المستشار حسن الهضيبي ... المرشد الثاني للإخوان المسلمين
توطئة
يقول الحق - تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة:24).
هذه الآية إيحاء للمؤمنين في كل زمان ومكان أن يصبروا كما صبر المختارون من عباد الله؛ ليكون منهم أئمة، كما تقرر الآية طريق الإمامة والقيادة، وهو الصبر واليقين.
ولقد كان إمامنا ترجمة عملية لهذه الآية، وكان يقول ما يقول، ويفعل ما يفعل، بدافع حب الحق لذاته، ويوقن بأن الدنيا لا يستقيم أمرها إلا بالحق والخير، وأن المسلم لا يستقيم أمره إلا إذا رصد نفسه للحق والخير ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾(العصر: من الآية3).
لقد آثر رحمه الله كما آثر الصالحون من عباد الله أن يتجردوا للغايات العليا، وأن يتخلصوا من جميع العوائق في هذه الحياة.
وكانت له مواقف، ليست شرفًا للإسلام وحده ـ وإن كان الإسلام أحق بها ـ ولكنها شرف للرجولة، وللإنسانية وللمبادئ والأخلاق، لقد تحمل وصمد لأقسى ألوان العنت، والعذاب، والضيق، صمود الرجال الأبرار العظام؛ وكأنه جعل من نفسه مثلاً على أن التقدم في السن والمرض لا ينال من عظمة الروح، إذا وجدت إيمانها، واعتصمت بربها، وتشبثت بحقها.
ولقد أعطى رحمه الله درسًا بليغًا لكل من حوله، مفاده أن حرية الضمير، وسيادة العقيدة، لا يباعان بملء الأرض ذهبًا، ولا بملئها عذابًا، وإعناتًا.
حسن الهضيبي في سطور
- ولد حسن الهضيبي في "عرب الصوالحة" مركز "شبين القناطر" سنة 1309 هجرية، الموافق لشهر ديسمبر 1891 ميلادية.
- قرأ القرآن في كتاب القرية، ثم التحق بالأزهر لما كان يلوح فيه من روح دينية، وتقى مبكر، ثم تحول إلى الدراسة المدنية، حيث حصل على الشهادة الابتدائية عام 1907م.
- التحق بالمدرسة الخديوية الثانوية، وحصل على شهادة البكالوريا عام 1911م، ثم التحق بمدرسة الحقوق، وتخرج فيها عام 1915م.
- قضى فترة التمرين بالمحاماة في القاهرة حيث تدرج محاميًا. عمل في حقل المحاماة في مركز "شبين القناطر" لفترة قصيرة، ورحل منها إلى سوهاج لأول مرة في حياته دون سابق علم بها ودون أن يعرفه فيها أحد، وبقي فيها حتى عام 1924م حيث التحق بسلك القضاء.
- كان أول عمله بالقضاء في "قنا"، وانتقل إلى "نجع حمادي" عام 1925م، ثم إلى "المنصورة" عام 1930م، وبقي في "إلمنيا" سنة واحدة، ثم انتقل إلى أسيوط، فالزقازيق، فالجيزة عام 1933م، حيث استقر سكنه بعدها بالقاهرة.
- تدرج في مناصب القضاء، فكان مدير إدارة النيابات، فرئيس التفتيش القضائي، فمستشارًا بمحكمة النقض.
- استقال من سلك القضاء بعد اختياره مرشدًا عامًا للإخوان عامًا 1951م.
- اعتقل للمرة الأولى مع إخوانه في 13 يناير 1953م، وأفرج عنه في شهر مارس من نفس العام، حيث زاره كبار ضباط الثورة معتذرين.
- اعتقل للمرة الثانية أواخر عام 1954م حيث حوكم، وصدر عليه الحكم بالإعدام، ثم خفف إلى المؤبد.
- نقل بعد عام من السجن إلى الإقامة الجبرية، لإصابته بالذبحة ولكبر سنه. رفعت عنه الإقامة الجبرية عام 1961م. أعيد اعتقاله يوم 23/8/1965م في الإسكندرية، وحوكم بإحياء التنظيم، وصدر عليه الحكم بالسجن ثلاث سنوات، على الرغم من أنه جاوز السبعين، وأخرج لمدة خمسة عشر يومًا إلى المستشفى، ثم إلى داره، ثم أعيد لإتمام مدة سجنه. مددت مدة السجن - بعد انتهاء المدة - حتى تاريخ 15 أكتوبر 1971م، حيث تم الإفراج عنه.
- انتقل إلى رحمة ربه - تعالى - في الساعة السابعة صباح يوم الخميس 14 شوال 1393هـ الموافق 11 نوفمبر 1973 م. رحمه الله، وتغمده بواسع رحمته.
الأستاذ حسن الهضيبي يروي قصة حياته
يروي الأستاذ الهضيبي في هذا المقال النادر- الذي ننفرد بنشره- قصةَ حياته من الميلاد حتى وفاة الإمام الشهيد، فماذا يقول..
"ولدت من أبوين عاديين في عرب الصوالحة من أعمال مركز شبين.. ولم يكن أبي متميزًا في شيء يُذكر.. كان يصلي ككل رجال جيله، وكان كريمًا كطابع أهل هذا العصر، بارًّا بالضعفاء والمساكين، وإن امتاز بشيء فقد يكون اتساع الأفق، كان لا يعيش في عصره، بل كان يسبق معاصريه بمائة عام على الأقل.
كانت العصا في يد كلِّ أب يقوِّم بها معوَّج أولاده، ولا أذكر أن أبي ضربني مرة، ولا قبَّلني مرة، كان وقاره وهيبته وعظمته كافيًا لإقرار مبادئه في نفوسنا.
وأذكر له رحمه الله حرصَه الشديد على أن أتعلمَ وأتمَّ تعليمي وأصبحَ ذا شأن، كان يتحدث بين رفاقِه القلائلِ الذين كان يزورهم ويزورونه فإذا هو متحدثٌ بارعٌ ساحرٌ برغم بساطة تعليمه وسذاجة ثقافته.
دخلتُ كتاب القرية لأحفظ القرآن، ولحسن طالعي لم يكن (سيدنا) بالرجل القاسي ذي العصا والفلقة، بل كان شيخًا طيبًا صالحًا لم يضرب واحدًا منا مرة واحدة، وساعدنا على حفظ كتاب الله.
المحامي الساحر
وذات يوم كان أبي في (المندرة) يتحدث إلى زائريه ويتحدث زائروه إليه، ولفت سمعي صوتُ واحد من الزوار، تتبعته، أعجبتني بل سحرتني طريقته في الحديث فأنستني كل شيء، جذبني رنين صوته إلى (المندرة) التي لم أدخلها مرةً واحدةً في وجود أبي، وجلست أتطلع إلى الساحر، وانتهت السهرة، وخرج الرجل ذو الحديث اللذيذ الشائق وسألتُ أبي: مَن هو؟
- محامٍ
- وكيف أصبح محاميًا؟
- تنتهي من دراستك وتدخل مدرسة الحقوق لتخرج محاميًا.
- ومن هذه اللحظة، وكان عمري عشر سنوات قرَّرت أن أدخل مدرسة الحقوق لأصبحَ لبقًا ساحرًا مثل هذا الزائر، وتتابعت السنون والأحداث، وكبر معي عزمي وتكثفت رغباتي في مدرسة الحقوق، ولم أغيِّر خطتي فدخلتها.
- إلى الأزهر:
- استعد للسفر
- إلى أين؟
- إلى القاهرة لتدخل الأزهر.
- وهل يؤدِّي الأزهر إلى مدرسة الحقوق؟
- لا
وانفجرتُ باكيًا، ولكنها إرادة أبي التي لا يقف أمامها شيء.
سافرت وقطعت صلتي بمدرسة الحقوق، ولكنَّ دموعي لم تنقطع، دخلت الأزهر وبدأت في تجويد القرآن، ولم يستطع علماء الأزهر جميعًا أن ينسوني الساحر.
وذات يوم جاء أبي إلى القاهرة ودخل عليَّ فوجدني قد كتبت على ورقة "فلان المحامي" ووضعتها على مائدة قريبة، وقرأها أبي، ولم يكد ينتهي منها حتى قال لي: لا تذهب غدًا إلى الأزهر.
وفي اليوم التالي كنت في عداد طلبة مدرسة باب الشعرية الابتدائية.
الدراسة
كنت في المدرسة الابتدائية الأول باستمرار، وفي المدرسة الثانوية كنت تلميذًا وسطاً، وفي كلية الحقوق كنت متأخرًا، ولا أذكر أني كنت طالبًا ثائرًا.. بل تلميذًا نظاميًّا.. أؤمن- وما زلت- وأفضِّل الأغبياء المنظمين على العباقرة الفوضويين.
لم أشترك في مظاهرة واحدة طوال مدة التلمذة، اللهم إلا جنازة مصطفى كامل.. وما زلتُ أذكر أنني مرة دخلت المدرسة وحدي وجلست لأن المظاهرة في ذلك اليوم لم تكن لسبب وجيه يستحق الإضراب.
وكنت معروفًا لزملائي، يحتكمون إليَّ في خلافاتهم ومنازعاتهم الشخصية، وكنت دائمًا محل ثقة أساتذتي برغم أني كما قلت لم أكن طالبًا نابهًا.
كنتُ أصلي منذ صباي، وإن لم تكن صلاتي بانتظام فقد كنت أجمع الفروض لأؤديها معًا.
وفي مدرسة الحقوق وقعت في ضائقةٍ ورفعت رأسي إلى السماء أبحث عن الفرج من الضيق، وكان ربي قريبًا مني فانفرجت الضائقة، ومن يومها قرَّرت ألا أجمعَ فرضًا على فرض بل أؤدِّي الصلاة بانتظامٍ تام، ومن لحظتها حتى كتابة هذه السطور وإلى يوم أن أموت إن شاء الله لن أخلفَ ما عاهدت الله عليه.
قصة زواجي
وتخرجتُ في مدرسة الحقوق عام 1915م، والتحقتُ بمكتب الأستاذ حافظ رمضان، وقد كنت في ذلك الوقت أسكن بمنزل رجل عالم فاضل وكان له ابن اتخذتُ منه صديقي الوحيد في القاهرة، وكم تمنيت أن تكون لهذا العالم الفاضل ابنة اتخذها شريكة لحياتي، ولم يخيب الله أملي فرأيتها مصادفةً ذات يوم، وفي اليوم التالي لحصولي على ليسانس الحقوق ذهبت إلى والدها أطلب يدها.
وقال لي العالم الفاضل: أليس من الأفضل أن يتقدَّم والدك بهذا الطلب؟
قلت له في بساطة: لقد تقدَّم والدي يومًا عندما أراد أن يتزوَّج من والدتي، أما أنا فأتقدَّم لأني أنا الزوج لا والدي.
واقتنع الرجل الطيب، ودعوتُ أبي ليشهدَ عقد قراني، والتقيت به، وكنت الوحيد الذي أعلم أن هذا التصرف سيعجب أبي لأنه كما قلت كان لا يعيش في عصره، بل سقط من حسابه الكثير من التقاليد التي كانت تسجن هذا العصر وراء أسوارها الجامدة، وقال لي أبي وهو يصافحني: لقد تمنيتُ على الله دائمًا أن يحدث هذا منك فتريحني من أثقل مهمة على أب، وهي اختياره لابنه ورقة يانصيب رابحة.
وهكذا تزوجتُ، وبدأت أعمل في المحاماة، ولكن الأبواب كانت أضيق من أن تتسع للناشئين، وضاق بي الحال، وعزَّ العمل والأمل في القاهرة، وبيني وبين نفسي قررت الهجرة وراء الرزق.
الهجرة
وقعت في يدي خارطة للقطر المصري وبدأت أنقل أصبعي على بلادها المختلفة، وكانت أصبعي فوق سوهاج عندما ارتفع صوت المؤذن يعلن صلاة العصر "الله أكبر الله أكبر" قررت أن أختار سوهاج.
وفي مساء هذا اليوم قرَّرت أن أفاتحَ شريكةَ حياتي في أمر الهجرة، أمر الغربة عن الأهل، ولم أكن أشك في امتثالها لرغباتي وبرغم هذا فقد كان هناك خيط رفيع من الشك يلتف حول قلبي، وقبل أن أفاتحها جاءتني لتقول: ومطلوب قضاة في السودان.. لماذا لا نسافر؟
لقد كنت في حرج من الهجرة إلى سوهاج فإذا بها تقترح السودان.
وسافرت إلى سوهاج وبحثت عن بيتٍ وعن مكتب وتم لي ما أردت، وأراد الله أن تكون سوهاج فاتحة خير في حياتي، فإن الله فتح عليَّ فتحًا لا يخطر ببال أحد، وفي أقل من عام كنت من المحامين المعدودين في سوهاج.
واشتعلت الثورة المصرية الكبرى، ولأول مرة في حياتي وقفتُ لأخطب في الجموع المحتشدة، ويومها آمنتُ بالمظاهرات، وآمنتُ بالتكتل، وآمنتُ بمصر الثائرة العنيفة، وبمجرد انتهاء الثورة ظل إيماني بالتكتل وبمصر، ولكن ذهب إيماني بالمظاهرات فعدت إلى كراهيتي لها.
