القصة الكاملة لاختيار المرشد السابع للإخوان
(24-01-2004)
مقدمة
- حصار دعوة (الإخوان) لا يليق بدولة عريقة مثل مصر.
- لسنا في صراع على السلطة، ولكن نتعاون من أجل الوطن.
- الوضع في فلسطين لا يقبله عاقل.. وعلى الجميع تحمُّل المسئولية.
- الغطرسة الأمريكية مصيرها الفناء المحتوم، وهذه سنة الله وحكم التاريخ.
- الزمان: الساعة الثانية عشرة ظهر الأربعاء الماضي 14/1/2004م
- المكان: مقر جماعة (الإخوان المسلمين) المتواضع في شارع الملك الصالح بمنيل الروضة بالقاهرة.
- الحدث: هو الإعلان عن تولي الأستاذ "محمد مهدي عاكف" مهمَّة المرشد العام للإخوان المسلمين.
- التفاصيل: أذَّن المؤذن لصلاة الظهر كالمعتاد، وقبيل أداء ركعتي السُّنَّة أعلن الأستاذ "محمد هلال"- المحامي وعضو مكتب الإرشاد والقائم بأعمال المرشد العام للإخوان المسلمين (84 عامًا)- عن دعوته لجميع الحضور في مقرِّ (الإخوان) ليستمعوا إليه، وفي ثوانٍ معدودة اكتمل الحضور، وتشابكت أياديهم في مشهد أخوي بديع.. الموظف، وعضو مكتب الإرشاد، والزائر، والصحفي.. الجميع في دائرة واحدة، وتلا الأستاذ "محمد هلال" ما يلي:
"﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200).. يعلن "محمد هلال"- القائم بأعمال المرشد العام- أن إجراءات انتخاب المرشد العام الجديد للإخوان المسلمين قد تمَّت وِفقًا لأحكام النظام الأساسي للجماعة، وذلك باستطلاع آراء المؤسسات المختصة، وتلقِّي آراء جميع (الإخوان) المسئولين، وقد اتَّفقت الآراءُ على اختيار فضيلة الأخ الأستاذ "محمد مهدي عاكف" مرشدًا عامًّا، خَلفًا لفضيلة الأستاذ المستشار "محمد المأمون الهضيبي"، تغمَّده الله بواسع رحمته..
والجماعة إذ تعلنُ ذلك، تدعو لفضيلة المرشد العام الجديد بالتوفيق، وأن يسدد الله خطاه، ويُلهمَه الصواب في خدمة الإسلام والمسلمين، والله أكبر ولله الحمد".
وعقب انتهاء إعلان الأستاذ "هلال" تعانَق الجميعُ في مشهدٍ مؤثرٍ؛ حيث شارك في هذا الجمع كل أعضاء مكتب الإرشاد وعدد من الصحفيين والزائرين والموظفين، وبدأ الحضور يصافحون الأستاذ "عاكف"، ويشدُّون على يديه، ويدعون له، ويعاهدونه على العمل من أجل نصرة دين الله والالتزام بمنهج (الإخوان المسلمين).
بعدها أقيمت الصلاة، وأمَّ المصلين فضيلةُ الشيخ "محمد عبد الله الخطيب"- العالِم الأزهريُّ المعروفُ، وعضوُ مكتب الإرشاد- وفي الركعة الرابعة دعا بدعاء القنوت أن ينصر الله الإسلام ويُعزَّ المسلمين، وأن يرفع اللهُ البلاءَ عن الأمة وخاصةً في فلسطين والعراق وأفغانستان، ودعا للمرشد السابق المستشار "الهضيبي" بالرحمة والمغفرة، وللمرشد الجديد وللدعوةِ بالتوفيق والسداد.
وعقِب صلاة الظهر بدأت الاتصالات من كافة وسائل الإعلام في مصر والخارج، وبعد دقائق من الصلاة أعلنت قناة (الجزيرة) الفضائية القَطَرية الخبرَ، وبدأت تتزاحم أمام المرشد الجديد مواعيدُ المقابلات الصحفيَّة والتليفزيونية والاتصالات الهاتفية.
