رؤية الإخوان التربوية في الحج

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
مراجعة ١٥:٣٤، ٢٣ يونيو ٢٠٢٣ بواسطة Admin (نقاش | مساهمات) (حمى "رؤية الإخوان التربوية في الحج" ([تعديل=السماح للإداريين فقط] (غير محدد)))
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
رؤية الإخوان التربوية في الحج


مقدمة

هفت القلوب إلى بيت الله الحرام، وتطلعت الأعين إلى النظر إليه من كل حدب وصوب، وألهبت الألسن بالرجاء إلى رب السموات والأرض أن يرزقها الوقوف على ربوع عرفات. تقبل كل عام الشهور الحرم بنفحاتها، وعبيرها الذي يزكى النفوس ويصفي القلوب، وقد ارتفعت الهتافات مدوية في السموات والأرض لبيك اللهم لبيك... لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك.... لا شريك لك.

ولقد حرص الإخوان منذ نشأتهم على تعظيم شعائر الله "وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ" "الحج:32"، ونشر روح التعبد وسط المجتمع.

لم يذهب الإمام البنا للأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج فحسب بل للدعوة إلى الله أيضا، ولتوحيد الأمة على كلمة واحدة فكان له أكثر من خطاب حول الحج وأثرة في وحدة المسلمين، ففي رحلة الحج عام 1945م وقف خطيبا في الحجيج مطالبا بالوقوف على الجوانب العملية للحج

فقال:

علينا نحن المسلمين سواء كنا فى المغرب أو فى إندونيسيا أن نشعر أن بين أيدينا وديعة أمانة لنُسألَنَّ عنها يوم القيامة، هذه الأمانة فى كتابكم هذا - القرآن الكريم - أنتم حراسه. وما دمنا قد اتجهنا إلى مطالبنا؛ فعليكم أن تعرفوا حقوق أوطانكم الخاصة، وعلى أهل كل وطن أن يساعدوا إخوانهم فى الوطن العام (1)

أهداف الإخوان من الحج

أراد الإخوان برحلات الحج والدعوة إليها أن يحققوا عدة أهداف، منها:

  1. صبغ المجتمع بالصبغة الإسلامية فى احتفالاته ومناسباته، وأعياده وتجمعاته.
  2. محاربة العادات والتقاليد الأجنبية وتحجيمها فى أضيق نطاق ممكن.
  3. توضيح بعض المفاهيم الإسلامية التى شُوِّهت عند الناس، وغفلوا عن حقيقتها؛ مثل: شمولية الإسلام للجوانب المختلفة من اجتماعية، وسياسية، واقتصادية، وإنسانية، وخُلُقية، ونفسية، ورياضية، بجانب العبادة الروحية، ومثل سيرة رسول الله  وصحابته الكرام، ودورهما فى صياغة الشخصية الإسلامية الصحيحة، وغيرها من هذه المعاني.

كيف نظر الإمام البنا لشعيرة الحج؟

كتب الشهيد حسن البنا كثير من المقالات التي تظهر عاطفته الجياشة إلى الأرض المقدسة، بل وإلى جبل عرفات ولتجمع العالمي الذي يضمه بين جنباته.

فكتب تحت عنوان "لبيك اللهم لبيك" يقول:

ما أجل عظمة الربوبية، وما أعظم فضل الألوهية، وما أجمل أن يتفضل الله على عباده فيدعوهم إلى بيته العتيق؛ ليغفر ذنوبهم، ويطهر قلوبهم، ويضاعف أجورهم، ويجدد أرواحهم، ويمنحهم من فيض فضله ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر
وما أجمل أن يتفتح قلب المؤمن على هذا النداء العلوي، ويتلقاه كما تتلقى الزهرة الناضرة قطرات الندى؛ فيحيا به ويسعد، ويتجهز من فوره لإجابة دعوة الله والانضمام إلى وفده الكريم، مهاجرًا إلى حرمه المقدس وبيته الأمين، هاتفًا من أعماق قلبه: لبيك اللهم لبيك. (2)