الإيمان بالقضاء والقدر
وذات يوم وصلني فجأة خطاب من وزارة الحقانية يقول لي فيه الوزير أنه "قد تمَّ تعييني في القضاء بناءً على الطلب الذي قدمته"، ولا أذكر أني قدمتُ طلبًا وأنا المحامي الناجح الذي بدأ يرتفع اسمه وتعلو أسهمه.
ووصلني بعدها بأيام خطابٌ من صديق يهنئني فيه على هذا التعيين ويقول لي "لقد سمعت أنك مجهد في المحاماة، لهذا قدمتُ الطلبَ ووقعته باسمك فأرجو ألا تعتذرَ حتى لا أُتَّهمَ بالتزوير".
وأوقعني خطاب وزارة الحقانية في حيرة، هل أدخل القضاء أو أظل في المحاماة؟ ولا أدري لماذا اخترت القضاء، وإلى اليوم ما زلت أسائل نفسي: هل أصبت أو أخطأت؟ ولا أكاد أجد جوابًا شافيًا.
أول لقاء بفكرة الإخوان
ظللت أطوف بالبلدان من مركز إلى مركز ومن مديرية إلى مديرية ومن محكمة إلى محكمة.. وهكذا مضت حياتي رتيبة عادية لا تستحق الذكر بلغة برقيات ميادين القتال.. إلى صيف 1944م.
كنت في القرية واجتمعت بلفيف من شباب البلدة وأخذنا نتحدث في مختلف المشكلات العامة.. وهالني ما سمعت.. سمعت شبابًا محدودي الثقافة والتعليم يتكلمون في المسألة الوطنية كأحسن ما يتكلم المفكرون السياسيون.. ويتحدثون في المسائل الدينية كأحسن ما يتحدث العلماء المتمكنون.
وعجبتُ لهذا، فسألتهم عن مصدر هذا العلم، فقالوا إنهم ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين، وأن مطبوعات الجمعية ومنشوراتها وتعاليمها تصلهم بانتظام.. وطلبت منهم أن يزودوني بهذه المطبوعات.
ولم أنمْ هذه الليلة حتى الصباح، فقد ظللت أقرأ وأقرأ حتى الفجر، ثم صليت الفجر.. ولم تكد تطلع الشمس حتى اعتبرت نفسي جنديًّا في هذه الجماعة الكبرى، وكان هذا أول لقاء لي بفكرة الإخوان.
ومن هذا اليوم أصبحت أعد نفسي أخًا لهم جميعًا، أتتبع نشاطهم وصحفهم وأنباءهم، واتصلت ببعضهم وأنا مستشار.
وذات يوم كان محددًا عقد اجتماع ضخم سيخطب فيه الإمام الشهيد حسن البنا، وقيل لي إن دعوةً رسميةً ستصلني لحضور الاجتماع ولم تصل الدعوة.
وعلمت فيما بعد أنه كانت هناك أوامرُ لمصلحة البريد من وزارة الداخلية بتمزيق الدعوات الخاصة بالإخوان المسلمين، وقد مُزقت الدعوة التي وُجهت إليَّ.
وبرغم هذا فقد قرَّرت أن أحضر الاجتماع بأي ثمن ونزلت أنا وأربعة من زملائي المستشارين واتجهنا نحو الاجتماع وكان في الجيزة، ودخلنا السرادق الكبير، فلم نجد موضعًا لإصبع لا لقدم، وبرغم ذلك فقد شققنا طريقنا، وعرفنا بعض المحامين الأقباط الذين حضروا الاجتماع فقدموا لبعضنا مقاعدهم، ولكني أصررت على أن أجلس على الأرض لأستمع إلى حسن البنا.
وكم سمعتُ خطباء وكنت أتمنى في كل مرة أن يسرعوا إلى النهاية، وهذه المرة كنت أخاف أن يختم حسن البنا خطابه، كنت في قلقٍ مستمر من أن ينتهي قبل أن أشنف أذني وعقلي وقلبي من هذا السحر.
مائة دقيقة انقضت عليه وهو يجمع قلوب المسلمين في قبضة يده، فيهزها كما يشاء وكما يريد، وانتهت خطبته وردَّ إلى المستمعين قلوبهم إلا قلبي أنا فقد ظل في يده.
أول لقاء مع الشهيد
وازددتُ اقترابًا من الإخوان.. بدأت أتصل بهم وأعرف بعضهم.. إلى أن جاءت ليلة.. كنت في مكتبي أراجع بعض القضايا.. ودق الجرس ولم يكن من عادتي أن أفتح الباب.. ولكن لا أدري لماذا قمت.. ولماذا ذهبت، ولماذا فتحت الباب؟
لأجد حسن البنا
وتعانقنا..
ودخل إلى بيتي.. وجلسنا نتحدث في شتى الشئون
وصلينا العشاء معًا.
وخرج المرشد.
وبدأت أضع عقلي بعد قلبي في خدمة الإخوان.
آخر لقاء مع الإمام الشهيد
كانت الساعة الحادية عشرة مساء ودق الجرس وفتحت الباب، ودخل حسن البنا يحمل إليَّ آخر أنباء مفاوضاته مع الحكومة، ولا أعلم لماذا كنتُ منقبضًا.. لماذا كنتُ ضيقَ الصدر.. لماذا تجمعت فوق طرف لساني كلمة (القتل).
كنت أحس أن هذا الرجل سيُقتل.. ستغتاله يد أثيمة.. فإن الحكومة- أي حكومة- لا يمكن أن تعجز عن قتل رجل أعزل إلا من الإيمان.
وأراد أن ينصرف.. وصافحته.. وإذا بي أعانقه وأقبله.. ولا أكاد أمسك دموعي أو أخفيها.. وابتسم رحمه الله وقال: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا".
وابتلعه الظلام.. وفي اليوم التالي ابتلعه الظلم.. فقد اغتالت الحكومة المصرية في 12 فبراير 1949 مواطنًا مصريًّا اسمه حسن البنا.. وتعهَّدت هذه الحكومة لا بإخفاء معالم الجريمة فحسب.. ولكن بمكافأة القاتل.
حسن الهضيبي
ملامح شخصية الأستاذ "حسن الهضيبي"
حسن الهضيبي هو المسلم الذي يحفظ القرآن منذ الحداثة، والذي نشأ في طاعة الله، فلم يفتر يومًا عن أداء الفرائض والواجبات الدينية.
وهو الإنسان الكريم الذي لم يُرَ قط في موطن ريبة منذ كان تلميذًا إلى أن صار مستشارًا. وهو المثل المضروب بين زملائه، وعارفيه على الاستقامة، ومتانة الخلق وقوة الشخصية، وإباء المجاملة في الحق أو الخشية إلا من الله.
وقد طبع بيته بطابع الإسلام في آدابه، وعاداته، وأزيائه بصورة قل أن تراها في بيوت الذين يتصدرون دعوة الدين، بل الذين تقلدوا باسم الدين أرفع المناصب والألقاب.
وحسن الهضيبي هو الذي استنفر كبار المستشارين؛ للانقضاض على القانون المدني الجديد، لمخالفته أصول الشريعة، فلما انقطعت أنفاسهم دون ملاحقته بالهجوم السافر، مكتفين بتقديم مذكرة نقد رقيق، انطلق وحده إلى مقر لجنة القانون، وسجل في مضبطتها الرسمية أنه يستنكر كل قانون لا يُستَمد من الشريعة الغراء، أو تتضمن مواده حكمًا يتعارض مع نص في الكتاب والسنة، وقد كان ذلك الموقف موضوع حديث الصحف المصرية؛ حتى نقلته جريدة الإخوان بعنوان "الهضيبي ينصر الله" عن جريدة "أخبار اليوم".
وإذا كان أكبر ما في حسن الهضيبي - رحمه الله - هو صموده وتحديه للباطل، والمبطلين، ووقوفه أمام قوى البغي، والطغيان، رغم كبر سنه ومرضه، فإن أبرز ما اتسمت به شخصيته هو كراهيته الشديدة للظهور، وإيثاره البعد عن الأضواء ما استطاع، لقد كان يرفض أن تؤخذ له صورة أحيانًا، كما رفض أن يسجل مذكراته؛ إيثارًا لما يحتسبه عند الله من أجر.
وإذا كان الإمام يؤثر الصمت، والبعد عن الأضواء، فإن ذلك تواضعًا منه، وفضلاً، ولكن من حقه - رحمه الله - ومن حق الإمام البنا، وكل من حمل الأمانة من بعدهم إلى اليوم أن يكونوا جميعًا أسوة وقدوة، بل ومنارات على الطريق، يلتمس العاملون للإسلام طريقهم في ضوئها، فالشباب اليوم يقلد من هنا وهناك، ويتلمس العظمة في بعض الرجال، إذا قيسوا بعظمة هؤلاء الأبطال، يصبحون أقزامًا بكل المقاييس.
نماذج من جهاده في محيط عمله
أما جهاده في محيط عمله، وتخصصه، فلقد سأله يومًا رئيس محكمة النقض والإبرام: يا حسن: ألست معي أن أكثر أحكام التشريع المدني الحديث تقابل أحكامًا مماثلة في الفقه الإسلامي؟
قال الأستاذ الهضيبي: بلى.
قال الرئيس: فما هو إذاً الأساس الكبير والمطالبة الملحة من جانبك بالرجوع إلى الشريعة الإسلامية، وتطبيق أحكامها
قال: هو أن الله - تعالى - قال : ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ لم يقل: أن احكم بمثل ما أنزل الله، وإن تحكيم شريعة الله في عقيدة المسلم عبادة تؤدى امتثالاً لأمر الله، وذلك هو مصدر بركتها، وسر قوتها في نفوس المؤمنين بها، وفي كيان الجماعة المؤمنة.
وحين عرض مشروع تنقيح القانون المدني المصري عام 1945م على الأستاذ الهضيبي، سجل كتابة أنه يرفض مناقشة هذا المشروع من حيث المبدأ؛ لأنه لم يقم أساسًا على الكتاب والسنة.
وفي عام 1947م نشر الأستاذ الهضيبي - رحمه الله - مقالاً في جريدة "أخبار اليوم" المصرية، وذلك حين عرض عليه تعديل مشروع القانون المدني المصري قال فيه: "إن أحسن تعديل في نظري هو سن قانون من مادة واحدة، يقضي بتطبيق الشريعة الإسلامية في الأحوال الجنائية والمدنية"، وقال: "لقد أعلنت عن رأيي أمام لجنة تعديل القانون المدني في مجلس الشيوخ فقلت: يجب أن يكون قانوننا هو القرآن والسنة في جميع شؤون حياتنا، وليس في الشؤون التشريعية وحدها. إن الإسلام دين متماسك متكامل غير قابل للتجزئة، فيجب تطبيق جميع أحكامه في كل أمة تدين به"، "هذا هو الرأي الذي جاهرت به، وأود أن أؤكد أنني قد انتهيت من مراجعة الشريعة، ودراستها إلى أنه ليس في تشريعات الأجانب، وقوانينهم ما لا يتضمنه القرآن الكريم، والحلال بين والحرام بين، وكلاهما واضح المعالم والحدود إلى يوم الدين".
"وهذا ما قلته أمام اللجنة، وإنني على يقين أنهم لن يأخذوا به، ولكن لا حرج عليَّ في ذلك ما دمت مؤمنًا بما أقول، ولكن ظني أنه بعد فترة قد تمتد إلى عشرين أو ثلاثين سنة سيتجه الرأي إلى الأخذ بما أقول، كلما شرح الله صدور الناس بالقرآن قرب اليوم الذي يسود فيه هذا الرأي".
لقد رأينا أن جميع القوانين التي أخذناها عن الأجانب لم تصلح من حال بلادنا، ولم تحقق ما كان يرجى منها، فهذه السجون ملأى بالسجناء، والجرائم تزداد، والفقر ينتشر، والحالة الخلقية، والاجتماعية تسوء كل يوم عن سابقه، ولن يصلح الحال إلا إذا نظمنا علاقتنا بالسنن الكونية التي تنزّل الوحي بجملة أسرارها، ومعالمها في القرآن، وإلا إذا عشنا في بيوتنا، وبين أهلينا، وأولادنا، ومع الناس أجمعين عيشة قرآنية".
"وفي العاشر من ديسمبر 1952م أعلن الدستور المصري القديم، وبعد يومين عُيِّن مائة عضو؛ لوضع دستور جديد كان بينهم ثلاثة من الإخوان، ونشرت مجلة "الدعوة" مقالاً تدعو إلى وضع الدستور على أسس إسلامية، طالب الهضيبي بالاستفتاء؛ ليتبين: أتختار مصر شرائع الإسلام أم شرائع الغرب؟ فإذا رأت أن تحكم بالإسلام كان على لجنة الدستور أن تنفذ ذلك، وإذا أرادت الأخذ بشرائع الغرب وهو رأي لا يمكن أن يقول به مسلم عرفنا أنفسنا وعلمنا الأمة أمر ربها، وما يجب عليها".
