مذكرات الشيخ كشك

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
قصة أيامي
مذكرات الشيخ كشك

المختار الإسلامي

أسسه حسين عاشور عام 1979

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد رب العالمين , وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن سيدنا ونبينا وعظيمنا وحبيبنا محمد رسول الله خاتم الأنبياء والمرسلين وبعد .. فإن الدهر مدرسة .. أساتذتها الأيام والليالي وعلى كل عاقل أن يكون بصيرا بزمانه !!

والأيام مطية ابن آدم , فهنيئا لمن استعمله في طاعة الله قال صلوات الله وسلامه عليه :" اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك , وصحتك قبل سقمك , وغناك قبل فقرك , وفراغك قبل شغلك, وحياتك قبل موتك ".

وقال صلى الله عليه :" لا تزول قدما عبد من بين يدي الله عزوجل حتى يسأل عن أربع : شبابك فيم أبليته ؟ وعمرك فيم أفنيته ؟ ومالك من أين اكتسبته ؟ وفيم أنفقته؟ وعملك ماذا صنعت فيه ؟ والكيس من دان نفسه , وعمل لما بعد الموت , والعاجز من اتبع نفسه هواها , وتمني على الله الأماني ".

وجل جلال الله إذ يقول :" ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون " وإذ يقول  : ( أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ) ؟!

فعلي أولي الأبصار أن يعتبروا ويعلموا أن الحياة ألم يخفيه أمل , وأمل يحققه عملا وعمل ينهيه أجل , وبعد ذلك يجزي كل امرئ بما فعل فما الإنسان في جيل إلا ذرة في فضاء وما الجيل في الزمان إلا لبنة في بناء وما الزمان إلا مقدمة محدودة لعالم البقاء !!

دقات قلب المرء قائلة له :

إن الحياة دقائق وثوان

فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها

فالذكر للإنسان عمر ثان

واصبر على نعم الحياة وبؤسها

نعم الحياة وبؤسها سيان

هذه قصة أيامي بحلوها ومرها , وضحكها وعبوسها وليلها ونهارها , أقدمها إلى الذين يريدون أن يأخذوا من الأيام عبرة فهي نصف قرن من الزمان كان فيها العرق والدموع , واليقظة والهجوع والحرية والسجون , عسي الله أن ينفع بها من أراد أن يأخذ من الأيام عبرة .

عبد الحميد كشك

قصة أيامي

أكتبها بما تيسر من التقدير , وتقدر من التيسير . وأمركز عناصرها الأساسية وأعنصر مراكزها الأصلية والله ولي التوفيق .

الإسم : عبد الحميد عبد العزيز محمد كشك .

المولد والنشأة

ولدت في العاشر من مارس 1933 في بلدة شبراخيت احدي مراكز محافظة البحيرة بجمهورية مصر العربية من أبوين ليسا من ذوي البسطة في المال , فالمال ظل زائل وعاربة مسترجعة , وكان ترتيبي الثالث بين ستة من الإخوة , ولدت سليما معافي ,من الأمراض وما إن بلغت السادسة من عمري حتي أصيبت عيناي برمد صديدي اختلفت بسببه إلى حلاق القرية , وما زلت أذكر وأمي تحملني غلى محل الحلاق حيث كان يعبث بمروده في عيني مما أدي إلى ضياع العين اليسري وبقيت اليمني وبها ضعف كأنها تشكو ضياع أختها , فظللت بها أصارع شدائد الحياة حيث ذهبت إلى جمعية تحفيظ القرآن الكريم لأعوض عن نور البصر بنور من كتاب الله الكريم, وكان والدي بعمل تاجرا في محل صغير , وأشهد أنه لم يكن من الذين يجدون ما ينفقون, بل كان ممن يلهث وراء الحصول على لقمة العيش بشق الأنفس حيث أعباء الحياة أثقل بها كاهله , وقد كان جدي لأبي من الذين يحفظون القرآن لأبناء البلدة وتربي علي يديه أناس تبوءوا مكانة كبيرة في علوم الإسلام ويوم مات جدي لم يترك درهما ولا دينارا , وإنما تك لنا تقوي الله , فكانت الأسرة المكونة من الوالدين وستة من الأولاد وجدة لأبي تعيس قانعة راضية سعيدة , إذ ليست السعادة في الانتشاء بالكئوس المترعة أو الاستمتاع بالغيد الأماليد , إنما السعادة في الرضي حيث يقول الصادق المعصوم صلي الله عليه وسلم :" ارض بما قسم الله لك تكن أغني الناس " كنا جميعا في مراحل التعليم مما ضاعف أعباء الحياة وتكاليفها حيث لم يكن أحد منا يستطيع أن يسعي لطلب الرزق .

وبعد أن حفظت القرآن في البلدة التحقت بمعهد الإسكندرية الديني , وكان لهذا المعهد ميزة حيث كان الطلاب يلجئون إلى مسكن على حساب الأزهر , وكان بين مبني الدراسة ومبني السكن مزرعة اكتست بثوب أخضر من الزرع النضير , وأذكر أن هذا المعهد كان به نخبة من الأساتذة العلماء أذكر منهم شيخين جليلين كان لهما أثر طيب في تكوين شخصيتي:

  • الأستاذ أحمد الكومي وهو عالم غزير المعرفة في الفقه والحديث والتفسير , وقفد عوضه الله عن نور البصر ذكاء القلب , وكان له موقف أذكره بالعرفان والشكر في تحويل مجري حياتي وسوف أعرض له في حينه .
  • والأستاذ محمد مصطفى جاد وكان له باع طويل , ومعرفة واسعة بعلوم العربية من النحو والصرف والأدب مما جعلني أعشق هذه العلوم وأهواها وكأنها بالنسبة لي الماء والضياء والهواء .

عندما كنت في السنة الثالثة الابتدائية وقد بلغت من العمر ستة عشر عاما لأنني التحقت بالمعهد بعد حفظ القرآن وكان عندي ما يقرب من ثلاثة عشر عاما .. أذكر بعدما أديت امتحان السنة الثالثة الابتدائية وعدت إلى بلدتي لقضاء عطلة الصيف جلست مع بعض الإخوة الزملاء بعد ما صلينا العصر وأخذنا بأطراف الأحاديث بيننا طرح أحدنا سؤالا قال فيه : من منكم يستطيع أن يلقي درسا على المصلين في أحد مساجد البلدة ؟ وجاءت الإجابة مني بأنني أستطيع ذلك بمشيئة الله تعالي : وكان ببلدنا ثلاثة مساجد : المسجد البحري , والمسجد " الوسطاني ", ومسجد الجمعية واخترت المسجد البحري لإلقاء أول موعظة, وحددت الزمان بعد صلاة الفجر , وسألت ربي أن يلهمني ما أقول , وصلينا الفجر وما أن سلم الإمام التسليمتين حتي انتفضت واقفا دون ما تردد وكسرت حاجز الخوف الذي كان بيني وبين مخاطبة الناس. لم يكن عندنا في المعهد الابتدائي من الزاد العلمي ما يمكننا من إرشاد الناس ووعظهم فقد كانت العلوم تدور بين النحو والصرف والفقه التاريخ والجغرافيا والقراءات السبع للقرآن الكريم , لذا وقفت أجول بخاطري في أى علم أتكلم وما أن ذكرت المقدمة التي اشتملت على البسملة والشهادتين حتى خطر بذهني هذا الحديث الجامع:" سبعة يظلهم الله تحت ظله" مع شئ من السيرة النبوية التي كنا ندرسها في السنتين الأولي والثانية من القسم الابتدائي .. واستغرقت الموعظة حوالي ثلث الساعة تلقيت بعدها التهاني الطيبة من المصلين , والتشجيع وعبارات الثناء والقبول , مما دفعني إلى الأمام فعكفت على قراءة التفسير لبعض الآيات , والشرح لبعض الأحاديث, وبعد أن كنت أعظ الناس في الفجر في المسجد البحري أضفت إلى ذلك درس العصر في المسجد " الوسطاني ", والشئ الذي لم أكن أتوقعها من الإخوة الزملاء أنهم سرعان ما ناصبوني العداء حسدا من عند أنفسهم , لكني استعنت بالله عليهم وتذكرت ما قاله العلامة ابن هشام في أول كتابه : قطر الندي :

إن يحسدوني فإن غير لائمهم

غر من الناس أهل الفضل قد حسدوا

فتم لى وهم ما بي وما بهم

ومات أكثرنا غيظا بما يجد

صعود المنابر

كان عبد الملك بن مروان يقول : إنما شيبنا صعود المنابر , ذلك لأن صبر مسئولية فخشية المنبر لا تحتمل التمثيل لأن الواقف على درجة إنما يتأسي بسيد الخلق وحبيب الحق .

