنها من القيم الإسلامية التي ينبغي أن تعمل أجهزة الدولة السياسية والإعلامية والثقافية والدينية على تدعيمها في نفوس الكبار والصغار .. خاصة في ظل محاولات طمس الهوية العربية والإسلامية، وإثارة النعرة القومية في نفوس الشعوب.

فالانتماء حالة من الشعور الذاتي بالانضمام والارتباط الإيجابي للدين والوطن، والعمل على رخائه ونهضته ورقيّه وحمايته. ولقد أثبت بعض الدراسات والأبحاث الاجتماعية والنفسية مؤشرات مزعجة تؤكد ضعف الانتماء إلى الدين ويترتب عليه الانتماء للوطن، ومظاهر ذلك كثيرة ومتعددة وماثلة للعيان وتتجسد في البعد عن تعاليمه وآدابه وأخلاقياته والانصراف عن دور العبادة، ومن ثم يقل الانتماء للوطن والخوف عليه.

يقول الدكتور عبد الصبور شاهين:

ضعف الانتماء للوطن سببه الرئيسي شيوع الفساد والانحراف وإهدار المال العام والرشوة والواسطة والمحسوبية والسطو على أراضي الدولة كل هذه المظاهر السلبية التي تتكرر في معظم بلادنا العربية والإسلامية هي التي قتلت حب الوطن في نفوس كثير من الشباب. (1)

مفهوم الانتماء للوطن

الانتماء حالة من الشعور الذاتي بالانضمام والارتباط الإيجابي للدين والوطن، والعمل على رخائه ونهضته ورقيّه وحمايته. وهو من المفاهيم الحديثة، لكنه متجذر في مفاهيم الإسلام. ومع كون بعض الساسة يضيقون معناه في التعصب لمساحة محدودة من الأرض، وهذا الانتماء شكل من أشكال الفكر المنحرف وأول ظهوره كان في أوروبا ثم انتقل إلى العالم الإسلامي أواخر القرن التاسع عشر، فنشأت حركات وطنية تدعو إلى التعصب الجنسي والعرقي.

وكلمة "انتماء" في اللغة من النمو ومن معانيها الانتساب، قال ابن منظور: "نماَ ونَمَيْتُه إلى أَبيه نَمْيًا ونُمِيًّا وأَنْمَيْتُه عَزَوته ونسبته، وانْتَمَى هو إليه انتسب"، فالانتماء إذن هو الانتساب إلى الشيء. أما كلمة "الوطن" فهي منسوبة للمكان الذي يقيم فيه الشخص أو ينشأ فيه، من الفعل "وَطَنَ" بمعنى: أقام أو حلّ أو سكن في مكان. (2)

ولقد اختلف التعريف الحديث الذي يحصر الانتماء الوطني لقطعة أرض واحدة وبين التعريف الواسع الذي عمل الإسلام على غرسه من كونه انتماء للعقيدة ولكل أرض تنضوي تحت العقيدة الإسلامية. فالانتماء هي الانتساب الحقيقي للوطن والدين فكراً ووجداناً، واعتزاز الأفراد بهذا الانتماء عن طريق الالتزام والثبات على المناهج والتفاعل مع احتياجات الوطن.

كما أنه صدق الإحساس بحب الوطن والذوبان الوجداني الشعوري بأحداثه ومتغيراته والتأثر إيجاباً برفعته ووحدة كيانه وقوته ورقيه، والتناغم مع السلم الاجتماعي وإن تعددت البرامج السياسية والمشارب الفكرية والحزبية. (3)

ويظل للأرض والأوطان قدسيتها ومكانتها في قلوب أبنائها، فالولاء للوطن فرض شرعي وأمر فطري وواجب حياتي، كما أن تحقيق الانتماء والولاء للأوطان عملية مجتمعية متكاملة يجب أن يشارك فيها جميع أبناء الوطن.

الإخوان والانتماء الوطني

لم يأت الإخوان بدين ولا مفاهيم جديدة للإسلام لكنهم ترجموا الإسلام ترجمة صحيحة في كل جوانبه واجتهدوا أن يطبقوها عمليا على أنفسهم وكل من وصلته دعوتهم. لقد انطلق حب الإخوان لأوطانهم من تربيتهم الدينية التي تضمنها القرآن الكريم وسنة نبيه بين دفات معانيه.