ويذكر الهضيبي - رحمه الله - أن علاقته بالإخوان قد بدأت منذ عام 1942م، وقد اقتنع بهذه الدعوة بالطريق العملي قبل الطريق النظري، وذلك حين لمس من بعض أقاربه الفلاحين إدراكًا لمسائل كثيرة في الدين والسياسة ليس من عادة أمثالهم الإلمام بها، وخاصة أنهم كانوا شبه أميين، ولما علم أن ذلك يعود إلى الإخوان]، أعجب بهذه الدعوة أيما إعجاب، وأخذ يحرص على حضور خطب الجمعة في المساجد التي كان يخطب فيها الأستاذ البنا - رحمه الله.
فمن هذا العام 1942م بدأت صلته بالدعوة، فقد كان بمدينة الزقازيق وكانت المدينة على موعد مع الإمام الشهيد "حسن البنا" حيث يقوم بزيارتها، وكان الإخوان يحتشدون، ويهتمون بهذه الزيارات، ويوسعون نطاق الدعوة إلى هذا الاجتماع، فلا يتركون طائفة ولا هيئة، ولا جماعة إلا وجهوا إليها الدعوة؛ بشهود الحفل الجامع الذي يحاضر فيه الإمام رحمه الله.
من أجل ذلك وصلت بطاقة الدعوة كل باب، غشيت كل مجلس ونادٍ، وطرقت باب محكمة الزقازيق؛ لتدعو رجال القضاء؛ ليستمعوا إلى ما يقرره "حسن البنا" عن عظمة الإسلام، وكفالة النظام الإسلامي، والمبادئ القرآنية؛ لإقامة مجتمع عالمي، وإحياء أمة، وبنا ء دولة على أساس القواعد، وأعظم الأسس.
وكان بين الذين تلقوا الدعوة رجلان من كبار المستشارين يتميزان بخلق، واستقامة، ونزاهة، وأدب كبير. أما أحدهما فقد سبق إلى جوار الله، وهو المرحوم "محمد بك العوارجي" وأما الآخر، فهو رائد الدعوة، وقدوة العاملين، وحارس الحق، وعنوان الصابرين المحتسبين الأستاذ حسن الهضيبي.
ولا أحدثك عما وراء الاستماع إلى "حسن البنا" حين تصفو النفوس، وتتفتح المشاعر، وتهفو الأرواح، حين يتم هذا يشعر المستمع بتيار جارف من روح الرجل، يغمر روحه، وعقله، وقلبه، ومشاعره، فلا يحتاج إلى جهد وعناء، بل يندفع إلى الانقياد لدعوة الحق، والعمل بها، والتعلق بها، والالتزام بالجهاد في سبيلها، ولقد كان الإمام الهضيبي تتملكه الحسرة على مصير أمة الإسلام، ويتقد غيرة على إنقاذها، وكانت غيرة الرجل في صدره، يعرفها كل من سمعه يتحدث، من الأصفياء والجلساء.
لقد حمله التأثر هذه الليلة - بعد أن استمع للإمام البنا - على تقديم نفسه له، وبعد حديث قصير كان العهد والميثاق، والبيعة.
نعم كانت بيعة ربطت حياته إلى الأبد بمصير هذه الدعوة، ومستقبلها، وهذا شأن الصادقين من أصحاب الدعوات.
إنهم يربطون ماضيهم، وحاضرهم، ومستقبلهم بهذا الحق، ولقد حفلت شخصية الإمام الهضيبي بنفاذ البصيرة، وقوة النفس، وصفاء الروح، لقد كشفت بصيرته بمجرد سماعه للإمام البنا حرارة الصدق، وقوة الإخلاص، وعمق التجرد، أيقن في لحظات أنها الدعوة التي أضنى الظمأ إليها قلبه، ومشاعره، ومواهبه أكثر من ثلاثين سنة.
الهضيبي في نفس البنا
كان البنا - رحمه الله - ينزل الناس منازلهم، ويختار الأسلوب المناسب ؛ لعرض الدعوة عليهم، وكسبهم لطرفها.
ومثل هذا الأسلوب كان يتبعه مع كبار الموظفين أمثال الأستاذ الهضيبي، فقد كان حريصًا على سرية ارتباطه بالدعوة ؛ ولهذا كان الهضيبي يحضر مع البنا - رحمهما الله - الكثير من الأسر والجلسات الخاصة، كما كان يستشيره في كثير من الأمور، بل كان يرى فيه أخًا أكبر يستشيره، في الأزمات والمعضلات، ويدخره ليوم عصيب، ووقت رهيب، ويحدث إخوانه عنه في جلساته الخاصة بكثير من الإعجاب والتقدير.
بيعة الأستاذ "حسن الهضيبي"
في الثاني عشر من شهر فبراير 1949م اغتال زبانية "فاروق" الشهيد "حسن البنا" - رحمه الله - فشغر بذلك مركز المرشد العام للدعوة، ولما كانت القيادة ركنًا من أركان هذه الدعوة، وخاصة في الظروف العصيبة التي كان الإخوان يمرون بها في ذلك الوقت، فقد أخذ الإخوان يبحثون عن قائد آخر يقود سفينة الدعوة إلى شاطئ السلام، ورشحوا لهذا المنصب أكثر من أخ من الإخوان العاملين إلا أن الأغلبية في الهيئة التأسيسية أجمعت على انتخاب "حسن الهضيبي" مرشداً عامًا.
وبقي الهضيبي - رحمه الله - يؤدي عمله سرًّا نحو ستة شهور، كما أنه لم يترك العمل في القضاء خلالها.
ولما سمحت حكومة النحاس باشا؛ للهيئة التأسيسية للإخوان بالاجتماع، طلب أعضاؤها من الهضيبي أن يرأس اجتماع الهيئة بصفته مرشدًا للجماعة، ولكنه رفض طلبهم إذ اعتبر انتخابه من قبل الهيئة التأسيسية في المرحلة السرية من الدعوة لا يمثل رأي جمهور الإخوان، وطلب منهم أن ينتخبوا مرشداً آخر غيره، ولكن الإخوان رفضوا طلبه، وقصدت وفود الإخوان من جميع مصر بيته، وألحت عليه بالبقاء كمرشد عام للجماعة، وبعد أخذ ورد وافق على مطالب وفود الإخوان، وقدم استقالته من القضاء؛ ليتفرغ للعمل لدعوة الله.
وفي 17 أكتوبر 1951م أُعلن "حسن الهضيبي" مرشدًا عامًا لجماعة الإخوان المسلمين. ومع ذلك قام رحمه الله بجولة على جميع شُعب الإخوان؛ ليتأكد أن الوفود التي حضرت إليه تمثل رأي جميع الإخوان في الشُعب، وفعلاً كان....، فبايعه كل من التقى به من الإخوان.
وحين قبل البيعة كان يقول: "إني أعلم أنني أقدم على قيادة دعوة استشهد قائدها الأول قتلاً، واغتيالاً، وعذب أبناؤها، وشردوا، وأوذوا في سبيل الله، وقد ألقى ما لاقوا، وإني على ما أعتقده في نفسي من عدم جدارة بأن أخلف إمامًا مصلحًا مثل حسن البنا رحمه الله، لأقدم وأنزل عند رغبة الإخوان، أداء لحق الله جل وعلا، لا أبتغي إلا وجه الله، ولا أستعين إلا بقدرته وقوته".
باكورة نشاطات الهضيبي بعد انتخابه مرشدًا
كان أول نشاط رسمي عملي بدأه بإقامة حفل بدار المركز العام المؤقت، وهو منزل الأستاذ "صالح عشماوي" 22 ش صبري بالظاهر. وكان الحفل بناء على اقتراح قدمه الأستاذ "أحمد حسين" -المسجون على ذمة قضية السيارة الجيب- بأن يقام حفل لتكريم أولياء أمور المسجونين من الإخوان المسلمين، وهيئة الدفاع عن القضايا المنظورة ومندوبي الصحافة والأبناء؛ لتقديم هدية المسجونين إلى المركز العام الجديد... وهي عبارة عن علم الإخوان الذي تم نسجه داخل سجن مصر، بيد المسجونين.
ولقد أشارت مجلة السيدات المسلمات إلى عملية تهريب العلم من داخل السجن إلى الخارج، وكان أول علم يرفع بعد المحنة.
ولقد نقلت جميع الصحف، ووكالات الأنباء وأخبار هذا الحفل الكبير، ودعوته النشاط الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين.
ماذا قدم الهضيبي للجماعة؟
- أما عن دعمه للجماعة، ودفاعه عنها فإن للرجل جهدًا مشكورًا، ومساهمة طيبة في شراء دار المركز العام.
- وأنه أدى مثل هذه المؤازرة للدعوة أثناء غضبتها؛ لنجدة فلسطين.
- وأوعز إلى عشيرته، وهم أفاضل كثر، بإنشاء شعبة للإخوان في قريتهم في "عرب الصوالحة"، وفيما يجاورها من القرى.
- وأنه وفق -لأسلوبه الخاص، وتوجيهه الهادئ- إلى إحياء الدعوة في منطقة شبين القناطر.
- الأستاذ الهضيبي لم تفتر صلته بالإمام الشهيد، ولم يقصر يومًا في إمداده بالرأي، والعون المثمر في كل موقف يقتضي ذلك قبل المحنة الأولى وبعدها على السواء، بل كان يشارك في جلسات خلصاء الإخوان المسؤولين التى ترسم فيها سياسة الجماعة قبل استشهاد المرشد رحمه الله، وبعد استشهاده.
- ولقد بادر عقب قرار الحل بلقاء المرشد الشهيد حيث وضع نفسه وبيته وأولاده، ومنصبه، وماله جميعاً تحت تصرف الدعوة، ورهن إشارة المرشد بصفة خاصة.
- وكان وحده الصدوق للدعوة في محيطه القضائي حتى لا جزم بأنه العامل الأول والأوحد في تنظيف سُمعة الجماعة، وإلحاق مسؤولية الحوادث بأشخاص فاعليها، وتحرير دائرة القضاء من التأثر بحملة الأكاذيب والمفتريات التي عمدت الحكومة إلى تحويل القضاء بها عن جادة العدل، وإغوائه بإصدار أحكام جائرة ظالمة فيما لفقت الحكومة من اتهامات.
- وكان الهضيبي يتابع نشرات الإخوان المؤقتة بعد استشهاد الإمام، ويزودها بالنصائح التي تجعلها بمنأى عن إثارة الحفيظة، وسلطان القانون، وأكثر إصابة للهدف الواجب، وهو إحكام تنظيم لصفوف، وتدعيم الثبات، والثقة بالله بين الإخوان العاملين.
- وكان له في العناية بأسر المعتقلين، والسجناء جهود لا يستحب الكشف عنها بأكثر من هذه الإشارة.
الهضيبي في رحاب السجون
بدأ المرشد العام حياته الجديدة في مكابدة لا تهدأ، ومعاناة لا تنقطع، وقد امتحنت الجماعة وهو على رأسها مرات، وسجن هو، وعذب، وحكم عليه بالإعدام، ثم بدل ذلك بالأشغال الشاقة، وكان يقول : "أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم".
وكان في موقف العواصف الهوج - وهو سجين أعزل، وإخوانه، وأبناؤه من حوله يعذبون، ويجلدون - يشد من أزرهم، ويدعوهم إلى الاستعلاء بإيمانهم.
يقول الدكتور "أحمد العسال " عنه: "كان يتقدمهم جميعًا بقلب ثابت، وأعصاب هادئة؛ ليقول كلمته في وجه السفاح: إن هؤلاء خيرة شباب مصر، فاحفظوهم ذخيرة لها، وخذوا مني ما تريدون".
وما أكثر ما مرت به أزمات صحية، ونقل في بعضها إلى المستشفى، فما تزول الأزمة إلا وطلب بنفسه أن يعود إلى حيث كان؛ ليظل مشاركًا إخوانه، وأبناءه ويقول: "إن السجن حالة نفسية، وليس هو الجدران والأسلاك".
ويقول عنه أيضًا: وسوف لا أنسى ما حييت ما قصه علينا، وقد فاضت عيناه تأثرًا من قصة ذلك الأخ الفقير الذي وجد ساعة ثمينة لأحد الباشاوات بينما كان ينظف دورة المياه في أحد المعتقلات، وذهب الأخ ليردها، فاقترح أحد زملائه أن يدفع له شيئًا من المال جزاء أمانته، ورده للساعة. فقال الأخ في نفس عالية: "إنني ما زدت أن رددت أمانتك إليك، ولا أريد بذلك إلا وجه الله، ولا حاجة لي في ذلك".
