موقف مؤسسات الإفتاء العربية من ثورات الربيع العربي 2011م - الحلقة الأولى (تونس)

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
موقف مؤسسات الإفتاء العربية من ثورات الربيع العربي 2011م


الحلقة الأولى (تونس)


إخوان ويكي

مقدمة

الفتوى من المناصب الإسلامية الجليلة، والأعمال الدينية الرفيعة، والمهام الشرعية الجسيمة؛ يقوم فيها المفتي بالتبليغ عن رب العالمين، ويؤتمن على شرعه ودينه؛ وهذا يقتضي حفظ الأمانة، والصدق في التبليغ؛ لذا قال الإمام النووي: "اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر، كبير الموقع، كثير الفضل؛ لأن المفتي وارث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقائم بفرض الكفاية، لكنه معرض للخطأ؛ ولهذا قالوا: المفتي مُوَقِّعٌ عن الله تعالى" "آداب الفتوى صـ13".

ويضيف ابن القيم توضيحا لأهمية هذه المكانة وخطرها بقوله:

"وإذا كان منصبُ التوقيعِ عن الملوك بالمحَلّ الذي لا يُنكَر فضلُه، ولا يُجهل قَدْرُهُ؛ وهو من أعلى المراتب السَّنِيَّاتِ، فكيف بمنصب التوقيع عن ربِّ الأرض والسموات؟! فحقيقٌ بمَنْ أُقيم في هذا المنصب أن يُعِدَّ له عُدَّتَهُ، وأن يتأهَّب له أُهْبَتَهُ، وأن يعلم قَدْرَ المقام الذي أُقيمَ فيه، ولا يكونَ في صدره حَرَجٌ من قول الحق والصَّدْع به؛
فإن الله ناصرُهُ وهاديهِ، وكيف وهو المنصبُ الذي تولاَّه بنفسه ربُّ الأرباب؛ فقال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ "النساء: 127"، ولْيَعْلَمِ المفتي عمَّن يَنُوبُ في فتواه، وَلْيُوقِن أنه مسؤولٌ غدًا وموقوفٌ بين يدَيِ الله" "إعلام الموقعين" (1/ 10-11).

وقال أبو حَصين عثمان بن عاصمٍ:

"إنّ أحدَهم ليُفْتي في المسألةِ، ولو وَرَدَتْ على عمرَ بن الخطَّاب رضي الله عنه لجَمَع لها أهلَ بدرٍ!". والفُتيا مقامها عظيم، وخطرها جسيم، لذا اعتنى أئمة السلف وعلماؤهم من أصوليين وفقهاء بشأن الفتيا، حيث وضعوا لها القواعد، وبينوا الشروط التي يلزم تحققها في المفتي والمستفتي.

لذلك هاب الفتوى أكابر العلماء على الرغم من علمهم الوفير، وعملهم بهذا العلم، ولم تدفعهم شهرتهم الواسعة إلى التجرؤ على الفتوى.

الفتوى في الإسلام

الفتوى هي مرسوم ديني في الإسلام يقوم بإصداره علماء في الشريعة الإسلامية حسب الأدلة الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية، ويعتبر إصدار الفتوى في الإسلام أمراً عظيما من ناحية المسؤولية.

لجأ المسلمون إلى الاستفتاء منذ الصدر الأول للإسلام، فصدرت فتاوى سيد المرسلين النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فكان يُفتي عن الله بوحيه المبين، فكانت فتاويه صلى الله عليه وسلم جوامع الأحكام، ومشتملة على فصل الخطاب، وخَلَفَه في ذلك علماء الصحابة والتابعين، ومن سار على نهجهم من أئمة هذا الدين، وما ذلك إلا لأهمية الفتوى، وحاجة الأمة إليها، ولا سيما في هذه العصور التي قل فيها الإقبال على العلم، واكتفى الكثير منهم بالسؤال عما يَعرضُ لهم، أو يُشكل عليهم من أمر دينهم.

