محمد إبراهيم شاه كوجين
إن بقاء الإسلام ورغبة المسلمين في الحفاظ على عقيدة الإسلام وشريعته السمحاء في الصين تعود إلى جهود علماء أجلاء نهلوا من العلم الصافي ومن معين القرآن الكريم والسنة النبوية ، حيث شهدت الصين في تاريخها القديم والحديث نخبة متميزة من العلماء المسلمين الذين أثروا حياتها في كل مجالات المعرفة وتركوا بصمة انتزعت اعتراف الجميع
ومن هؤلاء العلماء الأستاذ محمد إبراهيم شاه كوجين، الذي كان أول رئيس لبعثة صينية من مسلمي الصين إلى مصر حيث نهل من علوم الأزهر وعاد لينشر اللغة العربية بين ربوع المسلمين، ولم يكتف بذلك بل تعرف على دعوة الإخوان المسلمين وكتب في صحيفتهم بل وألق المحاضرات في شعب الإخوان.
لا يعرف كثيرا عن محمد كوجين إلا أن بعض المصادر ذكرت أن جمعية التقدم الإسلامية الصينية في بونان سنة 1930م طلبت من مشيخة الأزهر أن تقبل بعثة علمية لدراسة اللغة العربية والتفقه في الدين الاسلامي في الأزهر الشريف، وقد استجابت مشيخة الأزهر لهذا الطلب وقبلت هذه البعثة
والتي كانت أول بعثة وصلت مصر برئاسة محمد ابراهيم شاه كوجين وأعضاؤها أربعة هم يوسف جانغ يوجينغ من ولاية يونان، والثاني عبدالرحمن ناجونغ من ولاية يونان والثالث سعيد لينغ جونغ مينغ من ولاية يوانا والرابع محمد مكين من ولاية يونان، وقد أكرم الأزهر وفادتهم وعين لهم الشيخ محمود الزفزافي ليعلمهم علوم اللغة العربية والإسلامية كما خصص لهم راتبا شهريا يستعينون به على طلب العلم وحينما انتهوا عادوا الى الصين حيث نشأت حركة الترجمة إلى اللغة الصينية على أيديهم.
وفي أثناء الدراسة تعرف على الإمام البنا حيث وجد في الإخوان أنها حركة تسعى لجمع شمل المسلمين والدفاع عن قضاياهم جميعا، فانضم لصفوفهم. ومما قامت به شعب الإخوان في هذا الاتصال، ما قامت به شعبة بورسعيد يوم الخميس 18 يوليو 1935م حيث استضافت الأستاذ محمد إبراهيم شاه كوجين، رئيس البعثات الصينية بمصر، وعقدت له ندوة دعت إليها جموع الشباب المسلمين من الإخوان وغيرهم
وحضر الضيف الجليل، فاستقبله الإخوان على عادتهم في الحفاوة بكل أخ في العقيدة والإسلام، وقدمه للجمهور فضيلة الاستاذ الشيخ محمود حلبة نائب الإخوان، فتكلم الضيف بالإنجليزية عن أعمال جمعيات مسلمي الصين وآخر الأخبار عنها، فعرف كيف أن راية الإسلام تخفق على جزء كبير من ربوع هذه البلاد، وكيف أن المسلمين إخوان في جميع آفاق الأرض وجميع البلاد المسلمة.
وقد ترجم له المحاضرة أحد شباب الإخوان وهو الشاب النابه محمد أفندي أبو عوض، وقد نشرت المجلة أحداث هذه الندوة وعلقت قائلة: "فنتمنى على جمهور العالمين، ونرجو أن تتحقق فكرة الوحدة العربية بين جميع ممالك الشرق والإسلام".
وحينما اندلعت الحرب اليابانية الصينية ندد محمد كوجين بهذا العدوان وفضح ممارسات اليابانيين ضد شعبه الصيني واستغل جميع المحافل والصحف ليكتب فيها ومما كتبه ونشرته له مجلة الرسالة مقال بعنوان: "بعنوان رسالة مسلمي الصين الى مسلمي العالم عن حقائق الحرب الصينية اليابانية القائمة"
قال فيه: إخواننا الأعزاء المسلمين في العالم
أصدقائنا الأجلاء المحبين للسلام
السلام عليكم وعلينا وعلى جميع المظلومين والمنكوبين في العالم!