ثم قال الأستاذ رحمه الله: "ولقد كنت أعلم أنه في أمس الحاجة، ولكنها العفة والطهارة" ثم فاضت عيناه ويقول عنه الأستاذ "أحمد حسين" زعيم مصر الفتاة - رحمه الله - "لقد ضمنا السجن الحربي في مارس 1954م، وأشهد أنه كان معي كريمًا، وبي عطوفًا، وأحسب أن أعظم تكريم له هو في تكريم الإخوان المسلمين، ولقد سألني صحفي ما رأيك في الإخوان في معركة فلسطين؟
فأجبته بأنه كان أعظم الأدوار؛ حتى لقد كانوا هم الذين أنقذوا الجيش المصري من الوقوع في كارثة، عندما حموا مؤخرته وهو يتراجع، ويجب أن تعرف الدنيا كلها مني أنا أن من حارب الفقيد، وحارب الإخوان بالحديد والنار، إنما كان يفعل ذلك لحساب الشيطان، ولا تظنوا يا أحبائي أنني أقول هذا الكلام الآن فقط، فقد غادرت مصر عام 1955م؛ احتجاجًا على ما حل بالإخوان، وكان آخر لقاء بيني وبين عبدالناصر يدور حول هذا الموضوع، ثم يقول: "إن شهيدكم، وشهيد الإسلام إذ ينعم الآن بالحياة إلى جوار ربه، فسوف يسجل له التاريخ أنه كان كابن حنبل، رفض أن يساوم أو يتزحزح عما يتصوره حقَّا".
مواقف شامخة للمستشار "حسن الهضيبي"
في ليلة (ليلاء) من ليالي جهنم الحمراء في السجن الحربي عام 1954م أيقظ "صلاح الشيشتاوي"- محافظ القاهرة- و"علي نور الدين"- المدعي العام- مجموعةً من (الإخوان)، حوالي 25 أخًا، وصفّونا صفين، على رأسنا الأخ الضابط اليوزباشي شرطة "إيراهيم الشاذلي"، ووراءه الأستاذ الإمام المرشد "حسن الهضيبي"- رحمه الله رحمة واسعة وجزاه الله عنَّا وعن المسلمين خيرَ الجزاء وأسكنه الله مع حبيبه وصاحبه محمد- صلى الله عليه وسلم- فسيحَ جناته- ونحن من ورائهما صفان، والعسكر من حولنا؛ حيث الجو مشحون بالهول من شدة التعذيب.
ثم تحدث "علي نور الدين" وقال مقولة "الحجاج بن يوسف الثقفي": "أرى رؤوسًا قد أينعت وحان قطافها.. وأنا حجاجها"، ثم أمر "إبراهيم الشاذلي" بأن يقول: يحيا "جمال عبدالناصر"، وبعد التردد قال الأخ "إبراهيم الشاذلي" ما أُملي عليه! ثم أتبع "علي نور الدين" الأوامر طالبًا منه القول: "يسقط حسن الهضيبي" فقالها! ثم طلب من الأستاذ المرشد العام الإمام "الهضيبي" نفس ما طلبه من الأخ "الشاذلي"! موقف رهيب في لهيب نار السجن الحربي، فقال إمامنا: "يحيا أو يسقط جمال عبدالناصر ماذا تساوي؟".
انظر إلى توفيق الله.. ما قال ما يريدون.. ثم ثنَّى بقوله "لقد قال الأخ سابقًا "إبراهيم الشاذلي": يسقط "حسن الهضيبي"؛ أي أنه لا زال مرشدًا عامًّا، فصل عضوًا، وأراد أن يثبت مَنْ وراءه، فلم يتزلزل ولم نزلزل: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: 146).
فهو رجلٌ والرجال قليل، وسيرته عطرة حسنة، مملوءة بمواقف الرجولة والحزم في أشد المواقف التي مرت بها الدعوة المباركة.
مصطفى أمين وشخصية حسن الهضيبي
مَلَكَ المرشد الراشد حسن الهضيبي بشخصيته وصفاته ومواقفه على كاتبنا الصحفي الكبير مصطفى أمين عقلَه ومشاعرَه- وقلما ملك أحدٌ عقلَ ومشاعر هذا الصحفي العملاق هكذا- فكتب عنه كثيرًا، وحفلت كتاباته عنه بمشاعر الإعجاب والتقدير بل والانبهار بهذا الجبل الأشم الشامخ الصامد في وجه الظلم والطغيان، رغم قسوة السجن، وهمجية التعذيب، وتحالف العلل والأمراض، وتقدم السن، وضعف الجسد وشيخوخته.
وهذه بعض من كتابات عملاق الصحافة المصرية مصطفى أمين عن المرشد الراشد: حسن الهضيبي، نوردها لعل بعض صغار الكتبة في صحفنا المصرية- الذين يلوثون صفحاتها بإسفافهم وتطاولهم على دعوة الإخوان ومرشديها وقادتها- لعلهم من إنصاف عملاق الصحافة يتعلمون، وربما يستحون.
"عرفت الأستاذ حسن الهضيبي أول ما عرفته في عام 1939م، وكنت رئيسًا لتحريرِ مجلةِ آخر ساعة، وأرسلت المفوضية الألمانية بالقاهرة خطابًا إلى وزير الخارجية تحتج على لأنني كتبت مقالاً قلت فيه أن هتلر ديكتاتور، وأنَّ هذه إهانة للفوهرر، وقانون العقوبات المصري يمنع مهاجمة رؤساء الدول الأجنبية.
وطلب الوزير الألماني تقديمي إلى محكمة الجنايات، واتصل وزير الخارجية بوزير العدل، واتصل وزير العدل بالنائب العام، وقرَّر النائب العام تكليفَ رئيس النيابة الأستاذ الهضيبي لمقابلتي، واستقبلني رئيس النيابة مقابلةً وديةً لم أتعود أن ألقاها من رؤساء النيابة الذين يحققون معي في قضايا الصحف.
وبدأ حديثه وسألني عن أي نوع من القهوة أود أن أشرب، وطلبت (قهوة مضبوط)، فطلب لي رئيس النيابة القهوة ثم طلب (واحد ليمون)، وبعد ذلك قال لي: أنت متهم بأنك أهنت أدولف هتلر رئيس دولة ألمانيا، قالها بهدوء بنفس النبرة التي طلب بها لي (واحد قهوة، وواحد ليمون)، وكأنه يقول لي أهلاً وسهلاً وحشتنا وآنستنا.
قلت له: أنا لم أهن هتلر.. أنا قلت عنه الحقيقة.
قال الهضيبي: أنت قلت عنه إنه ديكتاتور وطاغية، وإنه قضى على حقوق الإنسان في ألمانيا؟
وسألت رئيس النيابة: وهل هو ديكتاتور أو لا؟
قال ضاحكًا: المفروض أنني أنا الذي أسألك لا أنت الذي تسألني.
قلت: المفروض أن يقول وزير ألمانيا المفوض إنني نسبت إلى هتلر أنه قضى على حرية الصحافة بينما أن الصحافة حرة في ألمانيا، وأنه ملأ بلاده بالمعتقلات، وأنشأ المحاكم الاستثنائية بينما الحقيقة أنه لا معتقلات هناك ولا محاكم استثنائية.
قال الأستاذ الهضيبي: اطمئن إنني لن أقدِّمك لمحكمة الجنايات؛ لأنني أعتقد معك أنه ديكتاتور، وذمتي لا تقبل أن أقدِّم بريئًا إلى المحاكمة، وكل المطلوب منك أن تقول في التحقيق إنك لا تقصد إهانة هتلر.
وأمر الأستاذ الهضيبي بفتح المحضر وسألني هذا السؤال وأملى على كاتب التحقيق الإجابة، وأمرني بالانصراف، ولم يطلب مني أن أدفعَ كفالةً كما طلب النائب العام.
ولاحظت وأنا أتحدث إلى الهضيبي أنه رجل قليل الكلام، تتوهم أنه صارم بينما هو رجل رقيق هادئ فيه طيبة ممتزجة بالذكاء الحاد، قوي الملاحظة، ثم عرفته بعد ذلك في سجن ليمان طرة- كانت زنزانته بجوار زنزانتي- جذبني بصموده وقوة احتماله، يقابل البطش بابتسامة سخرية، ويرد على الظلم بالإيمان، يناقشك بهدوء، لا يغضب ولا يحتد ولا يشكو، وحرموه عدة شهور من أن يتلقى أي خطاب من زوجته وبناته، وكان أولاده مسجونين في سجن آخر، وكلَّفت إحدى تلميذاتي أن تتصل بابنته المدرسة بكلية طب قصر العيني لتقول لها إن والدها بخير، هذه هي الرسالة الوحيدة التي رضي أن أحملها لأسرته، لقد منعوا عنه الزيارات ومنعوا عنه الأدوية لعدة أسابيع، ومع ذلك كان يبتسم ويضحك ويقول: صحتي الآن أحسن مما كانت عليه خارج السجن، كان يحمد الله على أنه يعيش في زنزانة.
كلمة أخيرة
لقد سجل رجال الدعوة الإسلامية في عصرها الحديث بطولات، وكانت، وما زالت لهم مواقف، ونستطيع أن نقول مطمئنين: بأنها ترقى إلى مستوى ما سجله حملة المنهج الإلهي من الرعيل الأول من المسلمين، وواجب الحركة الإسلامية أن تكرم أبطالها، وأن تحتفي بشهدائها؛ ليكونوا قدوات يسترشد بها العاملون، وكل من يسلك هذا الطريق.
آثار الأستاذ "حسن الهضيبي"
(1) دعاة لا قضاة.
(2) إن هذا القرآن.
(3) الإسلام والداعية "مجموعة كتابات جمعها أسعد سيد أحمد"
المراجع
- "الموسوعة الحركية" لمؤسسة البحوث والمشاريع الإسلامية بإشراف الأستاذ/ فتحي يكن
مجلة الشهاب. العدد "13"
- آفاق عربية "مقال الأستاذ/ محمد عبد الله الخطيب".
|
"حسن الهضيبي"... الرجل والموقف
بقلم الأستاذ/ محمد عبد الله السمان .. كاتب إسلامي
عندما بدأت الإرهاصات تسري أواخر عام1950م تذكر أن الأستاذ المستشار الهضيبي هو المرشد القادم لجماعة الإخوان المسلمين.. كتبت مجلة (روز اليوسف) تقول: "كان الأستاذ المستشار حسن إسماعيل الهضيبي المرشح ليكون المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين رئيسًا لمحكمة جنايات سوهاج, وفي إحدى القضايا الجنائية كان المحامي فيها شقيق وزير العدل قادمًا من القاهرة, وكان العُرف يسمح لرئيس المحكمة أن يستقبل في الاستراحة كبار المحامين الوافدين من القاهرة أو غيرها.. قال المحامي للأستاذ "الهضيبي": هل سيادتكم مستريحون في سوهاج؟
فرد عليه: تحقيق العدل هو الراحة التي لا ترتبط بزمان أو مكان.
قال: غدًا سأتناول الغداء مع أخي (وزير العدل) فإن رأيتم أن أرجوه لينقلكم إلى القاهرة..
فثار الأستاذ "الهضيبي", وقال له: تفضل يا أستاذ, أجئت تساومني؟
كان الساعي يهم بالدخول بالقهوة, فقال له: ارجع, وأُسقط في يد المحامي الكبير شقيق وزير العدل.
كان حسبي أن أذكر هذه القصة؛ ليعرف القارئ من هو الأستاذ "الهضيبي"، ولكني رأيت المزيد في ذكرى وفاته التي مضى عليها ثلاثة عقود, وأنا واثق من أن وسائل الإعلام لن تذكره, لا لأنها مشغولةٌ دائمًا بذكرى الراحلين والراحلات من أهل الفن, بل لأن هذه الوسائل الإعلامية غير الحرة لا تجرؤ أن تتجاوز الخطوط الحمراء, وإلا ذُهِب بمن يتجاوزها وراء الشمس.
وهذه شهادة أخرى من رجل كانت داره الصحفية في العهد الناصري حربًا شرسة على جماعة الإخوان المسلمين ..، إنه الأستاذ الراحل "مصطفى أمين"
ففي الخامس من يونيه عام 1982م كتب في فكرته.. نلتقط منها بعض السطور:
- "أعجبت بصموده.. انهالت على رأسه الضربات فلم يركع, حاصرته المصائب فلم ييأس.. تلقى الطعنات من الخلف والأمام, فلم يسقط على الأرض!"
- "رأيته في محنته أقوى منه في مجده.. سقط من المقعد واقفًا, وغيره يجلس فوق المقعد راكعًا, رأيته يستعذب الحرمان وغيره لا يستعذب إلا بالسلطان".
- "رأيته يستقبل المحنة بابتسامة كأنه يستقبل النعمة, ينام على (الأسفلت), وكأنه ينام على مرتبة من ريش النعام، ويأكل الخبز الممزوج بالتراب, ويحمد الله كأنه تناول الطعام على مائدة ملكية".
- "عشت معه سنوات طويلة, كان بين زنزانته وزنزانتي زنزانة واحدة, وكانت بينه وبين المسجونين السياسيين مناقشات طويلة, كان عدد من المسجونين الذين عُذبوا وصُلبوا وضُربوا وأُهينوا وانتُهكت أعراضهم يصرون على الثأر والانتقام من معذبيهم, بعد أن يخرجوا إلى الحرية.. فكان يعارضهم ويقول لهم: هذه مهمة الله, وليست مهمتنا.. نحن دعاة ولسنا قضاة".!
