صراع المدنى والعسكرى (مبارك) .. اختطاف دولة (3)
المقدمة
استقر في وعى الشعوب عبر تجارب عديدة ومريرة ، انه حينما تتحول الجيوش من أداة خدمة الى أداة سلطة وحكم ، فان شرخا كبيرا يحدث داخل الدولة ، لا يلبث ان يتسع ويزداد كلما أوغل الجيش في التدخل في الشأن المدنى سواء في الجانب الاقتصادى او السياسى ، مما يعنى في نهاية المطاف سقوط الدولة او اختطافها ..
ومما استقر كذلك في وعى الشعوب ان كفاءة الجيوش في الدفاع عن شعوبها ، مرهون بتوازن يحدث داخل الدولة بين المكون العسكرى (الجيش) والمكون المدنى (أحزاب وجمعيات) ، وانه يوم ان يختل ذلك التوازن ، تتفتت الدولة الى اقطاعيات يملكها هذا او ذاك ..
نكمل في هذا البحث حديثا عن الصراع بين المدنى والعسكرى في مصر الحديثة ، كنا قد بدأناه فى جزئين سابقين تحدثنا فيهما ذلك الصراع في عهد عبد الناصر وفى عهد السادات ، فنتحدث في الجزء (الثالث) عن ذلك الصراع بينهما في عهد مبارك (1981-2011) .
جاء مبارك لحكم مصر بعد اغتيال السادات كاحد أبناء المؤسسة العسكرية ، وجاء كذلك – مثل سلفه – نتيجة تفاهمات داخل بيت الحكم ، حيث المكون العسكرى اكبر من المكون المدنى ومهيمنا عليه .
السادات .. توازن خادع مؤقت
استطاع السادات خلال فترة حكمه (1970-1981) ان يحجّم من التمدد العسكرى داخل أروقة الدولة المصرية ، على عكس سلفه عبد الناصر الذى عجز عن كبح جماح ذلك التوغل خلال فترة حكمه . فعاد في عهد السادات الى الدولة المصرية شيء من التوازن ما بين المكونين المدنى والعسكرى
فانتعشت الحياة السياسية داخل البلاد ، وتم اجراء انتخابات نيابية في عامي 1976 ، 1979 ، والتي أفرزت مجالس نيابية عبرت بشكل ما عن الشعب الذى استبعده عبد الناصر من معادلة الحكم تماما . ولم يكن ذلك استنادا الى قوة حقيقية تمتع بها المجتمع ومؤسساته المدنية ، بقدر ما كانت رغبة من السادات في ابعاد العسكر عن السياسة تأمينا لوجوده في الحكم ..
ولذلك كان هذا التوازن النسبى بين المكون المدنى والعسكرى ، توازناً خادعاً وغير قابل للتطور ، ولم تستطع القوى المدنية الخروج عن تلك المعادلة (المائعة) التي ارساها السادات طوال فترة حكمه ، وكان الاستثناء الوحيد الذى خرج على هذا التوجه العام للقوى المدنية ، هو سلوك جماعة الإخوان المسلمين التي اختطت لنفسها معادلة خاصة بها ، فاستطاعت – من دون بقية القوي المدنية – ان تتواجد بشكل اكبر داخل الساحة السياسية ، وتُحدث حراكا مجتمعيا وسياسيا له ما بعده .
لكن مع توجه السادات الى عقد اتفاقات مع دولة الاحتلال في عام 1978 ، عاد المكون العسكرى الى الظهور مرة أخرى منتزعاً من المكون المدنى بعضا من مساحاته الاساسية ، ليس في ميدان السياسة هذه المرة انما في ميدان الاقتصاد .. بدأ ذلك بتأسيس "جهاز مشروعات الخدمة الوطنية" عام 1979 ، لتكون تلك بداية لتوغل الجيش المصرى في الاقتصاد ، والذى تبعه توغل اخر في ميدان السياسة والحكم .
مبارك .. بداية (تغول) العسكر
استمر مبارك في اتباع نفس السياسة التي أرساها السادات وهى ابعاد الجيش عن السياسة ، فلم يتم استدعاء الجيش الى داخل المجتمع الا لضبط توازنه عند اختلاله . لكن كان هذا الاستبعاد مقابل حصة من الثروة ! ومن هنا اتسع الخرق الذى مهّد له السادات ..
استبعاد (عسكرى) .. مدفوع الاجر !