كان عمي الشيخ عبد الفتاح كشك مأذون البلد يقوم بإلقاء خطبة الجمعة في الجامع " الوسطاني " وذات يوم وبعد ما بلغه أنني أقوم بإلقاء الدروس في المساجد كلفني إلقاء خطبة الجمعة في مسجده , وكان هذا المسجد أكبر مساجد البلدة ويضم نوعيات مختلفة من البشر :

ما بين تاجر وموظف , وصانع , واستعنت بالله , وصعدت المنبر لأول مرة ودار موضوعها حول محاربة الفساد الإداري في البلدة , وبدأت في الكلام عن تحريم الرشوة في نطاق قوله صلي الله عليه وسلم " لعن الله الراشي والمرتشي والرائش " وتناولت فيها ما يدور في المستشفي من إهمال للمرضي وسوء معاملتهم مما دفع مديرها إلى أن يتقدم بشكوي ضدي إلى مأمور المركز , وبدأت المتاعب عندما هاجت عقارب الحقد في قلوب الشانئين , لولا انتهاء العطلة الصيفية وبدء العام الدراسي , مما أسدل ستارا مؤقتا على تلك المآسي ودخلت العام الدراسي السنة الرابعة الابتدائية وهي شهادة . وأعلنت جمعية الشبان المسلمين عن مسابقة في القرآن الكريم حفظا وتجويدا .

وعكفت على قراءة القرآن العظيم ودراسة أحكامه ودخلت المسابقة . ثم أقبلت إجازة نصف العام وكنت قد شعرت بعيني اليمني تأخذ في الضعف وداخلني شعر رهيب بألم دفين وكأنني كنت أنظر من وراء الحجب لأستشف ماذا ينتظرني كمن يساق إلى الموت وهو ينظر , فحياتي حياة علم ومدارسة وحاسة البصر بعد حاسة السمع في تحصيل العلم فماذا أصنع لو فوجئت يوما بأنني في حاجة إلى من يأخذ بيدي بعد أن كنت حرا طليقا ؟ ثم ماذا أصنع عندما أكون في حاجة أمس إلى من يقرأ لى علوما أدخل بها الامتحان وأحرص بها على ترتيبي في النجاح , وكان طوال السنين السابقة الأول ؟ ثم إذا أصنع قبل هذا وبعده عندما أجدني رهين المحبسين " البيت والعمي " مقيد الحرية محدود الحركة ؟ وبينما علامات الاستفهام تتعاظم أمامي وتيدة كأنها الجبال الشوامخ إذ بوالدي يقطع على هذا الصمت الرهيب ببشري طيبة قال لي : إن جمعية الشبان المسلمين أرسلت بطريق التليفون أنك قد حصلت على جائزة قدرها خمسة جنهيات وكان لهذا النبأ وقع طيب على نفسي التي هامت عليها الهموم كأنها وكأنهن حمامة وصقور . ولكن سرعان ما انتشر الخبر في أنحاء بلدتنا وصارت الجنيهات الخمسة خمسمائة على ألسنة الناس , وتوقعت بعد ذلك أمرا : أن العين حق وأن الله أمرنا أن نستعيذ من شر حاسد إذا حسد .

هي الأيام لا تبقي عزيز

وساعات السرور بها قليلة

إذا نشر الضياء عليك نجم

وأشرق فارتقب يوما أقوله

وصحبني والدي إلى الإسكندرية ليصرف الجائزة مستعينا بها على بعض شدائد الأيام بعد ما عضه الدهر بنابه وأناخ عليه بكلكله .

كان والدي يعطيني كل شهر خمسة وأربعين قرشا بالإضافة إلى بعض الخبز والجبن الذي كنت أحمله إلى الإسكندرية .

ومرت الأيام سريعة وكلما انشق فجر وأضاء نهار ازدادت الظلمة في عيني وقبل الامتحان بشهر عدنا إلى بلدنا لنذاكر وقد أو شكت الدنيا أن تحكم حلقاتها من حولي وكأن أمشي بخطي سريعة إلى سجن العمي , ولما عزمت على الرحيل لأداء الامتحان كانت تراودني فكرة هزتني من الأعماق هزا عنيفا : هل إذا ذهبت لأداء الامتحان وحدي سأستطيع أن أعود من هنالك وحدي ؟ وتوكلت على الله وأديت امتحان الشهادة الابتدائية وما أن فرغت من أداء الامتحان حتي كنت إذا أخرجت يدي لم أكد أراها وإخواني من الطلبة لم يدركوا أنني كف بصري , ذلك لأنني كنت أتنقل في أماكن محدودة حفظتها أيام كنت بصيرا فكنت أتحسس الخطي بناء على عهد مضي . لكن الموقف الذي كنت منه في حرج هو أنني كيف أعود , وكيف أسافر وحدي ؟ هل أرسل إلى والدي ؟ ولكن كيف ؟ من الذي سيكتب لى الرسالة التي تخبره بحالي وأنا الذي لا أستطيع أن أكتب ؟! وأخيرا كان لابد أن أنصرف فقد أوشك الطلبة على الرحيل إلى بلادهم فهل سأظل وحدي ؟! وهداني الله إلى أن أقصد زميلا عهدت فيه طيبة القلب أمليت عليه خطابا بحجة أنني متعب لا أستطيع الكتابة وقد كنت كذلك , ووصلت الرسالة إلى والدي وعلى جناح السرعة رأيته يأتي مهرولا . كنت قابعا في ركن من أركان الغرفة كئيبا كاسف البال , قليل الرجاء و يعتصرني الجوع ويغتالني البؤس وقطع علىّ صمتي العميق صوت والدي يلقي عليّ السلام ومد يده مصافحا دون أن أراها , فأخطأت يدي الطريق إلى يده . وكان رحمه الله تعالي ذكيا سرعان ما أدرك أن في الأمر شيئا , وبنبرة حزينة قال لي : ماذا حدث ؟ وعلى سبيل السرعة قلت له : لقد أصبحت لا أري شيئا . فما كان منه إلا أن قال : لا تحزن , وسوف أعمل على علاجك حتى ولو بعت ثوبي هذا , وأخذني من يدي وتوجهنا إلى بلدنا وعقدت العزم على لزوم بيتي وألا أقابل أحدا . ورغم أن والدي قد ناءت بكاهله الأعباء وأثقلته الأرزاء , فالأولاد كثر , وجسده قد ضعف حيث أصيب بمرض صدري , إلا أنه أخذ يعمل على توفير شئ من المال للعلاج.