- أقُول: هذه هي النفس العالية التي ترتفع فوق مستوى التدني قولاً وعملاً, وتؤمن بالحق كائنًا حيًا لا يعتريه الموت, وبالباطل كائنًا ميتًا مهما تظاهر بالحياة, وكأنه رحمه الله يتمثل كلمات للإمام علي رضي الله عنه-: "والله ما ذل ذو حق ولو قامت الدنيا عليه, ووالله ما عزَّ ذو باطل ولو طلع القمر بين عينيه".
- كان يسره دحر الباطل وانتصار الحق بلا شماتة, كنا بالمركز العام حين أذيع نبأ الحكم بالإعدام على "إبراهيم عبد الهادي باشا"- خصم الجماعة- فارتفعت الأصوات: "الله أكبر ولله الحمد"، فاعترض في غضب وقال: مهلاً أيها الإخوة, حسبنا أن نَحمَد الله بلا شماتة, ومن يدري فقد تدور الدائرة عليكم".
- وكان ابنه المستشار "مأمون" على نفس المستوى.., ففي 28 سبتمبر عام 1970م كنا نشاهد في معتقل مزرعة طرة برنامج "نور على نور" الذي كان يُعده الأخ "أحمد فراج" وتوقف البرنامج فجأةً, وبدأت تلاوة القرآن, وأخذنا نضرب أخماسًا في أسداس: ماذا حدث؟
- وقطع صمتَنا ظُهورُ "أنور السادات" على الشاشة ودموع التماسيح في عينيه, يقول: رحل الساعة أعظم الرجال.. وما إن قال: الرئيس "جمال عبد الناصر"؛.. حتى ارتفعت الأصوات: "الله أكبر ولله الحمد"...!! ووقف الأستاذ "مأمون"- في غضب- يقول: عيب أيها الإخوة، فلا شماتة في الموت..!! كان درسًا في الأدب لم يعِه كثيرٌ من الناس.
- وكان الأستاذ "الهضيبي" رحمه الله ذا رؤية بصيرة في فنِّ السياسة, فحين وقع الانقلاب العسكري 23 يوليو 1952م كتبت مقالاً في مجلة (الرسالة) التي كان يصدرها الأستاذ "الزيات" تحت عنوان "الوثبة المباركة"، وكان مقالي افتتاحية العدد.
- علمت أن الأستاذ "الزيات" طلب من الأستاذ "الهضيبي" أن يرشح له بعض الإخوان للكتابة لـ(الرسالة) بعد أن أصبحت هدفًا للأقلام الماركسية, فأشار عليه بالأستاذ "سيد قطب" وبي, والحقُّ أنني بدأت الكتابة بـ(الرسالة) قبل ذلك, ولكنني سعِدت برأي الأستاذ في النهاية..
- فقد استدعاني الأستاذ وقال لي: "إن أصحاب الدعوات يوجَّهون ولا يُمدحون".. فهمت, وبدأت أكتب مقالات بجريدة (اللواء) التي كان يصدرها الحزب الوطني أيام الأستاذ "فتحي رضوان" تحمل المقالات عنوان: "ماذا تريدون من رجال الثورة؟"...
- في فبراير عام 1952م والملكية كانت ولم تزل ألفت كتابًا يحمل عنوان: "الإسلام والأمن الدولي", وفيه أنكرت أن يكون في الإسلام ما يسمي بـ(النظام الملكي المتوارث)، واستدعاني الأستاذ المرشد, وأنا في الطريق إليه لقيت الشهيد "سيد قطب".
- وقال لي "الحق وارفع كتابك من المكتبة؛ فقد سمعت لغطًا بالقلم السياسي أثناء التحقيق معي بشأن كتابي "السلام العالمي والإسلام" أي كان الغلط بشأن كتابي, وكان مع الأستاذ المرشد في مكتبته الشيخ "أحمد شريت" مفتش الوعظ, الذي حُكم عليه عام 1954 بالسجن خمسة عشر عامًا, وفي عام 1969م حول من السجن إلى معتقل مزرعة طرة معنا.. ثم لقيَ ربه بمستشفى القصر العيني قبل أن يُفرَج عنه.
- قال لي الأستاذ المرشد: ما هذا يا رجل؟ لقد سهرت الليلة على كتابك (240) صفحة, لم أنَم حتى انتهيت منه, بعد أن اتصل بي ناظر الخاصة الملكية يعتب علينا بسبب كتابك.. قلت: هل رأى فضيلتكم فيه غير الحق? قال: لا.. قال الشيخ "أحمد شريت": يا فضيلة المرشد، هذا الكتاب مفخرةٌ لنا.. قال: يا شيخ "أحمد", لقد رفعنا التماسات نطلب الإفراج عن إخواننا بالسجون...، ألا ترى أن من شأن هذا الكتاب أن يؤثر في التماسنا؟
- والمهم أنني اتفقت على مصادرة الكتاب، شريطةَ ألا يمس المؤلف بأدنى أذى, واتخذنا قرارًا شكليًا, وفي نفس الوقت أرسلنا منشورًا دوريًا إلى المكاتب الإدارية لتوضيح المسألة حتى لا يُساء إلى فكر المؤلف.
- وفي عام 1954م ونحن بالسجن الحربي وفد إلينا معتقل جديد, يحمل معه صحيفة قاهرية, وفي صفحتها الأولي بالبنط الكبير: "المرشد العام يصادر كتابًا لأحد كبار الإخوان ينتقد النظام الملكي الوراثي" أستغفر الله! لم أكن من كبار الإخوان, بل كنتُ وما زِلت من عامَّتهم, وفي لقاء مع الأستاذ "عبد العزيز كامل" الدكتور فيما بعد ووزير الأوقاف ما رأيك؟
- قال: "انج سعد فقد هلك سعيد, احتفظ بالجريدة لعل الخبر يفيدك حين يحقق معك" قلت: أتراني أرجم بيتي بالحجارة؟ قال: "أنت حر"، وحتى لا أضعف قمت بتمزيق الجريدة, وشاء الله ألا يُحقَّق معي حتى أُفرج عني!
- ومن الغريب مصادرة الطبعة الثانية من الكتاب في عام 1960م في العهد الناصري؛ لأني تناولت (تيتو) و(نهرو) بشيء من النقد, وفي نفس الوقت اختارت إدارة الثقافة بوزارة التربية والتعليم الكتاب لمكتبات المدارس الإعدادية والثانوية, وما في مستواهما, وكذلك فعلت إدارة المعاهد الدينية بالأزهر.
- وفي عام 1953م- وكنت مدرسًا بمدرسة الوحدة العربية بالمنيرة بالقاهرة اتصل بي الأستاذ "محمود المهدي" المحرر بالأهرام, وقال لي: إن الممثل "حسين صدقي" في مكتبي يريد أن يلقاك, كان الأستاذ "حسين صدقي" أنتج فيلمًا سينمائيًا بعنوان: (الشيخ حسن) كان هو البطل..، ويمثل دور طالب أزهري دُعي لإعطاء درس خصوصي لطالبة يونانية الممثلة ليلي فوزي في اللغة العربية، وأثناء الحصة كانت الطالبة تثير شبهات حول الإسلام.
- وكان يتولَّى الدفاع عنه, وانتهت المحاورة إلى الإسلام في كتمان, ولاحظت الأسرة تحولاً في حياة الفتاة، وأدركت أن الشيخ حسن وراء هذا التحول, فقررت الاستغناء عنه, وزعموا أن المدرس هو الذي انقطع؛ لأنه مشغول بالمذاكرة والامتحان على الأبواب, فلزمت الفراش, وكان الشيخ (حسن) قد تردد أكثر من مرة, وكانوا يعتذرون له بأنها مريضة, وفي آخر مرة سمعت صوته يُنذر بعدم العودة, فغادرت سريرها؛ وبسبب سرعتها وقعت وتدحرجت على السلالم, وفقدَت حياتها...، واحتج إخوانُنا الأقباط على الفيلم بشكوى قُدمت إلى الرئيس "محمد نجيب"، الذي طلب مشاهدة الفيلم, وصرَّح بأن لا شيء في الفيلم, وبرغم ذلك صادره منعًا للمشاكل.
- ونصح الأستاذ "مهدي" الممثل باللجوء إلى الإخوان, ورشحني لأكون حلقة الاتصال بينه وبين المرشد العام، فقلت: إن مهمتي أن أجمع بين الأستاذ وفضيلة المرشد, وزرته في مسكنه بـ(الروضة), وعرضت عليه المسألة, وقلت له: أرى أن يتدخل الإخوان حتى يقتنع رجال الثورة بأننا موجودن, وفي لقاء الأستاذ "حسين صدقي" مع المرشد, قال له: لا أستطيع أن أُصدر حكمًا إلا بعد مشاهدة الفيلم, واستجاب.
- وتقرر مشاهدة الفيلم بـ(سينما كايرو) في عرض خاص بالطبع, وشاهدنا مع فضيلته الفيلم, ومعنا الشيخ شلتوت شيخ الأزهر فيما بعد وبعض أعضاء مكتب الإرشاد، واقتنع الأستاذ المرشد أن في مصادرة الفيلم تعسفًا, وأجرى اتصالات مع الرئيس "محمد نجيب" الذي وافق على رفع المصادرة، شريطة اختيار عنوان آخر, واختير له عنوان: "ليلة القدر".
- وُفِّقت الجماعة في اختيار الأستاذ "الهضيبي" خلفًا للإمام الشهيد "حسن البنا" مؤسس الجماعة..، كان الإمام الشهيد قبل اغتياله قد أوصى "الباقوري" بتعهد الجماعة إذا حدث له ما هو متوقع, على أن تنتهي مهمته عندما يسترد الإخوان اعتبارهم بعد انتهاء المحنة؛ ليكون الأمر شورى, وفَّى الشيخ بالعهد, وكان الإمام الشهيد بعيدَ النظر, واثقًا من أن الشيخ لن تمسَّه المحنة, وهو صهر للشيخ "عبد اللطيف دراز" وكيل الأزهر, وعضو مجلس النواب عن الحزب السعدي الخصم العنيد للجماعة.
- والأستاذ "الهضيبي" لم يكن غريبًا على الجماعة, بل كان من خاصة الإمام الشهيد ومن ذوي مشورته, تعرَّف عليه عام 1942م، وكان للبنا خاصةٌ من وجوه القوم يرى من الحكمة عدم ظهورهم على المسرح, على أمل أن يكون لأيٍّ منهم في المستقبل القريب أو البعيد دور مهم, ومن الأسباب التي دعت إلى اختيار الأستاذ "الهضيبي" كونه من رجال القضاء, وهذا مما قد يُزيل الجفوة بين الجماعة والقضاء التي سببها مصرع القاضي "الخازندار" بيد الإخوان.
- ولا يجادل أحد في أن الأستاذ "الهضيبي" كان يتمتع بحزم في سلوكه, وبُعٍد نظر رشيد في أمور السياسة, فحين عرض ضباط الانقلاب على الجماعة ترشيح البعض منهم لبعض الوزارات, كان رفضه للفكرة مفاجأة, وسرعان ما اضمحلت المفاجأة حين عرض وجهة نظره في الرفض, قال للجماعة: إن للدعوة هدفًا أساسيًا هو رد الاعتبار للإسلام وشريعته, فإذا اشتركوا في الحكم دون تحقيق الهدف, ثبتت التهمة الملصقة بهم بأنهم جماعة استغلوا الإسلام وجعلوا منه ستارًا يُخفي هدفهم الأساسي, وهو الوصول إلى كراسي الحكم.
- وكانت هناك محاولة بعد محنة 1954م؛ للتصالُح مع النظام, على أن تمارِس الجماعة نشاطها، بعيدًا عن السياسة مع تعويض سخيٍّ عما لحقها وأتباعها من ضرر فادح ماديًا وأدبيًا, ورفض الفكرة, وكانت وجهة نظره في الرفض أن لا تعود الجماعة إلا بحكم قضائي, وليس عن طريق منحة بلا ضمان، وتكررت المسألة في السنوات الثلاث الأولى من حكم "السادات" بلا جدوى, وكذلك بعد أن تولى الأستاذ "عمر التلمساني" الجماعة بعد رحيل الأستاذ "الهضيبي".
- وكان "التلمساني" على نفس الطريق, ولقد قال لي الشيخ "سيد سابق" رحمه الله وكان على صلة بالمسألة: إن "السادات" عرض على الجماعة استرداد المركز العام, وخمسة ملايين من الجنيهات على سبيل التعويض، ومما لا يعلمه كثير من الناس أن بعض النفوس أصيبت بالرعب لتقارب "السادات" مع الإخوان, وفكَّر "موسى صبري" والسيدة "جيهان السادات" مع الإفادة من رأي قداسة "البابا" أن لابد من الاستعانة بأجهزة الأمن لافتعال متفجرات في بعض كنائس الأسكندرية, وتسليط الاتهام على جماعة الإخوان، وضلت المؤامرة طريقها.
