هذا غرس حسن البنا بعد سبعين عاما من اغتياله
مقدمة
حسن أحمد عبدالرحمن البنا الذي ولد في المجمودية بمحافظة البحيرة لأبويين مصريين كأى طفل ولد، ولم يكن من المحيطين به يدرك الأثر بل والجدل الي سيتركه أو يثيره هذا الطفل. حلمت أمه بأن يكون ابنها كبقية العلماء وهو حلم كل أم نشأت في بيئة طيبة لا تعرف سوى الإسلام عقيدة، وكانت تتمنى له طول العمر والحياة الرغدة والزواج الهنيئ والذرية الطيبة التي تحمل اسمه، لكن حسن البنا ترك ذكر ابيه وأمه منذ ولد حتى الآن.
شخصية غريبة لم تحظ شخصية في العصر الحديث مثلما حظى حسن البنا وأثره من خلال المراكز البحثية بل والحكومات الإسلامية والغربية على السواء، بل وصل اليوم أن أصبح اسم حسن البنا وأثره المتمثل في جماعة الإخوان يتم ذكره في كل بيت وفي كل ويلة إعلام وبين سطور كل كتاب.
كتب عنه بصدق من كتب، وتحامل عليه كرها وحسدا من تحامل، وانتقده مخلصون فالنقد صفة المخلصيين، واتهمه مجرمون لم يسعوا من وراء اتهامهم إلا تشويه صورة الحركة الإسلامية من اجل رضاء الغرب عنهم أو لحماية عروش ديكاتوريتهم.
لم يقل أحد أن حسن البنا منزه من الأخطاء، او أتى بما لم يأت به أحد من قبله أو بعد، لكنه رجل أصاب وأخطأ، وقال وعمل، غير أن الكل أجمع (إلا المجرمون) أنه كان شريفا نزيها وطنيا عمل لدينه ووطنه ولم تغره المفاتن والتي كانت تلقى تحت أقدامه، لكنه أثر الأخرة ورضا ربه ومات فقيرا مديونا، رغم ما زيفه المجرمون من أقاويل عن حصوله على الأموال من الغرب والشرق.
لم يكن غرضهم تشويه الرجل فالرجل قد مات ورحل من عشرات السنين، لكنهم يخافون فكره ومفهومه الصحيح للإسلام الذي يرعب أمثال كارهي الفكر الإسلامي من الغرب والشرق. لقد أدرك كبار الكتاب والعلماء عظم ما قدمه الرجل، حيث لم يترك كتبا فحسب لا ترك أفرادا ترجموا الإسلام الحقيقي قولا وعملا، وصبروا على ما أوذوا، ولنقتطف جزيئات مما كتبه هؤلاء الكبار عن شخصية هذا الرجل الذي عالجوه بالقتل وهو ما زال شابا في الأربعينيات.
ماذا لمس الأستاذ أحمد الزيات في البنا؟
الأستاذ أحمد حسن الزيات باشا (1885- 1965) أحد كبار هذه الأمة الإسلامية، بل أحد كبار رجال النهضة الثقافية في مصر والعالم العربي، ومؤسس مجلة الرسالة. حتى أنه اختير عضوا في المجامع اللغوية في القاهرة، ودمشق، وبغداد، وفاز بجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1962 م في مصر.
وصف بكلماته حقيقة حسن البنا (التي يحاول الإنقلابيون وأذناب الغرب وأتباعه والديكتاتوريين طمسها) التي لمسها في هذا الشاب، رغم فارق السن الكبير بين الأستاذ الزيات والشاب حسن البنا، ومصاحبة الزيات لكثير من العلماء، لكنها كلمة الحق التي يتحدث بها العظماء في حق الأخرين حتى ولو كانوا أصغرا منهم سنا، لأنهم ينظرون إلى ما تركه المرء من أثر.
والسؤال: هل اكتشف الانقلابيون حاليا وبعد ما يزيد عن 70 عاما من وفاة الشيخ البنا لم يكتشفه من عاش معه وحضر مواقفه أمثال شيخ الأزهر الشيخ المراغي والأستاذ الزيات والشيخ محمد رشيد رضا والخطيب؟؟؟ هل نصدق ما يسوقه من يبحث في كلمات كتاب غربيين يكرهون كل ما هو إسلامي ونكذب من عايشوا الرجل؟؟؟؟؟
كتب الأستاذ أحمد الزيات عن البنا يقول:
- وجدت فيه ما لم أجد فى قبيله أو أهل جيله: من إيمان بالله راسخ رسوخ الحق، لا يزعزعه غرور العلم، ولا شرود الفكر، وفقه فى الدين صاف صفاء المزن لا يكدره ضلال العقل ولا فساد النقل، وقوة فى البيان مشرقة إشراق الوحى لا تحبسها عقدة اللسان ولا ظلمة الحس، إلى حديث يتصل بالقلوب، ومحاضرة تمتزج بالأرواح، وجاذبية تدعوك إلى أن تحب، وشخصية تحملك على أن تذعن.
