الفرق بين المراجعتين لصفحة: «مقتل خاشقجي.. مجمع الفجاجة»

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
(أنشأ الصفحة ب''''<center><font color="blue"><font size=5> ربيعنا العربي وشتاؤهم الفرنسي </font></font></center>''' ملف:الربيع.jpg|تصغير|22...')
 
ط (حمى "مقتل خاشقجي.. مجمع الفجاجة" ([تعديل=السماح للإداريين فقط] (غير محدد) [النقل=السماح للإداريين فقط] (غير محدد)))
 
(مراجعة متوسطة واحدة بواسطة مستخدم واحد آخر غير معروضة)
سطر ١: سطر ١:
'''<center><font color="blue"><font size=5>  ربيعنا العربي وشتاؤهم الفرنسي </font></font></center>'''
'''<center><font color="blue"><font size=5>  مقتل خاشقجي.. مجمع الفجاجة </font></font></center>'''




[[ملف:الربيع.jpg|تصغير|220بك|يسار|'''<center>وائل قنديل</center>''']]
[[ملف:سيف الدين عبد الفتاح.jpg|220بك|يسار]]


'''( 07 [[ديسمبر]] [[2018]])'''
'''( 07 [[ديسمبر]] [[2018]])'''




'''بقلم: وائل قنديل'''
'''بقلم: الدكتور سيف الدين عبد الفتاح'''


لم يكن ما جرى في باريس، طوال الأسبوع الماضي، ثورة، حتى نتمدد فوق الأرائك، ونستدعي ثورات الربيع العربي من الذاكرة القريبة، ونعقد المقارنات، ونضع النهاية السعيدة، ثم نذهب للنوم مرتاحين.
تتجمع في معمل الاستبداد مجموعة من الثقافات السلبية والدنيئة، فالمستبد لا يرى على صفحة الحياة ومجال السياسة إلا نفسه، كل شيء هالك إلا نفسه وكرسيه، ومن ثم، فإنه قد يضحي بكل شيء من أجل أن يبقى في المشهد وعلى كرسيه. كان مقتل الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، في قنصلية بلاده كاشفا فاضحا، فارقا فاصلا، في أمور كثيرة تتعلق بطبعة الاستبداد العربي الذي يعبر في حقيقة أمره عن “طبعة فاجرة فجّة”؛ تجمع بين ثقافات دنيئة. ومن هنا، يمكن رؤية كل تلك التكهنات التي حاولت التنبؤ، بشكل أو بآخر، حول إلغاء جولات أو تأجيل مباحثات أو مشاركة في قمة العشرين، باعتبار أن ذلك ما تقتضيه الرشادة والتفكير السديد، حتى لو كان الأمر يتعلق بالاستبداد العتيد، إلا أن عالم الرشد في المستبدين العرب قد ولى، وأن التفكير العاقل قد انحدر إلى أسفل سافلين، فهو يصرّ على القيام بجولاته وصولاته في عملية استعراضية، لتأكيد رسم صورةٍ تتعلق بقدرته وثقته واستمراريته، وكأن كل ما حكي عن تورّطه الشنيع والرهيب في عملية مقتل خاشقجي ليس له من أثر، ولا يترك عليه أية ضغوط. المستبد في طبعتنا تلك لا يقيم لذلك وزنا، ولا يحرّك له جفنا.