كان للتوسعات الإسلامية أثر في حياة الناس حيث أقبل على الدين كثير من العرب والعجم وكانوا في حاجة لمن يدلهم على أمر دينهم، فكان أهل المدينة يتبعون فتاوي ابن عمر وزيد بن ثابت، واتبع أهل مكة فتاوي بن عباس، واتبع أهل الكوفة فتاوي ابن مسعود، وانتشر الصحابة في ربوع الأرض كل يحمل علمه

واخذ عنهم الكثير من العلماء الذين اجتهدوا في الفتوى، حيث بلغ ذروة الاجتهاد على أيدي الفقهاء الأربعة "أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل" وغيرهم حيث كثرت المستجدات وظهرت مدرسة الحديث ومدرسة الرأي، فدعت إلى الإمعان في الفكر والاستنباط قبل أن يضعف ويغلق باب الاجتهاد إلا من القلة واكتفوا بالتقليد وإصدار الفتاوى الباطلة تحت ضغط المصالح الخاصة للحكام. (1)

وبعد أن كانت الفتوى يخاف منها العلماء ويصمتون أكثر مما يتكلمون، تغير الزمان حتى جاء بعلماء سخروا العلم الفتوى لصالح المستبدين والحكام الديكتاتورين.

ووجد هؤلاء وغيرهم قول بعض أهل العلم:

(إن الفتوى قد تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والنيات والعوائد)، ففتنوا بهذا القول، وظنوا أنهم يسعهم الخروج من ثقل التكاليف الشرعية متى أرادوا، وصار هناك دوي للمطالبة بتجديد (الخطاب الديني)!
مع أن العلماء الذين أطلقوا هذا القول قصدوا به معنى غير المعنى الذي يذهب إليه هؤلاء؛ فالأحكام الكلية الثابتة في حق المكلفين لا يعتريها التغيير أو التبديل؛ فليس المراد بتغير الفتوى تغير هذه الأحكام، وتبدُّلها من حلال إلى حرام، ومن أمر إلى نهي، أو عكس ذلك، ونحوه؛ وإنما المقصود تغيُّر تنزيل الحكم الشرعي بتغيُّر أحوال النازلة بالمسلمين زمانًا ومكانًا وأشخاصًا.

ولذا قال ابن القيم رحمه الله:

"الأحكام نوعان:
نوع لا يتغيّر عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة؛ كوجوب الواجبات، وتحريم المحرَّمات، والحدود المقررة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك؛ فهذا لا يتطرق إليه تغيير، ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه.
والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكانًا وحالاً؛ كمقادير التعزيرات، وأجناسها، وصفاتها؛ فإن الشرع ينوع فيها بحسب المصلحة" (2)

الافتاء في العصر الحديث

غير أن تاريخ الفتوى في العصر الحديث – خاصة المؤسسات الرسمية – قد أصبحت في كثير من الأحيان لخدمة الملوك والحكام وبعيدة كل البعد عن المنهج الديني القويم، وأصبح على رأس هذه المؤسسات رجال انبطحوا بعلمهم من أجل دنياهم.

حيث ظهرت ما سميت بدور الإفتاء من اجل توحيد الفتوى في ظل الشطط الذي يعيش فيه الناس بين مدعي العلم والفقه، غير أن هذه المؤسسات اختلفت نشأتها من بلد لبلد – خاصة بعدما قام المحتل الغربي بتقسيم العالم العربي والإسلامي إلى دويلات متفرقة وسلخها في جسد الخلافة الإسلامية بالدولة العثمانية – حيث حرص كل حاكم إلى تنصيب من يسخر علمه لخدمة الحاكم.

الغريب حينما انتفضت الشعوب مطالبة لحريتها لم تقف مثل هذه المؤسسات الرسمية بجوار الشعوب والمطالبة معها بنيل الحرية لكنها في كثير من الأحيان ما أخرجت الفتاوي المحرمة للخروج على الحاكم، وهو ما رأيناه في ثورات الربيع العربي والتي نحن بصدد الكتابة عنها في هذا البحث.

منهجية البحث

يعود أهمية الكتابة في هذا الموضوع لمكانة هذه المؤسسات والتي تلعب دورا مهما في توجيه الرأي العام وتحريكه في المجتمعات العربية والإسلامية. كما نحاول الوقوف على الاشكالية التي تشغل الجميع من ميل مثل هذه المؤسسات إلى الحكام على حساب شعوبهم.

وفي هذا العمل اتبعنا المنهج العلمي حتى لا نحيد عن الموضوعية كما سلكنا طريق المنهج الوصفي الذي كان يصاحبنا في إيراد الكثير من الشواهد التاريخية التي تصف موقف مؤسسات الإفتاء من ثورات الربيع العربي، هذا غير المنهج الاستقرائي والذي حاولنا من خلاله ربط بعض الظواهر بعضها ببعض.