نظر الإمام البنا والإخوان أيضا إلى الأرض التي ولدوا وتربوا عليها وعملوا عن الدفاع عنها، وتقديم كل غالٍ ورخيص من أجل هذا الوطن، وطالبوا الشعب والحكومة بالدفاع عن الوطن والعمل على إجلاء المحتل عنه، وعمل على محاربة الوطنية الحزبية والقومية المتعصبة.

يقول:

"إن كان دعاة الوطنية يريدون بها حب هذه الأرض وألفتها والحنين إليها والانعطاف نحوها، فذلك أمر مركوز في فطر النفوس من جهة، مأمور به في الإسلام من جهة أخرى. وإن كانوا يريدون أن من الواجب العمل بكل جهد في تحرير البلد من الغاصبين وتوفير استقلاله له، وغرس مبادئ العزة والحرية في نفوس أبنائه، فنحن معهم في ذلك أيضًا، وقد شدد الإسلام في ذلك أبلغ التشديد.
وإن كانوا يريدون بالوطنية تقوية الرابطة بين أفراد القطر الواحد، وإرشادهم إلى طريق استخدام هذه التقوية في مصالحهم، فذلك نوافقهم فيه أيضًا، ويراه الإسلام فريضة لازمة".

بل هاجم كل من نفى الوطنية عن الإسلام بقوله:

"إن الذين يظنون الإسلام يهدم الوطنيات مخطئون؛ لأنه يفترض على أبنائه حماية أرضهم).

لقد عمد الإمام البنا إلى تربية الإخوان المسلمين على أن يكونوا أشد الناس إخلاصًا لأوطانهم، وتفانيًا في خدمتها، واحترامًا لكل مَن يعمل لها مخلصا. (4)

حقيقة الانتماء

الانتماء للوطن يعد أقوى ارتباطا بالأرض والوطن والهوية، لكونه يترسخ في جذور الجغرافيا والتاريخ والبيئة، إلا أن الولاء للوطن هو الرابط الرئيس الذي يتحقق من خلال الاختيار والرضا والإخلاص غير المشروط. لذا، فإن الانتماء إلى الوطن لا يشكل بالضرورة دليلا على الولاء له.

فاقتناء بطاقة الهوية لا يعني أن حاملها قد تولدت عنده ثقافة الترابط، أو قد نشأ عقد بينه وبين وطنه لا تزول بنوده، بحكم المصلحة أو الظروف مهما كانت، لذلك فمعيار الالتزام بالولاء للوطن يكون في السلوك الذي يترجم مشاعر الاعتزاز بالانتماء، ويصل إلى حد القبول بمقومات التضحية في سبيل حماية استقرار الوطن، وصون كرامته، والذود عن سيادته. (5)

والسؤال:

لماذا تبدلت عقيدة أفراد الجيوش في العالم الإسلامي خاصة في العصر الحديث وبعد خروج المستعمر؟

لماذا ضعف انتماء أفراده للوطن والشعب وارتبط انتمائهم للحاكم ومصالحهم فقط؟

لماذا تبدلت فكرة العداء لدى أفراد الجيش فأصبح عدوهم الأول أفراد الشعب في الوقت الذي أصبح فيه العدو الرئيسي (كالصهاينة أصدقاء كأعز ما يكون الأصدقاء) فلم تعد إسرائيل عدوا متربصا، بل أبناء عمومة وأصحاب مصلحة فى تنمية المنطقة وتحضر أهلها؟

وما هو الثمن النفسي لتجربة العسكر في الحكم على قطاعات واسعة من الشباب والفئات الحية والنشطة فى المجتمع من المنظور المستقبلي؟

ولماذا أصبح العسكر يعشقون الحكم وابتعدوا عن وظيفتهم في حماية الوطن، بل استخدموا مقدرات الوطن وخيراته لخدمتهم فقط؟

كيف كان الانتماء قبل 1952م؟

تبلورت مشاعر الانتماء الوطني فى مصر – والعالم العربي – فى القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين فى ظل مواجهة حادة مع الحملات الاستعمارية الأوربية خاصة الفرنسية والبريطانية وتجسدت بشكل جلي فى ثورتي القاهرة الأولى والثانية ، كما بلغت إحدى قممها فى الثورة العرابية وعكست التجسدات الفكرية والثقافية فى ذلك الوقت شكلا من أشكال البلورة الفكرية لمشاعر الانتماء فى المجتمع المصري ، كما وجد ذلك التجسد والتبلور استمراره فى التيار الفكري للحزب الوطني بقيادة مصطفى كامل و محمد فريد بعد ذلك.