على مدار أيام الغضب الفرنسي، لم تتوقف عمليات الاستدعاء والإحالة، للربط بين حدثين، ومحاولة الخلوص إلى نتيجة سهلةٍ وبسيطة، مؤداها أن الفرنسيين فعلوا كما ثوار الربيع العربي، وأن على الحالمين العرب باستكمال ثوراتهم أن يستلهموا التجربة الفرنسية في الشانزليزيه، وامتداداتها في بروكسل.
أصر المستبد القاتل، أو المتواطئ على قتل مواطن بريء، لم يكن يملك إلا قلمه يكتب كلاما معتدلا ناصحا مسدّدا، يؤثر أن يعبر أنه يحب بلده، ويتمنى له الرقي والتقدم، ولا يسمي نفسه معارضا، إلا أن الأمر لم يكن يحمل إلا رؤية المستبد لنفسه، وقد تملكه تضخّمه وكبرياؤه، وقد تجبر بطغيانه وتمدد سلطانه، أصر على جولته لتبييض وجهه. ذهب إلى حلفائه أولا وداعميه، حتى يتدرب على المواجهة الزائفة، فهم يمارسون الابتسامة العريضة في وجهه، ويخططون لاستقباله استقبالا حافلا، ليأتي هو وصحبه في محاولةٍ لإبراز ثقته وتماسكه، حتى في بعض هذه البلاد، مثل [[مصر]]، واجهه بعض الصحافيين، وكذلك بعض من القوى السياسية، وصدعوا في وجهه “لا أهلا ولا مرحبا”، وأسرف آخرون في صناعة استقباله، فجمع بعض البسطاء ومزيدا من البلطجية في [[ميدان التحرير]] الذي لا يقربه أحد، لكنه فُتح لهؤلاء يحملون أعلام [[السعودية]] الكبيرة، وفي اليد الأخرى أعلاما [[مصر]]ية صغيرة. هؤلاء على ما اعتاد المستبدون في [[مصر]] من تعبئة مثل هذه المقابلات المأجورة التي تخرج عند الطلب، مثلت، للأسف الشديد، أسوأ دعم وتأييد. أخطر من ذلك أنه في بلاد [[تونس]] وموريتانيا واجهه هؤلاء بمظاهراتٍ غير مرحبة تصفه بالقاتل، وفي بلاد [[الجزائر]] لم يكن الأمر أفضل حالا، بدت هذه الجولة في محاولةٍ منه لتبيض وجهه، إلا أن الوجه المكشوف انفضح في مواجهةٍ مع الشعوب، ومن حيث أراد بياض وجهه وتبييضه، فازداد وجهه اسودادا.


هل تشبه ثورة الخامس والعشرين من [[يناير]] ال[[مصر]]ية،على سبيل المثال، تظاهرات الوقود في باريس؟ إن كان لابد من عقد المقارنات، فإن الأقرب إلى أحداث باريس في الذاكرة ال[[مصر]]ية هي انتفاضة الخبز في 18 - 19 [[يناير]]/ كانون ثاني 1977، أما [[ثورة يناير]] الكبرى في [[2011]]، فإننا نظلمها كثيرًا، ونخدش نقاء معانيها ومنطلقاتها، حين نساوي بينها وبين ما جرى في فرنسا، على أن ذلك لا يعني بالطبع التقليل أو التحقير من انتفاضة الغضب الشعبي الفرنسية، احتجاجًا على قراراتٍ حكوميةٍ تمس أمنهم الاجتماعي وتصعب عليهم حياتهم.
وفي محطته في قمة العشرين، أراد أن يلتقط الصور، وأن يتسول المصافحات واللقاءات، فهذا يقابله ثواني معدودة، وهذا يصافحه ضاحكا، إلا أن ذلك لم يكن إلا في عالم السياسة، شخصٌ يتسول المصافحة علامة على الوجود، وزعماء يتحاشونه، لما ارتكب وافتضح فيه أمره، وانكشاف المستور، ومن شعوبٍ ترفضه في تلك الدول التي زارها. وفي الدول الغربية يتظاهرون ضده، وقادة يقابلونه تفضلا وطمعا في أمواله تحت عنوان “الرشوة السياسية“. ملعون ذلك الراشي والمرتشي، ملعون المستبد ومن يدعمه، ملعون هؤلاء الذين يبيعون له اللقطة والصورة لتمرير فعلته، وجريمته الشنعاء في حق الإنسان والإنسانية، ملعون كل هؤلاء في كل كتاب، ولكن كتاب الاستبداد يحاول أن يجعل من صاحبه هو ذلك المتجاهل والمستخف في ثوبٍ يسمّيه الثقة، ممارسا أقصى أنواع الفجر والفجاجة.