- في أواخر الستينيات انعقد مؤتمر إخواني بالمغرب, واتخذوا قرارًا باختيار الأستاذ "الهضيبي" مرشدًا للجماعة مدى الحياة, واتصلت المخابرات بالأستاذ في سجنه لمساومته على الإفراج عنه مقابل كتابته سطورًا يعتذر فيها عن عدم قبول قرار الجماعة لظروفه الصحية، ورفض في إباء, وأكثر من مرة رفض الحوار مع المسئولين, وأقام رفضه على أساس أنه سجين يخضع لسلطة القضاء وحده!
- ثم ماذا بعد هذا؟ فإننا أمام شخصية فذة, لا تكفي صفحات معدودة للوفاء بحقها في الدراسة, وحسبنا هنا ما قاله الأستاذ "مصطفى أمين" في آخر فكرته:
- "كان متمسكًا بدينه بغير تعصب, مؤمنًا بالعدل كارهًا للظلم، يرفض العنف، ويقول: "ما حاجتنا للمسدس ولنا لسان، ما حاجتنا للقنبلة ودوي صوت المظلومين أعلى من انفجار الديناميت"! كان اسم الرجل هو: حسن الهضيبي"!!
|
|
الهضيبي بك ينصر الله
هذه صفحةٌ من أروع صفحات الفخار، سطَّرها مرشدنا الراشد: حسن الهضيبي، منذ أكثر من 60 عامًا، نصر فيها شرعَ الله ومنهجَه، ونادَى بوجوب تطبيق الشريعة الإسلامية في جميع مجالات الحياة، وصرَّح بأنها الحل الوحيد لكل مشكلاتنا وأمراضنا، وكان هذا في وقت ندر فيه مَن يتحدَّث عن منهج الله وشريعته من رجال القانون والتشريع، فكانت صيحة مدوية لها أثرها الخطير، أثلجت صدور الدعاة والمجاهدين، وأدهشت المتابعين والمراقبين.
وكان لصحيفة أخبار اليوم اهتمامٌ ومتابعةٌ لهذا الحدث (الخطير) كما سمته فعقبت عليه قائلةً:
- "اتصل بنا أنه حينما عرض مشروع تعديل القانون المدني على الأستاذ حسن الهضيبي بك المستشار في محكمة النقض لاستطلاع رأيه فيه فقال:
- "إن أحسن تعديل في نظري هو سَن قانون من مادة واحدة يقضي بتطبيقِ الشريعةِ الإسلاميةِ في الأحوال الجنائية والمدنية".
ولقد رأينا إزاء هذا الرأي الخطير أن نرجع إلى الهضيبي بك في ذلك فقال:
"لقد أعلنتُ رأيي أمام لجنة تعديل القانون المدني في مجلس الشيوخ فقلت: يجب أن يكون قانوننا هو القرآن وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام في جميع شئوننا وليس في الشئون التشريعية وحدها؛ لأن الإسلام دينٌ متماسكٌ متكاملٌ غير قابل للتجزئة، فيجب تطبيق جميع أحكامه في كل أمة تدين به.
هذا هو الرأي الذي جاهرت به، وسأظل أدعو إليه عن يقينٍ واقتناع، وأود أن أؤكد أنني قد انتهيت من مراجعة الشريعة الإسلامية ودراستها إلى أنه ليس في تشريعات الأجانب وقوانينهم ما لا يتضمنه القرآن، والحلال بينٌ والحرام بينٌ وكلاهما واضحُ المعالم والحدود إلى يوم الدين، أما ما سماه الرسول صلى الله عليه وسلم (عفوًا) وهي المسائل المباحة فيمكن لولي الأمر أن يردَّها طبقًا لما تقضي به المصلحة العامة، وإني أستند في ذلك إلى القرآن أيضًا لأن طاعة ولي الأمر واجبةٌ بنصِّ القرآن.
هذا ما قلته أمام اللجنة التي أعلن رأيي هذا وأنا على يقين من أنهم لن يأخذوا به، ولكن لا حرج عليَّ في ذلك ما دمت مؤمنًا بما أقول.
وأكبر ظني أنه بعد فترة قد تمتد إلى عشرين سنة سيتجه الرأي إلى الأخذ بما أقول، وكلما شرح الله صدورَ الناس بالقرآن قرب ذلك اليوم وساد هذا الرأي.
ولقد رأينا أن جميع القوانين التي أخذناها عن الأجانب لم تُصلح من حال البلد، ولم تُحقق ما كان يُرجى منها، فهذه السجون ملأى بنزلائها، والجرائمُ تزداد والفقرُ ينتشرُ والحالةُ الخلقية والاجتماعية تسوء كل يوم عن سابقه، ولن يصلح الحال إلا إذا نظمنا علاقاتنا بالسنة الكونية وهي القرآن، وعشنا في بيوتنا ومع أولادنا ومع الناس أجمعين عيشةً قرآنية".
وفي نفس اليوم الذي نُشرت فيه كلمة الهضيبي في أخبار اليوم نشرت (الإخوان المسلمون) الكلمةَ الآتية بقلم: المجاهد الكبير العلامة (محب الدين الخطيب) صاحب مجلة الفتح والمطبعة السلفية، يحيى فيها الأستاذ الهضيبي، ويوافقه فيما ذهب إليه من وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية، ويزيد الموضوع بيانًا وتفصيلاً فيقول:
"في الساعة التي كان جيشنا يتخطى فيها الحدود إلى فلسطين وقف الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر متوجهًا إلى الله عز وجل يطلب منه النصر لهذا الجيش.
والله عز وجل وعدنا النصر، وعلَّق الوفاء بهذا الوعد على نصرتنا له، ولكن كيف ننصر الله؟
لقد نصرناه بمقاومتنا لباطل الصهيونيين، ونصرناه بإخلاص النية لله في هذا الجهاد.
ونصرناه بما نتبرع به كبارًا وصغارًا لتأييد المجاهدين.
وهناك جانب آخر ننصر به الله لنستحق عليه النصر من الله، هو الدعوة إلى تعميم الأخلاق والأحكام والمبادئ والقواعد التي ترضي الله.
|
|
|
|
ماذا قال المرشدون عن الهضيبي ؟
الأستاذ عمر التلمساني.. ذكريات مرشد عن مرشد سابق
على مشارف الزمن رجال اصطفاهم ربهم، فأتاهم من فضله ما لم يؤتِ غيرَهم، ومِن البشر خلقٌ ينساهم الناس قبل أن يواروهم التراب، وثمة رجال هم والزمن صنوان من الخلود، لن ينساهم الناس أجمعون، ومن هؤلاء فضيلة مرشدنا السابق الأستاذ حسن إسماعيل الهضيبي رضي الله عنه وصلى عليه ﴿هُوَ الَّذِيْ يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ (الأحزاب: من الآية 43).
زاول مهنة المحاماة حينًا، فكان مثال الشرف والصدق والأمانة والتحرز لدينه، واستأثر به القضاء، فكان المعلم المشرق في جنباته، معتزًّا بدينه وخلقه وكرامته، اختاروه مستشارًا وذهب إلى السراي الملكية ليحلف اليمين المعهودة، فكان أول مستشار يحلف اليمين ثم يخرج موليًا الملك ظهرَه، وكانت مفاجأة ما كان للملك ولا لرجاله عهدٌ بها من قبل، إذ كان الذي يؤدي اليمين يخرج متراجعًا حتى يصل إلى الباب، وكادت تحدث أزمةٌ لولا معرفة الجميع بصلابة الرجل واعتداده- بعد الله- بنفسه.
ثم شاء الله أن ينتخبه الإخوان المسلمون مرشدًا لهم، فصادف الاختيار صاحبه، وملأ الرجل مكانته؛ لأنه كان إخوانيَّ النزعة منذ معرفته بالإمام الشهيد حسن البنا مرشد الإخوان المسلمين
وكان يحضر بعض أحفالهم، وأذكر أنني كنت أتحدث في محفل إخواني، وكانت فاتحة كلامي أننا في أحفالنا هذه نطهِّر ألسنتنا من مهاجمة أحد أو النَّيل منه، واسترسلت في الكلام، وجرفني حماس الموقف، وبدرت مني عبارة رآها فضيلتُه ماسَّةً ببعض الناس، فأهاب بي من مكانه أن أفي بما بدأت به كلامي، فأكبرته لأنه أهدى إليَّ عيوبي.. فجزاه الله عن الحق خيرًا، وكان بقبوله لمركز المرشد شهادةً قضائيةً لحقيقة الإخوان المسلمين، وإلا لما قَبِل مكانَ الإرشادية، لو رأى في الإخوان أو في دعوتهم وأسلوبهم مأخذًا.
ودعاه الملك فاروق في قصر عابدين دون أن يطلب هو المقابلة، فلما خرج سأله الصحفيون عن المقابلة، فكان الرد المهذَّب الصادق لمثل ذلك الموقف وفي تلك الملابسات قال رحمه الله ورضي عنه وأرضاه: "مقابلة كريمة لملك كريم"
ولكل كلمة مدلولها ومؤداها، لم يقل تشرفت أو سعدت بالمثول بين يدي الملك الكريم، ولكن قال إنها مقابلة، وكلمة مقابلة وفي هذا المقام تدل على المجادلة، في اللقاء والمساواة بين الرجلين، وما كان ليقول غير ذلك، ووصفها بأنها مقابلة كريمة، لأنها تمت في جوٍّ من المحافظة على العزة والكرامة وليست ساميةً ولا ملكيةً ولكنها كريمةٌ؛
لأنه هو المدعو للقاء، وما كان لمُواطن أن يرفض مقابلة الحاكم إذا دعاه، لا إذا استدعاه، ووصف الملك بأنه كريم؛ لأن الحفاوة التي استقبله بها الملك، والمكانة التي أحلها إياه مستطلعًا ومستبشرًا.. لا تصدر إلا موصوفةً بهذا الوصف السليم، مهما كانت أخلاق الداعي في غير ذلك الموقف، فالوصف كان متسقًا تمام الاتساق مع ما يجب أن يقال في مثل ذاك المقام.
حل عيد الأضحى مرةً وهو في أزمة مالية، حكَى لي حكايتها فقال:
- جاء العيد وليس عندي من مظاهره ما أحتفل به، وفي مساء يوم الوقفة جاءه أحد أقاربه وذكر الاسم، وكان يعمل في المجال القضائي جاء ليستقرض من قريبه فابتسم الأستاذ الهضيبي، وكانت بسمة أوضح من مئات الدلالات، وأدرك قريبُه حقيقةَ الموقف، فخرج متَّجِها إلى بلدة المرشد وقال لوالده وكان ميسور الحال: أتترك ابنَك على هذه الحال وفي أيام العيد؟!
وقال فضيلته:
- وما أدهشني بعد صلاة فجر العيد إلا قرع الباب عليَّ، ورجل يسحب خروفًا ومعه العديد من الجنيهات، وموضع الاستشهاد بهذه الحادثة قوله لي إن الذي كان يشغل باله أن خادمته لن تفرح بالأضحية والعيدية كمثيلاتها في تلك الضاحية، أي أن حاله وحال أولاده وزوجه لم تكن ذات بال يشغله، ولكنها الخادمة البعيدة عن والديها وأترابها والتي لم تكن لتجد ما يعوضها عن ملهاتها في الريف البعيد المشاعر القريب المسافة، وتلك ناحية من نواحي النبل الأخلاقية التي تهتم بالغير أكثر من اهتمامها بنفسها.
وهكذا كان مرشدنا الراحل رضوان الله عليه في كل مناحي حياته الحافلة بشتى المشاعر والأحاسيس المحببة إلى القلوب، وكانت زوجه الفاضلة رحمها الله صورةً من هذه الصور الرائعة، فيوم أن أذاع المذياع نبأ الحكم بالإعدام على فضيلته من المحكمة العسكرية التي شكلها عبد الناصر، الذي رضي لنفسه أن يكون الخصم والحكم..
في تلك اللحظة صرخت الخادمة وولولت فنهرتها السيدة الكريمة قائلةً لها:
- لا تصرخي فهو شهيد، والشهداء يهنأ أهلوهم وذووهم؛ لأنهم نالوا ما لم يحظَ به الكثيرون وأنهم يغبطون ولا يناح عليهم.
وجاءت المحن، واستبدل الإعدام بالسجن المؤبد، ودخل فضيلته السجن رغم تقدم سنه وحالته الصحية، كانت محنة في مظاهر منحة، وقديمًا قال علماء اللغة العربية: إن الكلمات المركبة من حروف واحدة كثيرًا ما تتفق في المعنى، فأنت إذا قلت نيل فهو النهر الذي يروي الأرض ويمدها بالنماء بإذن الله، وإذا قلت نَيْل فقد ضمنت الأماني ونلتها.
وكان الله سبحانه وتعالى قد أعده لقيادة الإخوان المسلمين؛ لِما علمه فيه من حكمة وجلد واحتمال وصبر على المكاره؛ ليكون الأسوة المثلى لمن بايعوه على الوفاء والتضحية والسمع والطاعة في غير معصية.