وكانت ثورة الجماهير المصرية فى عام 1919م إحدى مظاهر الانتماء الوطني الذي خرج فيها الشعب المصري معبرا بصورة حيوية عن هذا الانتماء، قبل أن تتلاحم صور الوطنية والانتماء في مختلفي الشباب وفي القلب شباب وطلاب الإخوان المسلمين في حرب القنال 1952م والتي أوجعت جانب الإنجليز وبعثت له برسالة مؤكدة أن أيامك أصبحت معدودة في الوطن العربي والإسلامي، وأصبحت مشاعر الانتماء الوطني المعادى للاستعمار فى مصر متسارعة حتى تكللت بتكاتف الجميع في ثورة 23 يوليو 1952م.

ثورة يوليو وتغير الانتماء

مما لا شك فيه أن النجاحات المبكرة لثورة يوليو كان لها أعظم الأثر على مشاعر الانتماء بين جماهير مصر فإحساس عارم بالكرامة الوطنية ، وبحب الوطن قد تفجر لنجاح كوكبة يوليو فى الاستيلاء على السلطة وطرد الملك ثم توزيع بعض أراضى الإصلاح الزراعي على الفلاحين والمعدمين.

غير إن الانتماء الوطني كان يتخذ بسرعة مظاهر الانتماء إلى الحاكم، ولعل ذلك المظهر الذي اتخذته مشاعر الانتماء ظل يمثل الثغرة التي كشفت عن نفسها بعد ذلك لإمكانيات الانتكاس بمشاعر الإنتماء فى البلاد.

فقد كان ذلك المظهر لا ينبئ عن انتماء حقيقي ينمو بقدر ما كان ينبئ عن مشاعر انتماء مختلطة بتشوهات عميقة تخلق انتماء ينتكس. ولقد ساهم نظام يوليو نفسه فى صياغة تشوهات الانتماء للوطن. ومشاعر الانتماء للثورة والزعيم والتي كانت تخلق جماهيريا فى مظهرها العام كانت مختلطة بمشاعر من الرعب والخوف والتفتيت حيث الهتافات المضحية بالروح والدم من أجل الزعيم فقط.

وقد تركت المواجهة العنيفة بين السلطة المصرية وكل القوى المعارضة خاصة السيوعيين والإخوان المسلمين فى مدن وريف مصر بالملاحقة والاعتقال والتفتيش الهمجي بحجة البحث عن السلاح آثارا حادة من الرعب في نفوس المصريين عموما.

كما كان لاستبدال أية منظمات جماهيرية مستقلة بمنظمات مصنوعة فارغة المضمون ومنتمية مباشرة للأجهزة البوليسية التي يتقلد رجالها بحكم الوظيفة أعلى المناصب السياسية والتنظيمية (كالاتحاد الاشتراكي والتنظيم الطليعي مثالان) أثار وخيمة على أية إمكانية لتنظيم حقيقي لحركة الجماهير فى المجتمع وبالتالي على أية إمكانية لتطوير مشاعر الانتماء الجماعي للوطن.

وقامت السلطة بأسلوب محكم بخلق تبعية جميع النقابات لأجهزتها السياسية والبوليسية بشكل أساسي، بل قامت بخلق أرستقراطية عمالية نقابية مرتبطة بمصالح السلطة أكثر من ارتباطها بمصالح الشعب، وكرست ذلك باشتراط عضوية النقابات للإتحاد الإشتراكى العربي وبعمليات التدخل فى الانتخابات بالشطب والاستبعاد والتعيين. (6)

وبالرغم من حالة الركود التي كانت قد أصابت المواطن المصري قبل هزيمة يونيو 1967م واختزال الفعل الإيجابي للإنسان المصري إلى مجرد عمليات الاحتشاد لاستقبال الزعيم أو سماع خطبه وانتظار قراراته وأعماله، حتى جاءت هزيمة يونيو لتضرب بقوة فى مشاعر الانتماء التي صاغها عبد الناصر والتي كانت تصور أنه نظام الزعيم الذي يجب أن تلتف حوله جميع الشعوب والدول، فجاءت الهزيمة فجأة وفى ساعات قليلة وفى أول مواجهة إلى تكسير تبوهات هذا الصنم الزعيم والانتماء له.