لم تطالب احتجاجات باريس بتغيير النظام السياسي، ولم تخرج جوعًا للديمقراطية و[[الحرية]]، فالشاهد أن لدي الشعب الفرنسي تخمة من الحريات الشخصية والسياسية، وحرية التعبير والإبداع، وإنما خرجت هذه الفورة من الغضب احتجاجًا على أوضاع اقتصادية، قد تترتب على قراراتٍ حكوميةٍ بزيادة الضرائب على المحروقات.
لم يقف الأمر عند هذا الحد، أراد أن يتصدّر الصورة، فتجاهله المصورون، وأغفلته الصورة. أراد أن يبرز في الصورة منذ بدايتها، فهرول إليها مسرعا، وذهب إليها متقدّما، يقف على الطرف، ليمر عليه كل من يلتحق متسولا ومتوقعا مصافحة. تجاهله الجميع، ولم يصافحه أحد. كانت الصورة تؤكد أنه المنزوي المنبوذ، حتى لدى هؤلاء الذين أرادوا أن يحسّنوا صورته وطمعوا في ثروته، كل منهم يفعل ما يفعل، وهو الذي يتهرّب من ذلك المنبوذ. ومن الأسف حقا أن تخرج صحفٌ تهلل لمصافحة الرئيس الروسي، بوتين، له التي كانت هزليةً، طبل لها المطبلون في بلاد العرب، من داعميه وأنصاره، فكان ذلك علامةً على تسوّل هذا القاتل أو المتواطئ فيه وعليه، من نظرة من هنا أو لمصافحة من هناك. وبات الأمر يعبر، في النهاية، عن صورة على عكس ما خطط له، حتى أمواله لم تكف لشراء مصافحته هؤلاء، أو البروز في الصورة مع الزعماء.


وعلى ذلك، انتهى كل شيء، وعادت الحياة إلى هدوئها الباريسي، مع إعلان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، المنحاز جدًا للأثرياء، والمنحاز تمامًا للأثرياء جدًا، على حد تعبير سلفه فرانسوا هولاند، التراجع عن قرار زيادة الضريبة، وكأن شيئًا لم يكن.
أخطر ما في الأمر إدمان المستبد ثقافة الإنكار والاستهتار، وإنها شعبةٌ من سلوك الاستخفاف وحال الاستهبال، إنه يتحدّث أن الجريمة لم تقع، فما هي تلك الجريمة التي يتحدثون عنها؟ كان ذلك مفاجأة للجميع! فالأمر أمر استخفاف بالعقول، حينما يقول ما يقول، فتحول ذلك إلى وبالٍ عليه، فاستنفر الرئيس أردوغان للرد على هذا الاستخفاف الشديد. وتجاهل الآخرون هذا التصريح المستخِف، إلا أن يكون علامة جنون، كما قال أحد هؤلاء من أعضاء الكونغرس في الولايات المتحدة. وبعد كلمة الإنكار، أتت شهادة مديرة وكالة الاستخبارات (سي آي إيه)، جينا هاسبل، في جمع محدود من الأعضاء، بعد شهادة مدفوعة الأجر من وزيري الخارجية والدفاع، مايك بومبيو وجيمس ماتيس، في محاولة لإسناد ترامب دفاعه عن بن سلمان، فاتهمهم بعضهم بالكذب ومحاولة التضليل. وكانت الإدانة فاضحة جامعة من معظم الذين حضروا الشهادة المحدودة لمديرة المخابرات، لتؤكد أنه المتواطئ القاتل، وسخر بعضهم من مطالبة بعض الداعمين لبن سلمان بالدليل الدامغ، فرد عليه أحدهم بالسخرية البالغة، معبرا عن ذلك: ليس هناك أكثر من “المنشار الدامغ”.