وذات يوم أخذني إلى بلد مجاور حيث هناك طبيب قد ذاع صيته . وكان نصرانيا وبعد توقيع الكشف على همس في أذن والدي بكلمات جعلته يفقد اتزانه , ولكنه أتبعها بقوله سأجري له عملية ولا يأس مع الحياة . وأخذني والدي عائدين إلى منزلنا. وعلى درج سلم العيادة أخذته إغماءة خفيفة فجلسنا حتي يفيق فأجري الله على لساني هذه الآية  : ( وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون )

فقال بصوت خفيض فيه رنة حزن عميق : اللهم أنزل علينا الصبر ورضّنا بما يرضيك. وعدت إلى البيت إلى أن أذن الله لنا بالرحيل للعلاج حيث ظللت عاما كاملا أتردد على عيادة هذا الطبيب الذي جعل من عيني حقلا للتجارب , وبحكم وجودي هذه المدة الطويلة تحت العلاج عرفت لماذا اشتهر هذا الطبيب . قد تصاب العين بما يسمي " الكاتراكت" أى المياه البيضاء , وهي لا تؤذي البصر لكن طبيب العيون لا يستطيع أن يجري الجراحة للعين إلا بعد أن تفقد الإبصار تماما وعندئذ يقال إن المياه قد استوت فيدخل المريض ومعه قائد يقوده , وبعد إجراء العملية وكشف الضمادات عنه يري أحسن مما كان يري من قبل , عندئذ يقول الناس إن هذا الطبيب قد أبرأ الأكمه فقد ذهب إليه فلان وفلان فأعاد البصر بعد فقده . أما ما أصبت به أنا فكان يسمي الجلوكوما " المياه الزرقاء " وهي أخطر ما تصاب به العيون إذ أنها تأكل البصر كما تأكل النار الحطب ودون جدوي رجعت كما أتيت . كل ذلك والأسرة في حالة بؤس فالموارد قد ضعفت وأعباء الحياة في ازدياد . وذات يوم نشرت احدي المجلات المصرية صورة لطبيب في القاهرة يجري عملية ترقيع للقرنية وقالت عنه كلاما يشعر القارئ بأنه " المسيح بن مريم " في القرن العشرين . والكذب يهدي إلى الفجور . والفجور يهدي إلى النار .

وهكذا عودتنا الصحافة التي تلهث وراء المادة والإثارة , والتي شعارها " أعذب الشعر أكذبه " وكما يقولون : إن الغريق يتشبث بالقشة . فقد عزمت على الذهاب إلى هذا الطبيب بالقاهرة ووقعنا الكشف. وقال بعد توقيع الكشف إنه يلزمه عملية بالعين اليسري ونسبة نجاحها خمسون في المائة.. ويلزمني خمسون جنيها تدفع قبل إجراء العملية . وكان للجنيه قيمة يومها في عام 1951 وعبثا حاولنا إقناعه بأن يأخذ نصف الأجر مقدما والنصف الآخر بعد إجراء العملية وقال باللفظ الصريح " نحن لا نبيع ترمس " . وقال لى والدي ما دمنا بالقاهرة فما ضرّ لو ذهبنا إلى مستشفي قصر العيني . وفي الصباح توجهنا إلى هناك ولكن وجدنا قلوبا ونفوسا خلت من الرحمة ليس للفقراء موضع قدم هناك !!

فعدنا أدراجنا لندبر المال الذي سنجري به العملية عند هذا الطبيب كانت شقيقتي الكبري تملك بعض الحلي فصممت على بيعه وكان عندنا مذياع بعناه ثم توجهنا إلى الطبيب وصمم على إجراء العملية وقت صلاة الجمعة – على الرغم من أنه مسلم , وعبثا حاولت أن أؤخرها إلى ما بعد الصلاة, ولكنه أصر وأجريت العملية ونمت على ظهري خمسة عشر يوما, وجاءت الساعة الرهيبة وهي ساعة حل الرباط وحل الرباط وحرك يده أمامي هل تري شيئا ؟ فأجبت بالنفي !! فرد في عصبية ونفى قائلا : إنك تري ولكنك تنكر , فأجبته: ولم الإنكار وأنا الذي أتمني أن أري ؟ وكما خدعت في الطبيب الأول خدعت في هذا حيث ظللت عاما أتردد على عيادته وقد أقمت في المسكن مع شقيقي الأكبر الذي كان طالبا بكلية الحقوق فقد استأجرنا غرفة في شقة في حي حدائق القبة , ولما أجد في العلاج فائدة قفلت راجعا إلى بلدي وقد انقطعت عن الدراسة حولين كاملين فماذا حدث ؟ تحركت الأحداث الجسام بسرعة عندما دخلت البيت عائدا من القاهرة وجدت جدار الغرفة التي كنا ننام بها قد سقط وأقيمت على أعمدة من خشب فبعث هذا في نفوسنا ألما عميقا , وانطويت عل نفسي وذات ليلة كنا نجلس جميعا فقال لى الوالد في صوت حنون : ما ضرّ لو واصلت التعليم وسأوصي عليك زملاءك أن يراعوك ؟ وثارت في نفسي ذكريات الألم !! من الذي سيأخذ بيدي ويقوم على خدمتي ويذاكر لى العلوم ؟! وتحركت علامات الاستفهام أمام ناظري كأنها ألأسنة اللهب لولا أن أطفأتها دموع غزار فأسدل الستار على هذا المشهد الكئيب!!

مرض الوالد

في أصيل ذات يوم من أيام شهر أغسطس كنت أجلس على إحدى درجات السلم أستقبل النسمات في حر الصيف غذ دخل الوالد قادما من المحل التجاري ولكنه دخل مسرعا حيث سمعته وقد ذرعه القئ فاستقاء ثم آوي إلى السرير فسمعت له أنينا كأنين من ذبح وحيدها في حجرها, وكنت أظن أنها سحابة صيف ما تلبث أن تنقشع ولكن كان في تقدير الله أمر قضاه وكانت المأساة التي ما زالت تحز في نفسي أننا لم تجد ثمن الدواء , ولمنجد القلوب التي تحمل مثقال ذرة من رحمة , إنما وجدنا قلوبا كالحجارة أو أشد قسوة ونفوسا لها أنياب ومخالب , والواقع أنني وجدت نفسي أمام هذه المأساة , ولا حول لى ولا قوة , وجدتني أغدو وأروح كالطير يمشي من الألم وهو مذبوح , فالأهل والأقرباء تنكروا لنا منذ ساءت أحوالنا المادية وهكذا الدنيا !!

إذ قل مالي فلا خل يصاحبني

وفي الزيادة كل الناس خلاني

كم من عدو لأجل المال صادقني

وكم من صديق لفقد المال عاداني

كنت ألازم والدي في مرضه فقد أقعدته شدة المرض كما أقعدني فقد البصر وكان إذا جن عليه الليل يشتد أساه وكأنه كان ينتظر الموت كل ليلة أو كأن الليل كان سفير الموت إليه !!