(آفاق عربية) كانت حاضرةً في هذا اليوم التاريخي، الذي شَهِد أسرعَ إعلان للمرشد العام السابع في جوٍّ أخوي وحضاري رائع، اختفت فيه كل المزاعم والأباطيل عن الصراعات والخلافات في صفوف (الإخوان)، وبدأ نسيج (الإخوان) لُحمةً واحدةً تفيض بالحب والأخوَّة والصفاء، والعزم على بذل الجهد في اتجاه واحد فقط؛ وهو نصرة دين الله، والدفاع عن ثوابت الأمَّة في مواجهة المتربصين بها..
من هو المرشد الجديد؟ ما هي أهم أفكاره وأولوياته؟ كيف يرى الأمور والقضايا؟
هذا ما سوف نتناوله في هذا الحوار السريع مع فضيلته.
نص الحوار
- في البداية نُهنئُكم بثقة (الإخوان) في شخصكم، وندعو لكم بالتوفيق، ونسأل: كيف تمَّت إجراءات إعلان اختيار المرشد العام؟
- بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وبعد: فإنَّ مهمة المرشد العام مهمةٌ شاقةٌ، أسأل الله- بفضله ورحمته- أن يُعينني على الوفاء بحقِّها، وهو صاحب الأمر من قبل ومن بعد. لقد جاء اختياري على غير رغبةٍ منِّي، وتم هذا الاختيار بيُسرٍ وسهولةٍ، وهذا الأمر يرجع إلى فضل الله أولاً، ثم إحكام النُّظم واللوائح في جماعة (الإخوان المسلمين)..
- أبلَغوني في مكتب الإرشاد أنهم رشَّحوني لتولِّي المسئولية، ومن فضل الله أيضًا أن الجهة المنوط بها أن تصدِّق على هذا الترشيح، أو ترشيح غيري، كانت مجتمِعةً في اجتماعها الدوري العادي، فعُرِض عليها الموضوع وتمَّت مناقشته، وأبلَغَت مكتب الإرشاد يومَ الأربعاء الماضي بالموافقة على اختياري مرشدًا عامًّا، وكان المفروض أن يستغرق الأمر فترةً قد تصل إلى الشهرين، ولكنَّ الاجتماعَ الطبيعيَّ حسم الموضوع بسرعة، والحمد لله أولاً وأخيرًا.
(الإخوان) بخير
- ما هي أولوياتكم على المستوى الداخلي؟ نقصد داخل صف (الإخوان).. هل هي تربوية، أم إدارية وتنظيمية؟
- الحمد لله، (الإخوان المسلمون) بخير في الناحية التربوية، وفي الناحية التنظيمية أيضًا، وكل ما أرجوه أن يقدر كل أخ من (الإخوان) مسئوليته، ويعلم تمامًا أننا في حاجة إلى عملٍ دءوبٍ ليلاً ونهارًا، لا نَومَ فيه ولا تساهُل ولا ضعف؛ لأنَّ المسئوليةَ كبيرةٌ، ولأنَّ الأعداءَ على مستوىً كبيرٍ وضخمٍ من الحِقد والتآمُر، ويحاولون الانقضاض على شباب هذه الأمة، وإفراغهم من كل مقومات ومبادئ هذا الدين العظيم.
- فنحن مطالَبون إخوانيًّا- من أول المرشد العام وحتى آخر أخ في الصفِّ- بأن نقوم بدورنا ومسئوليتنا، وأن يُعد الأخ نفسه لأن يكون جُنديًّا صالحًا متميزًا لحمل هذه الرسالة، وتبليغها للناس.
- أنا أشعر أن الناس- كل الناس- أمانة في أعناقنا، فهؤلاء الذين يعانون ويقاسون ويتألمون.. أسأل الله أن يعيننا على أن نأخذ بأيديهم إلى عظمة هذا الدين وقيمه ومبادئه الربانية.