أما في حال [[الثورة]] ال[[مصر]]ية، فإنها بدأت بانتفاضة جوعٍ إلى الكرامة الإنسانية و[[الحرية]] وحقوق الإنسان، كما هو مثبتٌ في أدبياتها، إذ انطلقت من فاجعة مقتل الشاب خالد سعيد، تعذيبًا على أيدي قوات الشرطة، وحين تطوّرت من انتفاضةٍ إلى ثورة، كان هتافها الأول "تغيير حرية عدالة اجتماعية". ومنذ صباحها الباكر، رفعت في وجه [[مبارك|حسني مبارك]] شعار "ارحل"، ولاحقًا دخل "العيش" أو الخبز حلبة الهتافات والشعارات، إذ اتسعت دائرة الأحلام، لتستوعب أوجاعًا مطلبية، تخص فئات المجتمع كافة، من عماله إلى فلاحيه وموظفيه وطلابه.
لم يكن هذا تعبيرا فحسب عن ثقافة الإنكار الاعتيادية، كحالة نفسية شبه مرضية، لكن هذا أشار في الحقيقة إلى معنىً إضافي، في وصف المستبد في بلاد العرب في طبعته الجديدة. لم يعد المستبد يمارس فقط ثقافة إنكار، بل عبّر عن مجمع الفجر والفجاجة والتناحة، ثقافة استبداد قرينة الاستخفاف. لم يعد يقبل إلا أن يفعل ما يريد ويدعمه، كل أحد وما يريد، لا يجرؤ كائن من كان على النقد أو الكلام. إنه التطبيل والنفاق، وذلك يورّث شخصيةً تعاني من عدم إحساس وتبلد تجاه الواقع، وانفصال عن الدنيا والعالم. لا يقبل المستبد إلا جحافل المنافقين الذين يهوّنون من أثر فعله، حتى ولو كان جريمة قتل، ويتحدّثون باستخفافٍ عن هذا الاهتمام الكبير بفردٍ لا يعتبرونه ذا وزن، بل يتهمه بعضهم ويصفه بالحقير. ويبدو قاموس النفاق مجاهرا بأسئلة: لماذا هذا بالذات، أو بالعامية ال[[مصر]]ية “اشمعنى”؟ إنها حال المستبد حينما يسعى إلى كسب الوقت، مشفوعا سلوكه بثقافة التسول والتبلد في الإحساس والبرود الشديد، معتقدا، مع مرور الوقت، لعل الجميع ينسى، فهو المتأله الذي لا يُسأل عما يفعل. ولكن هيهات هيهات، ما زال عند بعضهم بعض ضمير، يتحدثون عن شناعة فعله في الإعلام، مطالبين بالتحقيق، وباتهام بن سلمان، ولكنه يعتقد أن بجاحته وتبلدّه وتناحته عين الثقة، وما هي بثقة. إنها مع افتضاح أمره مجمع التناحة في معمل الاستبداد.
 
وطوال أيام التظاهر، كان النظام يحاول أن يسكت غضب ال[[مصر]]يين بتقديم تنازلات وإغراءات اقتصادية واجتماعية، وحتى سياسية، إلا أن الغاية الأسمى بقيت رحيل النظام والدخول في عصر جديد، يلتحق به ال[[مصر]]يون، بقيم [[الحرية]] والديمقراطية وحقوق الإنسان، قبل الخبز والغلاء وبقية الاحتياجات المادية المباشرة، إدراكًا من الجميع أن من شأن الوصول إلى الحالة الديمقراطية أن يكون بابًا آمنًا يؤدي، بالتبعية، إلى الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، وامتلاك آلية التدخل الشعبي، للتصدي لأية مظالم أو أعباء، اقتصادية واجتماعية.
 