وفاة الوالد

في صبيحة يوم السبت السادس من سبتمبر 1952 ولأمر ما انتقل الوالد من حجرة داخلية إلى حجرة تطل على الطريق , وكانت الأم مشغولة في هذا اليوم بصناعة الخبز في فرن البيت و" يوم الخبيز"كما يسمونه ثقيل على نفسي , وكنت في هذا اليوم – أيام الطفولة – أغادر البيت فلا أعود إلا ليلا , وعاوتني أيام الطفولة في يوم لم أستطع فيه حراكا حيث كنت رهين المحبسين , كنت أجلس بجانب والدي ومرت جنازة في طريقها إلى المقابر وخلفها طبية صغار يبكون أباهم , كان ذلك في تمام العاشرة صباحا وإذا بوالدي يهمس في أذني قائلا : إنني عما قليل سألحق بهذا الميت ! قالها وقد ملك الإعياء عليه كله وكأنه كان يشعر بشبح الموت يرفرف من فوقه وقام لينام على السرير , وفي الساعة الثانية نادي على أخي الأصغر وكان يلعب حيث كان طفلا واستغاث به أن يذهب مسرعا إلى طبيب ليدركه ولكن كان ملك الموت أسرع من الطبيب إليه , وما زالت هذه الكلمة ترن في أذني وهو يقول لي : " أسأل الله أن يغفر لى " وسرعان ما غسل وكفن ووضع في سرير المنايا وودعته من البيت حيث سيق إلى مثواه الأخير وبانفضاض ليلة المأتم انفض الأهل والأصحاب !!

الواقع المر !!

لم يكن هناك بد من مواجهة الواقع فقد انهدم ذلك الجدار الذي كان يمثل في حياتي حاجزا منيعا ضد عوامل التعرية . وشعرت بالعواصف الهوج تثور من حولي وزمجرت الرياح القواصف تزعج حياتي . فقد حضر إلينا أحد الأقرباء بل هو في مقام الوالد إنه خالي وشقيق أمي الذي سلبها حقها في ميراث أبيها وقام بتوزيع الأدوار علينا : أشار على أخي الأكبر وكان يومها طالبا بالنسبة الثالثة من كلية الحقوق. أشار عليه أن يترك التعليم ويعمل كاتبا في احدي المحاكم . كما أشار علىّ وكنت يومها أحمل الشهادة الابتدائية الأزهرية . أشار علىّ أن أعمل مؤذنا في أحد المساجد مقابل ثلاثة جنيهات. كما أشار على أخي الذي يصغرني وكان يومها تلميذا في المدرسة الثانوية أن يعمل في محل البقالة الذي تركه والدي . وكان ذلك المحل يومها خاويا على عروشه فلم يبق فيه ما يسد الرمق وكأنه أصبح حزينا على موت صاحبه !! فالوفاء في الأشياء قد يكون أكثر منه في ابن آدم !!

مررت على المروءة وهي تبكي

فقلت : علام تنتحب الفتاة

فقالت : كيف لا أبكي وأهلي

جميعا دون خلق الله ماتوا

كما أشار على أصغرنا أن يلتحق بإحدى الصناعات ليتعلم ويأكل لقمة عيشه ولكن إرادة الله لا تتبع هوي أى إنسان , فإن في السماء مملكة استوي ربها على العرش :

(عبدي أنت تريد وأنا أريد ولا يكون إلا ما أريد . فإن سلمت لى فيما أريد . كفيتك ما تريد , وإن لم تسلم لي فيما أتعبتك فيما تريد ولا يكون إلا ما أريد ) .

كان العام الدراسي الجديد قد أوشك أن يبدأ , وفي خلوة بيني وبين شقيقي الأكبر أشار علىّ أن التحق بمعهد القاهرة الديني لأواصل مسيرة التعليم بالأزهر , على أن يقوم بتحويل أوراق من معهد الإسكندرية إلى هناك . وقد كان المعهد قد احتسب العامين اللذين انقطعت فيهما عن التعليم للعلاج – قد احتسبها رسوبا بحيث لم يبق لى سوي سنة استثنائية, إذا رسبت فيها كان المصير فصلا من التعليم لا بقبل شفاعة الشافعين . وتصورت نفسي كأني أشع قدمي على شفا جرف هار لو زلت لكانت الهاوية وما أدراك ما هي؟!.

وفي يوم من أيام أكتوبر 1952 وقبل أن تبرز الغزالة من خدرها وتطل علينا بقرنها والناس ما زالوا في بيوتهم, اصطحبني شقيقي إلى القطار , وخرجت من بلدي أتسلل تسلل القطا مستخفيا أتجنب أسئلة الفضولين , وما أكثرها ! وما أسوأ وقعها على النفس التي تناوشتها السهام من كل جانب ومزقتها رياح الشدائد من كل اتجاه ! ووصلنا إلى مدينة دمنهور , وتنفست الصعداء فقد جاوزت حدود البلد . وركبنا القطار إلى القاهرة حيث كان شقيقي قد استأجر غرفة يقيم بها وهو طالب . وأخذ يسعي جديا في تحويل أوراقي قبل أن ينفرط عقد الأيام فتضيع السنة الاستثنائية, وكما أن المصغر لا يصغر كذلك لا استثناء في الاستثناء .

ولن أنسي موقف هذا الشيخ الجليل : الشيخ سيد الجراحي الذي كان يعمل أستاذا في كلية الشريعة , والذي كانت تربطه بوالدي صداقة , حيث كانا رفيقين في كتاب البلدة فإن الناس لما تنكروا لنا , بل وتنكر لنا الأهل والأقرباء ظل هذا الشيخ وفيا , فقد سعي سعيا حثيثا, حتى قدم الأوراق إلى معهد القاهرة وإن كان ذلك قد تم بعد أن انصرم نصف العام الدراسي ولكن كان لابد مما ليس منه بد , فكان لزاما على أن أحرص على الحضور خاصة وأن فغي السنة الأولي الثانوية علوما لم نكن قد درسناها في القسم الابتدائي مثل الحديث الشريف والبلاغة والمنطق والعروض فكيف أقرؤها من غير أن أفهمها ؟

بين المسكن والمعهد

كانت الغرفة التي أقطنها أنا وشقيقي في حي شبين بدير الملاك وكان المعهد الذي اختلف إليه بحي الدراسة بالقرب من الأزهر وكان ذلك يمثل عبثا ثقيلا علي نفسي ويكلف أخي الكبير من وقته وجهده. فكنا نركب من دير الملاك وننزل بالعتبة ثم نقطع شارع الأزهر والسير فيه صعب لازدحامه وطوله. وكنا نقطعه مشيا على الاقدام. فأصل إلى قاعة الدرس وقد بلغ الإعياء مني مبلغه عندما أجمع أنفاسي المبعثرة ثم يأخذ أخي طريقه إلى كلية الحقوق بجامعة عين شمس على أن يعود إلى بالمعهد ليصحبني إلى المسكن وكثيرا ما كنت أنتظره بجامعة عين شمس على أن يعود إلى بالمعهد ليصحبني إلى المسكن وكثيرا ما كنت أنتظره طويلا حيث كان مرتبطا بمواعيد الدراسة وكم كان يحز في نفسي أن ينصرف الطلاب فرحين بانقضاء يوم ملئ بالعلوم. فرحين لأنهم ذاهبون إلى مساكنهم ليأخذوا نصيبهم من الراحة وأقف أنا وحدي تمر علىّ اللحظات كأنها سلسلة من الجبال , وتساورني الظنون وتشد الأوهام أذني : لماذا تأخر أخي ؟.. وهكذا إلى أن يقطع هذا السكون الرهيب صوت أخي يلقي على السلام فينزل سلامه على قلبي كما تنزل قطرات الندي على الزهة الظمأي فتزرع الطريق إيابا .

ورأيت بمشاعري أن أوفر بعض الراحة لأخي حتي يتمكن من مذاكرة دروسه فأشرت عليه أن يأخذ بيدي إلى الحافلة " الأتوبيس " ويتركني وحدي على أنزل محطة العتبة مستعينا بأحد الناس الذاهبين في طريق المعهد . واستعنت بالله فقد كنت أملك عزيمة صلبة أواجه بها شدائد الأيام إذا عصفت وخطوبها إذا ادلهمت فقد عزمت بعون من الله أن أواصل الطريق مهما تراكمت أمامي العقبات . فقد رأيته محفوفا بالأحراش الأشواك التي آوت إليها العقارب والحيات . إذ سلم السالك فيه من لدغة العقرب فقد لا يسلم من نهشه الثعبان .