لم تبدأ العلاقة بين مبارك وبين جيشه او بعض قادته بصراع ، كما حدث في عهد سلفه السادات .
ففي مقابل سبعة وزراء تولوا قيادة الجيش في عهد السادات (1970-1981):
- وتوفي الثالث (أحمد إسماعيل) عام 1974 مريضا اثناء توليه المنصب
- وقُتِل السادس (أحمد بدوي) عام 1981 مع مجموعة من كبار قادة الجيش في حادث مريب لا تفسير سوى خشية السادات من نفوذ بدوى المتعاظم بعد نصر أكتوبر.
بينما في عهد مبارك استقر المنصب نسبيا ، فتولاه ثلاثة فقط ، واحد منهم فقط هو من تخلص منه مبارك بسبب شعبيته بين أفراد الجيش والشعب وهو الوزير (محمد عبد الحليم أبو غزالة) ، نظرا لحرصه على تطوير التسليح العسكري واهتمامه بأفراد القوات المسلحة ، فتخلص منه مبارك عام 1989 بعد إشاعة علاقة الوزير بإمرأة ارمنية (لوسى أرتين) ، رغم ان الوزير لم يُعرف عنه ذلك !!
قابل هذا الهدوء النسبى للصراع بين الجيش وبين مبارك ، تمدد داخل الدولة المصرية ، وتحديدا في القطاع الاقتصادى للدولة
فقد كانت سياسة مبارك مع القوات المسلحة تعتمد على:
- شغل الجيش بمشروعات اقتصادية ذات أرباح ضخمة
- استقلال القادة العسكريين بالشأن الداخلي للجيش
- استبعاد العناصر "النظيفة" من خلال تقارير المخابرات العسكرية، فامتلأت المساجد والمقاهي والمحلات التجارية بعمداء ولواءات سابقين (أو عاطلين)
وهكذا تقدم تأمين النظام الحاكم ومبارك على تأمين الوطن وحماية حدوده !!
مبارك .. بداية التغول العسكرى
كان اهم تطور في معادلة العسكرى والمدنى في عهد مبارك تمثل في امرين اثنين :
(1) تغول أجهزة الشرطة
ففي مرحلة التسعينيات حين كان الصدام عنيفا بين النظام وبعض الجماعات الإسلامية على اشده ، كان وزير الداخلية هوالرجل الاول في الدولة، كما تنوع تسليح الشرطة في عهد مبارك وتطور، حتى تجاوز الحد المعتاد في مثل هذه الأجهزة المدنية حسب الدستور، كذلك اتسعت سلطات رجل الشرطة حتى صارت شبه مطلقة، وبطبيعة الحال قام مبارك باغراق رجال الشرطة بالمكافآت والمزايا العينية .
قكان لجهاز أمن الدولة دور خطير في التغول على الحياة المدنية ، فافسد الحياة الحزبية التي انتعشت أيام السادات ، فتم اختراق الأحزاب وتمزيقها داخليا، وزرع العملاء في صفوفها، وافتعال الخلافات بين جبهاتها، وإزاحة قياداتها التاريخية وشبه التاريخية، ومناصرة أطراف موالية للدولة على من لديه أدنى صوت للمعارضة.
فتمت بذلك مصادرة العديد من مساحات الحرية التي منحت للمجتمع المدنى ومؤسساته واحزابه ، لصالح جهاز الشرطة شبه العسكرى .. (1)
بزنس رجال اعمال .. العسكر
قام مبارك بالتخلص من قادة نصر حرب أكتوبر ! فتم ابعاد الجمسى ورجاله كما تم ابعاد سعد الدين الشاذلي بطريقة مهينة ، لتبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة في الجيش المصرى ...
استدعاء لاطفاء الحريق
ولم يلجأ مبارك الى الجيش الا ليقوم بدور الاطفائى عند افلات الأمور من يد الرئيس وحكومته .. وهذا ماحدث ..
تمرد الامن المركزى 1986
- فعندما تمرد جنود الامن المركزى في فبراير 1986 .. نزل الجيش الى الشوارع وكانت هذه اخر مرة شاهد فيها المصريون فيها جيشهم قبل ان يغرق في (البزنس)
- وفى كل مرة نزل فيها الجيش كان يعود الى ثكناته .. فقد كانت (قياداته) قانعة بحصتهم من السلطة والثروة مستترة بمبارك وحكومته .