مرة أخرى، لا يعني ما سبق تسفيهًا للتحرك الجماهيري من أخل الخبز. وكما قلت سابقًا إن من الخطأ الجسيم اعتبار الثورات نوعًا من فعلٍ ثقافيٍ محض، ينطلق من تنظيراتٍ فكريةٍ ضخمة، ولا يعقل أن نصادر حق البشر في التعبير عن آلام الجوع والفقر والتأزم المعيشي، بحجة أن [[الثورة]] لا بد لها من شعاراتٍ أكثر تقعيراً، تتحدّث عن القيم الكلية المجرّدة، إذ لا تعارض أبداً بين مطلبي الخبز و[[الحرية]]، أو بين الاستجابة لهتاف البطون وتلبية نداء العقول، فمن يطلب الخبز، بالضرورة يسعى إلى [[الحرية]]، وليس صحيحاً أن الجوعى لا يطالبون ب[[الحرية]] والعدل والكرامة.
 
لكن الحاصل فعلًا أن الفرنسيين حققوا، منذ عقود طويلة، منجزهم الديمقراطي والثقافي، ووصلوا إلى امتلاك فائضٍ من القيم الديمقراطية والحريات، من خلاله وحده، قرّروا الاحتجاج، حد العنف والشغب، ضد إجراءات اقتصادية، وهم مطمئنون إلى أن أحدًا لن يتهمهم بالخيانة والعمالة لجهاتٍ أجنبية، ولن يشكك في وطنيتهم وانتمائهم لبلدهم.
 
كانت ثورة ال[[مصر]]يين حلمًا بالربيع، فيما لا تعدو احتجاجات الفرنسيين كونها سعيًا إلى بعض الدفء في الشتاء.


==المصدر==
==المصدر==


*'''مقال:''' [http://sharkiaonline.net/news_139966  ربيعنا العربي وشتاؤهم الفرنسي ] '''موقع الشرقية أون لاين'''
*'''مقال:''' [http://sharkiaonline.net/news_139946  مقتل خاشقجي.. مجمع الفجاجة ] '''موقع الشرقية أون لاين'''


[[تصنيف:تصفح الويكيبيديا]]
[[تصنيف:تصفح الويكيبيديا]]
[[تصنيف:مقالات الشرقية أون لاين]]
[[تصنيف:مقالات الشرقية أون لاين]]

المراجعة الحالية بتاريخ ١٤:٢٣، ١٠ أغسطس ٢٠٢٠

مقتل خاشقجي.. مجمع الفجاجة


سيف الدين عبد الفتاح.jpg

( 07 ديسمبر 2018)


بقلم: الدكتور سيف الدين عبد الفتاح

تتجمع في معمل الاستبداد مجموعة من الثقافات السلبية والدنيئة، فالمستبد لا يرى على صفحة الحياة ومجال السياسة إلا نفسه، كل شيء هالك إلا نفسه وكرسيه، ومن ثم، فإنه قد يضحي بكل شيء من أجل أن يبقى في المشهد وعلى كرسيه. كان مقتل الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، في قنصلية بلاده كاشفا فاضحا، فارقا فاصلا، في أمور كثيرة تتعلق بطبعة الاستبداد العربي الذي يعبر في حقيقة أمره عن “طبعة فاجرة فجّة”؛ تجمع بين ثقافات دنيئة. ومن هنا، يمكن رؤية كل تلك التكهنات التي حاولت التنبؤ، بشكل أو بآخر، حول إلغاء جولات أو تأجيل مباحثات أو مشاركة في قمة العشرين، باعتبار أن ذلك ما تقتضيه الرشادة والتفكير السديد، حتى لو كان الأمر يتعلق بالاستبداد العتيد، إلا أن عالم الرشد في المستبدين العرب قد ولى، وأن التفكير العاقل قد انحدر إلى أسفل سافلين، فهو يصرّ على القيام بجولاته وصولاته في عملية استعراضية، لتأكيد رسم صورةٍ تتعلق بقدرته وثقته واستمراريته، وكأن كل ما حكي عن تورّطه الشنيع والرهيب في عملية مقتل خاشقجي ليس له من أثر، ولا يترك عليه أية ضغوط. المستبد في طبعتنا تلك لا يقيم لذلك وزنا، ولا يحرّك له جفنا.