ولم يقف الأستاذ البنا على المعنى التعبدي من الحج لكنه خرج بمفهومة للعالمية والوحدة الإسلامية والتي طالب بها المسلمين، والتي حرص على غرسها فيهم فكانت أثرا من أثار دعوته التي انتشرت في الأرض، فيقول تحت عنوان: "عرفات العالمية الإسلامية في حيز الفعل لا في حيز الأقوال" يقول: كنت أتحدث إلى صديق عن العالمية الإسلامية؛ فكان من قولي له: إن الإسلام يدعو إلى العالمية بأسمى وأجلّ مما يدعو إليها الفلاسفة والساسة؛ إذ إنه يلزم كل مسلم أن يعمل ليعم الناسَ مبدأٌ واحد هو الحب والإخاء والعدل والمساواة تحت ظل القرآن الكريم لا تعصبًا لجنس ولا تحيزًا لشخص أو فئة.

فكان هذا القول غريبًا أمامه مستبعدًا لديه، وبدت على وجهه علائم الدهشة والاستغراب، وأخذ يتساءل في شك: وهل ذلك ممكن؟ وهل حقيقةً يأمر الإسلام بهذا ويقرره؟ (3)

وسار على نهجه في تعظيم شعيرة الله جميع إخوانه وهذا ما نجده في كتابات الأستاذ عمر التلمساني حيث كتب يقول:

للحج مناسك تزار وترى وتؤدى، وللآمال العراض، بالقبول والغفران استشراف يؤرق المضاجع، ويؤجج الشوق ويبعث الحنين.. كل هذا رائع وجميل ومطلوب..ولكن أهذا هو الحج؟ألهذا نغادر أوطاننا من أقصى الديار! ألهذا وحده نحتمل مشاق السفر، ووعثاء الطريق ووعرة السير، وغصص الغربة، وتعطيل المتجر والعمل.
إن من أجلّ هذه المنافع التي يسعى إليها المسلمون في الحج، أن يجتمع زعماء العالم الإسلامي، حكامًا ومفكرين، صافية نفوسهم، خاشعة قلوبهم، بادية حسرتهم على حال أممهم اليوم، وبعدها عن حال أسلاف لهم سبقوهم إلى تلك البطاح، أين هي عزة الحاكم المسلم لا يرضى لنفسه ولا لأمته ضيمًا أو هوانا فأين هم من وحدة طالبها بها ربهم.
ما بالكم حكام المسلمين لا تتجمع كلمتكم على الأخوة ونصرتها، وما بالكم لا تنصرفون إلى قضيتكم الكبرى، قضية دينكم، وتشتغلون بالقضايا الجانبية التافهة، التي يثيرها فيما بينكم خصوم الإسلام، والخسار في كل هذا عليكم وعلى المسلمين، وأنتم المتسببون.
أما أنتم أيها الحجاج لا تجعلوا حجكم تمسحًا بالأركان في غيبة الوجدان، ولا تجعلوه هديرًا باللسان، والغفلة متلبسة بالجنان، تزاوروا في الله يغفر لكم ذنوبكم، وتدارسوا شئون دينكم، يفسح الله لكم، لموا شعثكم ووحدوا اتجاهاتكم، فعلى تضامنكم وترابطكم، وصدقكم ورجولتكم، ينزل حكامكم، استجابة لمطالبكم.

تعرفوا إلى مشاكلكم، وليذكر بعضكم بعضًا، إنكم أخوة في الدين، فرابطة الدين أقوى وأطهر من رابطة الدم والنسب. (4)

وهذا الأستاذ صالح عشماوي (وكيل الجماعة) يكتب أيضا في الحج فيقول:

وفي هذا الموقف ترى العربي والهندي والفارسي والإفريقي والتركي والأفغاني، والإندونيسي والأوروبي والأمريكي، يذكرون الله وحده بلسان عربي، لا بلغة أعجمية ولا بلهجة إقليمية مرددين "لا إله إلا الله محمد رسول الله" "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله. والله أكبر.
فإن أروع ما في الحج – في نظري – من مقاصد وأهداف وغايات، هو تجسيد معنى أن المسلمين – على اختلاف شعوبهم وألوانهم وجنسياتهم – هم "أمة واحدة" "وطن واحد" وهذا يتجلى بأروع مظهر يوم الوقوف على عرفة. فهناك تقع العين على منظر لا مثيل له في العالم، يمثل الوحدة والإخاء والمساواة (5)