مجئ الأم إلى القاهرة

كانت أمي تقيم بالبلدة مع بعض إخوتي , ورأينا أن نجتمع كلنا في القاهرة حتى يكون في ذلك نوع من الاستفزاز فجئنا ببقية الأسرة إلى القاهرة بعد ما استعنا بالله وبعنا المحل الذي كان يعمل فيه أبي كما بعنا بعض الضروريات التي أردنا أن ننفق من ثمنها ولكن سرعان ما نفذ ذلك المال القليل أمام مطارق الأيام الشديدة التي انهالت فوق رءوسنا مما اضطر أخي إلى أن يذهب إلى أحد الأقرباء , وكان يملك المال الكثير . وكان يملك ثمانين فدانا من الأرض الجيدة, وما أن علم ذلك الثري بمقدم أخي حتى ولي هاربا مختبئأ, فكلم أخي زوجة ذلك الثري وكانت على صلة القرابة بنا , وأنه جاء ليقترض ثلاثين جنيها ويضع أوراق البيت الذي كنا نملكه في بلدنا تحت يدي ذلك الثري ليكون في ذلك استيثاق برد الدين . ولكن جاء ذلك كله دون جدوى . عجيب أمر هذه الدنيا , إذا أقبلت على أحد خلعت عليه محاسن غيره فإذا أعرضت عنه سلبته محاسن نفسه !!

وعاد أخي إلى القاهرة والحزن يعتصره فقد عاد بخفي حنين وباتت الأسرة حزينة كئيبة كاسفة البال , فبعنا ما تبقي من الأثاث, ولم نجد بدأ من أن نبيع البيت الذي ورثناه عن أبينا وعرضناه للبيع وكانت المأساة بل الملهاة في موقف الناس منا : إذا عرض ثمن مشرف همس أهل الشر في آذان المشترين بأن لا يساوي هذا الثمن حتى بعناه بيع المضطر بثمن بخس دراهم معدودة وتلك طبيعة الناس إذا فقدوا المروءة والوفاة :

يمشي الفقير وكل شئ ضده

والناس تغلق دونه أبوابها

وتراه ممقوتا وليس بمذنب

ويري العداوة لا يري أسبابها

حتي الكلاب إذا رأت رجل

الغني حنت إليه وحركت أذنابها

وإذا رأت يوما فقيرا ماشيا

نبحت عليه وكشرت أنيابها

وهكذا حكموا على الأشياء حكما باطلا , فكل حسنة للفقير اعتبروها سيئة , كل سيئة للغني اعتبروها حسنة فالفقير إذا كان فصيح اللسان قالوا : إنه ثرثار كثير الكلام وإذا كان كريما قالوا : إنه مسرف متلاف , وإذا كان شجاعا في الحق قالوا : إنه متهور سفيه والغني إذا كان عيّي اللسان قالوا : إنه عاقل رزين وإذا كان بخيلا وإذا كان جبانا . قالوا : إنه حكيم راجح العقل .

وما أجمل ما قاله أحد الحكماء :

رأيت الناس قد مالوا

إلى من عنده مال

ومن لا عنده مال

فعنه الناس قد مالوا

رأيت الناس قد ذهبوا

إلى من عنده ذهب

ومن لا عنده ذهب

فعنه الناس قد ذهبوا

رأيت الناس منفضة

إلى من عنده فضة

ومن لا عنده فضة

فعنه الناس منفضة

لم يكن تحت أيدينا سوي ثمن هذا البيت الذي مثل الجولة الأخيرة في حياتنا المادية وكنا حريصين على ثمنه لا ننفق منه إلا في حدود الضرورة حرص السجين على طعامه . وقد صدق الصادق المعصوم حيث يقول :" لن يجهد الفقراء إلا ببخل الأغنياء " . وحيث يقول :" ليس منا من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم ".

وإذا تحول المجتمع إلى قوم يستحلبون الصخر , وقوم تتمرغ النعمة في أعتابهم ويشتهون إلا أن يدوسوها بأقدامهم , تهب عليهم النسمات معطرة بالأريج . وغيرهم يلفحهم قيظ الهواجر من فيح جهنم . يوم يصير المجتمع هكذا فقد حق فيه قول الله تعالي : ( فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة . فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد ) . وحق قوله جل شأنه ( وما كنا مهلكي القري إلا وأهلها ظالمون ) وقوله جل جلاله : ( وما كان ربك ليهلك القري بظلم وأهلها مصلحون ) .

على أبواب الامتحان

ذكرت فيما سبق أن هذا العام الدراسي كان عاما استثنائيا .. الرسوب فيه يؤدي إلى فصلي من المعهد . وكان عاما مليئا بالمشاكل مفعما بالأحداث الأليمة . وقد فاتني شطره لكني بيقيني في الله وثقتي به قد عزمت على أن أخوض غمار هذه الشدائد حتي يقضي الله أمرا كان مفعولا. وجرت عادة الطلاب أن ينصرفوا قبل الامتحان بشهرين . يتفرغون فيهما استعدادا لدخول الامتحان , وهنا لاحت أمامي أسئلة وعلامات استفهام كان لها وقع السهام على نفسي : من الذي سيذاكر لى هذه العلوم التي فاتتني ؟ وإذا لم أجد من يذاكر لى فبأي شئ أدخل الامتحان ؟. وكنت أحمل ذاكراتي أكثر مما تحتمل إذ كنت أحرص على أن أظل ذاكر لما يلقيه على الأساتذة في قاعات الدرس حتي لا أنساه فأحتاج إلى من يقرؤه لي . ورأيت من الحكمة أن أتفق مع أحد الطلبة لنذاكر سويا , والاتفاق ع أحد الطلبة يمثل مشكلة يعانيها المكفوفون فليس ذلك بالأمر السهل إذ أن الذين يعملون الخير ابتغاء مرضاة الله قليلون . فما الذي يدفع البصري إلى أن يذاكر للكفيف إلا أن المنفعة المتبادلة بينهما فالكفيف , وقد عوضه الله عن نور البصر ذكاء القلب . حريص غالبا على حضور الدراسة , مواظب على السماع من شفاه المدرسين . وتلك جوانب قد تفوت الطالب المبصر , فيجد في مذاكرته مع الكفيف ما فاته . مهم يكن من شئ فقد اتفقت مع أحد الطلبة على المذاكرة معا واتفقنا على ذلك وظننت أنني قد اجتزت هذه العقبة وما أدراك ما العقبة ؟ لقد ظل على عهده معي خمسة أيام بعدها افتقدته فلم أجده . وكنت لا أ‘رف عنوانا فقد ان يأتيني لتذهب سويا إلى أحد المساجد إذ ضيق المسكن لا يسمح لنا بالمذاكرة فيه . وبارك الله في بيته , فقد كانت وما زالت مهابط الرحمة ومنازل السكينة ومساكن الملائكة. في رحابها تعقد مجالس العلم والذكر فتغشاهم الرحمة وتحفهم الملائكة وتتنزل عليهم السكينة ويذكرهم الله فيمن عنده ( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه . يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ) .

مفاجأة !!