أصر المستبد القاتل، أو المتواطئ على قتل مواطن بريء، لم يكن يملك إلا قلمه يكتب كلاما معتدلا ناصحا مسدّدا، يؤثر أن يعبر أنه يحب بلده، ويتمنى له الرقي والتقدم، ولا يسمي نفسه معارضا، إلا أن الأمر لم يكن يحمل إلا رؤية المستبد لنفسه، وقد تملكه تضخّمه وكبرياؤه، وقد تجبر بطغيانه وتمدد سلطانه، أصر على جولته لتبييض وجهه. ذهب إلى حلفائه أولا وداعميه، حتى يتدرب على المواجهة الزائفة، فهم يمارسون الابتسامة العريضة في وجهه، ويخططون لاستقباله استقبالا حافلا، ليأتي هو وصحبه في محاولةٍ لإبراز ثقته وتماسكه، حتى في بعض هذه البلاد، مثل مصر، واجهه بعض الصحافيين، وكذلك بعض من القوى السياسية، وصدعوا في وجهه “لا أهلا ولا مرحبا”، وأسرف آخرون في صناعة استقباله، فجمع بعض البسطاء ومزيدا من البلطجية في ميدان التحرير الذي لا يقربه أحد، لكنه فُتح لهؤلاء يحملون أعلام السعودية الكبيرة، وفي اليد الأخرى أعلاما مصرية صغيرة. هؤلاء على ما اعتاد المستبدون في مصر من تعبئة مثل هذه المقابلات المأجورة التي تخرج عند الطلب، مثلت، للأسف الشديد، أسوأ دعم وتأييد. أخطر من ذلك أنه في بلاد تونس وموريتانيا واجهه هؤلاء بمظاهراتٍ غير مرحبة تصفه بالقاتل، وفي بلاد الجزائر لم يكن الأمر أفضل حالا، بدت هذه الجولة في محاولةٍ منه لتبيض وجهه، إلا أن الوجه المكشوف انفضح في مواجهةٍ مع الشعوب، ومن حيث أراد بياض وجهه وتبييضه، فازداد وجهه اسودادا.

وفي محطته في قمة العشرين، أراد أن يلتقط الصور، وأن يتسول المصافحات واللقاءات، فهذا يقابله ثواني معدودة، وهذا يصافحه ضاحكا، إلا أن ذلك لم يكن إلا في عالم السياسة، شخصٌ يتسول المصافحة علامة على الوجود، وزعماء يتحاشونه، لما ارتكب وافتضح فيه أمره، وانكشاف المستور، ومن شعوبٍ ترفضه في تلك الدول التي زارها. وفي الدول الغربية يتظاهرون ضده، وقادة يقابلونه تفضلا وطمعا في أمواله تحت عنوان “الرشوة السياسية“. ملعون ذلك الراشي والمرتشي، ملعون المستبد ومن يدعمه، ملعون هؤلاء الذين يبيعون له اللقطة والصورة لتمرير فعلته، وجريمته الشنعاء في حق الإنسان والإنسانية، ملعون كل هؤلاء في كل كتاب، ولكن كتاب الاستبداد يحاول أن يجعل من صاحبه هو ذلك المتجاهل والمستخف في ثوبٍ يسمّيه الثقة، ممارسا أقصى أنواع الفجر والفجاجة.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، أراد أن يتصدّر الصورة، فتجاهله المصورون، وأغفلته الصورة. أراد أن يبرز في الصورة منذ بدايتها، فهرول إليها مسرعا، وذهب إليها متقدّما، يقف على الطرف، ليمر عليه كل من يلتحق متسولا ومتوقعا مصافحة. تجاهله الجميع، ولم يصافحه أحد. كانت الصورة تؤكد أنه المنزوي المنبوذ، حتى لدى هؤلاء الذين أرادوا أن يحسّنوا صورته وطمعوا في ثروته، كل منهم يفعل ما يفعل، وهو الذي يتهرّب من ذلك المنبوذ. ومن الأسف حقا أن تخرج صحفٌ تهلل لمصافحة الرئيس الروسي، بوتين، له التي كانت هزليةً، طبل لها المطبلون في بلاد العرب، من داعميه وأنصاره، فكان ذلك علامةً على تسوّل هذا القاتل أو المتواطئ فيه وعليه، من نظرة من هنا أو لمصافحة من هناك. وبات الأمر يعبر، في النهاية، عن صورة على عكس ما خطط له، حتى أمواله لم تكف لشراء مصافحته هؤلاء، أو البروز في الصورة مع الزعماء.