وكان فضيلته موضع الدهشة والإعجاب من كل من في السجن.. ضباط.. وأطباء.. ونزلاء.. الكل كان يعجب كيف يبتسم هذا الرجل في وجه تلك المحنة!! كيف كان ينام قرير العين من بعد صلاة العشاء حتى أوقات السحر ليتهجَّد، كيف كان يأكل العدس بالحصا.. أو الحصا بالعدس.. عدس محصو أم حصا معدَّس، وقُل هذا عن الفول المسوَّس أو السوس المفوَّل، وقل هذا عن اللحم الذى تأنف منه قطط السجن.
كل هذا كان سهلاً هينًا، وما كان يطلب إلا رضاء الله، وأسأله تعالى أن يكون قد وهبه إياه، فقد كان من دعائه: يا صاحب الفضل أهِّلني لرضاك.
كان صلب أسارير الوجه، لا تعرف أراضٍ هو أم غاضب، لا تستطيع أن تستشف دخيلته مما كان يبدو على أسارير وجهه، مَن لا يعرفه يظن أنه غاضبٌ وهو راض، ومن يعرفه يظنه راضيًا وهو غاضب، فهو متعالٍ عن المحنة، لم يضعف أمامها، ولم يُخف استعلاءَه عليها.
كان يتعامل مع الجميع وكأنه مستوٍ على منصة القضاء بكل ما فيها من هيبة ووقار، ينزل الكل على احترامه، حتى إذا ما احتوته جوانب الزنزانة مع زملائه فيها نطق الرجل كأظرف ما يكون جناسًا في العبارات مع محدثيه، يسرِّي عنهم جميعًا وكأنه واحد من الجنود، وليس قائدَ الرايات والبنود، يروي لنا شذرات من المحاماة ومواقف القضاء، ومحاورات مع العامة ممن لا يعرفون حقيقته ومكانته، وكأنه واحدٌ منهم لا يفضلُهم بشيء، وهو الذكي الأريب اللماح.
اتهمه عبد الناصر بالعِمالة في يناير 1954م، ثم أفرج عنه في مارس من السنة نفسها، وذهب إلى داره مهنئًا ومعتذرًا، وهكذا كان يُرغم الحقُّ المبطلين على النزول عند حكمه مهما كان منصبهم واستعانتهم بالقوة الزائفة الزائلة.
لقد كان مجلس الثورة كله على وجه التقريب زوارًا له في داره، وكانوا جميعًا أشبه شيء بالتلامذة في حضرة أستاذ عظيم، كانوا مسلَّحين بقوتهم المادية، وكان مسلَّحًا بقوته الروحية المعنوية، وكان الله معه وكان خير الناصرين؛ لأن من ركن إلى الله فقد آوى إلى ركن شديد، حتى الذين عارضوه أيام قيادته للإخوان قبل المحنة، سارعوا إلى داره معتذرين معترفين بفضله وبُعد نظره..
لقد كان هو ورجل آخر ما يزال على قيد الحياة- الوحيدين اللذَين لم يتوقَّعا خيرًا من عبد الناصر من أوائل أيام الانقلاب، وأثبتت الأيام والأحداث أنهما كانا على حق دون غيرهما من الناس أجمعين.
إن أكبر ما كان يستثير عبد الناصر أنه كان يخاطبه بغير الأسلوب الذي شوَّه مواقف عبد الناصر؛ نتيجةً للبطانة التي أوحت إليه أنه فريد عصره وأوانه، ولو أن الناس عرفوا أن الله قد خلقهم أعزةً أحرارًا لما استطاع الظالمون أن يبطشوا أو يتألَّهوا، ولكن الناس معادن، لا تظهر جواهر كيانهم إلا إذا صهرتها نيران المحن.
ولما ضاق بعض الشباب بألوان العذاب، التي أوقعها بهم زبانية عبد الناصر تحت سمعه وبصره، وقدروا أن هذه الأفعال لا يرتكبها مسلم وحكموا بكفرهم لما حصل هذا، أباه عليهم، ولم يرضَه لدينهم، وأقنعهم بالحجة والدليل أن الحكم بالتكفير شيء غير يسير، ورجع البعض منهم وبقي البعض على ما هم عليه، ولو كان يعمل لنفسه ويرضى لهم صغار الانتقام لوافقهم على رأيهم، ولكنه كان فوق ذلك وأكبر.
هذه بعض الذكريات التي جالت بالخاطر، وأنا أكتب عن شخصية من أكبر الشخصيات التي ظهرت على مسرح الأحداث التاريخية في القرن العشرين.
إن الإحاطةَ بالرجل ومواقفه الباهرة وصبره العجيب ورجولته النادرة.. تستوعب صفحات مجلدات، ولكن من لي بعلم عالم، أو ذكاء كاتب، حتى أوفِّي هذه الشخصية الباهرة حقَّها من الإجلال والإكبار، وعلى كل فهو في غير حاجة إلى مديح أو ثناء، فحسبه ربه أولاً، وحسبه آثاره ومواقفه التي حفظت لدعوة الله استمرارها.
لقد أديت ووفيت يا فضيلة المرشد ﴿إِنَّ اللهَ لا يُضِيْعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ (الكهف: من الآية 30).
........
الأستاذ حامد أبو النصر: حسن الهضيبي .. الإمام الأمين والمرشد الحارس
ذهب الرسول الكريم إلى الرفيق الأعلى واستخلف خليفتَه أبا بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه في الجنة وقد واجه الصدِّيق أحداثًا ضخمةً، منها وأهمها امتناع بعض المسلمين عن دفع الزكاة والتي هي الركن الاقتصادي من أركان الإسلام، فشمَّر الخليفة العظيم عن ساعده في تعقب هؤلاء المرتدين.
وقال:
- "والله لو منعوا عقال بعير كانوا يؤدونها لرسول الله لقاتلتهم عليه، وأخذ صاحبه عمر بن الخطاب الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه يخفف من هذه الصدمة، محاولاً صرفَ النظر عنها لحداثة دخول العرب في الإسلام، ولكن أبا بكر الصديق الخليفة القوي أبَى ذلك وقال لصاحبه بملء فيه: أشُجاع في الجاهلية خوَّار في الإسلام يا عمر؟!
وكان أن سار في مسيرة الصديق رضي الله عنه وضرب هؤلاء المتمردين ضربةً فاجعةً أعادت إليهم ومن على شاكلتهم صواب الإيمان وعظمة الإسلام.
وهكذا يدور الزمان دورته، ويقلِّب الله الليل والنهار، ويغيب الإمام الشهيد حسن البنا عن ساحة العمل الإسلامي والحركة المباركة التي وضع بذورَها، ويترك لمن خلفه الشدائد والصعاب والدعايات الكاذبة للنَّيل من جماعة الإخوان المسلمين، فيختار الله بسابق علمه المرشد الرجل الحارس الشجاع الذي يبدد هذه الأقاويل ويضرب على يد الفتنة في مهدها، ويواجه عمالقة الظلم والطغيان في العصر الحديث.
كل هذه الصعاب انبرى لها ذلك المستشار العظيم، قمة العدالة وشرف النزاهة، فبدَّد ما قيل وما يقال مما يشوه صفحة الإخوان المسلمين الناصعة والتي كانت مثلاً أعلى للحركة التي تبتغي من ورائها رفعة الإسلام والمسلمين.
وكانت هذه الصورة طبق الأصل لصورة الرجل القانوني العادل الذي يعيش للعدل وللعدل فقط، وبدأت الصورة القاتمة التي صوَّرها الاستعمار وأعوانه تنقشع، وبدأ جمال الحق وجلاله يعود إلى النفوس، ولكنَّ القدر المحتوم والقضاء المبرم يُنبت في أرض الإخوان المسلمين نبتةً فاسدةً حملت لواء التمرد والعصيان كذبًا منها وافتراءً لتنال من عظمة هذا الرجل وهيبته، ولكن ذهبت أصواتهم أدراج الرياح وسقطت أوراق الخريف، ولم يبق إلا الصادقون، والذين كانوا مع الصادقين، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً.
استطاع المرشد الحازم أن يقضي على هذه النبتة بل ويسحقها، رغم ما أحدثت من دوي، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ﴾ (الرعد: من الآية 17)، وكانت أقاويل، وكانت افتراءات، وكانت اتهامات، وأخيرًا لم يصح إلا الصحيح، وسارت الدعوة في رعاية الله محصنةً من الداخل ومن الخارج.
ومن ثم جاء القضاء الذي لا مفرَّ منه، وقُضي الأمر الذي لا بد منه، وجاءت حركة الضباط في سنة 1952 وترعرعت شجرتهم، وشربت من ماء المستعمر، الذي يهمه في المقام الأول تحطيم كل الحركات التي تُعيد للمسلمين والعرب قدرتَهم ومكانتَهم وأمجادَهم، وكان كل ذلك يعبر عنه الإخوان المسلمين أصدقَ تعبير في أجلِّ صورةٍ وأكرم مظهرٍ، فاتجه هؤلاء الضباط اتجاهًا كاملاً بوحي من الاستعمارِ للقضاء على هذه الروح التي تُحييها مبادئ الإخوان المسلمين بل مبادئ الإسلام، ورسموا لذلك الخطط، مشتركين مع المستعمر لإطفاء نور الحق الذي تجلَّى في شجب الإخوان لبعض بنود المعاهدة الإنجليزية ومطالبتهم بإعادة الحياة البرلمانية تحكم البلاد في جوٍّ من الشورى والطمأنينة.
فواجه المرشدُ الحارسُ الأمينُ على دعوة الله في هذا القرن الحديث والقائدُ الشجاعُ الذي يحرص على حرية الشعب المصري وحقوقه.. واجه الحديد والنار بغير ضعفٍ أو خذلان، ومن ورائه جماعته الحبيبة المخلصة، التي دفعت الثمن الغالي بسخاء، ونصب أعداء الشعب المشانق، وفتحوا غياهب السجون، ومارسوا الاعتداءات على الأرواح والأجساد، ففاقوا بذلك طغاة التعذيب وامتهان كرامة الإنسان على مدى التاريخ.
وحمل المرشد الحارس الرايةَ في استعلاءٍ وقدرةٍ مستمَدةٍ من عظمة جبار السموات والأرض جل وعلا، ودخلت الجماعة وربانها نار إبراهيم فكانت بردًا وسلامًا، ووقع القدر ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيْبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِيْ أَنْفُسِكُمْ إِلا فِيْ كِتَابٍ مِّن قَبْلَ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيْرٌ* لِكَيْلا تَأْسَوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (الحديد: 22، 23).
وعلى لهيب نار التعذيب نشأت داخل السجون عند أفراد قلائل فكرةٌ تصوِّر الحكام الذين حملوا لواء التعذيب والتنكيل والاعتداء على كرامة الإنسان، وكذلك المجتمع الذي يتقبل هؤلاء العتاة الطغاة دون أن يقاومهم أو يقومهم، تصورهم وتحكم عليهم بأحكام مختلفة متباينة لا تستند أصلاً إلى الأسس التي وضعها الإمام الشهيد حسن البنا لقيام جماعته على الكتاب والسنة والإجماع.
وهنا انبرى الإمام الأمين والحارس الشجاع يواجه هذه الأفكار الدخيلة على جماعته ويصحِّح مسيرة الدعوة الإسلامية، وألَّف تحقيقه المعروف "دعاة لا قضاة" وبذلك تبدَّدت هذه المفاهيم وتحصنت الجماعة من الفكر الدخيل وأخذت السفينة تشقُّ عباب البحر وسط العواصف والأنواء في قوة، حتى رست على برِّ السلامة ومرفأ الأمان.
وقُضي الأمر واستوت على الجودي وظهرت جماعة الإخوان مرةً أخرى تفتح الطريق للإسلام وتدعو الناس جميعًا إلى الحب والتعارف وإنكار الذات والتعاون الأكيد فيما يعود على البشرية بالسخاء والرخاء، مصداقًا لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوْبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية 13).
وهكذا كانت حياة الإمام الأمين والمرشد الحارس حياةً هي الجهاد بعينه وهي النصر الأكيد، بفضل وقفاته الحازمة ونظراته الثاقبة، رحمه الله رحمةً واسعة.
فكان ما كان وأصبحنا ملء السمع والبصر والفؤاد، نسأل الله أن يثبِّت الخُطا وأن يمنحَنا القدرةَ والقوةَ لاستقبال ما يأتي به القدَر، وهو على أي حال ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيْبٌ﴾ (الصف: من الآية 13).
مواقف وذكريات مع الإمام الهضيبي :
يروي الأستاذ أبو النصر في السطور التالية بعضًا من الذكريات والمواقف التي عاشها مع فضيلة المرشد العام الأستاذ حسن الهضيبي، فيقول:
- "بعد استشهاد الإمام البنا أخذ الإخوان يبحثون عمن يخلُف الإمام حسن البنا ويتولَّى منصب المرشد العام، ولمَّا كنت أقيم في الصعيد (في منفلوط محافظة أسيوط) فلا أعرف تفاصيل الأحداث التي انتهت إلى اختيار الأستاذ الهضيبي رحمه الله.