فوجئت بعد خمسة أيام من مذاكرتي مع هذا الصديق بانقطاعه وقلت : لعله أمر عارض يعود بعده فنواصل ما بدأناه فإن الأمر جد وما هو بالهزل . ولكن مرت الأيام . واقتربت ساعة الامتحان دون أن يذاكر لى أحد , ولم يعد ذلك المرافق إلا أنني فوجئت منه برسالة يقول فيها : لقد سافرت إلى أهلي لأذاكر هناك , وجاءت الرسالة متأخرة مما يدل لى أن هناك ناسا لا يحترمون شعور الآخرين ولا يحسون بإحساساتهم ولا يقيمون للمسئولية وزنا . وهؤلاء ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ,أخذت حلقات السلسلة تضيق وكأني بقول أحد الحكماء :

رماني الدهر بالأرزاء حتى

فؤادي في غشاء من نبالي

فكنت إذا أصابتني سهام

تكسرت النصال على النصال

وقول آخر :

هامت على نفسي الهموم كأنها

وكأنهن فريسة وصقور

ياليل أين النور إني تائه

هل تنقض أم ليس بعدك نور

إن الفرج مع الضيق !!

صدقت يا ربنا فإن مع العسر يسر ا . إن مع العسر يسرا . نعم لن يغلب عسر يسرين وبيان ذلك أن اليسر جاء في الآية منكرا والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولي والعسر جاء معرفا بأل والمعرف إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولي . فلن يغلب عسر يسرين .

رأيتني أمام باب اللجنة وكان الامتحان للمكفوفين شفويا وكان في الغرفة لجنتان : إحداهما تشدد في الامتحان وتطوي رقاب الممتحنين ( بفتح الحاء ) كما يطوي البرق معصرات الغمام والأخرى سهلة ميسورة . فكان الطلبة يتحينون الفرصة التي تمكنهم من الامتحان أمام اللجنة التي ترفق وفوجئت بمن يأخذ بيدي فيجلسني أمام اللجنة المتشددة وحاول أخي أن يخلصي من يد هذا الذي أخذني حتي يذهب بي إلى اللجنة الأخرى . ولكن دون جدوى .

مرت أمامي أشباح رهيبة قبل أن أجلس أمام اللجنة فقد فوجئت بهذا الطالب الذي غدر بالعهد وتركني , فوجئت به يقول لى على باب اللجنة : إن رسبت فسوف أقوم بالمذاكرة لك حتي لو نجحت أنا وسبقتك . وأنا من الذين يتفاءلون بالكلمة الطيبة ولا أحب أن اسمع الكلمة التي تجرح المشاعر ويضيق صدري ولا ينطلق لساني إلا بقول :" إن الله معي " وقلت له : إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولي الصالحين .

كما مر بي شبح رهيب وأنا على وشك أن أتلقي سهام الأسئلة من اللجنة . قلت في نفسي : لو لم أوفق في الامتحان أما لجنة شديدة المراس فماذا يكون المصير ؟ وكيف يكون الحال أمام متاعب الأيام ومصاعبها؟. ولكن سرعان ما زال هذا الشيخ أمام قول رسول الله صلى الله عليه :" لا يقولن أحدكم لو كان كذا لكان كذا فإن لو تفتح عمل الشيطان ".

أمام اللجنة

يا صاحب الهم إن الهم منفرج

أبشر بخير فإن الفارج الله

اليأس يقطع أحيانا بصاحبه

لا تيأسن فإن الكافي الله

الله يحدث بعد العسر ميسرة

لا تجز عن فإن الصانع الله

إذا بليت فثق بالله وارض به

إن الذي يكشف البلوي هو الله

والله مالك غير الله من أحد

فحسبك الله في كل لك الله

جرت على لساني آيات ودعوات قبل أن أتلقي سهام الأسئلة سبقتها سمعتها في التشديد والصعوبة كنت أردد قوله تعالي :( وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا ) وقوله جل شأنه : ( رب اشرح لي صدري ويسر لى أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ). كما رددت هذا الدعاء المأثور : " يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث ".

وجلست أمام اللجنة ورأيتني وأنا جالس على مفترق الطرق فإما نجاح يفتح الباب أما مستقبل زاهر ترتوي فيه النفس بماء العارف وإما إخفاق يؤدي إلى سلسلة متصلة الحلقات من الشدائد لا يعلم إلا الله وحده مداها . وبينما تتقاذفني تلك الأمواج العاصفة إذ تنبهت على صوت أحد العضوين سألني عن اسمي . وقلت في نفسي إن هذا الصوت ليس غريبا علي ورجعت القهقري ثلاث سنوات وعلمت أنه صوت الأستاذ الفاضل الشيخ " أحمد الكومي " وهو رجل معروف بالعلم فهو ذو قدم راسخة فيه . ولن أكون مبالغا إذا ما قلت : إنه رجل يتفجر العلم من جوانبه . وكان قد سبق أن تتلمذت عليه في القسم الابتدائي بمعهد الإسكندرية , وجلست أمامه في لجان الامتحان , وبحق كان صوته وهو الرجل الكفيف , بمثابة الأمل الذي أضاء في ليل كموج البحر أرخي سدوله علىّ بأنواع الهموم . سألني الشيخ بصوت ملئ بالرحمة بأى العلوم تحب أن نبدأ الامتحان ؟. وفهمت من هذا السؤال أنه يريد أن أختار علما أكون فيه ليبعث في نفسي رباطة الجأش وفي قلبي برد اليقين وطلبت أن أبدأ بعلم النحو لأنني والحمد لله أحبه . بل هو يمثل في نفسي متعة عقلية فقد تتلمذت فيه على يد عالم فاضل جعلت منه قدوة طيبة لى هو الشيخ محمد مصطفى جاد , عليه سحائب الرحمة فقد كانا شابا عالما أنار الله قلبه بمعرفته , وانعكس ذلك النور من قلبه على وجه فكنت تعرف في وجهه نضرة النعيم نعيم التقوي .

ليس الجمال بأثواب تزيننا

إن الجمال جمال العلم والأدب

كان الرجل يؤدي عمله كرسالة بعيدا عن قيود الوظيفة . فكان لعام الدراسي إذا أوشك أن ينقضي دعانا إلى الحضور ليلا لنتلقي على يديه من الدروس الإضافية ما شاء الله أن نتلقي حتي يكمل لنا المنهج ونتصرف بعد الكمال والتمام هذا رجل والرجال قليل . وهذا القليل فيه الخير والنفع العظيم .

تعيرنا أنا قليل عديدنا

فقلت لها إن الكرام قليل

وما ضرنا أنا قليل وديينا

صحيح ودين الآخرين عليل

زارني محمد ابن الشيخ محمد مصطفى جاد وكان طالبا في كلية أصول الدين , زارني بجامع الملك وأنا إمام المسجد . وبعد أن عرفني بنفسه أخبرني أن والده قد توفي . وقد أوصاه أن يعودني فإذا ما اختلفوا في مسألة من المسائل ن يرجع إلىّ في الخلاف وسألته أن يحدثني عن شئ من حياة أبيه فإني أحب الصالحين واعلم أنه إذا ذكر الصالحون نزلت الرحمة . فقص علىّ مشهدا مهيبا : كان أبوه رحمه الله إذا فرغ من أداء واجبه ومن إلقاء الدروس بالمعهد انصرف لخدمة مسجد مجاور لبيته يقوم فيه بالإمامة وقراءة درس في التفسير والحديث والفقه . فإذا ما انصرف بعد صلاة العشاء قام بتنظيف المسجد بما في ذلك دورة المياه. وذات يوم وقف على سلم متنقل فسقط من فوق درجة وانكسرت ذراعه اليمني ووضع في الجبس وبات راضيا عن قضاء الله وقدره . فقضاء الله لا يقابل بغير التسليم وليس له عدة سوي الصبر الجميل . ولكنه وهو الراضي عن قضاء الله كان حزينا على كسر ذراعه حيث لم يتمكن من القيام بواجبه في تنظيف المسجد . ولكنه وهو الراضي الحزين ما أن غزا الكري عينيه حتى رأي في المنام رسول الله صلي الله عليه وسلم ورؤياه حق فقد أخبر:" من رآني في المنام فقد رآني حقا . فإني الشيطان لا يتمثل بي :" لقد مدّ الرسول يده إليه مصافحا وشدّ على ذراعه المكسور فقام من نومه وقد شفاه الله وعافاه . عكست شخصية هذا العالم انطباعا جياشا من حب العلم والاغتراف من حياضه مما جعلني أعتز به وبعلمه . فكان علم العربية حبيبا إلى نفسي .