- هل ترى أن الجماعة الآن في حالِ تراجُعٍ وانحسارٍ؛ نتيجةً للضربات التي تتعرَّض لها، والضغوط المستمرة لنشاطها، أم أنها في حال تمدُّد وانتشار؟
- كل الدلائل والمؤشرات تؤكد أن جماعة (الإخوان المسلمين)- بفضل الله أولاً ثم بفضل جهود المخلصين- في تمدُّدٍ وانتشارٍ وتأثيرٍ واضحٍ في المجتمع، بالرغم مما ذكرت من تضييقٍ وحصارٍ واعتقالاتٍ وسجونٍ ومحاكماتٍ وطغيانٍ، حتى المرشد العام لا يستطيع أن يتحرك بحريته، إنه أمرٌ مؤلمٌ أن يشعر الإنسان بأنه محاصَر، وهذا لا يتناسب مع دولةٍ عريقةٍ لها دستورٌ راقٍ مثل مصر، فالدستور ينصُّ على أن الإسلام هو دينُ الدولة، وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، ولكن مع الأسف هل تتفق الممارسات الرسمية مع هذا الوضوح في الدستور؟ الشارع المصري- بكل أسف- لا يتمتع بما قرره الدستور.
الملف السياسي، لا الأمني!
- ما هي رؤيتكم للعلاقة مع السلطة؟ ولماذا تَحرِص على التعامل مع (الإخوان) من الزاوية الأمنية وليس السياسية؟
- هذا الموضوع طرحناه منذ فترات طويلة.. نعم قضيَّتنا سياسية، وليست أمنية.. الموضوع لدى القيادة السياسية، ونحن ندعوها إلى مراجعة موقفها منَّا، وأن تتعامل مع (الإخوان) باعتبارهم فصيلاً مصريًّا أصيلاً، له مكانته، وله إمكانياته في خدمة هذا الوطن وهذا المجتمع.
- عجيب جدًّا أن تستغني الحكومة عن مثل هذه القوة الضخمة الموجودة في مصر لتدعيم الدولة وتقويتها، المفروض أن تسعى السلطة لدعم الوجود الشعبي لها، فكيف تستغني عن هذا التيار العريض، الذي أثبتت كل الأحداث والمواقف أنه فصيل وطني جاد مخلص، يعي مصلحة الوطن والأمة جيدًا، ويعمل من أجل ذلك مهما كانت التبعات والعواقب؟!
- وأقول أيضًا: إننا لسنا في وقت صراع على السلطة، ولم نكن يومًا ما نسعى إلى ذلك، ولكن نحن نضع إمكاناتنا وجهودَنا في خدمة الوطن في وجه المؤامرات التي تحيط بنا من كل جانب.. نحن نسعى للحوار، وجميعُ المرشدين السابقين مدُّوا أيديَهم للحوار، وهذه سياسة ثابتة.. نريد حوارًا ندعَم به الوطنَ ونخدم به المجتمع.
ملف الحريات في مصر
- ملف الحريات- كما أعلنتم- على رأس اهتمامكم؛ كيف؟
- أنا مؤمن تمامًا بأنه إذا غابَت الحرية غابَ كلُّ شيء جيِّد.. مَن قال لك إن هناك إنتاجًا أو تنميةً أو تعليمًا أو اقتصادًا أو... إلخ- في مناخ القهر والكبت والتضييق- فهو مُخادِعٌ لا يقول الحقيقة.
- في ظل غياب الحرية يغيب التطور والنمو والإبداع في كافة المجالات، وإذا لم يستطِع كل مصري أن يشعُر بكرامته وحريته وحقه في اختيار من يريد- لِتولي المسئولية ولتمثيله في البرلمان- فلن يكون هناك أيُّ خَير.. كيف يزعُم البعض أن هناك برلمانًا حقيقيًّا يراقب الحكومة ويقدم التشريعات والقوانين، بينما أعضاؤه مطعونٌ في طريقةِ انتخابهم بأحكام قضائية واضحة؟! فالبرلمان مضطَّرب، والمفروض أن يتحقَّق للشعب حريةُ اختيارِ ممثِّليه، وأسأل اللهَ تَعالى أن يوفق المسئولين لتنفيذ هذا الأمر.