أخطر ما في الأمر إدمان المستبد ثقافة الإنكار والاستهتار، وإنها شعبةٌ من سلوك الاستخفاف وحال الاستهبال، إنه يتحدّث أن الجريمة لم تقع، فما هي تلك الجريمة التي يتحدثون عنها؟ كان ذلك مفاجأة للجميع! فالأمر أمر استخفاف بالعقول، حينما يقول ما يقول، فتحول ذلك إلى وبالٍ عليه، فاستنفر الرئيس أردوغان للرد على هذا الاستخفاف الشديد. وتجاهل الآخرون هذا التصريح المستخِف، إلا أن يكون علامة جنون، كما قال أحد هؤلاء من أعضاء الكونغرس في الولايات المتحدة. وبعد كلمة الإنكار، أتت شهادة مديرة وكالة الاستخبارات (سي آي إيه)، جينا هاسبل، في جمع محدود من الأعضاء، بعد شهادة مدفوعة الأجر من وزيري الخارجية والدفاع، مايك بومبيو وجيمس ماتيس، في محاولة لإسناد ترامب دفاعه عن بن سلمان، فاتهمهم بعضهم بالكذب ومحاولة التضليل. وكانت الإدانة فاضحة جامعة من معظم الذين حضروا الشهادة المحدودة لمديرة المخابرات، لتؤكد أنه المتواطئ القاتل، وسخر بعضهم من مطالبة بعض الداعمين لبن سلمان بالدليل الدامغ، فرد عليه أحدهم بالسخرية البالغة، معبرا عن ذلك: ليس هناك أكثر من “المنشار الدامغ”.

لم يكن هذا تعبيرا فحسب عن ثقافة الإنكار الاعتيادية، كحالة نفسية شبه مرضية، لكن هذا أشار في الحقيقة إلى معنىً إضافي، في وصف المستبد في بلاد العرب في طبعته الجديدة. لم يعد المستبد يمارس فقط ثقافة إنكار، بل عبّر عن مجمع الفجر والفجاجة والتناحة، ثقافة استبداد قرينة الاستخفاف. لم يعد يقبل إلا أن يفعل ما يريد ويدعمه، كل أحد وما يريد، لا يجرؤ كائن من كان على النقد أو الكلام. إنه التطبيل والنفاق، وذلك يورّث شخصيةً تعاني من عدم إحساس وتبلد تجاه الواقع، وانفصال عن الدنيا والعالم. لا يقبل المستبد إلا جحافل المنافقين الذين يهوّنون من أثر فعله، حتى ولو كان جريمة قتل، ويتحدّثون باستخفافٍ عن هذا الاهتمام الكبير بفردٍ لا يعتبرونه ذا وزن، بل يتهمه بعضهم ويصفه بالحقير. ويبدو قاموس النفاق مجاهرا بأسئلة: لماذا هذا بالذات، أو بالعامية المصرية “اشمعنى”؟ إنها حال المستبد حينما يسعى إلى كسب الوقت، مشفوعا سلوكه بثقافة التسول والتبلد في الإحساس والبرود الشديد، معتقدا، مع مرور الوقت، لعل الجميع ينسى، فهو المتأله الذي لا يُسأل عما يفعل. ولكن هيهات هيهات، ما زال عند بعضهم بعض ضمير، يتحدثون عن شناعة فعله في الإعلام، مطالبين بالتحقيق، وباتهام بن سلمان، ولكنه يعتقد أن بجاحته وتبلدّه وتناحته عين الثقة، وما هي بثقة. إنها مع افتضاح أمره مجمع التناحة في معمل الاستبداد.

المصدر