فإن الفطرة التى فطر عليها حسن البنا والحقبة التى ظهر فيها حسن البنا تشهدان بأنه المصلح الذى اصطنعه الله لهذا الفساد الذى صنعه الناس!!. ولم يكن إصلاحه - رضوان الله عليه - من نوع ما جاء به ابن تيمية وابن عبد الوهاب ومحمد عبده، فإن هؤلاء قصروا إصلاحهم على ما أفسدته البدع والأباطيل من جوهر العقيدة، أما هو فقد نهج فى إصلاحه منهج الرسول نفسه: دعا إلى إصلاح الدين والدنيا، وتهذيب الفرد والمجتمع، وتنظيم السياسة والحكم
فكان أول مصلح دينى فهم الإسلام على حقيقته وأمضى الإصلاح على وجهه، لم يفهم الإسلام الذى طهر الأرض وحرر الخلق وقرر الحق على أنه عبادات تؤدى، وأذكار تقام، وأوراد تتلى، وإنما فهمه كما فهمه محمد وعمر وخالد، نورًا للبصر والبصيرة، ودستورًا للقضاء والإدارة، وجهادًا للنفس والعدو.
ولقد كان النهج الذى قبسه (البنا) من القرآن وعززه بالعلم ونشره بالبيان وأيده بالمعاملة كان من الجد والصدق والعزيمة بحيث زلزل أقدام المستعمر، وأقض مضاجع الطاغية، وخيب آمال المستغل، فتناصرت قوى الشر على الدعوة العظيمة وهى تتجدد فى مصر كما تناصرت قوى الشرك عليها وهى تولد فى الحجاز، ولما كان حسن البنا فكرة لا صورة، ومبدأ لا شخصًا، فإن الفكرة الصالحة تنمو نماء النبت، والمبدأ الحق يبقى بقاء الحق.اهـ
كانت هذه الكلمات التي كتبها الأستاذ أحمد حسن الزيات لأول مرة في مجلة الرسالة، رغم أنه لم يكتب عن البنا في المجلة فترة حياته، لكن بعدما رحل الشاب أفاض الأستاذ الزيات بقلم مملوء بالألم على وفاة شاب كان يحلم بسيادة وطنه وتحرره.
لم يتوقف الزيات يكتاباته عن البنا فكتب عن أثره الذي تركه وهي جماعة الإخوان المسلمين، موضحا حقيقتها ودورها وأثرها فكتب في مجلة الرسالة تحت عنوان الرسالة والدعوة عام 1952 يقول: إنهم لا يفهمون الدين على أنه صومعة منعزلة، ولا الدنيا على أنها سوق منفصلة؛ وإنما يفهمون أن المسجد منارة السوق، وأن السوق عمارة المسجد.
وكيف تفترق الروح عن الجسد إلا في الموت، وينقطه الهادي عن الركب إلا في الضلال، وينفصل الدين عن الدنيا إلا في الكفر؟ لذلك كان للإخوان المسلمين في الإرشاد لسان، وفي الاقتصاد يد، وفي الجهاد سلاح، وفي السياسة رأي وهم لا يؤمنون بالحدود السياسية والجغرافية في وطن الإسلام الأكبر! إنما يبسطون تآخيهم على كل رقعة من الأرض يذكر فيها أسم الله. فلهم في كل بلد من البلاد العربية أتباع، وفي كل قطر من الأقطار الإسلامية أشياع.
وبفضل هذه الروح القدسية المحمدية التي بثها الإخوان في العالم الإسلامي بالدعاية والقدوة، دبت فيه الحرارة، وغلا به النشاط، واستولى عليه القلق، وعصفت به الحمية؛ فهو يثور على المستعمر، ويتمرد على المستبد، ويتنكر للمفسد. وما يقظة الوعي العام في مصر والسودان، وفي العراق وسورية وفي اليمن والحجاز، وفي الجزائر ومراكش، إلا شعاع من هذه الروح سيكون له بعد حين نبأ!.