غير أننا لن نتحدث عن جميع مؤسسات الإفتاء في الدول العربية أو الإسلامية، لكن دراستنا ستقتصر على مؤسسات الدول التي وقعت فيها ثورات الربيع العربي كتونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن.  

ديوان الإفتاء التونسي وثورة الياسمين

مراحل الافتاء في تونس

عرفت تونس وجود المفتيين الرسميين منذ عهد الدولة الحفصية "1229-1574م" حيث ترجع إلى سلاطينها مزية تعزيز خطة القاضي بالمفتي للمسترشدين فنصبوا من أهل العلم بالمسجد الجامع من يفتي الناس ويعظهم في دينهم حيث يترأس هؤلاء المفتيين المفتي الأكبر الملقب بكبير أهل الشورى الذي تدعم نفوذه خاصة في مجلس العلماء الذي يحضره السلطان الحفصي.

بعد دخول تونس تحت سيطرة الدولة العثمانية في 1574، وقيام الدولة المرادية فيها والتي حكمت تونس بين 1631- 1702م، اتخذ الحاكمون الحنفية مذهبا رسميا لهم، وتواجد منذ 1611 مشرفا على هذا المذهب في الدولة، حيث كانت البداية بتولي الشيخ رمضان أفندي عام 1611م ثم الشيخ أحمد الشريف الحنفي فالشيخ أحمد الشريف الأندلسي فالشيخ محمد بن مصطفى الأزهري فالشيخ مصطفى بن عبدالكريم واستمر ذلك في الدولة الحسينية والتي حكمت تونس في الفترة من 1705-1957م. (3)

وكان لدخول المذهب الحنفي الذي عرفته البلاد في العهد العثماني أثره في تطوير خطة المفتي خاصة بعد تقسيم المحكمة الشرعية إلى دائرتين مستقلتين إحداهما عن الأخرى ووضعهما تحت رئاسة الباش مفتي الحنفي والباش مفتي المالكي في عهد المشير أحمد باشا (1837 - 1855) .

ثم قرر محمد باي (1855 - 1859) أن يجعل للمفتي الحنفي علوية على نظيره المالكي حين أسند إليه رئاسة المجلس الشرعي ، وسنة 1847 أصبح الباش مفتي الحنفي يحمل لقب شيخ الإسلام الذي منحه أحمد باي إلى الشيخ محمد بيرم الرابع سعيا منه إلى تأكيد استقلالية الإيالة التونسية عن الباب العالي .

إلا أن أول لقب رسمي ورد في مرسوم تعيين الشيخ أحمد بن الخوجة سنة 1877 الذي نص على عبارة مشيخة الإسلام بتونس. وبقي هذا اللقب حكرا على الباش مفتي الحنفي إلى سنة 1932 تاريخ إحداث مشيخة الإسلام المالكية التي تولاها الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (1932 - 1945م)، الشيخ محمد عبد العزيز جعيط (1945 - 1956م) ثم توقفت مشيخة الإسلام بشقيها المالكي والحنفي عن الوجود إثر توحيد القضاء يوم 31 أغسطس 1956م.

وحسب المرسوم الصادر من الباي محمد الأمين والمؤرخ في 28 فبراير 1957، سمي بمقتضاه الشيخ محمد العزيز جعيط كأول مفتيا للديار التونسية. وحدد الأمر 107 لسنة 1962 المؤرخ في 6 أبريل 1962م تنظيم خطة الإفتاء، وألغى مسمى "مفتى الديار التونسية"، واستبدل بمسمى "مفتى الجمهورية التونسية".

كما اعتبر الأمر أن مفتي الجمهورية هو مستشار الدولة في شؤون الشريعة وأصول الدين والمراسم الإسلامية ويضطلع بكل ما يسند إليه من مهمات دينية أخرى، كما أنه يعين بأمر من رئيس الجمهورية من بين الأكفاء.