إن بلاد الصين الجمهورية تحب السلم كما أحبته وهي ملكية.
فهي تسير على نصيحة الحكماء الصينيين بعدم القتال وتقليل الجيش، وكانت تحسن معاملة البلاد المجاورة لها شاعرة بالشرف المشترك حريصة على حياة الجميع، وهذه كلها حقائق تاريخية لدى الأمم الإسلامية إن اليابان أخت الصين الصغيرة مشتركة معها في الجنس واللغة مجاورة لها كالشفة والسن، وهي متقدمة اليوم باستنارتها من الآداب والتعاليم الصينية
هذا وأن اليابان تذكر دائماً ولا تنسى تلك الفكرة الاستعمارية القديمة فكرة الآباء والأسلاف، فبدأت تثير الحرب بينها وبين الصين منذ 300 سنة، ولكن لم تصل إلى حلمها هذا لقلة قوتها في ذلك الوقت. وقد تضاعف جهدها في هذه الأيام القريبة للسعي في إثارة الصينيين فاتكأت على قواها الحربية سائرة على طريقة غير مشروعة أخذت أراضي صينية كثيرة منذ 60 سنة وقهرت أهاليها استبدت بسكانها.
على أن حكومة الصين الملكية في ذلك الوقت تساهلت وتجاوزت على ذلك الاعتداء، فاضطرب الشعب كله وهاج هائجه وأتحد وثار سنة 1911 على تلك الحكومة الملكية الاستبدادية المفرطة ولما قامت على أنقاض الملكية حكومة صينية جمهورية سارت تلك الحكومة الجديدة في طريق البناء والعمران.
وبعد القضاء على مبدأ الملكية واندحار المحافظين عليه. جاءت الحرب العظمى فانتهزت اليابان فرصة سوء الحال في الصين وكثرة مشاغل الدول فعرضت على الصين معاهدة تحوي على 21 مادة كلها ترمي إلى إخضاع البلاد اقتصادياً وأدبياً، وأجبرت الحكومة الصينية على قبولها وتوقيعها. فثار لذلك الطلبة الصينيون ونشروا دعاية وطنية وبدءوا حركة المقاومة واجتهدوا في المخالفة والكفاح فلم تنجح الياب كما كانت ترجو وتتمنى.
وفي سنة 1923 حدث في اليابان زلزال شديد فعاونتها الصين والصينيون بكل قواهم وعطفوا عليها وجمعوا الأموال لمساعدتها ولكنها جزت الحسنة بالسيئة فأرسلت سنة 1926 جيشًا كبيراً إلى الصين ليمنع تقدم الجيش الصيني الذي أرادت الحكومة الصينية أن تخمد به الملكيين
وأتفق أن كتب رئيس وزراء اليابان الأسبق عريضته السرية التي عرضها على إمبراطور اليابان في شأن استعمار الصين فآسيا كلها
وقال فيها:
- "إن في خطة إمبراطوريتنا الثالثة أن نستعمر منشوريا ومنغوليا والصين كلها. ولكن قبل أن نستعمر الصين الداخلية يجب أن نستعمر منشوريا ومنغوليا كما أننا نستعمر آسيا بعد أن نملك الصين كلها ليعلم العالم بذلك أن آسيا الشرقية آسيانا فلا يعتدي عليها أحد" وبهذا ترى اليابان تصرح بإرادتها في استعمار آسيا كلها.
ولما كان الفيضان سنة 1931 عم اغلب البلاد الصينية وشمل اكثر من 100 مليون نسمة عطف عليها العالم أجمع وساعدها مادياً وأدبياً إلا اليابان التي لم تحرك ساكناً في تلك المساعدة ناسية حق الجوار متناسية الجميل، لم تفعل هذا فحسب بل قد اغتنمت تلك الفرصة وتلك الحالة المحزنة في الصين واحتلت مكدون عاصمة منشوريا ورفضت قرار عصبة الأمم بل وانسحبت منها كأنها تثور على العالم أجمع وبعد ذلك حاصرت اليابان سواحل الصين وضربت شنغهاي واحتلت ولايات الصين الشمالية الأربع وكونت حكومة غير مشروعة.