كما كتب الأستاذ حامد أبو النصرالمرشد العام الأسبق للإخوان- يقول:

فحينما يجتمع المسلمون في موسم الحج على اختلاف جنسياتهم ولغاتهم وألوانهم عليهم على أن يتعرفوا على أحوال إخوانهم المسلمين في شتى الأقطار، وأن يتحقق بينهم الشعور بالأمة الواحدة والوطن الواحد بل والجسد الواحد، وأن تتحرك في نفوس المسلمين جميعًا معاني التضحية والفداء والدفاع عن إخوانهم المسلمين في كل مكان (6)

الدروس العملية من الحج في نظر الإخوان

لم ينظر الإمام البنا إلى الحج على أنه شعيرة من شعائر الإسلام فحسب تؤدى مرة في العمر، لكنه نظر إليها على أنها ركن من أركان هذا الدين يقوم عليه، ومن ثم جعل من أهدافه الارتقاء بروح الشعوب لتعظم هذه الشعيرة، وتعرف حقها التي من أجلها افترضها الله على العباد.

ولذا ما كاد المؤتمر شورى العام الثالث ينعقد في 11 من ذي الحجة 1353هـ الموافق 16 من مارس 1935م حتى وضع من ضمن أعماله أهداف عمليه لهذه العبادة.

فحث الأستاذ البنا إخوانه على وضع مخطط لأداء فريضة الحج، وقام مجلس الشورى بوضع لائحة للحج جاء فيها:

  1. على كل أخ مسلم أن يتجهز لأداء فريضة الحج في حدود استطاعته.
  2. الأخ المساعد يؤمر بالتجهز والأخ المنتسب يكرر له هذا الأمر عند كل مناسبة والأخ العامل يكلف بأن يدخر من ماله جزءًا مهما كان يسيرًا بحسب ظروفه المالية ويضع ما يدخره في صندوق التوفير بالبريد بدون أرباح على حساب أداء هذه الفريضة إذا لم يكن من الممكن وضعه في مكان مصون.
  3. تكون في كل دائرة لجنة فرعية تسمى لجنة الدعاة إلى الحج مهمتها مراجعة اشتراكات توفير الإخوان العاملين على ذمة الحج وأمر وتذكير الإخوان من الدرجتين الأوليين.
  4. وعلى مكتب الإرشاد العام أن ينتدب في كل عام نائبًا عنه على نفقته من أهل الفقه والحكمة ليرشد الإخوان ويعلمهم أحكام المناسك على الأصول الصحيحة من السنة، إذا لم يكن من بين الإخوان الحاجين من يستطيع الاضطلاع بأعباء هذه المهمة وتسهيلاً لهذه الغاية، ويقوم مكتب الإرشاد العام بوضع رسالة في آداب الحج والزيارة وما يتعلق بهما من آثار الأرض المقدسة.
  5. على الإخوان أن يوحدوا خطتهم في السفر تقوية للتعارف واقتصادًا للنفقات، ورغبة في العلم وإحرازًا لثواب الاجتماع، وتعاونًا على البر والتقوى وتنشيطًا على طاعة الله إلا إذا دعت لغير ذلك الضرورة القصوى.
  6. يقوم نواب الإخوان بحصر كل الراغبين في الحج في دوائرهم من الإخوان وإرسال قوائم تامة بأسمائهم بعد عيد الفطر من كل عام إلى مكتب الإرشاد العام، لإعداد ما يلزم لوفد الحجاج من الإخوان المسلمين بحيث لا يتأخر إرسال هذه القوائم عن اليوم العاشر من شهر شوال سنويًا.
  7. إذا كثر الإخوان الحاجون فعلى المكتب أن ينتدب من بينهم مندوبًا إداريًا بجانب المندوب الديني، تكون مهمته قضاء مصالح الإخوان الإدارية، ويكون مرجعهم جميعًا في ذلك توحيد العمل وتوفير الجهد فإذا لم يكن ذلك ممكنًا فعلى المكتب أن ينتدب مندوبًا من قبله للقيام بهذه المهمة.
  8. الأخ العامل الذي يثبت أنه قصر في الادخار للحج بغير عذر شرعي قاهر يرد من مرتبته إلى مرتبة الأخ الذي قبله، ولا تكون له حقوق الإخوان العاملين ويكون الحكم بتقصيره أو عدمه في هذا موكولاً لرأي اللجنة الفرعية المنصوص عليها في المادة الثالثة من هذه اللائحة متى وافق مكتب الإرشاد على رأيها (7)