أحمد شلبي وأثر حسن البنا
لم يكن الدكتور أحمد شلبي يوما ما من الإخوان، لكنه صرف جهده للعمل لدين الله والتأليف، ورغم انتقاده للإخوان (وهذا حقه كنقد موضوعي) لكنه لم ينس أثر الرجل الذي غرس هذه البذرة فأتت ثمارها الطيبة
فكتب يقول:
- إن هذه الجماعة لعبت دورا إسلاميا رائعا في حياة الصبيان والشباب والرجال ، وغرست أخلاق الإسلام في الملايين وجعلت الانتساب للإسلام مفخرة يعتز بها الكثيرون ، وربطت بين المسلمين في مختلف إلأنحاء وكونت من المسلمين قوة هائلة هزت غطرسة الاستعمار وقوى الغرب وطلائع الصهيونية
- ودفعت إلى المكاتب والمصانع والوظائف جماعات تعرف الله وتخافه ، وبالتالي تنتج بجد ، وتعمل دون رقيب من الناس ، ولا تمتد لها الشبهات ، ولا يمسها الانحراف ، كانت كلمة (من الإخوان المسلمين) طابعا للتنزه عن الصغائر ، والبعد عن الرشوة ، ومن الإهمال والحرص على أداء الواجب ، وحيثما رأيت الآن رجلا يبرز به هذا الطابع فأعرف أنه غالبا كان منتسبا إلى جماعة الإخوان المسلمين".
الشيخ المراغي ومؤسسة الأزهر
الشيخ محمد مصطفى المراغي هو شيخ الأزهر الذي حمل الحق في مواجهة الملك فؤاد ولم يقبل أن يفرض الملك سلطته على الأزهر وعلماءه بتعين شيخ أزهر موالي له. هذه شهادة شيخ الأزهر في حق الشاب حسن البنا (الشيخ المراغي من مواليد 1881 وتوفى 1945) الذي عايشه ورأى أثره، وهي شهادة تذر الرماد في أعين علماء السلطان الذين باعوا دينهم ودنياهم بدنيا غيرهم.
كتب عن حسن البنا الشاب وأثره الذي تركه في الشباب وفي المجتمع فقال:
- إن الأستاذ البنا، رجل مسلم غيور على دينه، يفهم الوسط الذى يعيش فيه، ويعرف مواضع الداء فى جسم الأمة الإسلامية، ويفقه أسرار الإسلام، وقد اتصل بالناس اتصالا وثيقًا على اختلاف طبقاتهم، وشغل نفسه بالإصلاح الدينى والاجتماعى، على الطريقة التى كان يرضاها سلف هذه الأمة.
رأى الدكتور منصور فهمي باشا في البنا وعلاقته بالغير
منصور فهمي باشا (واحد ممن يطلق عليهم "جيل الرواد" الذين أرسلوا فى بعثات إلى أوروبا، ويعتبر من مؤسسى مجمع اللغة العربية 1933م، عميد كلية الآداب جامعة الملك فؤاد الأول "القاهرة" 1939م، ومديرًا لدار الكتب 1942م، ومديرًا لجامعة الإسكندرية 1946م) ذكر أنه التقى بالأستاذ البنا عشرات المرات فأثر فيه حسن انصاته، وعمق تفكيره، وترجمة إسلامية بصورة عملية وحقيقية.
هذا الرجل كتب كلمات يرثى بها حسن البنا الشاب (الذي يصفه الأمنجيون بمنبع الإرهاب، ولا ندري كيف نصق هؤلاء الكاذبين أمام سيل الكتابات من علماء كبار) ، حيث كتب يقول: "لو فهم الناس الدين من منابعه الصافية فى القرآن والسنة الصحيحة والفطرة البشرية السليمة لما تنكر متنكر لدعوة الإمام الشهيد".
رأى الشيخ - رحمه الله - ضرورة إصلاح المجتمع بدواء يُستحلَب من بيئة الإسلام نفسه فى طهرها وسلامتها من الشوائب، والإسلامُ فى حقيقته يتحاشى الذلة والجهل والنعومة والترف ويطمح إلى الرجولة والعزة والبساطة النافعة وما إلى ذلك مما يطمح إليه مجتمع راقٍ ناهض.
ولقد أخطأ وظلم من توهم أن فى دعوة الفقيد ذرة من التعصب المقيت، يتجلى فى معاداة من ليسوا على دينه وعقيدته؛ وذلك لأن هذا الرجل كان رقيق القلب مهذب النفس، يفهم دينه كما يجب أن يُفهم على حقيقته، ويعلم أن من الأسس التى قامت عليها دعائم الإسلام ألا إكراه فى الدين
وإنى لأعلم علم اليقين أن الفقيد الراحل كان أخًا كريمًا وصديقًا صادقًا للكثيرين من أهل الرأى والفكر مما هم على غير دينه، وكان فى حلقة الجدل والمباحثة يتخلى عن رأى بدا له إلى رأى صائب جاء ممن يغايره فى الرأى أو فى العقيدة، ومثل هذه الصفات التى يتحلى بها الفقيد تتنافى مع ما يلصقه البعض بالدعوة من تهم قامت على التوهم.