كما نص القانون الدستوري المؤرخ في 8 أبريل 1976 على عضوية مفتي الديار التونسية في لجنة الفصل 40 (والتي تنظر في شروط الترشح لمنصب رئيس الجمهورية التونسية والمصادقة على قبوله) قبل أن تلغى هذه اللجنة منذ إحداث المجلس الدستوري بتاريخ 16 ديسمبر 1987م، ويباشر المفتي مهامه في مقر دار الإفتاء الموجودة في ساحة القصبة بجانب مقر رئاسة الحكومة. (4)

وقد تعاقب على كرسي ديوان الإفتاء بتونس العديد من المشايخ وهم:

  1. فضيلة الشيخ محمد العزيز جعيّط: 1957 - 1960م
  2. فضيلة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور: 1962 - 1970م
  3. فضيلة الشيخ محمد الهادي بلقاضي: 1970 - 1976م
  4. فضيلة الشيخ محمد الحبيب بلخوجة: 1976 - 1984م
  5. فضيلة الشيخ محمد المختار السلامي: 1984 - 1998م
  6. فضيلة الشيخ كمال الدين جعيّط: 1998 - 2008م
  7. فضيلة الشيخ عثمان بطيخ: 2008 - 2013م
  8. فضيلة الشيخ حمدة سعيّد: 2013 - 2016م
  9. فضيلة الشيخ عثمان بطيخ: 2016 -

ثورة الياسمين والمفتي

عانت البلاد العربية من ظلم الحكام الذين كانوا يحكمون بالحديد والنار حتى أصبح لا يوجد متنفس واحد للناس، إضافة للتضخم الاقتصادي والتفكك الاجتماعي الذي ضرب جنبات المجتمعات ولذا كان الجميع ينتظر القشة التي تقصم ظهر البعير، في ظل مواقف منبطحة من المؤسسة الدينية التي قد يلجأ إليها الناس وقت المظالم غير أنها لم تكن على قدر هذه المسئولية

فمؤسسة الإفتاء خلال تاريخها كانت منسجمة مع تصرفات وأراء النظام الحاكم التونسي، فلم تعترض على مدار السنوات الماضية إبان عهد الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة ومن بعده زين العابدين بن على، على أى من القرارات التي تم اتخاذها بالمخالفة لبعض قواعد الشريعة الإسلامية.

ففي عهد بورقيبة صدرت مجلة الأحوال الشخصية في 1956، وفى هذه المجلة صدرت العديد من التشريعات التي أثارت ضجه إقليمية حول مدى تعارضها مع الشريعة الإسلامية، حيث منع تعدُّد الزوجات وشملت المجلة كذلك قوانين اجتماعية خاصة بالزواج والطلاق؛ حيث جعل من الطلاق إجراء قانونى لا يتم الاعتراف به إلا عن طريق القضاء، وأصدر أيضاً قانون يسمح للمواطن بالتبنى وأقر بورقيبة قانوناً يسمح للمرأة بالإجهاض.

وكذلك حاول منع الحجاج التونسيين من أداء مناسك الحج فى السعودية، باعتباره إهدارًا لمقادير مالية من العملات الصعبة ودعا إلى التبرك بمقامات الأولياء الصالحين بدلاً عن الحج، وفى عام 1981 أصدر قانونًا سمى المنشور 108، والذى أمر فيه بمنع ارتداء النساء لغطاء الرأس "الحجاب" باعتباره مظهر من مظاهر التمييز والطائفية، وأنه ينافى روح العصر وسنة التطوير السليم.

وكان الصدام الوحيد الذى شهده نظام الحبيب بورقيبة والمؤسسة الدينية العليا فى تونس "دار الإفتاء"، عندما قرر الزعيم التونسي منع صوم رمضان في عام 1962، بدعوى زيادة الإنتاج، وقام بنفسه باحتساء كوب من الماء في شهر رمضان أمام شاشة التلفزيون، تبعه قرار بورقيبة بعزل مفتى تونس الطاهر بن عاشور الذى عارض القرار. وكان بن عاشور المتوفى فى 1973، قد خرج على التونسيين فى الإذاعة الرسمية، وتلا آية الصيام قائلا عقبها: "صدق الله وكذب بورقيبة" فقام بورقيبه بعزله. (5)

غير أن الأيام مرت واعتلى منصب المفتي الشيخ عثمان بطيخ الذي تولى المنصب في عهد الديكتاتور زين العابدين بن علي الذي حكم تونس بالحديد والنار، في الفترة من 2008م حتى 2013م.