مع الشيخ أحمد الكومي

بدأنا بعلم النحو والرجل لا يريد أن يعرفني بنفسه وكأنه لا يعرفني ولا أعرفه حتى لا يشعر العضو الآخر بذلك فيشدد على في أسئلته وأنا أعلم أن الشيخ أحمد الكومي رجل لماح الذكاء . وفي الإشارة ما يغني عن العبارة, وفي التلميح ما يغني عن التصريح . ودخلت نقاش عنيف مع العضو الآخر في مسألة من مسائل النحو تقول : كل ما جاز أن يعرب عطف بيان جاز أن يعرب بدلا إلا في مسألتين وتدخل الشيخ الكومي وهو يعلم أنني على حق . تدخل بصوت خفيض وخاطبني بقوله : إن فضيلة الأستاذ يريد أن يبصر بمسألة طال فيها الخلاف بين النحاة , فكن على بينة من ذلك . وعلمت أنه يريد أن ينهي هذا الجدال . ثم انتقلنا إلى المواد الأخرى وقلبناها على بساط البحث والأسئلة , وجاء موضوع الإنشاء وكنا على وشك الانتهاء من الامتحان فأراد الشيخ أن يعطيني إشارة أستدل بها على أنه يذكرني جديا ويعرفني فقال لى : صف لنا ذلك المنظر البديع عندما تشرق الشمس فتبدد غياهب الظلمات وينطلق الناس سعيا وراء لقمة العيش والأمل يملأ نفوسهم وقد بدد غياهب اليأس فقال العضو الآخر وكان شيخا ضريرا : إن هذا الموضوع يحتاج إلى إنسان مبصر وهذا الطالب كفيف . فقال له الشيخ : لقد كان مبصرا وكف بصره يعد سبعة عشر عاما , وأنا أعلم عن حياته الكثير وتحدثت في موضوع الإنشاء ما شاء الله لى أن أتحدث , وكان مسك الختام في الامتحان القرآن الكريم , وأراد الشيخ أن يعلمني بنتيجة الامتحان وذلك بسؤالي في القرآن الكريم بالآيات المبشرة. أراد أن يسلط أضواء الأمل على قلبي فقال لى : اقرأ من سورة الزمر : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ) وختم الأسئلة في القرآن الكريم بسورة الضحي ووقف بي عند قوله تعالي : ( ولسوف يعطيك ربك فترضي ) وانصرفت وقلبي يلهج بالرضا ولساني يردد الحمد لله . فقد كنت أشعر بنعمة لا تعادلها نعمة وهي أن الله تعالي سيجعلني من حماة الإسلام وحراس العقيدة .

ولرب نازلة يضيق بها الفتي

ذرعا وعند الله منها المخرج

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها

فرجت وكنت أظنها لا تفرج

إن يد الله تعمل في الخفاء فدعوها تعمل بطريقتها الخاصة , فليس لأحد أن يستعجلها أو يقترح عليها .

وإذا رميت من الزمان بشدة

وأصابك الأمر الأشق الأصعب

فاضرع لربك إنه أدني

لمن يدعوه من حبل الوريد وأقرب

سبحانه وتعالي عز كل ذليل وغني كل فقير وقوة كل ضعيف ومفزع كل ملهوف من تكلم سمع نطقه ومن سكت علم سره ومن عاش فعليه رزقه ومن مات فإليه منقلب .

لا تضيقن بالأمور فقد تكشف

غماؤها بدون احتيال

ربما تكره النفوس من الأمر

له فرجة كحل العقال

سبحانه لا ينقصه نائل ولا يشغله سائل واحد بلا عدد قائم بلا عمد , دائم بلا أمد .

دع المقادير تجري في أعنتها

ولا تبيتن إلا خالي البال

ما بين طرفة عين وانتباهتها

يغير الله من حال إلى حال

البحث عن صديق

استقبلت العطلة الصيفية ولم يكن لى صديق أو رفيق في وحدتي إلا كتاب الله أتلوه آناء الليل وأطراف النهار فهو كما يقول الإمام الشاطبي .

وخير جليس لا يمل حديثه

وترداده فيه تجملا

وحيث الفتي يرتاع في ظلماته

من القبر يلقاه سنا متهللا

فمن أراد مؤنسا فالله يكفيه ومن أراد حجة فالقرآن يكفيه ومن أراد الغني فالقناعة تكفيه ومن أراد واعظا فالموت يكفيه ومن لم يكفه شئ من هذا فإن النار تكفيه.

ظهرت النتيجة وجاءني شقيقي عبد الستار يحمل كشف الدرجات فرحا مسرورا فقد كانت النهايات الكبري في العلوم تزين الكشف كما تزين النجوم سماءها . وحمدت الله تعالي فقد كان الكشف بالنسبة إلىّ! ضوءا أخضر ينير لى الطريق ويضع معالمه على الجانبين مبشرا بمستقبل طيب كريم . لكن كان يعكر علىّ صفوي ما سأعانيه من عدم وجود رفيق يلازمني في غدوي ورواحي إلى المعهد , ويقرأ لى الدروس حتي تسير سفينة الحياة في جو معتدل فكان لابد من البحث عن صديق وفي يصدق الوعد أقيم معه في مسكن قريب من المعهد .

العام الجديد

نقضت العطلة الصيفية وأقبل العام الجديد وتحركت مواكب الأيام وكما قال القائل :

غدا سيصبح أمسي لا يعارضني

في ذاك حي وأمسي لن يصير غدي

فأيامنا خمسة : يوم مفقود , ويوم مورود, ويوم مشهود , ويوم موعود, ويوم ممدود , أما اليوم المفقود : فهو الذي مضي ولم يعود , وأما اليوم المورود : فهو اليوم الذي يناديك فجره : يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فاغتنم مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة . وأما اليوم المشهود : فهو اليوم الذي لا يعلم ما فيه إلا علام الغيوب فهو في خمسة أمور من الغيب لا يعلمهن إلا الله .

رأي الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه ملك الموت فسأله : كم بقي من عمري فأشار له الملك بأصابعه الخمس فقال له الإمام : أخمس سنوات أم شهور أم أيام ؟

ولكن الإمام استيقظ قبل أن يجيبه الملك فذهب إلى من يعبر له الرؤيا فقال له يا إمام : ما أراد الملك بها سنوات ولا شهورا ولا أيام إنما أراد أن يقول لك : إن سؤالك في خمسة أمور من الغيب لا يعلمهن إلا الله ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) .

واليوم الموعود : هو اليوم الذي يتم اللقاء فيه بين الروح وخالقها :

دقات قلب المرء قائلة له

إن الحياة دقائق وثوان

فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها

فالذكر للإنسان عمر ثان

واصبر على نعم الحياة وبؤسها

نعمي الحياة وبؤسها سياق

اليوم المدود : هو اليوم الذي لا يوم بعده ( يوم يقوم الناس لرب العالمين )

(يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفي على الله منهم شئ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار . اليوم تجزي كل نفس بما كسبت . لا ظلم اليوم . إن الله سريع الحساب )

النفس تبكي على الدنيا وقد علمت

أن السلامة ترك ما فيها

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها

إلا التي كان قبل الموت يبنيها

فإن بناها بخير طاب مسكنه

وإن بناها بشر خاب بانيها

أين الملوك التي كانت مسلطنة

حتى سقاها بكأس الموت ساقيها

أموالنا لذوي الميراث نجمعها

ودورنا لخراب الدهر نبنيها

هل من صديق؟!