- ولكن جاءني أحد الإخوان وقال لي: نحن نأخذ بيعةً من الإخوان للأستاذ الهضيبي مرشدًا وخلفًا للإمام حسن البنا، ولم تكن لي أية صلة بالأستاذ الهضيبي قبل اختيار الإخوان له مرشدًا عامًّا، ولكني عرفت أنه كان على اتصالٍ وثيقٍ بالإمام الشهيد حسن البنا
- فقد كان الإمام الشهيد حسن البنا على صلةٍ بشخصياتٍ كبيرةٍ، ولم يكن أغلبنا يعرف هذه الشخصيات، وكان الإمام الشهيد حسن البنا لا يذكر أسماء هذه الشخصيات الكبيرة، خاصةً التي تتولَّى مراكز حساسة في الدولة لحكمةٍ يراها، وكان الأستاذ الهضيبي أحد هذه الشخصيات غير المعروفة لدى الإخوان.
عندما عُرض عليَّ أمر اختيار الأستاذ الهضيبي توقفت قليلاً وقلت:
- "إنني لا أعرفه حتى أبايعه.. لا بد أن أعرفه أولاً ثم أبايعه، وفعلاً تمت المعرفة، وتمَّت البيعة مني له، وإن كنت واحدًا من أواخر الإخوان الذين بايعوا الأستاذ الهضيبي، وقد علم الأستاذ الهضيبي بموقفي هذا، ووافق على ضرورة التعرف والتثبت من حقيقة الشخص الذي سيبايَع حتى تكون البيعة صحيحة".
- "أعتقد أن اختيار الأستاذ الهضيبي مرشدًا للإخوان في هذه الفترة كان من تدبير الله وحكمته ورحمته، فقد اختار الله الإمام حسن البنا ليضع الأساس ويربِّي جيلاً من الإخوان يُقيم صرح الجماعة على أكتافه، ثم اختار الله الأستاذ الهضيبي لهذه الفترة العصيبة لصلابته وثباته وحكمته واتزانه ونزاهته، ولو قدِّر أن يختار الإخوان شخصيةً أخرى لكانت الجماعة قد انتهت وعفا عليها الزمن.
- لقد كان الأستاذ الهضيبي رجلاً مؤمنًا غاية الإيمان، فلم يتزحزح عن الموقف الإسلامي قيد أنملة، وهذه أكبر نعمة أنعمها الله على الإخوان المسلمين أن مرشدهم قويٌّ وحازم وصُلب أمام الأحداث، لا يتضعضع ولا يلين ولا يضعُف، رحمه الله وتقبله في الصالحين.
- "عندما حدث الاعتقال الأول في يناير عام 1954م اعتقل نصف أعضاء مكتب الإرشاد مع الأستاذ الهضيبي، وبقي النصف الآخر لم يعتقَل، وكنت واحدًا منهم.. وكذلك لم يعتقَل الشهيد عبد القادر عودة، وسعى الشهيد عبد القادر عودة في الاتصال بجمال عبد الناصر للتعرف على أسباب الاعتقال، وحدَّد جمال عبد الناصر موعدًا للشهيد عبد القادر، وقال له: "أحضر معك أبو النصر".
- صاحبت الشهيد عبد القادر عودة في ذهابه للقاء جمال عبد الناصر باعتبار أنني "بلدياته"، وخرجنا من لقاء عبد الناصر ونحن على يقين من نقمة جمال عبد الناصر على الأستاذ الهضيبي ورغبته الشديدة في تغييره..
- قلت لجمال عبد الناصر:
- "تغيير المرشد أمرٌ مستحيلٌ؛ لأن المرشد ليس مرشدًا للإخوان المسلمين في مصر وحدها، ولكنه مرشد الإخوان المسلمين في العالم كله، وإذا تأكدنا أن مرشدَنا ليس أهلاً ليكون مرشدًا لنا فسوف نحل مشكلاتنا بأيدينا نحن، ولكننا على يقينٍ من أن الأستاذ الهضيبي رجلٌ طاهرٌ وعظيمٌ، وشخصية ليست بالسهولة التي تستطيع أن تغيِّرها؛ لأنه ليس رئيس مصلحة حكومية تستطيع أن تغيره بقرار تصدره".
- أنا سأحاكمه وأحاكم الإخوان.
- حاكم مَن تريد، لكن أن نترك الرجل ونتخلَّى عنه بدون وجه حق فلن يحدث هذا أبدًا؛ لأن الرجل نظيف ويسلك بنا المسلك الطيب، وسلوكه معكم أنتم أيضًا، وربما وصلتك معلوماتٌ غيرٌ دقيقة ولا تمثِّل الواقع، فتطلب منا أن نغيِّر المرشد، وإذا غيَّرنا المرشد تصبح الجماعة في يدك، نحن مستمسكون بالمرشد إلى أقصى مدى.
وقلت لعبد الناصر:
- إن أي اعتداء على المرشد لن نسكت عليه، وإذا أصيبت فيه شعرةٌ لن نسكت.. فابتسم عبد الناصر ابتسامته الصفراء المشهور بها، ثم أخذ يتحدث عن بعض الشخصيات الكبيرة في الجماعة ويجرحها، وكان يهدف من حديثه هذا إلى تشويه صورة هذه الشخصيات في أذهاننا بهدف التشكيك في الجماعة ذاتها.
- ثم قلت لعبد الناصر:
- الأفضل أن نتعاون معًا ونسير.
- لن نتعاون إلا إذا خلعتم الهضيبي.
- مستحيل أن نخلع المرشد، هل سيحُوْل المرشد بينك وبين تنفيذ مشاريعك؟! إننا يمكن أن نبحث عن صورة للتعاون، خصوصًا أن الإخوان قد أدوا واجبهم تجاه الحركة.
- يمكن أن تشكَّل لجنةٌ من ثلاثة، أنت تختارهم من أعضاء مكتب الإرشاد، بشرط أن يوافق عليهم المرشد، ويكون هؤلاء الثلاثة حلقةَ الاتصال بينك وبين الجماعة، وطبعًا المشاريع التي لا تتعارض مع الإسلام سوف يوافقون عليها، وتترك الإخوان يربُّون الأجيال الصاعدة من أبناء الشعب ويبشرون بالدعوة.
- أوافق على هذا الاقتراح ولكن بشرط إقالة المرشد.
- لماذا إقالة المرشد؟! هذا غير ممكن.. المرشد هو التاج الذي نضعه على رؤوسنا، والرجل لم يقل فيه أحدٌ شيئًا، إنك تتهم المرشد فما هو دليلك على هذا الاتهام؟!
- إن رجال السفارة البريطانية جلسوا يضحكون ويقولون إن الهضيبي بكرة يأتي للوزارة.
- ما لنا نحن ورجال السفارة.. وقولهم إن الهضيبي سيشكِّل الوزارة؟! نحن لسنا طلاب حكم.. نحن نريد أن نربي الشعب، وأن نرجعه إلى الالتزام بالإسلام، والشعب قادر على أن يختار حكامه، والحكم ليس بغيتنا".
- "في ذلك الوقت علمت أن بعض قادة الجيش أرادوا القيام بحركة ضد جمال عبد الناصر، ولكنَّ الأستاذ الهضيبي قال: "نحن لا نريد أن نساهم في إقامة مجزرة نتحمل فيها المسئولية، وكل أملنا أن يحفظ الله هذا البلد"، وكان الأستاذ المرشد يؤكد دائمًا على مسامع كل المحيطين به هذه العبارة: "أنا بريء من دم جمال عبد الناصر".
- وعن الأستاذ الهضيبي داخل السجن يقول السيد محمد حامد أبو النصر: التقيت به في ليمان طره بعد المحاكمات، فكان مثالاً رائعًا للثبات وعدم الاكتراث بالأحداث، وكان الإخوان يترسَّمون خطاه ويقتدون به في الكلام وتعففه عن طلب أي شيء من إدارة السجن، كان كالجبل الأشمِّ شامخًا عالي النفس مرفوع الرأس..
كان بعض الإخوان يطلبون منه أن يقول كذا أو أن يطلب كذا، لكنه كان يقول: "خلينا بعدين، نحن دخلنا السجن في سبيل الله، وعلينا أن نصبر ونتحمَّل كل ما نُصاب به في سبيل الله"، فكان مثلاً عاليًا لجميع الإخوان.
المراجع:
- حسن الهضيبي (حياته وآثاره) عبد الحليم الكناني.
- حسن الهضيبي الإمام الممتحن جابر رزق.
|
مساجلة بين الإمامين الراحلين : البنا والهضيبي
هذه مساجلة من طرائف المساجلات الفكرية، عقب فيها الأستاذ الهضيبي المستشار بمحكمة النقض على مقالة للإمام الشهيد حسن البنا، وردَّ عليه الإمام الشهيد موافقًا، ومبديًا إعجابه بفقه وثقافة المستشار الهضيبي وحسن فهمه للشريعة ومقاصدها، وتقديره لاهتمامه بهذا الموضوع الذي قلَّ مَن اهتم به من رجال القضاء في ذلك الوقت.. وهذا نص المساجلة:
من حسن الهضيبي إلى حسن البنا:
"حضرة صاحب الفضيلة المرشد العام الأخ الشيخ حسن البنا".. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
وبعد فقد قرأت اليوم 3 ديسمبر 1947 مقالكم الثاني:
- "ألا هل بلغت اللهم فاشهد"، وقد استوقفني منه عبارة جاءت في مقام الردِّ على اعتراض افترضتموه ممن يجهل حقيقة الإسلام وما فيه من مرونة في الأحكام تتسع لما يجد من الأحداث، ومؤدى هذه العبارة أن تاريخ التشريع الإسلامي يحدثنا أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- كان يفتي في الموسم القضية من القضايا برأي ثم تعرض عليه في الموسم التالي من العام القابل فيفتي برأي آخر، فيُقال له في ذلك، فيقول ذلك على ما علمنا وهذا على ما نعلم إلخ..".
كذا يحدثنا أن الشافعي- رضي الله عنه- وضع بالعراق مذهبه القديم، فلما تمصَّر وضع مذهبه الجديد نزولاً على حكم البيئة وتمشيًا مع مظاهر الحياة الجديدة من غير أن يخل ذلك بسلامةِ التطبيقِ على مقتضى القواعدِ الإسلاميةِ الكلية.. إلخ.
وقد يتوهم متوهمٌ في هذه العبارة أن عمر والشافعي رضي الله عنهما أخضعا حكم الدين لأحكام الزمان، ومعاذ الله أن يكون الأمر كذلك، فإن أحداث الزمان يجب أن تخضع لكتاب الله وسنة رسوله، مهما تراءى للناس أن الدنيا لا تحتمل هذا الإخضاع، فالدين هو السنة التي وضعها الله للناس، كما وضع السنن الكونية الأخرى للشمس والقمر والحيوان والنبات، وكل ما في السماء وما في الأرض وما عليها.
وفي ظني أن عمر لم يغيِّر فتواه نزولاً على حكم الحوادث، بل لأنه ازداد بصرًا بحكم الدين في المسألة، لذلك قال، ذاك على ما علمنا وهذا على ما نعلم، كما أظن من استقراء سابق لي بسبب تغير رأي الشافعي بين قديمه وحديثه أنه حين جاء إلى مصر سمع من رواة الحديث بمساجد الفسطاط ما لم يكن قد سمع بالعراق، فأقام عليه رأيه الجديد، وكان- رضي الله عنه- يقول إذا صحَّ الحديث عندي فهو رأيي.
هذا ولا منازعةَ في أن على المسلمين أن يجتهدوا في استنباط أحكام لم تكن من قبل لحوادثَ لم تكن من قبل، بل لكل مجتهد أن يستنبط ما يهديه الله له من أحكام الدين لجميع الحوادث جديدها وقديمها، وهذه هي المرونة التي جعلها الله من خصائص الدين الإسلامي، ولله الحمد والمنة.
فبودِّي أيها الأخ الكريم لو أعدتَ النظرَ في هذه الجملةِ بما يزيل الشبهةَ أو لعلي مخطئٌ وأنتم بذلك أعلم مني بلا ريب.
ولقد كنت أود أن أفضيَ إليكم بهذا الحديث في زيارةٍ لولا أن انحرافَ صحتي في الأسبوع الماضي لا زال منه بعض الأثر، وأسأل الله تعالى أن يعينكم وأن يهديَ أمةَ محمد إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، من المخلص: حسن الهضيبي.
تعقيب الإمام الشهيد حسن البنا:
وعقَّب فضيلة الإمام الشهيد على فضيلة الأستاذ حسن الهضيبي بما يأتي بالعدد رقم 488 من جريدة الإخوان المسلمين الصادرة بتاريخ 4 ديسمبر 1947 فقال:
- "أنا اشكر لحضرته هذه الغيرة على دين الله، والدقة الجميلة في البحث والتمحيص، وجميل جدًّا أن نرى من كبار رجال التقنين المصريين من يحمل مثل هذا القلب المؤمن والذهن الصافي المستنير، مع الدأب على الدرس والإلمام بكل أطراف الموضوع، فجزى الله الأستاذ حسن بك الهضيبي عن الدين والحق والعدالة خيرَ الجزاء وأكثرَ فينا من أمثالِه، وما ذكره في خطابه حقٌّ لا شكَّ فيه، والذي أردته بكلمتي هو الإشارة إ
|
|
|