وعثمان بطيخ حاصل على شهادة التحصيل "الثانوية" من جامعة الزيتونة، وعمل قاضيًا بالمحكمة الابتدائيّة في تونس، وواصل دراسته بكليّة الشريعة وأصول الدين، وتخرّج فيها حاملًا للإجازة "الليسانس" ثمّ دكتوراه المرحلة الثالثة، شغل منصب مفتي الجمهورية التونسية منذ العام 2008 في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي واستمر بعد الثورة حتى العام 2013م، عزله الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي عام 2013م، تمَّ تعيينه في بداية عام 2016 كمفتي لتونس مرة أخرى في عهد الرئيس الباجي قائد السبسي.

جاءت ثورة الياسمين بتونس بعدما أضرم الشاب محمد البوعزيزي النار في جسده تعبيرًا عن غضبه على بطالته ومصادرة العربة التي يبيع عليها من قبل الشرطية فادية حمدي وذلك يوم 17 ديسمبر 2010م، وقد توفي البوعزيزي يوم الثلاثاء الموافق 4 يناير 2011 في مستشفى بن عروس بسبب حروقه البالغة.

أدى ذلك إلى اندلاع شرارة المظاهرات في يوم 18 ديسمبر 2010 وخروج آلاف التونسيين الرافضين لما اعتبروه أوضاع البطالة وعدم وجود العدالة الاجتماعية وتفاقم الفساد داخل النظام الحاكم وسرعان ما عمت التظاهرات ربوع تونس، مما أجبرت زين العابدين بن علي على إقالة عدد من الوزراء بينهم وزير الداخلية وتقديم وعود لمعالجة المشاكل التي نادى بحلها المتظاهرون

كما أعلن عزمه على عدم الترشح لانتخابات الرئاسة عام 2014م وغيرها من الإجراءات غير أن الاحتجاجات توسعت وازدادت شدتها حتى وصلت إلى المباني الحكومية مما أجبر الرئيس بن علي على التنحي عن السلطة ومغادرة البلاد بشكل مفاجئ بحماية أمنية ليبية إلى السعودية يوم الجمعة 14 يناير 2011م الموافق 10 صفر 1432 هـ بعد 23 عام من حكم تونس بالحديد والنار. (6) لكن أين كانت مؤسسة الافتاء من هذه الأحداث؟؟

كان على رأس ديوان الإفتاء الشيخ عثمان بطيخ ووفق ما ذكره الباحثون أنه كان رجل زين العابدين بن علي في المؤسسة حيث هاجم المتظاهرين وافتي بحرمة الصلاة على البوعزيزي لكونه منتحرا – في وجهة نظره – حيث قال: أن الانتحار ومحاولته جريمة وكبيرة من الكبائر، ولا فرق شرعاً بين من يتعمد قتل نفسه أو قتل غيره. (7)

الغريب أنه كرر حديثه نحو ما خالف النظام حينما اتهم الدكتور رضا الجوّادي - إمام جامع اللخمي بمحافظة صفاقس - بـ"التكفيري المتطرف" قائلا إنه "يخرج في المظاهرات مع المصلين ويردد الله أكبر"، وكأن الخروج في المظاهرات والهتاف بالله أكبر أصبحت من متلازمة التكفيرين، وبذلك يفصح المفتي أكثر عن طبيعة علاقة بكل ما هو إسلامي.

وقد ترك المفتي الظلم والقهر والفساد والدماء التي تسيل كالأنهار في شوارع تونس، وصمت فلم يُبد اعتراضا على منع الحجاب زمن حكم بن علي بموجب المنشور 108، ولم يلتفت إلا إلى حكم الصلاة على المنتحر – رغم أن المسألة خلافية بين العلماء- في إشارة مبطنة لتصرف بوعزيزي – وهي الآراء التي لم يلتفت الشعب التونسي لها وصلى على بوعزيزي بل وخرج إلى الشوارع هاتفاً صارخاً يسقط الظلم واستمر في ثورته رغم القتل والاعتقال والظلم طوال أسابيع حتى تحققت أول بوادر النصر بهروب طاغية تونس.

وهو ما جعل منصب المفتي في وطننا العربي تم تقنينه لخدمة المستبدين ولتعبيد الناس لهم تحت غطاء الدين والدين منهم براء.