العمل الواقعي

أخذ الأستاذ البنا ما أقره مجلس الشورى العام على مأخذ الجد، وقام بتطبيق لائحة الحج على نفسه وبالفعل أعلن أنه ينتوي التوجه إلى الكعبة لأداء هذه الفريضة، كما حرص على اصطحابه مائة من الإخوان المسلمين، منهم ثماني عشرة امرأة، وقد اهتمت جريدة أم القرى كبرى الجرائد السعودية بحج الإمام البنا وصحبه فنشرت تحت عنوان: "على الرحب والسعة"

تقول:

"وصل على الباخرة كوثر التي أقلت الفوج الأخير من الحجاج المصريين كثير من الشخصيات المصرية المحترمة لم تسعفنا الظروف بالتعرف إليهم إلا بعد صدور العدد الماضي وإنا نذكر منهم الأستاذ الكبير حسن أفندي البنا المرشد العام لجمعية الإخوان المسلمين، ومدرس بالحكومة المصرية، والشيخ حامد عسكرية واعظ مركز شبين الكوم ومن علماء الأزهر .. وجميع هؤلاء أعضاء في جمعية الإخوان المسلمين.
وقد أدى الإمام البنا وإخوانه مناسك الحج وقاموا بالالتقاء بالوفود الإسلامية المختلفة والتعرف عليهم ومعرفة أحوالهم ومناقشة مشاكلهم ومدى تسلط الاستعمار عليهم، بالإضافة إلى قيامهم بالوعظ والإرشاد متى أتيحت لهم الفرصة والمشاركة في الأنشطة المختلفة التي كانت تقام أثناء الحج، فقد قاموا بالمشاركة في الندوة الأدبية التي أقامها الشباب العربي السعودي في أوتيل مكة (8)

لم يتوقف البنا على هذه الرحلة بل قام برحلة ثانية عام 1944م وقد شارك فيها عدد كبير من الإخوان والأخوات ومن محبي الإخوان كما شاركت فيها السيدة زينب الغزالي رئيسة جمعية السيدات المسلمات – آنذاك - حيث انطلقت الرحلة من المركز العام يوم الخميس 3 من ذى الحجة 1364هـ - 8 من نوفمبر 1945م.

وكان معتادًا فى أيام التشريق أن يقام مؤتمر سنوى للحجيج من مختلف الأقطار والهيئات فى منى، وقد ناب الإخوان عن الهيئات المصرية فى إقامة المؤتمر هذا العام، وافتتح المؤتمر بآى الذكر الحكيم، ثم تكلم الأخ الطاهر منير مسئول إخوان السويس؛ فصور الدعوة الأولى وهى تخرج من مكة وتتلقاها قريش بالنكر والاضطهاد، وكيف شرح الله لها الصدور، وأذن بالهجرة، فذاعت مبادئ الخير والحق والعدل على العالم كله، وتحطمت أمامها قوى الظلم الرابض فى دولتى فارس والروم.

وتحدث عن فلسطين السيد نمر الخطيب رئيس جماعة الاعتصام؛ حيث أشار إلى أن قضية فلسطين ينبغى أن تشغل جماعة الإخوان المسلمين وتفكيرهم؛ لأن بها المسجد الأقصى مسرى الرسول ، وأشار إلى نضال أهل فلسطين أمام الإنجليز واليهود، كما استصرخ المسلمين أن يهبوا لنصرة فلسطين قبل فوات الأوان.