بذلت الجهد الجهيد بحثا عن صديق نعيش سويا سعيا وراء طلب العلم ورزقني الله إنسانا قضيت معه أربع سنوات حتى حصلت على الشهادة الثانوية الأزهرية وكانت المرحلة الثانوية يومها خمس سنوات كان هذا الصديق هو الأخ محمد الطوخي , والحق أنه كان معي وفيا وبي حفيا فقد استأجرنا غرفة في أحد الأحياء القريبة من الأزهر في بيت أكل الزمان عليه وشرب وأناخ عليه الدهر بكلكله فقد كان عريقا في القدم قد كاد يهدمه النسيم وكادت تذروه الأعاصير وتراه من فرط الهزال تكاد تثقبه الخواطر .

كان هذا الطالب قد مات أبوه في صغره وكفله جده لأبيه وكما يقولون " وهبة للعلم وذات يوم زاره جده في تلك الغرفة التي كنا نقيم بها وسأله عني فقال له : إنه طالب أهل علم وأدب , فسر الرجل إذ وجد من يلزم حفيده في طلب العلم فأوصاه بي خيرا . كما أوصاه أن يأتي بي معه عند انتهاء العام الدراسي قبل الامتحان لنستذكر معا , ووقعت هذه الكلمة في نفسي موقع الماء البارد في فم الظمآن , فوجدت مكانا خاليا في القلب فتمكنت منه فضل تمكن . فقد كان في نفسي فراغ رهيب يحتاج إلى من يضع اللمسات الصادقة وذلك من حيث من يقوم معي باستذكار العلوم .

كثيرا ما كنت أعاني من فقد الصديق الصدوق .

فما كل من تهواه يهواك قلبه

ولا كل من صافيته لك قد صفا

إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة

فلا خير في ود يجئ تكلفا

ولا خير في خل يخون خليله

ويلقاه من بعد المودة بالجفا

وينكر عيشا قد تقادم عهده

ويظهر سرا كان بالأمس في خفا

سلام على الدنيا إذا لم يكن بها

صديق وفي يصدق الوعد منصفا

أوشك العام الدراسي أن ينقضي وقد أخذ الطلاب ينصرفون إلى بلادهم ليذاكروا الدروس استعدادا لدخول الامتحان وكنت في العام الماضي أعاني من هذه الأيام التي ينصرف فيها الطلاب فرحين مقبلين على الجد وتحصيل الدروس وأنا الحزين الذي أبحث عن صديق يلازمني في القراءة فلا أجد . لكني والحمد لله كما قال تعالي ( فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ) . لقد علمت أن هذا الأخ سيصحبني إلى بلده لنذاكر سويا ومن ثم فإنني سأدخل الامتحان وقد اتخذت له عدته فيصير خوفي أمنا وقلقي طمأنينة ( إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ) وأنا من الذين يتحملون شظف العيش وقسوة الحياة في سبيل العلم فمن أراد الدنيا فعليه بالعلم ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم . ومن أراد هما معا فعليه بالعلم .

العلم فيه حياة للنفوس كما

تحيا البلاد إذ ما مسها المطر

والعلم يجلوا العمي عن قلب صاحبه

كما يجلو سواد الظلمة القمر .

والعلماء ورثة الأنبياء في سبيل هذه المبادئ هانت علىّ شدائد الأيام . لم يكن سفري إلى بلد صديقي هينا على نفسي . ذلك والحق يقال أنني شديد الحساسية في منامي ويقظتي ومأكلي ومشربي وملبسي. فليس كل مأكل أقبل عليه متأدبا في ذلك بالحديث الشريف :" ما عاب رسول الله صلي الله عليه وسلم طعاما قط إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه " وفي منامي إذ أشعر عندها باختناق . أحب الماء لأنه يعطيني دفعة قوية . وقد صدق الله تعالي إذ يقول :( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهكم به ويذهب عنكم رجز الشيطان ) أحبه وضوءا واغتسالا, وأحبه شرابا باردا وأحب سماعه خيرا متدفقا . وقد جل جلاله الله إذ جعل من نعيم الجنة أنهارا تنوعت حسنا وجمالا ( مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفي )

فهل سأجد هناك حيث الإقامة التي ستستمر خمسة وأربعين يوما هل سأجد هناك ما أنشده من هذه المطالب وتستريح له نفسي ؟ لكن كل هذه التساؤلات قد زالت في سبيل الهدف الأعلي .

( ولئن صبرتم لهو خير للصابرين . واصبر وما صبرك إلا بالله )

ومن تكن العلياء همة نفسه

فكل الذي يلقاه فيها محبب

إذا أنا لم أعط المكارم حقها

فلا عزني خال ولا ضمني أب

وقال آخر :

وإذا كانت النفوس كبارا

تعبت في مرادها الأجسام

وقال ثالث :

لاستسهلن الصعب أو أدرك المني

فما انقادت الآمال إلا لصابر

وقال رابع :

لا تحسب المجد تمرا أنت آكله

لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر

حقيقة أن الله تعالي يعوض عن نور البصر ذكاء القلب . ولما كف بصر الإمام عبد الله بن عباس قال :

إن ذهب الله من عيني نورهما

ففي فؤادي وعقلي منهما نور

عقلي ذكي وقلبي ما حوي دخلا

وفي فمي صارم كالسيف مشهور

سافرنا إلى بلدة صديقي وكانت احدي قري محافظة القليوبية, وتمتاز قري القليوبية بحدائقها الغناء وأزهارها الفواحة الأريج وهوائها العليل ,وكانت القرية التي يقيم بها صديقي تسمي " كفر الجمال " وتشتهر بزراعة الذهب الأصفر بحدائق البرتقال فكنا نخرج في نسيم الفجر إلى تلك الحدائق ونفتح كتب العلم ونقرأ ما شاء الله لنا أن نقرأ , وقد أذن لنا أن نأكل من تلك الأثمار بين آونة وأخري .

وبين الأشجار قد نبتت خضروات نسميها نحن " بالسريس والجعضيض " فحولت الأرض إلى بساط سندسي أخضر أمامنا جداول الماء رقراقة وحولنا الهواء نظيفا نقيا غنيا بالأوكسجين , خرير الماء وحفيف الأشجار وتغريد الأطيار وأطايب الثمار وجني الجنان : كل هذه نعم أنعم الله بها علينا لا نستطيع أن نقوم لله بشكرها فالحمد لله على كل حال حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده .

وكان لهذا الصديق عم كريم الخلق , عندما انصرفنا إلى القاهرة لأداء الامتحان رأي الرجل أن يقدم لي هدية, فعبر عن ذوق رفيع فقد كانت هديته قطعة من القماش أعطاها لخياط القرية فصارت ثوبا جميلا خفيفا في حر الصيف ساعد مع ثوبي الذي كان يشكو ألم الوحدة كما أعطاني جنيها جديدا وكان الجنيه يومها ذا قيمة . كما كان لهذا الصديق جدة لأبيه كانت سيدة صالحة. كان لسانها دائما رطبا من ذكر الله عندما علمت بسفري زودتني بخيرات تشتهر بها القرية المصرية من خبز وزبد وجبن . وما من شك في أن المعني الكبير الذي اشتم