بين مهام المفتي والتحزب للسلطة

بالنظر للمرسوم الجمهوري المؤرخ في 6 أبريل 1962م والمنشور بالرائد الرسمي بتاريخ 10 أبريل 1962م والتي حددت مهام ديوان الإفتاء، حيث جاء في الفصل الثاني منه أن مفتي الجمهورية هو مستشار الدولة في الشريعة وأصول الدين والمراسم الإسلامية

والتي تتمثل في تعيين بداية كل شهر قمري، وضبط زكاة الفطر وزكاة المال، كما يتولى إسناد شهادات رسمية لطالبي اعتناق الإسلام وشهادات التثبيت على الإسلام للتونسيين وغير التونسيين من المسلمين عند طلبها، وشهادات الحلال لعدد من المنتجات. بالإضافة إلى ذلك، يتولى المفتي الإجابة على أسئلة المسلمين في المسائل الفقهية الشرعية مع إبداء الرأي في مختلف الدراسات الفقهية التي تصل الى الديوان.

وبالنظر إلى مهام ديوان الافتاء المحددة بالقانون، يصعب أن نجد تبريراً للرأي الصادر عنه في مسائل تبدو غريبة عن صلاحياته واختصاصاته خاصة الشئون السياسية وهو ما تكرر معه في البيان الذي أصدر في 26 سبتمبر 2016م حينما حرّم الاحتجاجات الاجتماعية بدعوته لجميع التونسيين أينما كانوا في مواقعهم الإدارية أو في المصانع والمتاجر أو في الحقول أو في المدارس والمعاهد والكليات، إلى صرف جهودهم كاملة في الإقبال على العمل وعلى الدراسة والاجتهاد في تحسين مردودهم وتطوير مجهودهم، وترك الاحتجاجات العشوائية والاعتصامات المعطلة للعمل والإنتاج وسد الطرق والإضرار بالملك العام. (8)

لا أحد ينكر ما قاله المفتي لكن إذا كان النظام جاد في الإصلاح ويعمل له، لكن أن يتستر على الفساد ويرعاه ويطالب الشعب بالانصراف للعمل مستغلا في ذلك سلطة الدين فهذا هو المرفوض، لكن الشيخ بطيخ يأبى إلا أن يكون له دور في تبرير الديكتاتورية مدة سنوات زين العابدين بن علي وبعدها سواء عن طريق الصمت أو من خلال التبرير.

مفتي تحت الطلب

ينظر المثقفين وجموع الشعب التونسي إلى مؤسسة الافتاء في زمن عثمان بطيخ بعدم استقلالية أو الحياد قبل الثورة وبعدها، ما قلّل من صدقيّتها وعزّز الفجوة بين المؤسّسة الدينية الرسمية ومعظم التونسيين.

يعيب البعض على بطيخ عدم الاستدلال بالآيات القرآنية في تصريحاته وحتى في فتواه، ما دفع البعض إلى التشكيك حتى في قدراته الفقهية مما جعل معظم فتاواه مناقضة في كثير من الأحيان للشريعة الإسلامية، كموافقته الرئيس التونسي قايد السبسي في طلبه بمساواة الرجل والمرأة في الميراث

مخالفا صريح الدين الذي جاء بأن للرجل مثل حظ الأنثيين، وهو الأمر الغريب الذي ناقض على بطيخ نفسه فيه، فعلي بطيخ الذي يحل الأن مبدأ الرئيس السبسي في المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث هو نفسه مَن أفتى بتحريم ذلك خلال شهر يونيو - حزيران 2016م

في معرض ردّه على دعوة النائب مهدي بن غربية إلى المناصفة بين الجنسين في تقسيم الميراث، فصرّح بطّيخ وقتها: لا يجوز الاجتهاد في هذه المسألة، لأن النص القرآني صريح في ذلك وحسم فيها. .. وأوصى بطّيخ بعدم الخوض في هذا الموضوع، لأنه "سيفتح المجال للمتطرفين لاستغلاله ضد تونس، بدعوى أنها خارجة عن شرع الله، والبلاد في حاجة إلى التهدئة".

ولم تتوقف أراه الشاذة عند ذلك بل هاجم البوركيني مصرحا بأنه لا يرى ضرورة من ارتداء البوركيني عند السباحة على الرغم من كون الحكومة الفرنسية هي من حاربت البوركيني. ناهيك عن اباحته زواج المسلمة بغير المسلم، والموافقة على طلب الرئيس السبسي بإلغاء القانون 73 الصادر عن وزارة العدل التونسية في العام 1973 بمنع زواج المرأة التونسية المسلمة بأجنبي غير مسلم، على الرغم من معارضة علماء وشعب تونس لهذه الأراء.

وليس ذلك فحسب بل أفتى بإباحته أفطار شهر رمضان لمواجهة كورونا طالما هذا قول الطب.