وتحدث من الهند شمس الهدى خان، وقد ألقى شاعر الإخوان بالحجاز أحمد محمد جمال قصيدة رائعة، كما تحدث الأستاذ البنا فأفاض في المعاني الحقيقية للحج وواجب المسلمين (9)

كما قام بأخر رحلاته للحج وذلك فى يوم 4 من ذى الحجة 1365هـ الموافق 29 من أكتوبر 1946م كما خرجت بعثة الجامعة الأزهرية وعلى رأسها فضيلة الشيخ يوسف خليل واعظ القاهرة وكان يرأس بعثة الجمعية الشرعية فضيلة الأستاذ الشيخ عبد اللطيف المشتهري، وفي هذه الرحلة تقابل البنا مع أبو الأعلى المودودي، السيد محمد عبد العليم الصديقى ممثل الرابطة الإسلامية (10)

وكان من الملفت وبعد عودة البعثة أن البوليس والجيش حولوا الميناء إلى ثكنة عسكرية حتى يمنعوا الأستاذ البنا من الالتحام بالجماهير الموجودة من الإخوان وصعد قائد حصار الميناء إلى الباخرة وأبلغ الأستاذ البنا أنه يجب عليه عدم النزول للسويس ويجب السفر للقاهرة فورا

وبعد الساعة التاسعة كانت في انتظاره عربة على الرصيف حيث استقلها الأستاذ البنا وخرجت من طريق غير الطريق المعتاد وأمامها أحد الكونستبلات على موتوسيكل ليدلى السائق وخلف العربة لوريات من رجال البوليس ببنادقهم حتى خرج الأستاذ البنا من السويس كما عسكر البوليس أمام دار المركز العام للإخوان بالحلمية الجديدة لمنع التجمهر (11)

وكانت رحلة الحج عام 1948م موضع عناية واهتمام الإمام البنا فأعد لها العدة واعتنى بالحجاج عناية خاصة قبل سفره فخصص عدد من جريدة الإخوان اليومية للحج باللغات الشرقية من عربية وأردنية وفارسية وتركية دعي فيه المسلمين إلى الرجوع إلى دينهم وقرآنهم (12)

ورغم الصعوبات التي واجهها البنا (سواء في المطار أو مراقبته في مكة) إلا أنه استطاع أن يتقابل مع وفود الدعوة من كل مكان، ويوصيهم بدعوة الإسلامية والعمل على نشرها

فكر خارج الصندوق

عمد البنا إلى تعريف الناس بدعوة الإسلام الحق بطرق جذابة ومحببة للنفس وكلا حسب لغته التي يتعامل بها، خاصة وسط الحجيج

فيصف هذا الأمر بقوله:

علمت بموعد مؤتمر الشباب السعودي وبمكانه الذي سينعقد فيه، فأعددت نفسي والإخوان المائة في هيئة موحدة هي الجلباب الأبيض والطاقية البيضاء.. وفي الموعد المحدد فوجئ علية القوم المجتمعون بمائة رجل في هذه الهيئة يخطون خطوة واحدة يتوسط الصف الأول منهم رجل منهم هو المرشد العام .. فكان هذا حدثًا مثيرًا للالتفات.. ودخل هؤلاء فاتخذوا أماكنهم في نهاية الجالسين، وبدأ المؤتمر بكلمة ترحيب من مندوب الملك.
ثم قام مندوب من كل بلد إسلامي فتكلم بلغة بلاده، فألقيت عشرات الخطب بعشرات اللغات ومنها العربية التي ألقى بها الدكتور هيكل وأمثاله ممثلو الدول العربية..