وهي مع ذلك تساعد على نشر المخدرات في المناطق التي احتلتها وتساعد المهربين بجنودها المسلحة وترسل الجيوش إلى الصين بدون استئذان وتطير في الجو الصيني بطائراتها فاحتجت حكومتنا على هذا التصرف السيئ غير المشروع وفاوضتها، ولكن الاحتجاج والمفاوضة لم يجديا نفعاً ولا فائدة لم تزل اليابان تسير على خطتها الاستعمارية فبعثت رسلا إلى شمال الصين يحرضون حكام الولايات الشمالية على الانفصال عن الصين فلم ينجحوا.
فغيرت خطتها البطيئة الخفية بالسريعة المكشوفة فأرسلت جيوشها فاحتلت مدينة وانبين بجوار بكين (7 يوليو سنة 1937) وقت استعراض الجيوش اليابانية قرب لوكاوشاو، ولم ينجح الصينيون في منعهم، فكان ذلك بدء الحرب المدمرة الطاحنة الغاشمة المخربة الحالية والآن لا يمكن أن يصبر أحد من الصينيين على اعتداء اليابان على بلادهم، وليس ذلك من جهة الوطنية فقط بل ومن جهة الإنسانية والحق أيضاً.
فالحكومة الصينية لا يمكنها السكوت على ضياع بلادها واقتطاعها جزءاً جزءاً مع حبها للسلم، لأن الصبر على ذلك يهين الحق ويعذب الإنسانية ويسم الصينيين بسمة الجبن فلابد إذن من المقاومة، وقد قال القائد العام المارشال تشانج كاي شيك: لا نترك السلم ما كان لنا أمل فيه ولا نقوم بالتضحية ما دام وقتها لم يحن.
والآن قد أنقطع أمل السلم وحان وقت التضحية فبدأت تتجمع قوات الحكومة الجرارة في الدفاع عن البلاد حتى تنال الفوز الأخير ولو غرقت البلاد الواسعة العريقة في الحضارة كلها والأهالي جميعاً في الدماء لهذا قد اتحدت الصين حكومة وشعباً في الدفاع عن البلاد ومقاومة اليابان.
والمسلمون في الصين كذلك متحدون مع غيرهم في الدفاع عن الوطن لأنهم يعرفون أن حب الوطن من الإيمان وأن الجهاد في سبيل الحق والإنسانية هو الجهاد في سبيل الدين الصحيح.
وقد اشترك بعضهم في الحرب تحت إمرة القواد المسلمين المشهورين، وقام غيرهم على إنقاذ المنكوبين وشؤون التمريض وغير ذلك وسعى آخرون في نشر الدعاية للصين واتحاد المسلمين في العالم ليقفوا إلى جانب المسلمين في الصين بوجه المعتدين المخالفين للإنسانية والحق والدين الصحيح والآن لا يمكننا أن نصبر على اعتداء دولة أجنبية على وطننا ولا على إضرار المعتدي الأثيم لإخواننا المسلمين في بلادنا
فلذلك وضعنا هذا الخطاب لنبين لإخواننا المسلمين في العالم ومن احب السلام والحق ما لاقاه المسلمون وغيرهم في الصين من المحنة العظمى والحرب المشؤومة رجاء أن يحكموا بالعدل وأن يقوموا بعمل إيجابي يعاقب به المعتدي أدبياً ومادياً فيعاديه السلام العالمي ويحقق به غرض الإسلام الأسمى لأن الله يأمرنا بالتعاون على الخير والمصلحة إذ قال: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) وقال سبحانه وتعالى أيضاً: (إنه لا يحب المعتدين)
نور محمد دابوسين "ناظر مدرسة المعلمين الإسلامية بشنغهاي ورئيس الجمعية الإسلامية الصينية"
محمد إبراهيم شاه كوجين "رئيس البعثات الصينية بالأزهر الشريف بمصر".
المصادر
- محمد مكين الصيني: تاريخ الاسلام في الصين، طبعة المكتبة السلفية، 1353هـ، صـ81.
- جمعة أمين عبدالعزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، الجزء الثالث، دار التوزيع والنشر الإسلامية، صـ 578.
- مجلة الرسالة العدد رقم 255 الصادر 23 مايو 1938م.