رأى الصحفي محمد التابعي في البنا وأثره
محمد التابعي من عمالقة رجال الصحافة وأحد رموزها الكبار، وكان صاحبة مجلة أخر ساعة، والذي لا يلتف الإنقلابيون إلى شهادات أمثال هؤلاء بل يحاولون اختلاق الأكاذيب عن الإمام البنا لتشويه سيرته ومسيرته.
لم يكن محمد التابعي يحتاج لتملق الإخوان ولا حسن البنا، فهو صاحب المقام الرفيع، وكتب مقاله عام 1952م بمعنى أن حسن البنا لن يقرأه، لكنه عبر عما شعر به تجاه الشاب حسن البنا (والذي يكذب ما يقوله أذناب الإنقلابيين كالخرباوي وغيره)
فقد كتب محمد التابعي يقول:
- التقيت به مصادفة مرتين فى عام 1948م بمكتب صديقى مصطفى أمين فى أخبار اليوم، والذى وقع فى نفسى أنه -رحمه الله- كان ذا شخصية قوية، سليم المنطق قوى الحجة، وما من شك أن المرحوم الأستاذ حسن البنا قد ترك أثرًا عميقًا فى تاريخ مصر الحديث، وأنه سيأخذ مكانه إلى جانب قادة الجماهير من أمثال مصطفى كامل وسعد زغلول.
حسن البنا في نظر نقيب الصحفيين حسين فهمي
وهذا أحد كبار صاحبة الجلالة يسطر عما عايشه ولمسه في الأستاذ حسن البنا عن قرب، وليس كما يفعل الأمنجيون الآن، إنه الأستاذ حسين فهمي نثيب الصحفيين عام 1955م في عهد عبد الناصر
والذي كتب عن الإمام البنا قوله:
- لقد تلفت الإمام العظيم فى فجر شبابه إلى العالم الإسلامى من إندونيسيا إلى مراكش فوجد الجهالة تغمر بلاده، والخرافات تسيطر على عقول أبنائه، والمطامع والأهواء تحرك أهله وأولى الأمر فيه، فانطوى على القرآن يتلمس سبيل الخلاص، وعلى السنة يبحث عن أصل الداء ويلتمس الدواء، فرأى العجب.
- كان هذا حديثنا فى الساعة وبعض الساعة التى قضيناها فى مكتب الأستاذ الجليل فى ليلة الثلاثاء هذه، التى ما زلت أذكرها، على ما مر عليها من سنوات وأحداث، فأذكر أستاذًا عظيمًا، ومسلمًا داعيًا، وزعيمًا مؤمنًا، ومحاضرًا فى الصف الأول من الأساتذة والمحاضرين.
بين شهادة وشهادة
تتدفق علينا كثير من كتابات أرباب الإنقلابيين محاولين تشويه سيرة ومسيرة الأستاذ حسن البنا، ولم ينظر واحد لنفسه أبدا ماذا قدم لنفسه أو لأسرته يفتخر به، أو لوطنه الذي يدعى وطنيته، أو دينه الذي يدعى انتسابه له، ولم يتركوا إلا شعارات فارغة يتكلمون بها ليهموا الناس بأنهم كبار.
لا نهاجم من اختلف مع حسن البنا أو جماعة الإخوان المسلمين يبتغي تصحيح المفاهيم أو صاحب نقد بناء لتصحيح عيوب، فهؤلاء تبحث عنهم الشعوب وسط أكوام من ركام لينفضوا عن الشعب غبار التبعية والأنانية، بل وتصدرهم الشعوب المحترمة للصدارة لأنهم ينقدون من اجل مصلحة الناس والمجتمع.
لكننا نتكلم عن أصحاب المصالح التي ارتبطت بذي سلطان، نتكلم عن الذين لا يهمهم إلا أن يعيشوا أى حياة سواء كانت كريمة أو ذليلة، لكن المهم أن يعيشوا تحت لو تحت أقدام أصحاب البيادات. فهؤلاء كتاباتهم واتهامتهم لا قيمة لها، وكلهم في يوما ما سيرحلون ويبقى أثرهم الخبيث وكتاباتهم التي تشهد على كذبهم ولعنات الناس عليهم بعد موتهم. لكن حسن البنا وكل مصلح ما زال الجميع يترحمون عليهم، وما زال أثرهم خالد يتلمسه الجميع، وما زالت سيرتهم ومسيرتهم مضيئة.
المصادر
- أنور الجندي: "حسن البنا الداعية الإمام والمجدد الشهيد"، دار القلم، دمشق، 2000، صـ340: 342.
- أحمد حسن الزيات: مجلة الرسالة، الرسالة والدعوة، العدد 966، 7 يناير 1952، صـ1.
- أحمد شلبي: رحلة حياة، طـ3، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1982م، صـ141.
- مجلة المنار: الجزء الخامس، المجلد 35 ، غرة جمادى الآخرة 1358هـ - 18 يوليو 1939م، صـ2.