وتكشفت المنظمات الجماهيرية التي أقامتها سلطة يوليو عن مجرد سرادقات لا تملك تنظيم أية قوى وتعرقل نمو أية حركة سوى حركات الهتاف ببذل الروح والدم . لقد نتج عن هذه السياسة التي رسمها الزعيم الفرد إلى التفاف الناس حوله وليس حول الوطن الذي سقط من اول ضربه أمام الصهاينة.

بل قامت لجان المواطنين التي شكلها نظام عبد الناصر من أجل المعركة بتفريغ مشاعر الانتماء للوطن والكرامة الوطنية التي تجسدت كرد فعل للهزيمة من أية إمكانية للفعل والإبداع واستمرت أجهزة البوليس فى القيام بدورها فى كبح جماح تلك المشاعر عند أية بادرة للنمو المستقل. كما تنازعت تلك المشاعر العامة مشاعر الإحباط والقنوط وفقدان الثقة والرغبة فى الانتقام من قادة الهزيمة. (7)

صراع الانتماء في عهد السادات

ورث السادات تركة مثقلة بعد وفاة عبدالناصر المفاجئة، ولم يكن بالقوي الذي يستطيع إحداث توازن في الانتماء بين شخصية الزعيم الذي رحل وشخصية الوطن الذي ورثه مقيدا بالديون والضعف الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

حيث واجه صراع فئة البيروقراطية (ذات الأصول العسكرية) التي تنظر إلى وجودها كوريث شرعي وحيد للتجربة الناصرية صاحبة الإنجازات الاقتصادية الضخمة وبرز على رأس هذه المجموعة السيد على صبري رئيس الوزراء في عهد عبد الناصر، وشعراوى جمعة ومحمد فائق (الذي يشرف على مجلس حقوق الإنسان في عهد السيسي) وكثيرون غيرهم، وانتهت بنصر السادات في أكتوبر 1973م والذي حاول تفريغ الساحة له والإنفراد بالسلطة فى ظل أوضاع معاكسة.

وتفاقمت أزمة الانتماء في عهده بسبب تفاقم الأزمة الاقتصادية بفعل التحولات الاجتماعية الجديدة التي تفاقم من ظاهرة الإثراء الفاحش والفقر المدقع تمت محاولات دغدغة مشاعر المواطنين داخل دائرة مفزعة لبيع الوهم وهم الرخاء القادم فتفاقمت وعود الرخاء

والتي تكسرت على صخرة ارتفاع الأسعار مما أدى لانتفاضة الناس في 18، 19 يناير والتي أطلق عليها السادات انتفاضة الحرامية مما أكد بعد النظام عن شعبه وتدهور الانتماء الوطني مع سعى سلطة السادات (ومن جاء بعده من العسكريين) صياغة الانتماء حولهم ونظامهم وكل من كان ضدهم فهو ليس عنده أى انتماء، وهو عدو للوطن، وخائن للشعب. (8)

وهكذا تكرست هوية الانتماء حول الحاكم فقط منذ أن وطأ العسكر الحكم، ووقعت صدامات وصرعات بينهم لمن يظل على رأس هرم الحكم وتجيش الشعب والوطن في الحفاظ عليه وعلى كرسيه.

ويلتقي المواطن بالدولة في حياته ومعاناته اليومية، سواء كان هذا الالتقاء من خلال رموزها المباشرة (العمدة ، الشرطي .. الخ). أو من خلال الرموز السياسية، (رئيس الدولة ، الحكومة .. الخ) لكنه قد لا يسأل نفسه – طوال حياته – عن مضمون هذه الدولة ، كما يتمنى أصحاب السلطة أن يظل المواطن في إطار هذه الحالة

المراجع

  1. ضعف الانتماء الديني والوطني . . مسؤولية من؟: 24 يونيو 2010
  2. إبراهيم ناصر: التربية المدنية – المواطنة، جمعية عـمال المطـابع التعاونيـة، عـمان، الأردن، ط الأولى،1993م، صـ٢٣.
  3. سالم بن عميران: الانتماء الوطني.. رؤية شرعية، 15 يوليو 2015
  4. مجموعة رسائل الإمام حسن البنا: رسالة دعوتنا، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2006، صـ146.
  5. محمد الحمزة: انتماء وولاء ومحبة، 25 سبتمبر 2020
  6. عبد الخالق فاروق ومحمد فرج: أزمة الانتماء في مصر، مركز الحضارة العربية للإعلام، القاهرة، طـ1، 2000، صـ27.
  7. عبد الخالق فاروق ومحمد فرج: مرجع سابق.
  8. عبد الخالق فاروق ومحمد فرج: مرجع سابق.