لكن في المقابل ، كان ابتعاد الجيش عن السلطة في مقابل تمتعه بامتيازات كبيرة .. فكوّن (كبار الضباط) امبراطورية اقتصادية ضخمة زاحموا بها رجال اعمال (مبارك) نفسه
ابتعاد عن السياسة مقابل الثروة
لم يكن النشاط الاقتصادى الذى أداره كبار الضباط مقتصرا على الإنتاج الحربى من خلال وزارة (الإنتاج الحربى) لها رقم محدد في الموازنة المالية للدولة وتخضع للمراقبة .. انما تعداه الى الاقتصاد المدنى مستفيدا من امتيازات مُنِحت له (وقود مدعوم – مجندين -أذونات خاصة - إشراف على قطاعات مهمة تبدأ من البتروكيماويات إلى السياحة) !
سياسة اقتصادية منحازة
أوجد نظام مبارك عن عمدا حالة من الالتباس في اقتصاد الدولة المصرية . فبرغم انه تقيد بالاتفاق الذي وقّعه عام 1992 مع دائنيه في الغرب لتحرير الاقتصاد المصرى بموجب خطة وضعها البنك الدولي، وتضمنت تلك الخطة خصخصة الشركات المملوكة للدولة. الا ان النظام لم يرغب اغضاب (النخبة العسكرية) التي كانت تسيطر على جزء كبير من القطاع العام بأشكال مختلفة.
فتم خصخصة أكثر من ثلاثمائة مصنع وشركة مملوكة للدولة، في حين لم يمسّ النظام ممتلكات الجيش التي تمتعت بمزايا تنافسية حرمت منها الشركات الأخرى ، مما أوجد دوائر من المنتفعين سواء من القطاع الحكومي او القطاع الخاص. (2)
فقد تنوعت محفظة استثمارات الجيش في مجالات متنوعة (الطاقة، والتصنيع، والزراعة، والنقل) ، بشراكة مع شركات محلية واجنبية سواء قطاع خاص او جهات أمريكية نافذة !
وكمثال لاستثمارات الجيش:
- مزارع الريح الواقعة في (الغردقة، الزعفرانة، وعلى طول الشاطئ الشمالي) بتعاون مع الدنمارك وألمانيا واليابان وهولندا وإيطاليا وإسبانيا وامريكا !
- مصنعا حلوان وصقر التابعَين للهيئة العربية للتصنيع
- ترسانة السويس البحرية
- شركة القاهرة للمقاولات (جزء من الشركة القومية للتشييد والتعمير NCCD)
- منشآت حاويات البضائع التي بُنيَت في المرافئ البحرية المصرية
- مركبات السكك الحديدية والمعدات ذات الصلة من قبل شركة SEMAF التابعة للهيئة العربية للتصنيع، فيما تمتلك الشركات العسكرية 52 في المئة من البوارج العاملة على طول نهر النيل، بما في ذلك شركة النيل للنقل النهري الجديدة
- ونتيجة للتحول في وظيفة الجيش .. صارت الشركات الأجنبية وخاصة (الوكالة الأميركية للتنمية الدولية) تعتبر (القوات المسلحة المصرية) الشريك المفضّل لإبرام العقود !! وليس الدولة المصرية او الشركات (المدنية) العاملة فيها !! (3)
صراع البزنس بين أجهزة الدولة
وصار من ابرز رجال تلك المرحلة .. احد رجال جهاز المخابرت ، واحد اكثر المقربين من حسني مبارك ، وهو (حسين سالم) ، حيث بدأت صفقاته بالسلاح وانتهت بتصدير الغاز الى إسرائيل (4)
لكن الأخطر لم يكن في انشغال كبار ضباط الجيش باستحواذ الثروة وجنى الأرباح ... انما فيما سماه يزيد الصايغ بـــ "التنافسية العسكرية البينية" والتي تعنى ان لكل سلاح من الجيش او الشرطة او المخابرات شركاته الخاصة التي تتقاطع مصالحها مع بقية شركات أجهزة الامن الأخرى ! بشكل اطلق عليه الدكتور اشرف الشريف مصطلح "ملوك الطوائف" (5)
تلك كانت سياسة مبارك في احتواء قادة الجيش الكبار ، لكن من لم يرضى بتلك السياسة ويخضع لشروطها ، كان يلقى جزاءه كما حدث أيام السادات ...