- ما انطباعُكُم عن (الإخوان) في الأقطار العربية والإسلامية المختلفة، من حيث الالتزامُ بمنهج الجماعة، والتحرك به في أقطارهم؟
- بفضل الله زُرت معظم هذه البلدان، ولي علاقاتٌ واسعةٌ مع معظم قيادات العمل الإسلامي من (الإخوان) ومن غير (الإخوان)، فالملتزم بمنهج (الإخوان) معروف، ويعمل وفق مبادئ الجماعة واختياراتها الفقهية وخُطتها وسياستها، وكل منهم في بلده يحاول أن يدعو إلى ما يؤمن به ويطبقه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، بالأسلوب الذي يراه في حدود الظروف والإمكانيات التي يعيش فيها، والحمد لله علاقتنا بكل القيادات الإسلامية على الساحة العالمية طيبة جدًّا، ولكن (الإخوان) لهم شروط في التعامل مع الحركات الإسلامية على الساحة:
- ثانيًا: أن تكون الشورى أصلاً من أصول المنهج التربوي والتنظيمي لها؛ لأننا نرى أن الشورى فرضٌ من فروض الإسلام وخُلقٌ من أخلاق المسلمين.
- ثالثًا: ألا تقومَ سياستُه على العنف.
الوضع في فلسطين
- الأوضاع في فلسطين ما زالت تسير من سيئ إلى أسوأ، في ظل عدوان الإرهابي "شارون" ودعم "بوش" وتخاذُل حكام العرب والمسلمين.. كيف ترَون الصورة؟ وما هي رؤيتكم للمستقبل؟
- الوضع في فلسطين بالفعل خطير جدًّا، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يقبل به عاقل، ناهيك عن أمة الإسلام والأحرار في العالم وإخواننا في فلسطين الحبيبة، أدعو الله لهم بكل خير، وأن يُثبتَهم ويُقويَهم وينصرَهم، وهم حُجَّةٌ على جميع المسلمين، ولكن هذا الوضع المُؤلم يستدعي منا نحن المسلمين- و(الإخوان المسلمون) في طليعة المسلمين- أن نكون على قدر المسئولية، وأن ندعمَهم بالمال والفِكر والدعاء، وأن نجعل القضية الفلسطينية هي الشغل الشاغل، وألا تغيبَ إطلاقًا عن عقولنا وأذهاننا وتصرفاتنا حتى يأذن الله- سبحانه وتعالى- لنا أن نشاركهم جهادهم.
نهاية الغطرسة الأمريكية
- الغطرسة الأمريكية فيما يتعلق بقضايا المنطقة عمومًا.. كيف ترون نتائجها؟
- وبالٌ عليهم- إن شاء الله- ولكن حتى يتحقق ذلك علينا ألا ننام، وأن نبذل ما في وُسعِنا لنُعلن حُجَّتنا ووِجهةَ نظرنا، وما نحمله من خير، وما يحملونه من شر، وأن نكشف ما يقومون به من جرائم.
- إن عدونا شرسٌ، ويملك السلاح والمال والإعلام، لكنه بلا قيم ولا أخلاق ولا قانون، ومفضوح فضحًا كاملاً، وعدوٌ هذا شأنُه مصيرُه إلى الفَنَاء المحتوم- إن شاء الله- هذه هي سنة الله في الأرض، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
- ما هي كلمتكم للإخوان خاصةً، وللأمة الإسلامية عامةً؟
- أقول لهم المثل الصعيدي: "لو كان عدوك نملة.. ما تنام له"!
- نحن مطالَبون بأن نكون على يقظة كاملة، فكل فرد منا على ثغرة، وعليه أن يؤدي واجبه فيها لله تعالى خالصًا مُخلصًا، وكل فرد منا عليه أن يكون حيثُ أمرَه الله، فلا قوة ولا مال ولا جاه يصرفه عن العمل لإرضاء الله عز وجل، والله- سبحانه وتعالى- قويٌ جبارٌ كما أنه رحيمٌ غفارٌ..
- نسأل الله- سبحانه وتعالى- العون والنصر المبين.. والنصر المبين أكاد أُحسُّه وأَلمَسُه؛ لأننا بفضلِ اللهِ نحملُ أسبابَه.
..........
- نقلاً عن جريدة أفاق عربية