جزاء من جنس العمل

كان لموقف الشيخ عثمان بطيخ وانبطاحه وتسخير الدين في خدمة زين العابدين بن علي وسلبيته من ثورة الياسمين بل تهجمه عليها ثم فتواه المثيرة بعد الثورة أن أدى ذلك للمطالبة بإقالته من منصبه، وهو ما تحقيق حينما أقال الرئيس التونسي منصف المرزوقي السبت 6 يوليو 2013م مفتي الديار التونسية الشيخ عثمان بطيخ، وعين الشيخ حمدة سعيّد خلفا له، غير أنه ما أن اعتلى السبسي كرسي الحكم حتى أعاده إلى منصبه يوم الثلاثاء 12 يناير 2016م لانسجامه مع فكر ومنهج وسياسة السبسي ولكرهه الشديد لحركة النهضة الإسلامية.

كان من الملفت للنظر أن الشيخ علي بطيخ وجهت له قضايا فساد وتجاوزات في ملف موسم حج 2015 وقت أن كان وزيرا للشئون الدينية في الفترة من 2013 - 2016م حيث تمت إحالة ملف الشيخ عثمان بطيخ إلى القضاء. (9)

ويقول سمير بن عمر - رئيس الهيئة السياسية لحزب "المؤتمر من أجل الجمهورية":

عثمان بطيخ هو مفتي بن علي سابقا، وهو الذي شنّع ثورة تونس في أوجها وعمل على تشويهها، واليوم ما زال يلعب نفس الدور من خلال فتاويه المضحكة التي لا علاقة لها بالدين، وهو بالطبع الرجل غير المناسب في المكان المناسب.

مما سبق يبدو جليا للجميع أن مفتي تونس الشيخ علي بطيخ كان مفتيا محللا لتصرفات وأفعال بن علي، منسجما بفتواه وأفعاله وتصرفاته مع ما قام بها من أعمال استبدادية ضد الشعب التونسي طيلة فترة حكمه، وحينما قام بو العزيزي بحرق نفسه اعتراضا على الظلم سارع المفتي بانتقاد ما جاء به بو عزيزي وأنه منافي لصريح الدين، ساكتا متعمدا عن المظالم والقهر والقتل والسرقة والنهب والفساد الذي قام به نظام زين العابدين بن علي نحو الشعب التونسي.

وكان من المفترض على مفتي تونس – وغيره من مفتي المسلمين – أن يستقل بهذه المؤسسات العريقة عن تصرفات النظام الحاكم ويكون لسان حال الدين الحق تجاه المظالم التي ترتكب ضد الشعب. وأن تشرح هذه المؤسسة للنّاس أمور دينهم، وأن تُبين لهم أحكامه، وتُفصّل لهم ما أشكل عليهم من تعاليمه، وأن تنأى بنفسها عن التحزّب أو التعصّب أو الانحياز إلى طرف سياسي أو طائفي أو عرقي أو طبقي على حساب آخر.

لأنه ووفق ما استقرّ الإجماع عند علماء الإسلام أن يكون المفتي صادقا، نزيها، بعيدا عن الأهواء، وأن يُدليَ برأيه في المسائل الخلافية من دون أن يحتكر النّظر في الشأن الدّيني، ومن دون أن يمارس الوصاية على عقول النّاس واجتهاداتهم.

المراجع

  1. المجموع شرح المهذب، للإمام النووي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، جـ1 ، صـ72-73.
  2. أبن القيم الجوزية: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1395 هـ/ 1975م.، جـ1، صـ330- 331.
  3. محمد بن الخوجة: صفحات من تاريخ تونس، الطبعة الأولى، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1986م، صـ 179-217.
  4. تعريف ديوان الإفتاء التونسي: موقع ديوان الإفتاء
  5. آمال رسلان: دار الإفتاء التونسية.. 60 عاما من الجدل، 16 أغسطس 2017م
  6. عزمي بشارة: الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر، طـ1، 2012م.
  7. صحيفة الصباح التونسية: 7 يناير 2011م.
  8. عبدالسلام الككلي: حين يحرّم ديوان الإفتاء في تونس الاحتجاجات الاجتماعية: تغيرت تونس ولم يتغير الشيخ عثمان بطيخ، 28 سبتمبر 2016م
  9. شبهة فساد تطال مفتي الجمهورية عثمان بطيخ: 19/8/2017م