يقول الأستاذ المرشد:

وقد لاحظت أن الحاضرين يبدو على وجوههم السأم وغلب على أكثرهم النوم.. وقد ناقشت هذه الظاهرة مع نفسي وأدرتها في خاطري فوجدت أن السأم والنوم أمر تمليه الطبيعة البشرية فما دام السامع لا يفهم ما يقال – وهو لا يستطيع أن يغادر المؤتمر – فمن حقه أن يسأم وأن يستسلم للنوم، قال فصبرت حتى انقضت الساعات الطوال التي استغرقها المندوبون في إلقاء خطاباتهم واستغرقها الحاضرون في النوم؛
حينئذ أعلن مندوب الملك انتهاء المؤتمر، وأصبح مسموحًا لمن شاء من الحاضرين أن يتقدم بملاحظاته إن كان له ملاحظات.. قال الأستاذ: فطلبت الكلمة واعتليت المنصة وارتجلت كلمة كانت أطول كلمة ألقيت، وكانت الكلمة الوحيدة التي أيقظت الحاضرين، وقوبلت بالإعجاب، واهتزت لها المشاعر، وبعثت في المؤتمر جوًا من الحيوية الدافقة، وما كدت أنهي كلمتي حتى أقبلت علي جميع الوفود تعانقني، وتشد على يدي، وتعاهدني وتطلب التعرف علي وعلى من معي، وتفتح قلوبها للفكرة التي تضمنتها كلمتي.

يقول الأستاذ المرشد:

لقد أحسست وأنا جالس في المؤتمر بأن المستعمر أفلح في القضاء على أسباب التفاهم بين البلاد الإسلامية بعضها وبعض بالقضاء على اللغة العربية فيها، وإحلال لغة غيرها محلها؛ فإندونيسيا تتكلم بلغة إندونيسية والهند بلغة هندوسية والصين بلغة صينية ونيجيريا بلغة نيجيرية وغانا وغينيا وهكذا..
وفكرت فأسعفني خاطري بأن الشيء الوحيد الذي لا يزال باقيًا بلغته العربية ويقرأه الجميع بألفاظه العربية لأن العبادة لا تكون إلا بألفاظه التي أنزل بها هو القرآن، فالكل على اختلاف بلاده ولغاته ولهجاته يفهمه، فعزمت على أن تكون كلمتي كلها آيات من القرآن أرتبها ترتيبًا يوضح كل ما في نفسي من معاني الإسلام وأهدافه ووسائله، وكيف يعالج النفس البشرية ويضع حلولاً للمشاكل الحيوية
ولاحظت من أول آية بدأت بها كلمتي أنني ضربت على الوتر الحساس في قلب كل جالس في المؤتمر، وأحسست أن كل كلمة من آية أتلوها تقع في قلوب الحاضرين موقعها، وتفعل في نفوسهم فعلها، حتى ذاب الثلج الذي جمد المشاعر طيلة الساعات السابقة، وبدأ الدفء حتى غلت مراجل القلوب والتهبت المشاعر وكان لابد في نهاية الكلمة من تجمع هذه القلوب والتفافها. (13)

ففي رحلة عام 1944م حرص الأستاذ البنا أن لا تتوقف البعثة على زيارة مسجد الرسول فحسب بل عمد لزيارة جبل أحد حيث ذكر الحجاج ببطولات جرت على هذا الجبل، وموضع الرماة، كما زاروا جبل عينين الذى قتل عليه أسد الله حمزة، ثم خرجت البعثة قاصدة مسجد قباء، ثم ذهبوا إلى مسجد القبلتين، ورأوا فى طريق عودتهم من أحد موقع الخندق، وآثار بنى النضير والعقيق وبساتين المدينة، وشربوا من بئر الخاتم..وهناك زاروا قبور الصحابة. (14)

العلم والعمل معا

كحرص البنا على الجانب العملي والتنفيذ من الدروس في الحج كان لابد من التثقيف المعرفي حتى أن لائحة الحج ألزمت كل شعبة أو منطقة بإيجاد فرد فقيه يعلم الناس مناسك الحج قبل سفرهم، بل ألزم مكتب الإرشاد أحد الإخوة العلماء بالسفر مع وفود الحج لتعريفهم مناسك الحج الصحيحة على أرض الواقع.