قطع الرؤوس (ثمن الاخلال بالاتفاق)
- عودة سياسة مقتل عسكريين ذوى الرتب الرفيعة: ففي 31 أكتوبر عام 1999 تحطمت الطائرة البوينج 767 التابعة لشركة مصر للطيران أمام ساحل ماساتشوستس الأمريكي .. وكان على متنها 35 ضابطًا مصريًّا من المخابرات العامة والعسكرية، و3 علماء ذرة .. تم التواطؤ من نظام مبارك على اقفال القضية ولم تفتح للرأي العام الا بعد قيام ثورة يناير 2011
- ابعاد مهين لصاحب الشعبية الأكبر في الجيش: فبعد ان تبنى المشير عبد الحليم او غزالة وزير الدفاع المصرى مشروع تطوير الصواريخ ، ضغطت أمريكا لابعاد الرجل من منصبه وتم التغطية على هذا الابعاد بفضيحة "لوسى ارتين"
تعليق:
واضح ان الجيش استسلم لتفسير انفجار طائرة كبار الضباط (الفريق احمد بدوى ورفاقه) كما لم يغضب للطريقة التي تم بها معاملة رئيس اركانه السابق الفريق سعد الدين الشاذلي .. وكان هذا دلالة واضحة على ان سياسة استمالة كبار الضباط في الجيش بالامتيازات المالية الكبيرة آتت ثمارها ..
الخاتمة
وهكذا انتقلت الدولة المصرية مع نهاية فترة حكم مبارك ، الى حالة صارت فيها مهيأة تماما لسيطرة المكون العسكرى على الدولة واستبعاد المكون المدنى من معادلة الحكم .
وهو ما وصفه الباحث في الاجتماع السياسي (علي الرجّال) بانه جزء أساسي من استراتيجية الدولة في "الاستحواذ الكامل" فيقول إن "النظام يريد السيطرة الكاملة على المجتمع من خلال أداتين، الجيش المسيطر على إدارة الدولة واقتصادها، ووزارة الداخلية التي تعمل على ضبط المجتمع. هذه استراتيجية أساسية بالنسبة للنظام لا يقبل المناورة بها". (6)
وتكون مساحة المناورة في تطبيق تلك الاستراتيجية فقط من اجل عدم اغضاب الشريك الاجنبى سواء كان استثمارات او سياسات تفرضها مؤسسات دولية !! وتمت تلك المعادلة امام مجتمع ضعيف استسلم لتلك المعادلة ، وفى عجز من مؤسسات المجتمع المدنى من أحزاب او جمعيات تحميه من تغول الجيش على مقدرات الدولة او .. اختطافها .
وكان الاستثناء الوحيد من هذا العجز هو جماعة الإخوان المسلمين التي استطاعت ان تقود المشهد السياسى اثناء وبعد ثورة يناير 2011 ، قبل ان ينقلب الجيش على تلك الثورة ومخرجاتها في 2013. وهكذا اختل التوازن داخل الدولة المصرية منذ انقلاب 1952 ، واى اعتدال لذلك التوازن لم يكن حقيقى ، بل كان فقط بسبب الصراع بين مراكز القوى داخل الدولة المصرية كما حدث في عهد السادات .
فالضامن الوحيد لعودة التوازن للدولة المصرية وانقاذها من حالة الاختطاف تلك ، هو في تقوية مؤسسات المجتمع المدنى وزيادة وعى الشعب باهميتها وفاعليتها في ضبط ذلك التوازن وحراسته . لكن كأن كل الحكومات المتعاقبة على حكم البلاد – باستثناء فترة حكم الرئيس محمد مرسي – اتفقت منذ انقلاب 1952 والى ما بعد انقلاب 2013 على اضعاف المجتمع المصرى ومؤسساته .. (7)
المصادر
- مصر.. من دولة الشرطة إلى دولة الجيش: نبيل الفولى الجزيرة – 6/7/2014
- سر العسكر: السوق الملتبسة في مصر: زينب أبو المجد صدى - 9/2/2012
- 7- مركز كارنيجى - القوات المسلحة المصرية وتجديد الامبراطورية الاقتصادية – 2015
- أكثر من 50 مليار جنيه فاتورة فساد "مبارك" ورجاله العربى الجديد – 2019
- نون بوست - جنرالات الذهب.. "وهذا حتى لا يُخدش السطح" – 2017
- "النظام يريد السيطرة الكاملة على المجتمع"... عن أنشطة الجيش المصري الاقتصادية، خالد كمال – رصيف22 – 11/7/2019
- الجيش المصري مُحتلّاً الدولة والمجتمع