وقد ضرب البنا بسهم في هذه المعرفة فأثناء تواجدهم في السويس انتظارا لانطلاق الباخرة بهم ألقى محاضرة بعنوان (الحج رياضة كبرى للجسم والروح)، وبعد عودته ألقى محاضرة في المركز العام بعنوان (التعبد الاجتماعي (الحج))، كما زار نادى الإخوان ببنها، وتحدث عن أسرار الحج وحكمه، كما ألقى الأستاذ عبد الفتاح محمد البوساطى (نائب الإخوان بالفيوم) محاضرة في شعبة الفيوم موضوعها: "الحج وفوائده من الوجهة الاجتماعية" (15)

ولقد كتب الأستاذ عبد العزيز كامل والشيخ محمد الغزالي موضحين أهمية الحج والهدف المنشود من وراء الحج ودور الحجاج والقادة نحو أوطانهم وأهمية توحد المسلمين. (16)

لماذا حرص الإخوان على رحلات الحج؟

جنى البنا من وراء رحلات الحج للعديد من الأهداف التي رسمها وسار على نهج رسوله صلى الله عليه وسلم في تحقيقها، ومن هذه الأهداف التي نستخلصها:

  1. التعرف على الطبقات المختلفة من كل دولة من دول العالم الإسلامي ومحاولة معرفة أفضل بيئة لنشر الدعوة الإسلامية حتى يمكن أن يهاجر إليها.
  2. دخل في الدعوة العديد من رجالات وعلماء الدول الإسلامية.
  3. التعريف بدعوته وسط جموع الحجاج ومصدرها وأهدافها
  4. إيقاظ الوعي العام لدى الناس بالخطب والمؤتمرات والدعوة لوحدة المسلمين والتصدي للمحتلين.

وبعد انتهاء مراسم الحج عام 1936م دعا الشباب العربي السعودي لحضور حفله السنوي المقام بمنى الشخصيات البارزة من الحجاج ورؤساء البعثات من الأقطار المختلفة، وكان حاضرًا عن مصر الدكتور محمد حسين هيكل، وتحدث فيه الجميع ومنهم الأستاذ البنا الذي شرح فكرة الوحدة في الإسلام وحث المسلمين على التكاتف ضد الاستعمار، وليأخذوا الدروس من التجمع الهائل للمسلمين على عرفات

ويضيف قوله:

هذا الارتباط الوثيق بين شئون الدنيا والآخرة واضح كل الوضوح في كل ناحية من نواحي التشريع الإسلامي، وإنما أُوتي المسلمون من ناحية فهمهم دينهم من جهة واحدة فقط.لهذا حين نجد الشباب العربي يقرر هذه الحقيقة فنطمئن كثيرًا ونعلم أنه قد تعرف موطن الداء وأخذ في الدواء.

أيها الشباب العربي الكريم: لا تستصغروا أنفسكم، ولا تحقروا مهمتكم، فإنكم أساتذة العالم وأئمة الشعوب، وأمناء الله على هدايته العظمى للبشرية كلها.

عهود كتبنا عقدها في ضمائر

على الصدق يطويها الوفاء وينشر(17)

وفي رحلة عام 1944م لم يترك الإمام البنا الرحلة دون أن يترك فيها أثر، فعلى الباخرة أحيا القلوب وأيقظ الهمم حتى سارع من في الباخرة لصلاة الفجر

يقول الأستاذ أنور الجندي:

ما إن بزغ الفجر حتى اهتزت جنبات الباخرة الهندية بأذان الفجر، وبعد الصلاة جلس المصلون يستمعون إلى الإمام المرشد يحدثهم فى مناسك الحج وتوجيهاته، وفى الصباح كانت سلاسل الجبال تبدو من الجانبين؛ إذ كانت الباخرة لا تزال فى خليج [[السويس]، وكانت بعثة الإخوان بالدرجة الثالثة بالباخرة تفترش أرض المركب وطرقاتها ومصاعدها ومهابطها، وهم راضون يلتفون حول مرشدهم يستمعون إليه، ويستمتعون به، وكان معهم صالح حرب باشا. (18)
لقد أقامت البعثة فى المدينة المنورة عدة حفلات، كان لها صوت مسموع وأثر بارز فى وحدة الفكر والعمل لدى العديد من قادة البلاد العربية والإسلامية، وقد أقاموا إحدى هذه الحفلات بدار الضيافة التى يقيمون بها بمناسبة عيد الهجرة ليلتى 27، 28 من ذى الحجة، وحضر هذا الحفل وفود من الهند واليمن والمغرب والشام ومصر وغيرها من البلدان؛ منهم من عَرف دعوة الإخوان من قبلُ، ومنهم من عرفها فى موسم الحج.
وفي رحلة الحج عام 1948م أقام الملك عبد العزيز آل سعود الاحتفالات والاستقبالات خلال أيام العيد لكل الوفود ووجه دعوة خاصة لبعثة الإخوان المسلمين ثاني أيام العيد فأحسن رفادتهم هو وأبناءه الأمراء وتحدث الملك مع الإمام البنا حول قضية فلسطين وكيفية حلها، كما أقام أخو الملك مأدبة عشاء للإخوان وقد لبت البعثة الدعوة ، فكان ذلك من أثار هذه الرحلات المتتالية. (19)

أخيرا

لقد حرص الإخوان على تعظيم شعيرة الحج في قلوب الناس، وتحويلها من كونها عبادة فردية إلى دروس تربوية تدعوا للوحدة بين المسلمين جميعا.

المراجع

  1. أنور الجندي: مع بعثة الحج للإخوان المسلمين عام 1364هـ، دار الطباعة والنشر الإسلامية ، 1365هـ / 1946م، صـ55 : 62.
  2. مجلة الإخوان المسلمين ، السنة الثانية ، العدد 37 ، صـ1 ، 17 ذو القعدة 1353هـ - 21 فبراير 1935م
  3. مجلة الإخوان المسلمين ، السنة الأولى ، العدد 33 ، صـ1 : 3 ، 6ذى الحجة 1352هـ - 22 مارس 1934م.
  4. الدعوة ، العدد (6) ، ذو الحجة 1396هـ - نوفمبر 1976م.
  5. الدعوة ، العدد (18) ، ذو الحجة 1397هـ - نوفمبر 1977م.
  6. لواء الإسلام ، 4/45 ، ذو الحجة 1410هـ - 23/6/1990م.
  7. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية ، السنة الثانية ، العدد 42 ، 23 ذي الحجة 1353هـ / 28 مارس 1935م.
  8. جريدة أم القرى ، 19 ذو الحجة 1354هـ - 14 مارس 1936م، وعدد - الجمعة 26 ذي الحجة 1354هـ / 21 مارس 1936م.
  9. أنور الجندي: مرجع سابق، صـ55 : 62.
  10. جريدة الإخوان المسلمون اليومية: العدد 161 السنة الأولى - 19 ذو الحجة 1365 هـ, 13/11/1946 صـ3.
  11. جريد الإخوان المسلمين اليومية العدد 180 السنة الأولى- 11 محرم 1366هـ ,5/12/1946 صـ2.
  12. جريدة الإخوان المسلمون اليومية العدد 742 سنة الثالثة، 28 ذو القعدة 1367هـ, 1/10/1948 صـ1- 4.
  13. محمود عبد الحليم ،الإخوان المسلمين أحداث صنعت التاريخ ، دار الدعوة، الإسكندرية، 1999م، جـ1 ، صـ83، 84.
  14. أنور الجندي، مصدر سابق، صـ81 : 85.
  15. مجلة بحر يوسف – السنة الحادية عشر – العدد 516 – صـ3 – 4 ذو الحجة 1359هـ - 2[ يناير 1941م، و جريدة البشرى – السنة الثالثة عشرة – العدد 293 – صـ2 - 23ذو القعدة 1362هـ - 21 نوفمبر 1943م.
  16. جريدة الإخوان المسلمين اليومية: العدد 182 السنة الأولى - 14 محرم 1366هـ - 8/12/1946صـ2.
  17. المصدر السابق.
  18. أنور الجندي: مع بعثة الحج للإخوان المسلمين عام 1364هـ، مرجع سابق، صـ19 : 21.
  19. جريدة الإخوان المسلمون اليومية: العدد 161 مرجع سابق، صـ 3.